الدراماتورج روبرتا ليفيتو: الجدران التقنية لا تهدد المسرح

أوان – منصورة الجمري

Roberta-Levitow

تبدي الدراماتورج ومدرسة المسرح روبرتا ليفيتو، وهي مؤسس مشارك لبرنامج المسرح التابع لمؤسسة صندانس الدولية، ومؤسس لمبادرة “مسرح بلا حدود” Theatre Without Borders، تفاؤلاً شديداً تجاه مستقبل المسرح، عالمياً، وهي لا تجد في فضاء الانترنت ووسائل التواصل الاجتماعي أي تهديد من أي نوع كان للمسرح وللحركة المسرحية عالمياً، لكنهما، كما تشير، تقدمان للمسرح مساحة أخرى يمكن أن تضم أشكالاً مدهشة من العروض المسرحية التي تقدم داخل ما وصفته بـهذه “الجدران التقنية”.

هكذا أجابتني روبرتا حين جادلتها حول مدى قدرة المسرح على الاحتفاظ بقوته وسلطته وجاذبيته في ظل سيطرة وسائل التواصل الاجتماعي على اهتمام الجماهير ومدى انشغالهم بها على مستوى عالمي، وبسبب تأثيرها “المفرق” والمضاد تماماً لما يفعه المسرح الذي يجمع الجمهور ويوحدهم مع ما يقدم لهم على خشبته.

روبرتا التي زارت البحرين أخيراً لتقدم عدد من ورش العمل المسرحية وذلك على هامش مهرجان الصواري المسرحي الدولي للشباب في نسخته الثانية عشر (1-10 سبتمبر/ أيلول 2018) ، أردفت مؤكدة بأن سلطة المسرح  “تذهب وتأتي” لكنها لا تزول، وأن الحال ظل كذلك عبر قرون عديدة ومنذ بدايات ظهور أول أشكال المسرح، موضحة “جوهر المسرح بقي على مر الوقت، وهو الذي يكمن في شكله الأولي حيث تحلق مجموعة من الأفراد في مكان واحد حول متحدث واحد ليتفرجوا على انعكاس ذواتهم”، لكن روبرتا توضح بأن الحالة المسرحية ليست مرهونة بتجمع الناس اليوم في مكان واحد”،  مردفة “تفرق التكنولوجيا الناس لكنها تجمعهم أيضاً في فضاء مختلف  قد يفرض أساليب مسرحية جديدة وأمزجة جديدة للتواصل المسرحي. ما الذي يقوله هذا الشخص وما الذي يشاهده هؤلاء الجمهور، هذا أمر يتغير وقد تغير بالفعل عبر الوقت”.

“رغم كل شيء سيظل شكل المسرح التقليدي موجوداً، ربما سيتغير مع الوقت لكنه لن يختفي” تضيف روبرتا.

وتستشهد روبرتا بما مر به المسرح مع بدايات ظهور السينما، إذ تقول “جاءت الأفلام إلى أميركا، وذهب الناس لمشاهدتها. وكان الجميع حينها يعتقدون أن المسرح انتهى ولكن مر كل هذا الوقت ولم ينتهي المسرح لكنه عاد بأشكال رائعة، بل وظل قاداً على اجتذاب الشباب للعمل فيه أو للتفرج عليه”.

تأتي زيارة روبرتا للبحرين ضمن واحدة من مبادرات مؤسسة صندانس الدولية، وهي المؤسسة المسئولة عن تنظيم مهرجان صندانس السينمائي الشهير، الذي يعتبر الحدث السنوي الرئيسي للمؤسسة. وتأتي تحت مظلة المؤسسة العديد من البرامج والمبادرات من بينها مبادرة برنامج المسرح  الموجه للعاملين في قطاع المسرح في جميع أنحاء العالم، وتعد منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إحدى وجهاتها، وهي مبادرة “لم تتلق أي طلبات مشاركة من البحرين أو الخليج” كما تشير روبرتا.

وتهدف هذه المبادرة إلى تطوير العاملين في المسرح من كتاب سيناريو ومخرجين وفنانين، وذلك عبر برنامج متكامل من الورش والبرامج التدريبية. وقد بدأت المؤسسة تنفيذ برامجها تلك أولا في منطقة شرق أفريقيا ثم انتقلت إلى شمال أفريقيا حيث جهزت مختبرين تدريبين في المغرب، ثم إلى منطقة الشرق الأوسط في لبنان ومصر والعراق. كما اهتمت المبادرة بالمسرحيين السوريين المقيمين في دول مثل ألمانيا والذين لم يكن بإمكانهم السفر إلى دول عربية أخرى، حيث تم عمل مختبر مسرحي في برلين.

  • تتحدثين في بعض مقالاتك عن قدرة المسرح على إحداث تغييرات كبيرة في المجتمع وعلى عمل نقلة نوعية في وعي الجمهور، وتؤكدين أن للمسرح دوراً هاماً في أوقات الأزمات المجتمعية. هل ينطبق هذا الأمر على المسرح اليوم، على الأقل في ظل التحدي التقني الذي تحدثنا عنه منذ قليل؟

هذا سؤال معقد لأن العالم كبير جداً، والأمور تتحرك بسرعات مختلفة في الأماكن المختلفة، لكن الأمر الذي ينطبق على العالم بأكمله هو أن الرغبة في رواية القصص ومشاركتها مع جمهور ما هو أمر عالمي، وهو أمر لن يتوقف لأنه متجذر في الطبيعية البشرية.

وتستدرك “رغم ذلك هناك تفاصيل مختلفة في كل سياق مجتمعي، وتتضمن هذه التفاصيل البنى التحيتة وعوامل أخرى مثل الميزانية المرصودة والأسلوب والبنى والسياق المسرحيين، وهذه أمور تتغير بسرعات مختلفة من مجتمع إلى آخر، وقد يكون تحولها أكثر راديكالية في بعض الأماكن عنها في أماكن أخرى. أحب دائماً أن أعتقد بأننا جميعاً، في جميع أنحاء العالم، يمكننا أن نساهم في دعم بعضنا الآخر مسرحياً. وهذه في الواقع أحد الأسباب التي تجعلني أحب شراكاتي وشبكات تعاوني كثيراً. جميعنا، في المجتمع العالمي الأكبر، يمكننا أن نساهم في خلق حالة الاتزان هذه، فقد تتوفر أمور معينة في مكان ما لكنها غير متطورة بشكل كاف في مكان آخر بحسب ما يطمح له الأفراد”.

EEVJ0807ثم تقول “حين أعود الى تاريخ المسرح، أجد تطورا كبيراً في أشكال التعبير المسرحي، بدءًا من الطقوس الجماعية وروايات القصصص أو إلقاء القصائد في الساحات العامة. حين يمثل هذا التاريخ أمامي،  أجد أن أشكال التعبير المسرحي تطورت كثيراً، وأن المسرحيين لم يعودوا مقيدين بأسلوب أو شكل مسرحي معين، أو حتى بمحتوى محدد، بل إنه يمكن للمسرح أن يكسر فكرة تواجد الممثلين والجمهور في مكان واحد بغرض الفرجة أو فكرة ما يجب أن يقدمه الفنان أو ما يفعله على المسرح. هناك مساحات مسرحية أخرى يمكن اكتشافها من قبل الفنانين وجمهورهم، وأنا متفائلة جدا وأتعامل بمرونه شديدة مع فكرة أننا، عالمياً سنتمكن من الانتقال لمساحات مسرحية جديدة رغم أن البعض يجدون صعوبة شديدة في تقبل هذا الأمر في الوقت الحاضر.

“هناك الكثير من المشروعات المسرحية الرائعة التي تم تنفيذها في أماكن مختلفة، فهناك مسرح الشارع الذي يقوم على فكرة أن العرض المسرحي يمكن له أن يجمع الغرباء في الشارع ليكتشفوا أمرا مذهلا معاً عبر عرض مسرحي. هذه العروض يمكن أن تقدم في المجمعات أو في وسط الساحات والشوارع. هذا أمر رائع، يؤكد فكرة وفلسفة هامتين تقف خلف هذه العروض، وهي فكرة المجتمع المسرحي، أين نجد مجتمعنا المسرحي وكيف نقدم عرضا مسرحياً يذكر أولئك الذين يعيشون بشكل منفصل، أنهم في الواقع مجتمع واحد. كيف ندهش جمهورنا، في المجمع أو في الشارع، وكيف نجعلهم يعيشون لحظات ساحرة ومثيرة”.

وتحمّل روبرتا مسئولية تقبل الجمهور لهذه العروض، إذ تشير “الأفكار كثيرة، لكن على الفنانين أن يقدموا عروضهم بطريقة تناسب مجتمعاتهم، وأن يجعلوا هذه العروض جذابة لمجتمهم المسرحي”.

  • بدأت عملك في الإخراج المسرحي في وقت لم تقتحم هذا المجال نساء كثيرات، لكنك واصلت حتى أصبحت إسما مسرحيا نسائيا هاما، كيف هو واقع المسرحيات في أميركا وفي العالم اليوم؟

منذ بداياتي أردت أن أكون مخرجة مسرحية، كنت أريد دوراً قياديا، وأن أنتج مسرحياتي. حينها كنت شابة في عشريناتي، ولم تكن  هناك غيري سوى إمرأتين أو ثلاث فقط ممن كن قد صنعن إسماً  كمخرجات مسرح في أميركا.

لقد قطعنا شوطاً طويلاً خلال الخمس وعشرين عاما الماضية، وبالنسبة لي فقد كونت نفسي مهنيا بشكل رائع وتمكنت من أن أنتقل من الاخراج لأن أصبح منتجة لأعمال مسرحية، ومن ثم لأن أشارك في تأسيس مبادرات مسرحية وشبكة مسرح عالمية.

عن رحلتها المهنية تلك تقول “لم أواجه أي مقاومة، وأشعر إنني محظوظة لأنني تمكنت من مواصلة طريقي رغم أنه لم يكن هناك سوى القليلات من النساء في هذا المجال حين بدأته. اليوم أعتقد أننا صنعنا نماذج للأخريات فتبعتنا الكثيرات، فأصبحن كاتبات ومخرجات ومنتجات ومديرات شركات مسرح وغير ذلك، إذ أصبح الأمر خيارا مطروحا أمامهن بعد أن لم يكن هذا الخيار متوفرا.

لقد تغيرت الأمور كثيرا، وأصبح هناك تحول دراماتيكي في الأمر، لكن رغم ذلك لا يزال أمامنا طريق طويل. بالتأكيد هناك الكثير مما يمكن عمله من أجل زيادة حجم المشاركة النسائية عالمياً، أو إحراز النساء للجوائز والتكريمات في هذا المجال وذلك للوصول الى أي شكل من أشكال المساواة. ولذا علينا أن نشجع الشابات على أن يواصلن الطريق ويحرزن المزيد من التقدم، وأن يكن دائما جزءًا من حل مشلكة نساء أخريات أو تشجيعهن”.

https://www.awanbh.com/single-

أخبار ثقافية مرفأ البحرين المالي يحتضن معرض «خطوط» للتشكيلي محمد طه

أوان – منصورة الجمري

 

تشكل الخطوط العمودية محور اشتغالات المعرض التشكيلي للفنان محمد طه، الذي يحتضنه بهو البرج الغربي لمرفأ البحرين المالي (المنامة)، حتى نهايات شهر سبتمبر الجاري، تحت عنوان «خطوط عمودية -Vertical Lines».

لعلها الخطوط العمودية التي تشكل أساس الإحدى وثلاثين لوحة ما جعلت هذا البهو، يشع طاقة وحيوية ويَمْلَأُ النفس أملا وبهجة. و ربما كانت هي الألوان الدافئة التي اختارها للوحاته والتي تدرجت بين الأحمر والبنفسجي والبرتقالي والأصفر البني ولون “التان”، وربما كانا معاً.

وأوضح الفنان التشكيلي، في حديث لـ «أوان»، إنه من خلال فلسفة الخطوط العمودية التي تستبطن حالات متعددة تجتمع و تتنافر في مضامينها مفردات كالقوة و صلابة الأمل ..الخ، كانت اشتغالاته في اللوحة، مؤكدا بأنها ستشكل مسار اشتغالاته كمبحث فني قد لا يعرف نهايته، وقد يختلف في الشكل و قد يكون مؤتلِفاً في آن،ليقدمه بأسلوب تجريدي حديث Modern Abstract  أو تجريدي Abstract.

من جانب آخر كشف الفنان لـ «أوان» بأنه يعتزم أن يقدم التراث البحريني من خلال هذا الاشتغال، مضيفاً قبل أن يريني عملا جديدا رسمه بعد المعرض بأيام، أطلق عليه إسم “الخيول العربية” موضحاً “لقد نفذت هذه اللوحة خلال أيام قليلة فقط”، مؤكداً بأنه سيحرص خلال معرضه المقبل الذي يفترض أن يطرحه بعد عامين من الآن، أن يقدم المزيد من اللوحات المشابهة لهذه اللوحة والتي يوثق من خلالها التراث البحريني بالتكنيك العمودي.

 

 

في أول أفلامه الروائية “على معزة وإبراهيم” المخرج شريف البنداري يغير صورة إبن الحارة المصرية ويرتقي بذائقة الجمهور

أوان – منصورة الجمري

علي_معزة_وإبراهيم

بتتبع فيلموغرافيا المخرج المصري الشاب شريف البنداري، يمكن بوضوح ملاحظة “انجذابه الشديد” لفكرة تقديم أفلام الطريق Road Movies  وذلك بدءا من فيلمه القصير “حظر تجول” الذي كان أحد الأفلام التي تضمنها فيلم “18 يوم” وصولا إلى فيلمه التوثيقي “في الطريق لوسط البلد” الذي ناقش فكرة مميزة تتمثل في تغير علاقة الأشخاص بالمكان، ثم فيلم “حار جاف صيفا” الذي تدور حوادثه بين عدة مدن مصرية، وانتهاءًا بفيلمه الروائي الطويل الأول “على معزة وإبراهيم” وهو موضع حديثنا في هذا المقال.

ومثل كل أفلام البنداري، فإن فيلم الطريق الطويل هذا، وأعني فيلم “علي معزة وإبراهيم” يبدو منذ الوهلة الأولى مختلفاً عن أي من الأفلام المصرية التي يمكن إدراجها تحت فئة أفلام الطريق، حتى عن تلك التي قدمت على يد مخرجين كبار وشكلت علامات مهمة في تاريخ صناعها أو في سيرة أبطالها من فنانين أو كتاب أو فنيين، نذكر منها على سبيل المثال، لا الحصر، فيلم “أربعة في مهمة رسمية” للمخرج علي عبدالخالق وفيلم “ليلة ساخنة” للمخرج عاطف الطيب. ولا أزعم أن فيلم البنداري أكثر تميزاً من تلك الأفلام،  لكن يمكنني الجزم بكل بساطة بأنه فيلم مختلف، طرحاً وأسلوباً، وروحاً قبل كل ذلك. ربما لكونه فيلماً فانتازياً على عكس ما اعتدناه من واقعية أفلام الطريق في السينما المصرية، والذي تتضح فانتازيته في عدة أمور وتفاصيل في الفيلم بدءا من الحب الذي يجمع بين علي ومعزته وإيمانه بقدراتها الخارقة ثم تفشي ذلك الإيمان والقناعة بين أهالي الحارة، وصولا لتوظيف إبراهيم (بطل الفيلم بعد علي ومعزته) لأصوات تملأ رأسه من أجل تعديل مسار بعض الأمور في عدد من مشاهد الفيلم.

بطل الفيلم هو علي “يقوم بدوره الفنان المسرحي علي صبحي” إبن الحارة الشعبية، البسيط في تفكيره العفوي في انسانيته، الذي يقع في حب معزة لأنه، بكل بساطة، يعتقد أنها منحت له من الله كتعويض عن خطيبته ندا التي فقدها بعد سقوطها من فتحة في أحد جسور القاهرة، ما يجعل منه سخرية وأضحوكة في الحارة، ويدفع بأمه لأخذه إلى معالج روحاني يقترح عليه القيام برحلة لرمي حصى مباركة في ثلاثة مسطحات مائية تقع في محافظات مصرية مختلفة.

لدى زيارته المعالج الروحاني، يلتقي بإبراهيم (يقوم بدوره أحمد مجدي) الذي يلجأ هو أيضا للمعالج ذاته بعد مرور بحالة إكتئاب تلازمه تتسبب فيها أصوات غامضة تملأ رأسه وتعوقه من مواصلة شئون حياته بل وتقوده إلى موت محتوم لاقته والدته قبله.

بطل الفيلم الثالث هي ندى، معزة علي وخطيبته، التي يؤمن علي إيمانًا تامًا بكراماتها التي لا تعد ولا تحصى، ما يجعل منه بداية أضحوكة لدى أهالي الحي، لكنهم جميعا ينتهون بالتسليم بتلك الكرامات مشاركين علي ذات القناعة حين تتبدل حوادث الفيلم ويحصل ما لم يكن في حسبان أي أحد.

ورضوخًا لضغوطات والدة علي، يقرر الأخير الاستجابة لنصيحة المعالج الروحاني واصطحاب ندا في رحلة عبر محافظات مصر لإلقاء حصى “لها قوة خاصة” في مسطحات مائية ثلاث اقترحها المعالج. ينضم إبراهيم لعلي، ويقرر البنداري توثيق تلك الرحلة الحافلة وأخذنا معه لنعيش تفاصيل  شيقة ومختلفة.

ولن تكون تلك الرحلة التي يقوم بها بطلا الفيلم هي ما يجعل من الفيلم فيلماً من أفلام الطريق، وحسب، لكننا منذ البداية نجد أنفسنا على الطريق، نلازم علي أولا، ونعيش معه تفاصيل يومه، هو وصديقه كاماتا (يقوم بدوره أسامة أبوالعطا)، ثم ننتقل إلى إبراهيم لنتعرف أيضا على حياته وسط الطريق، ونلازمه منذ طرده من مكان عمله حتى وصوله إلى منزله في ذات الحارة التي يعيش فيها علي الملقب بعلي معزة.

كذلك، فإن الفانتازيا في الفيلم ليست هي ما يجعله مختلفاً وحسب، لكننا سنجد عوامل أخرى عديدة بدءًا من القصة التي ستطرح بشكل لا يشبه ما هو سائد في معظم الأفلام المصرية، وصولا لحقيقة إن صانع الفيلم لم يلجأ أبداً لاستدرار عواطف جمهوره ولم يضمن فيلمه أي مشاهد تتضمن ابتزازًا عاطفيًا للجمهور، سواء في استعراضه لوضع علي العقلي والنفسي أو في تفصيله لحالة إبراهيم ومعاناته مع الأصوات التي تسكن رأسه والتي تسير به نحو نهاية محتومة.

في المقابل لا يجعل الفيلم من أبطاله أضحوكة، فهو ليس فيلما كوميديًا ينتزع الضحكات من مشاهديه على حساب وزن وثقل الشخصيات، لكنه بدلا من ذلك يجعل تلك الشخصيات الهامشية البسيطة العفوية تتخاطب بمنطق ينتج حوارات تتضمن كثيرا من الاسقاطات السياسية والمجتمعية، مستخدمين لغة تهكمية عالية. لن يسخر الفلم من علي ومن بساطته وخفة عقله، لكن البنداري يؤكد عبر مشاهد وحوارات عديدة تأتي على لسان علي، على أن هذه الشخصية ليست مغفلة أو معتوهة كما تبدو، ربما يكون علي ساذجًا نوعًا ما وبسيط العقل وعفويًا أكثر مما ينبغي لكنه بكل تأكيد … ليس غبياً.

وكما لن يستدر فيلم (علي معزة وابراهيم) عواطف المتفرجين، ولن يجعل من نفسه ومن أبطاله أضحوكة، فإنه في المقابل سيبهرنا بمواقفهم، ثم سيعود ليخفف درجة الانبهار تلك، حين تصدر من تلك الشخصيات مواقف تكسر انبهارنا بهم، فهم بشر عاديون في نهاية المطاف. البنداري سيجعلنا نقف من الشخصيات موقفاً محايداً، فعلي ليس مغفلا تماما وليس طيبا جدا، لذلك فما أن تبدأ في التعاطف معه حتى يقرر البنداري أن يجعلك تأخذ خطوتين إلى الوراء، تراجع فيها حساباتك من شخصيته وتترك بينك وبينها مسافة.

كذلك لم تكن نور وإسمها الآخر أو الحقيقي صباح (تقوم بدورها الفنانة ناهد السباعي) ضحية بالمعنى الحقيقي، وهي التي إلتقاها علي وصديقه كاماتا تصرخ في سيارة أجرة طالبة النجدة، أنقذاها معتقدين أنها ضحية حادث اختطاف بغرض الاغتصاب ليجدا بعدها أن الأمر لم يكن سوى حالة عدم اتفاق بين زبون و”فتاة ليل”.

لكن فيلم البنداري الذي يرفض السخرية من أبطاله، يتضمن في مقابل ذلك نبرة تهكم عالية، تبدو واضحة في جعل “المعزة ندى” بطلة فيلمه ونجمة تظهر في معظم المشاهد، وكذلك في تبني قناعة “علي” وإن بشكل تهكمي، في جعلها معزة غير عادية قادرة على التنبؤ بمواقع الخطر وحماية علي منها.

يأتي التهكم أيضا في تصوير الفيلم لبعض الشخصيات كشخصية الضابط التي تظهر في مشهد واحد في الفيلم والتي تبدو على درجة عالية من السادية (يؤدي دوره آسر ياسين). هذا الضابط الذي يصاب بنوبة سادية تجعله يوجه طعنات متتالية لبطن “دبدوب” ابتاعه علي لخطيبته ندى في عيد ميلادها، فيمزق أحشاء الدبدوب بحثًا عن مخدرات مزعومة، يغفل عن ملاحظة فتاة مختطفة تصرخ مستنجدة بالشرطة فيما يحاصرها أربعة شباب في وسط سيارة تمر مسرعة أمام نقطة التفتيش.

علي-معزة1

يختلف فيلم البنداري أيضا عن سواه من أفلام السينما المصرية في قدرته على جعل المتلقي (غير المصري على الأقل) يغير وجهة نظره من الشخصية التي تأتي من الحارة المصرية، على أقل تقدير، فهي ليست شخصية انتهازية لا تكترث للأخلاق والقيم. يخرج فيلم البنداري شخصية إبن الحارة المصرية الفقيرة من قالب نمطي لطالما ظلمتها السينما المصرية بوضعها فيه. تبرز هذه الشخصية في فيلم (علي معزة وابراهيم) في قالب جديد يمثله كاماتا، الذي لم يستغل حقيقة نور ولم يحاول استغلالها جسدياً بعد أن أنقذها لكنه يقرر اقناعها بالعودة إلى جادة الصواب ثم يتزوجها، رغم ما يفعله المخرج حين يوهمنا في أحد المشاهد بأن كاماتا قد تجاوز حدوده مع نور. بشكل عام يجعلك الفيلم تحترم جميع الشخصيات المعتادة في السنيما المصرية ويغير موقفك منها.

يغير الفيلم أيضا النظرة للفيلم الذي يسميه البعض فيلما مستقلا أو ذلك المصنوع بحرفية فنية عالية والذي لا يغازل شباك التذاكر، إذ يثبت أنه يمكن لهذه النوعية من الأفلام أن تأتي بنكهة تجارية فتجتذب الجمهور ليحبها، لكنها لا تنزل بذائقة ذلك الجمهور معتمدة مبرر ذلك النزول بقاعدة “الجمهور اللي عاوز كده”. في المقابل، لا يترفع الفيلم على الجمهور العادي، غير المتخصص، بحجة كونه فيلماً فنياً يلتزم بالقواعد السليمة لصناعة المادة السينمائية الراقية، مع الوضع بعين الاعتبار الاتهامات التي وجهت للفيلم من قبل بعض النقاد، والتي تتهمه بالترفع على جمهوره في جعل اسقاطاته غير واضحة.

_640x_3bdc598f739862b7eb188e65e84e46b69c69455ed0cb81d51b63d8f1976883ee

أخيرا، تمكن البنداري من تقديم فيلم راقياً بوصفة سينمائية تحترم جمهورها وترتقي بذائقتهم السينمائية. قدم الهم المصري بأسلوب فانتازي وبلغة تهكمية راقية، وعبر فيلم عفوي جدا مختلف جدا في طرحه وفي اسقاطاته وفي مباشرته ولا مباشرته وفي لغته السينمائية.

منصورة الجمري| العتب مرفوع… “الخطايا العشر”

منصورة الجمري| العتب مرفوع… “الخطايا العشر”
عاتبني البعض على ما ورد في عمودي المعنون بـ “موسم الفجاجة”، لما أسموه بـ”التعميم المجحف” في وصف “جميع” المسلسلات الرمضانية بالفجة مشيرين إلى بخسي بعض الأعمال حقها.

ربما لهم الحق، لم أوضح بأنني أتحدث عن العموم لا الكل، ولم أشر إلى أن العمل التلفزيوني لا يُحاكم كما الأعمال الفنية الأخرى، فقاعدة جمهوره أعم وأوسع، وعمليه إنتاجه أسرع ما ينتج عمقاً أقل في الطرح والتناول وإلى حد ما دقةً أقل في الصنع والإنتاج.

العتب مرفوع لكل ذلك، وأيضا لأن رؤيتي مبنية على خبرة طويلة مع المسلسلات الرمضانية، وعلى مسح سريع لأهم مسلسلات هذا العام، وأخيرا على محاولة اعتقدتها “دبلوماسية” لتجنب ذكر أسماء محددة وطرح شواهد بعينها.

بالتأكيد التعميم مرفوض، وواقعاً هناك من الأعمال ما يستحق التوقف عنده، من بينها، بحسب رأيي المسلسل البحريني “الخطايا العشر”، وهو مسلسل يستحق الكتابة عنه لكنني سأطلب رفع العتب من قبل منتجيه، على الأخص كاتبه حسين المهدي، لأنني سأتطرق لإيجابية كما لسلبية في عملهم هذا بحسب ما تسعني مساحة الكتابة.

متحمسة أنا للعمل منذ حضوري موقع تصويره ولمعرفتي بحرفية ومهارة مخرجه علي العلي ولكونه إنتاج بحريني يستعين بطاقم عمل معظمه من البحرينيين، ناهيك عن ابرازه لكثير من الوجوه البحرينية المميزة وتقديمها بشكل مختلف يظهر موهبتها الحقيقية.
المسلسل يعيد البحرين لساحة المنافسة الدرامية التلفزيونية عبر عمل تخصص له ميزانية لا بأس بها، ويقدم على يد فنان بخبرة قحطان القحطاني ومخرج بتميز العلي، وكاتب بوعي المهدي يقدم عملا يليق بنضجه وثقافته يخوض في موضوعات مختلفة لها اسقاطاتها المباشرة وغير المباشرة، ويقدم شخصيات ذات تركيبات نفسية معقدة لكنها تكشف عنف الواقع وقبحه.

لكنني أعتب على المهدي، عتب محب، للحوارات التي لم تأت مناسبة لعمق منطقه، ولعمق التجربة الحياتية لبعض شخصياته، ولحبكة العمل وللصراع القيمي الذي يتناوله.

عتبي عليه أيضا لسلبية شخصياته النسائية و”لا سويتهن”، حتى أقواهن تبدو هشة في حديثها ضعيفة لا تملك من أمرها شيئا، أو متغطرسة شديدة الغرور.

للمهدي أقول لم تنصف المرأة رغم روعة عملك، وللقحطاني والعلي أقول اختلافي مع رؤية المهدي حالة صحية تحرض على مزيد من المشاهدة لا العكس.
— Read on manamavoice.com/news/26040

“بِغَضّ الجرح”.. خلينا اصحاب

 

منذ أيام وصلني مقطع لنجم “السوشيال ميديا” أحمد شريف، عنوانه “شفيك هندي إنت!”، حسبته مقطعاً عنصرياً منتقصاً من الهنود. لكن شريف أفحمني حين انتقد العبارة أعلاه، وحين لم يسخر من الهنود، لكنه ضحك معهم، وشتان بين الحالين.

أكبرت هذا التوجه لدى شريف، وجدته إلى جانب خفة ظله وإبداعه، ذكيا في تبنيه لغة عصره سواء أكان ذلك مقصودا أم لا. واللغة التي أعني هي لغة الخطاب الحقوقي الذي يسود العالم إذ لم يعد مقبولا اليوم بأي حال وعبر أي وسيلة، تبني خطاب استعلائي، تحقيري، استخفافي يستهدف أي عرق، دين، طائفة، توجه، أو وجود إنساني. حتى منتهكي حقوق الإنسان لم يعودوا قادرين على تبني مثل هذا الخطاب، ولم يعد إنتهاك حرمة أي إنسان متاحاً على مستوى الخطاب الرسمي في أي مكان في العالم.

لم يعد هذا ممكنا في عصر السوشيال ميديا وما تتيحه من إمكانية التعرف على مختلف الثقافات الإنسانية الراقية ناهيك عن القوانين والأعراف الدولية، ما يعنى أن لا يكون مستغربا تبني شريف لهذا الخطاب وهو إبن هذا العصر المنفتح معلوماتيا.

لكن حالة الخدر التي أدخلني فيها مقطع شريف، سرعان ما تبددت بمقطع مغاير تماماً. مقطع من برنامج “منشن ٢” الذي تبثه فضائية البحرين، يفترض أن يكون كوميديا مضحكاً.

ومنذ بدايته كان واضحاً أن صناع “منشن2” لم يميزوا بين الكوميديا والاستهزاء بالآخر أو التنمر عليه، حين قاموا بالسخرية، بشكل انتقائي من بعض مكونات الشعب البحريني، وحين أعطوا الصلاحية لطرف ما أن يستهزأ بطرف آخر.

ننتظر من فضائية البحرين اشاعة خطاب راق، ليس صعبا تبنيه في عصرنا هذا، لا خطاب مستفز رجعي يعود بنا إلى الوراء وإلى خطابات سمجة مملة. نريد منها الدفع باتجاه الجمع لا التفريق. 

لم تعد الاستهانة بحرمة الاخر مقبولة على أي مستوى حتى لو جاءت بلسان كوميدي. نطمح لقناة ترتقي بخطاب البحرين الاعلامي الرسمي، وتحترم إنسانيتنا. وليسمح لي القراء ممن سخر منهم المقطع وأولئك الذين لم يطالهم هذا التنمر لكنهم يؤمنون بالخطاب المجتمعي الراقي، أن أقول نيابة عني وعنهم،  مستعيرة مقاطع عشوائية من قصيدة للشاعر عمرو حسن: “بِغَضّ الجرح”  خلينا إصحاب يا فضائية البحرين.

 

العالم … كما أراه!

لم يكن ألبرت أينشتاين رجل دين ولا سياسة، ولم يكن منظرا اجتماعيا أو نفسيا أو ما شابه، كان، كما نعرفه، عالم فيزياء وضع النظرية النسبية الخاصة والعامة وأسس الفيزياء النظرية الحديثة. ولم يدعي هو خلاف ذلك أبداً، بل إنه أكد مرارا وتكراراً بأنه رجل علم وليس سياسة. نعم، كان يهوديا متحمساً للفكرة الصهيونية، لكن حماسه ذاك تراجع بعد قيام الدولة اليهودية، فأطلق تصريحاته المعارضة بشدة لإنشائها، بل إنه رفض عرضاً لرئاستها، ونبه اليهود لمخاطر الهجرة الصهيونية كما دعاهم لعقد مواثيق شرف مع العرب.

ولعل ما لا يعرفه البعض، هو أن أينشتاين، قدم سلسلة مقالات تضم الكثير من الأفكار التي يمكن لها تأسيس مجتمع إنساني على مستو من الرقي والسمو، يتناسب مع أي فكرة دينية أو فلسفية عليا حول وجودنا على هذه الأرض.

أحد أشهر كتاباته كان مقالاً بعنوان “العالم كما أره”، تحدث فيه أينشتاين عن الغاية من وجودنا البشري، قال أننا لو تأملنا بعمق في كل تفاصيل إقامتنا المؤقتة على هذه الأرض، لوجدنا أننا مخلوقون… من أجل الآخرين، بدءًا من أولئك المقربين الذين نسعد إن تمكننا من تحقيق عيش رغيد لهم ومن زرع ابتسامة على وجوههم، وانتهاءًا بالآخرين الذين لا نعرفهم لكن ترتبط مصائرنا بمصائرهم… حين نتعاطف معهم، حين نشاركهم أحزانهم قبل أفراحهم، حين نكّون معهم مجتمعا بشريا متكافلا متعاضداً متحاباً.   

ويشير الكاتب بأن تحقيق ذلك هو في أصل وجودنا البشري، فجميعنا كما أشار، خلقنا نبلاء، مجبولون على الخير وعلى حبه للآخر وعلى التعاطف مع من يُحرمون الراحة والسعادة. ويرى أن انعدام تلك الروحية من نفوس البعض، تنتج سلوكاً “بهيمياً”، لا مبالياً بالآخر، وربما مؤذياً له، أومشاركاً، قابلاً، أو حتى صامتاً عن ذلك الإيذاء.

العالم كما يتمناه أينشتاين، عالم متعاضد متكافل، يعيش فيه بشر أسوياء، يؤمنون بمشاركة مصائرهم مع الآخرين، يعلمون أن أحد شروط تحقق إنسانيتهم هي أن يرفضوا أي تعاون في إرتكاب أي خطأ أو ذنب أو ظلم أو خبث أو شر يمس حق الآخرين.

 

ديل سبوونر… كم نحن وحيدون

في عام 2004، لم يشكل فيلم I, Robot  أكثر من كونه فيلم خيال علمي آخر من هوليود. أمتعنا بمشاهد معارك المحقق ديل سبوونر (ويل سميث) مع روبوتات تشبه البشر، تفكر مثلهم، وتحمل ذات الشرور التي يحملوها. خاض معها صراع سيطرة تحول لصراع بقاء. الروبوتات سيطرت على البشر، وتخلصت ممن تحدى سلطتها. خرجت الأمورعن نطاقها فأعادها سبوونر لطبيعتها وكبح جماحها.

لم تكن تلك فكرة عبثية من خيال كاتب، لكنه كان استشرافاً لواقع بتنا نعيشه اليوم، حيث تبدو الفكرة مجسدة أمامنا الآن، نعيشها، وحيث يبدو الفيلم واقعيا لا فيلم خيال علمي.  

الروبوتات التي حاصرت سبوونر في الفيلم هي ذاتها الأجهزة الذكية التي تحاصر حياتنا اليوم، ترافقنا على الدوام، وتتحول إلى مارد يقرر كيف نعيش، ومع من. مارد قادر على تقويض أحد أسس وجودنا الإنساني، ذلك المتمثل في قدرتنا على التواصل الحقيقي باستخدام.

أبالغ؟؟ حسنا.. كم حساباً تملك على وسائل التواصل الاجتماعي؟ كم ساعة تقضيها في التواصل يومياً عبر تلك الحسابات والأجهزة؟ ما الذي يمنحك إياه هذا التواصل؟

سهلت التكنولوجيا حياتنا، سرعت تواصلنا، جمعتنا، جعلت من عالمنا قرية صغيرة؟.  لكن كم عززت من مشاعر الوحدة لدينا، كم عزلتنا، أحبطتنا وخذلتنا، خدعتنا وجعلتنا نعيش وهم أبطال وفرسان استفقنا حين وجدناهم بشرا يشبهوننا، وربما أقل منا.

أتعرفون ما فعلته بنا التكنولوجيا حقاً؟ جعلتنا نحسن التحديق في شاشاتنا بشكل أفضل مما نحسن النظر إلى وجوه بعضنا أو الاستماع إلى أحدنا الآخر. علمتنا أن كل الأشياء قابلة للقص واللصق وأن رسالة شوقي أو قلقي أو حبي للآخر يمكن أن تُرسل إلى عشرات الأشخاص المتواجدين على “البرودكاست لست” والذين قد لا يعنون لنا سوى رقم أو “نيك نيم”.

كم نحن وحيدون. تملؤنا التكنولوجيا بوحدة موحشة قاتلة، تغرينا بمزيد من الالتصاق بها، لنصبح شبيهين بويل سميث أو بالروبوتات التي حاربها. من منكم يشعر بخطر هذه الوحدة المتعاظم ومن منكم يتوق لفارس شجاع يخوض حربا تشبه تلك التي خاضها ويل سميث في الفيلم.

 

معارك حب

لم أجد وصفا أفضل، من العنوان أعلاه، لتوضيح الحالة التي يعيشها أبطال مقالتي هذه على الدوام مع الأشياء. هؤلاء الذين نحبهم جميعا لكن عن بعد، نحب آثارهم فيما نكره وجودهم، نتغنى بشجاعتهم لكن نتبرأ من أفعالهم. نحاصرهم ننبذهم نعزلهم وربما أقمنا عليهم حدوداً ستأتي ضمن سياق “النهي عن المنكر”، كما نفهمه. 

سأسميهم “اللامنسجمين”، وستختلف مسمياتهم باختلاف نطاق لا انسجامهم، وبتباين الموقف منهم، فهم المنشقون، أو المتمردون، أو الخارجون عن الجماعة، أو المغردون خارج السرب، وربما…. الثوار.  

نرفضهم لأننا نعيش وسط ثقافة أساسها القبول بحالة الاستكانة والركود والاستسلام لأي فكرة سائدة، وإن عنى ذلك البقاء وسط مياه راكدة، والراكد هنا بمعنى الساكن الثابت، على اعتبار أن العيش ضمن ثقافة وفكر ومنهج حياتي واحد أوحد لا يتغير قيد أنملة عبر الدهور، هو الغاية المنشودة من وجودنا البشري وهو الخلافة التي نسعى لتحقيقها على وجه الأرض.  

واقعا، اللامنسجمون هم الحجر الذي يقلق حالة الركود والرضى “المفرغ” تلك والتي يعمل على ثبيتها الماسكون بزمام الأمور. اللامنسجمون هم المحفز على التغيير برفضهم حالة الثبات تلك، وبنزعاتهم “المكروهة” نحو الاستكشاف والتجريب وكسر القواعد المفضلة لدى الجميع بحجة العادة والموروث. على أيديهم ستأتي الاكتشافات العلمية والطبية والأنماط الفنية الجديدة والحركات الاجتماعية والتطويرات الاقتصادية والتغييرات السياسية والفهم الأفضل للدين.

هم الفنانون وهم القادة الثوار وهم واضعو النظريات وهم كل من يكسر الأنماط ويحارب موت النزعة البشرية والفطرة الانسانية الحقيقية بداخلنا، وهي الساعية للتغيير دوما والمحفزة على تحدي الأنماط الفكرية التي تأتي ضمن قاعدة “الله لا يغير علينا” و”الحشر مع الناس عيد” وإن عنى ذلك الرضا بكل أنواع الجمود الفكري، والانسجام المجتمعي “الميت المفرغ من أي وعي”.  

اللامنسجمون هم من يمتلكون القدرة الحقيقية على تغيير مجتمعاتهم وتطويرها، لأنهم هم وحدهم، القادرون على خوض المعارك التي أصفها بمعارك حب كونها تنطلق من رغبة حقيقية من هؤلاء الذين حملوا هموم مجتمعاتهم، ثم ارتفعوا بوعيهم وبحسهم الإنساني العالي للبحث عن حلول ستأتي من شجاعتهم في تجسيد المعنى الحقيقي للخلافة الإنسانية.  

 

عن الشعر.. والسلطة ومسئولية المثقف

يعتبر البعض الكتابة الثقافية كتابة كمالية يلجئ إليها الكتّاب هرباً من أجواء السياسة ومحاذيرها، على الأخص في أوقات الأزمات التي تعصف بالمجتمعات وتفرض حالة تخنق الكتّاب وتجعلهم يغردون على هامش القضايا والأحداث.  

مثل تلك التصورات تستحضر في ذهني خطاباً ألقاه الرئيس الأميركي الأسبق جون كيندي (1917 – 1963) قبيل اغتياله بثلاثة أسابيع. لم يكن خطابا سياسيا، لكنه كان واحداً من أقوى خطابات كينيدي وأكثرها تأثيراً، ألقاه خلال حفل اقامته احدى الجامعات الأميركية لتأبين الشاعر الأميركي الشهير روبرت فروست (1874 – 1963).  

في خطابه احتفى كينيدي بدور المثقفين والفنانين في المجتمع، قال بأنهم يؤدون دوراً لا يقل أثراً عن ذلك الذي يقوم به الساسة ورجال الحكم، فهم، القادرون على محاسبة السلطة وتحديد ما إذا كان رجال الحكم يستخدمون السلطة أم تستخدمهم.

وعرج كينيدي في خطابه على فروست الذي كان أول من اقترح عليه أن يجعل للثقافة والفنون دوراً أكثر قوة وحضوراً في حكومته. قال بأن الشاعر الشهير وجد في الشعر وسيلة لإنقاذ أي سلطة من نفسها فهو  يذكر القائمين على السلطات بحدودهم البشرية إن أخذهم الغرور بنفوذهم، ويلفت نظرهم لثراء وتشعب الوجود حولهم إن ضافت اهتماماتهم واستبد بهم الطمع والأنانية،  والأهم من ذلك إنه يكشف الحقائق التي يجب ان تبنى عليها القرارات والأحكام التي تمس مصائر الشعوب.

اليوم وبعد ما يزيد على النصف قرن، تظل كلمات كيندي تحمل ذات التأثير والأهمية والمصداقية، الثقافة والفنون والآداب والشعر، والكتابة عنهم ولهم، هو ما يكشف حقائق الأشياء ويذكر بها ويجعلها ماثلة أمام الأعين. 

المثقفون هم من يصنعون الوعي الذي ينطلق منه الساسة ورجال الاقتصاد والمجتمع، يغيرون وعي الجماهير يحررونه، ويؤسسون لمحاربة الجهل والخوف والألم والظلم والكذب، يحررون العقول من الأوهام، يقفون على الحقيقة، ويشيرون إليها، يرفعونها دون خوف أو تردد.  

نعم للكتابة الثقافية التي تحارب الاختناق إذن، تلك المتحررة من السطحية في تناول القضايا، ومن العبث في التعالي على هموم مجتمعها، البعيدة عن البهرجة والترف، والابتذال، والترويج الفج.