أبهره “الفجري” فصور فيلمه “ذرة رمل” وعرضه في “دبي السينمائي” … الموسيقي جايسون كارتر: بالفن نعرف الآخرين ونتوازن نفسيا وثقافيا

منصورة عبدالأمير

ليس هناك ما هو أكثر قدرة من الأوقات الصعبة التي نمر بها في صنع إبداعنا، أو … في تطوير مشاريعنا الإبداعية ودفعها إلى الأمام. الموسيقي جايسون كارتر يؤكد هذا الكلام ويثبته في فيلمه الوثائقي الأول “ذرة رمل”  A Grain of Sand  الذي قدم عرضه الأول يوم 8 ديسمبر/ كانون الأول 2017 ضمن عروض الشاطئ في مهرجان دبي السينمائي الدولي، وصحب العرض تقديم أداء حي من فرقة مركز شباب الحد.

 

في الفيلم يبحر جايسون مع موسيقى الفجري الشعبية البحرينية، يدرس تاريخها ويتعرف على بداياتها، يحضر جلسات فرقة لا تزال تعتز بها هي فرقة شباب الحد البحرينية، ثم يشارك الفرقة “الفجري” بموسيقى الجيتار التي يقدمها هو وموسيقى الفلوت من الفنان البحريني أحمد الغانم، دليله البحريني ووسيطه اللغوي في أوقات كثيرة.

أدهشني إعجاب جايسون بالموسيقى البحرينية وتفاعله معها بالشكل الذي شاهدته في الفيلم، سألته عن سر هذا الانبهار بموسيقى لا تمت له بصلة ثقافية، فقال:

“الفيلم بالنسبة لي هو رحلة وتجربة عميقة مثرية. بدأ بفكرة واتتني بعد وفاة والدتي عام 2013. كان وقتاً صعباً جدا، كنت حينها في فرنسا، وكنت أعيش مرحلة انتقالية جلت فيها العالم وكنت أفكر في مشروعي المقبل”.

كان جايسون يجول العالم حينها بجيتاره، يدرس موسيقى ثقافات مختلفة، يتعرف عليها، يحبها، ومن ثم يدمج ألحانه بألحان تلك الثقافات، ليخرج بألوان موسيقية مختلفة. لعله ذلك الإنفتاح الموسيقي الثقافي هو ما حافظ على توازن جايسون النفسي وهو يعيش محنة فاة والدته، إذ بعد عودته من جنازة والدته، بدت الأمور حوله مختلفة، ويتذكر هو قائلا “كنت أنشر ملابسي المغسولة فيما كانت ألحان فرقة إماراتية شعبية تنساب من داخل المنزل”.

لكن هل كان جايسون يرثي والدته بألحان فرقة إماراتية؟ وأي رابط ذلك الذي يجعله يقفز إلى موسيقى لا تمت لثقافته بصلة في أحلك أوقاته وأكثرها حزناً؟

ويجيب جايسون “فيما كنت أستمع إلى تلك الموسيقى، خطرت في ذهني أمور عديدة من قبيل أنني يتيم وأن والدتي تبنتني، وأن هويتي غير واضحة، ووجدت أنني أنجذب للأشياء الثقافية القديمة هو أنها تمنحني شيئا لا أملكه”

GOS Still (4)_preview

ويوضح “بدأت أفكر في موضوع الهويات، وبأن كلمة هوية تعني الكثير لنا جميعاً، وبأن للهوية مراحل وأهمية على المستوى الشخصي، والجمعي، والمجتمعي، والعالمي”.

ثم يقول “أبهرتني ثقافة الدول الخليجية منذ بدايات تعرفي عليها عام 1993، وحينها كان تراث الخليج وثقافته واضحين بشدة لمن يزور منطقة الخليج. كان الأمر يبدو للزائر كما لو أنه يعود بالزمن إلى الوراء، وبمجرد أن تحط قدماه في منطقة الخليج كان يتملكه شعور بسحر المكان الذي لا يعرفه أو يعيشه كثيرون في مناطق من العالم”.

الإنبهار الأكبر لدى جايسون تركز على الموسيقى، باعتبار تخصصه، والشعبية منها على وجه الخصوص “منذ زيارتي الأولى للخليج في التسعينات، وكانت زيارة لدولة الإمارات، إنبهرت بالموسيقى الشعبية التي بدت لي موسيقى غير اعتيادية، ومباشرة أردت أن أعزفها مع الإماراتيين”.

كان عمر جايسون حينها لا يتجاوز الثالثة والعشرين وكانت تلك أول رحلة له خارج المنطقة الريفية التي ولد ونشأ فيها في إنجلترا. أبهرته الموسيقى الإماراتية الشعبية حينها، وشجعه انفتاح الإماراتيين وبساطتهم ومحبتهم للآخرين في أن يخطو تلك الخطوة”.

ويضيف جايسون “لقد أحببت تلك الموسيقى وشعرت بأنها تسربت إلى أعماقي، واليوم وبعد خمسة وعشرين عاماً لا زالت هذه الموسيقى تأسرني”.

قضى جايسون أربعة أعوام في دبي، انخرط في الحياة هناك، كون صداقات كثيرة وأصبحت الإمارات وطن ثان له،  الأمر الذي كان كفيلاً بجعله قريبا جدا من الثقافة الإماراتية وبالموسيقى التراثية على الأخص، وولد لديه فكرة تصوير فيلم عن الموسيقى الشعبية الإماراتية والخليجية.

لكن الأمر لم يكن بتلك السهولة، فعلى رغم حب جايسون الشديد للثقافة الخليجية وشغفه بها، إلا أنه وجد الأمور تتغير كثير في الفترة التي قرر فيها أن يصور فيها فيلمه. وجد المنطقة تمر بتطورات كثيرة جاءت سريعة وكبيرة جدا فأفقدت، بحسب رأيه، دول الخليج، شيئا من خصوصيتها الثقافية، ويشرح ذلك قائلا “أعتقد أنه من المستحيل أن تصمد أي ثقافة أمام التطورات التي تحدث بسرعة كبيرة، دون أن تخسر تلك الثقافة شيئا ما”.

وجد جايسون التطورات التي تحدث في دبي سريعة جداً، فانتقل إلى أبوظبي، لكنه وجد الأمر ذاته، التطورات السريعة والكبيرة جاءت على حساب ارتباط الأفراد بتراثهم وبثقافتهم الأصيلة.

وهو يرى بأن “فصل الأفراد عن تراثهم الثقافي هو فصل لهم عن هوياتهم، وقد وجدت هذا الأمر واضحا لدى الإماراتيين فلقد غيرهم ذلك التسارع الكبير في التطور في مجتمعهم، فهم يملكون منازل جميلة وسيارات فارهة ووظائف مرموقة لكن هناك أمر مفقود لديهم”.

اتضح لي ذلك بشكل أكبر حين عدت لأبوظبي لأصور الفيلم، التقيت ببعض أفراد فرق شعبية إماراتية، سافرت إلى رأس الخيمة لألتقيهم، لكنني وجدتهم متحفظين كثيرا، وغير راغبين في التحدث معي حول الموسيقى التراثية”.

ويضيف “حين بدأ بعضهم في الحديث معي لفهم حزن غريب، ربما لأنهم يجدون أنهم متجاهلون، كانوا يكررون دائما نحن نحب بلدنا ونحب الشيخ زايد، لكنني كنت أشعر بأن هناك المزيد لديهم لكنهم لا يفصحون عنه”.

“فعلت ما بوسعي لينجح مشروع الفيلم في أبوظبي بل إنني أقنعت شبكات إعلام عالمية لتغطي الفيلم باعتبار كونه فيلم يعزز الحوار بين الثقافات ويمد الجسور بينها، وبالفعل حصلت على اهتمام السي ان ان، لكنني بعد شهور من العمل، وجدت أنني غير قادر على اتمام الفيلم ووجدت أن كل ما صورته لم يكن كفيلا بصناعة فيلم جيد”.

هكذا عاد جايسون إلى فرنسا بخفي حنين، كان حزينا ومحبطاً، لأنه شاهد كيف تفشل “أفضل فكرة واتته في حياته” كما يصف هو فكرة الفيلم. شاهد كيف حاول هو ومخرجه حتى النهاية في إنتاج فيلم من المحادثات التي صوروها على مدى شهور، لكن الأمر لم يأت بفيلم، ولا حتى بقصة يتم الإرتكاز عليها.

هكذا وبعد ثلاثة أعوام، وتحديداً في يونيو 2016 قرر جايسون بأنه لن يكون قادرا على تحقيق وانجاز هذا الفيلم الحلم. لكن لقاءاً مع صديقة ما في مقهى فرنسي، غير الأمور تماماً، يقول جايسون “حين أخبرت صديقتي بفشل مشروعي، سألتني لماذا لا تصوره في البحرين”.

في البحرين التقيت بليديا مارتين، عالمة الموسيقى التي تحمل شهادة دكتوراة في الموسيقى الفجري. أخذتني ليديا إلى الموسيقي أحمد الغانم الذي عرفني بدوره على فرقة شباب الحد، ثم بدأت كل المعوقات تسهل بدءا من التعرف على الأشخاص المناسبين لعمل الفيلم وصولا إلى الحصول على تمويل يغطي تكلفة الاستعانة بفنيين على الأقل، وكان ذلك تمويل من مبادرة أفلامنا”.

هكذا بدأ التصوير مرة أخرى ومن جديد لتحقيق الفيلم – الحلم، لكن هذه المرة في البحرين، بدأ مع فرقة شباب الحد ووسط بروفاتهم الليلية التي كانت بإدارة الموسيقى البحريني عازف الفلوت أحمد الغانم وهوالذي كان يصيغ ألحان تتواءم مع ايقاعات الفجري المعقدة. انتهت هذه البروفات بأمسية موسيقية في مركز لافونتين شارك فيها جايسون وأحمد فرقة شباب الحد، بجيتار الأول وفلوت الثاني وألحان الفجري من الفرقة.

بعدها قرر جايسون أن يقوم هو بنفسه بإتمام عملية مونتاج فيلمه، فلا أحد يحمل ذات الشغف الذي يحمله هو بالموسيقى الشعبية الخليجية ولذا لن يكون هناك من هو أقدر منه  على نقل ذلك الشغف عبر الصورة. أراد جايسون فيلما يحمل قصة متماسكة تروي شغفه وحبه لهذه الموسيقى.

حين سألته عما جذبه لموسيقى الفجري، قال

“منذ بدايات قدومي إلى دول الخليج استهوتني أغاني الغوص في البحرين والكويت والإمارات. وبدأت أرى الفروق بين هذه الأغاني في الدول الثلاث، وحين أردت بداية أن أصور الفيلم في الإمارات كنت أنوي جعله يتحدث عن أغاني الغوص بشكل عام، لكنني مع الوقت بدأت أميز بين أغاني الغوص المختلفة، وبدأت ألاحظ الجو الذي تشيعه موسيقى الفجري بشكل  خاص. وهنا حين حضرت إلى البحرين وبدأت أحضر جلسات مركز شباب الحد، كنت ألاحظ كيف ينتقل أعضاء الفرقة من الأجواء المجنونة مع أنواع الموسيقى المختلفة إلى الجو الخاص لموسيقى الفجري”.

أحب جايسون موسيقى الفجري ووجد أنه سيكون قادرا على مشاركة الفرقة في عزف ألحانها، ثم أبهرته أكثر حين تعرف على أصولها وتاريخها بدءاً بالأسطورة التي تدور حولها وانتهاءا بروايات تاريخية أخرى تتعلق بها.

يقول جايسون “هنالك قصة شعبية تتحدث عن أصول الفجري وتدور حول ثلاثة من غواصي اللؤلؤ من المحرق الذي زاروا ساحل أبوصبح في الدراز، وحين أقتربوا من مسجد أبوصبح سمعوا صوت لحن موسيقي يأتي من وراء المسجد، وكان أولئك الجن يعزفون ألحان الفجري”.

أما الرواية التاريخية التي استمع إليها جايسون وضمنها في فيلمه فتفيد بأن موسيقى الفجري جاءت أصلا من موسيقى مسيحية دينية، كانت تعزف قديما قبل تحول البحرين إلى الإسلام، وتشير إلى أن المسيحيين في البحرين ممن أرادوا حماية ثقافتهم بدءوا يعزفونها بشكل سري، ثم تطور الأمر فأصبحت هذه الموسيقى والأغاني تستخدم كأغان وموسيقى للغوص.

جايسون أضاف بأن ما يميز العازفين البحرينين لهذه الموسيقى الشعبية، عن سواهم، هو اعتزازهم بتراثهم الموسيقي، وعدم خجلهم من التحدث عن هذا الجزء الأصيل في ثقافتهم.

سألت جايسون عن الجو الشاعري وحالة الشغف بالفجري اللتين تبدوان واضحتين في الفيلم، وعما إذا شغفه يتركز على الموسيقى بشكل خاص، أم إنه هوس ثقافي يمتد لكل عناصر الثقافات المختلفة.

فقال “كلا الأمرين، إذ بالنسبة لي أعتقد أن أفضل ما في فيلمي هذا هو أنه محصلة تراكم لخبرات ثقافية كثيرة حول موضوع أغاني الغوص والموسيقى الشعبية بدأت منذ عام 1999 حين إلتقيت بالأستاذ علي عبدالله خليفة، الذي دعمني بشكل كبير وشجعني على أن أقوم بمشروع الفيلم، وقال لي إنني أملك موهبة تمكنني من الإنتقال بين الثقافات المختلفة بشكل سلسل يخرج أفضل ما في تلك الثقافات. شجعني علي عبدالله خليفة على أن أخوض تجربة مع ثقافات مختلفة في العالم، فعملت في مشروع دعمه المجلس الثقافي البريطاني في دول عديدة مثل كوريا الشمالية وأفغانستان وباكستان، تركز حول مزج موسيقاي مع موسيقى تراثية أصيلة لهذه الشعوب”.

Hold-guitar_preview

عدت لسؤال جايسون عن الكيفية التي يرى فيها الموسيقى معززة للهويات محافظة عليها، فقال:

“يمر العالم اليوم بمرحلة انتقالية حاسمة وكبرى، وهو ما ينتج حالة من عدم الإتزان ويؤثر على إحساس الأفراد من مختلف الثقافات بهوياتهم. من وجهة نظري فإن الموسيقى والفن هي أحد أكثر الأدوات قوة وقدرة على تغيير الأجواء، لا أقول أنها تغير العالم فهذا مستحيل لكن يمكن لها أن تغير شخصيا واحدا يمكن له أن يغير العالم. أؤمن بقدرة الموسيقى على تغيير الناس وعلى تغيير أولئك الذين يملكون النفوذ والقادرين على احداث التغيير في مجتمعاتهم. ونحن كفنانين إذا فهمنا قوة الفن الذي نقدمه وقدرته على التغيير فسوف نكون قادرين على احداث التغيير.

أما عن أهمية تصوير فيلم حول موسيقى الفجري لتعزيز الهويات فيقول “أهمية فيلمي تأتي من تأكيده على أنه في ظل حالة عدم الإتزان التي يمر بها العالم وتأثيرها الكبير على الهويات الفردية، يأتي الفيلم ليقول أنك إذا أردت أن تتعرف على الآخرين فما عليك سوى أن تتحدث إليهم، وهذه المنطقة، أٌقصد منطقة الشرق الوسط، حصلت على تغطية اعلامية سيئة بشكل كبير في السنوت الأخيرة منذ أحداث 11 سبتمبر وما تلاها من جرائم داعش”

يشير جايسون إلى أن فيلمه سيكون بمثابة اقتراب من الثقافة الأصيلة لدول الخليج وسيكون كفيلا بنقل صورة مختلفة عن تلك الشائعة في الإعلام العالمي، لكنه يؤكد “لا أزعم أن الفيلم سيكون توثيق رسميا لتاريخ أغاني الغوص ولكنه توثيق لرحلتي الشخصية في ثقافة الخليج وإدراكي لأهمية هذه الرحلة لمد جسور الحوار الثقافي”.

الفيلم البحريني “الشجرة النائمة”… تجربة جريئة رغم كل شيء

منصورة عبدالأمير

ST-POSTR-5

يتهم بعض النقاد صناع الفيلم البحريني “الشجرة النائمة” الذي عرض عام 2014، بالتعالي على المتلقي، مرجعين ذلك التعالي لعدم تقديم مخرج الفيلم محمد راشد بوعلي وكاتب نصه السينمائي فريد رمضان،  أي دلالات واضحة لرمزيات ما استخدماه في فيلمهما من عناصر ثقافية تمثلت في شجرة الحياة التي حمل الفيلم إسمها من جانب، وفي آلة الجربة الموسيقية من جانب آخر.

قد يكون هذا الكلام مصيباً في جزء كبير منه، فالفيلم لم يكن واضحاً لكثير من المتلقين سواء من المتخصصين أم الجمهور غير المتخصص، في الطريقة التي وظف بها موسيقى الجربة والشجرة النائمة ولعب على الرمزية الخاصة لهذين المعطيين الثقافيين، وهما معطيان لهما امتداد عميق في الثقافة البحرينية، واستخدامهما في الفيلم فتح الباب لطرح كثير من الإشكالات على مستوى الهوية البحرينية .

من جانب آخر فقد وجد كثير من المتلقين عملية التنقل بين الأزمان الثلاثة التي تدور خلالها أحداث الفيلم، مبهما وغير مفهوم وربما مرتبك في بعض المشاهد، فالفيلم يتنقل بين زمن ماض كانت الأسرة تنعم فيه بوجود إبنتها في وسطها معافاة أو مريضة، وزمن حاضر تموت فيه الإبنة ويعيش فيه والداها لوعة فراقها، وزمن مستقبلي يحلم فيه الأب بلقاء الإبنة من جديد والاجتماع معها. ولعل هذا الأمر صحيحاً، لكن ما يحسب للفيلم في هذا الجانب، هو أن عملية التنقل بين الأزمان الثلاثة هذه مهما بدا ارتباكها، إلا أنها عملية مدروسة من قبل الكاتب على أقل تقدير، إذ جاءت متناغمة مع توظيف رمزية المعطيات الثقافية الأخرى لصالح قصة الفيلم وثيمته الأساس المتعلقة بفلسفة الموت.

هذه الثيمة الأساس التي لعب عليها الفيلم علل وجودها برغبة بطل الفيلم وهو جاسم (قام بدوره الفنان جمعان الرويعي) في التخلص من الألم وذلك عبر القيام برحلة ذاتية عاد خلالها هذا الأب المكلوم بفقد إبنته إلى جذوره وبداياته باحثاً في الأشياء حوله بدءًا من موسيقى الجربة وصولا إلى شجرة الحياة برمزيتها الثقافية.

ومنذ بدايات رحلة الخلاص تلك، بدا وكأن الفيلم يوجهنا نحو التأمل كوسيلة للخلاص، وذلك بمشاهده  المغرقة في الشاعرية بموسيقاها التي أبدعها محمد الحداد وبحركة الكاميرا الرشيقة المعتادة في أفلام بوعلي والتي حملها هذه المرة مدير التصوير التونسي العالمي محمد مغراوي.  التأمل الذي دعى إليه الفيلم هو ذلك الذي يقود بطله إلى التفكير بعمق في ماهية الأشياء وفلسفتها، والأشياء هنا هي الموت وكل ما ينطوي تحته من معاني الفراق والفقد والحزن، وهو الذي انتزع من جاسم ابنته فملئ نفسه كدراً.

الفيلم بدا كتجسيد وبيان لفلسفة فريد رمضان حول الموت، سردها عبر محنة جاسم بطل فيلمه الذي ظل تائها بآلامه، يتعرف على مسبباتها ويبحث في جذورها، والبحث هنا قاده لموسيقى الجربة أولاً ثم لشجرة الحياة، هذه الشجرة التي ترمز للخلود وللحياة التي لا تنتهي، والتي تملك ما لا تملكه ابنته.

إنه يبحث عن الموت في عمق الحياة لأن الأشياء تفهم بنقائضها ولذا عاد جاسم إلى الحياة، مرة إلى الحاضر الذي عزف عن جزء منه ذلك المتعلق بزوجته وابنته المريضة اللتان تعامل معهما بلامبالاة،  فيما حاول إغراق نفسه في جزء آخر منه حين حاول الإنصراف إلى ملذات أخرى قد تلهيه عن اقعه لكنه فشل. العزوف عن أمر ما ثم الغرق فيه وهو الحياة هنا، هو بكل تأكيد سلوك ومحاولة لمواجهة نقيض ذلك الأمر والتعامل معه وهو الموت بكل تأكيد.

1469439309_1469432521049753600

ومن الحاضر ينتقل الفيلم إلى الماضي حين يعود جاسم إلى الموسيقى الشعبية، موسيقى الجربة، ليذوب مع ألحانه لعلها تنسيه آلامه، وأخيراً إلى المستقبل الذي مثلته شجرة الحياة، هذه الشجرة القابعة منذ آلاف السنين لا تهزها الظروف ولا تنال منها السنون.

سيفهم جاسم الموت إذن عبر التأمل في الحياة، مجسداً إيمان كاتب الفيلم بأن التأمل في فلسفة الأول (الموت) سيقود إلى الآخر، الحياة والتأمل في ما مضى منه وما نعيشه اليوم وما سيأتي مستقبلا. الموت في الواقع هو حياة حقيقية وهو المستقبل والزمن الثالث الذي ينقلنا إليه الفيلم في بعض مشاهده. الموت أيضا مجال خصب للتأمل في ثيمات مثل النهاية، والحزن، والفراق والفقد وهي الثيمات التي بنيت عليها قصة الفيلم. وهكذا تأمل جاسم في ألم يعيشه في وقت حاضر في الفيلم، ليجد نفسه يعود إلى الماضي وإلى الأصول والبدايات، ثم ليجد أنه ينتقل نحو مستقبل يطمح لكونه أفضل.

ألم الفقد أخذ جاسم، إلى شجرة الحياة، هذه الشجرة التي تنتصب منذ آلاف السنين وسط مساحة أرض خالية لا تنبت فيها غيرها، والتي تبدو منفصلة عن أي حياة أخرى، تشبه جاسم الذي انفصل عن واقعه منذ أن رفض فكرة المرض الذي يأخذ ابنته نحو موت محتوم. شجرة الحياة وفرت لجاسم مساحة مناسبة تعزز انفصاله عن العالم من حوله، لكنها في الوقت ذاته وفرت له دعما معنوياً ليستمر واقفاً رغم الألم الذي يعيشه، تماما كما تقف هي وسط خواء وموت لا يملؤه إلا حياتها.

لا يهم نوع الرحلة التي قام بها البطل خلال تأمله ذاك، صوفية كانت أم روحية، المهم أنها كانت رحلة تأملية مرت بحيوات مختلفة، حياة مرت، وحياة حاضرة، وأخرى يطمح لها الأب المكلوم. رحلة ذاتية كان هدفها التعامل مع الموت، تمت عبر أزمان ثلاثة المختلفة تنقل البطل بينها ليخلص ذاته من الألم.

فريد وبوعلي عادا إلى الجذور ليفهما الموت والألم في هذا الفيلم التجريبي، المقدم بأسلوب شاعري، الذي يشبه معظم أفلام المخرج بوعلي السابقة، كما إنه نمط معتاد في نصوص وروايات فريد رمضان المعروف بشاعريته والذي يركز في كل أعماله على الهوية البحرينية بكل تفرعاتها.

وبعيدا عن الدلالات الفلسفية للشجرة والموسيقىى، فنحن أمام فيلم بحريني بامتياز، يحمل هوية بحرينية ويعزز الاحساس بها من خلال اعتماده ثيمات تمت للثقافة البحرينية أو تحمل رمزية ثقافية وشعبية بحرينياً، وهي الشجرة النائمة، والموسيقى الشعبية.

وبغض النظر عن أي نواحي قصور وجدها البعض، إلا أنني أجد في الفيلم محاولة جريئة لعمل اضافة للفيلم السينمائي الطويل خليجياً. وتأتي الجرأة من المخرج محمد راشد بوعلي أولا، وهو الذي يضم تاريخه عدداً لا يصل للعشرة من الأفلام القصيرة، وهي على رغم كونها أفلام مميزة لفتت الأنظار لموهبته وحدد من خلالها خطاً خاصاً به، إلا أنها لا تكفي ليقفز بوعلي بعدها للفيلم الطويل في غضون عشرة أعوام من  دخوله عالم الإخراج السينمائي.

هي أيضاً جرأة تحسب للشركة المنتجة للفيلم “نوران بيكتشرز” وهي التي قررت أن يكون أول مشاريعها الإنتاجية فيلم روائي طويل، وبطبيعة الحال فإن صناعة فيلم روائي طويل خليجي، هي خطوة جريئة في منطقة لا تصنع السينما، وفي بلد كانت آخر محاولاته في السينما قبل 8 أعوام مع فيلم “حكاية بحرينية”.

هذه الجرأة من المخرج والشركة لفتت الأنظار، محليا واقليمياً وعالمياً، لموهبة الشباب البحريني، فهذا شاب بحريني كانت أولى محاولاته عام 2005  وهو بعد عشرة أعوام يخوض تجربة فيلما طويلا، وهو لا يقدم فيلماً درامياً عادياً، لكنه يتجه للفيلم التجريبي، وبطبيعة الحال فإن هذه النوعية من الأفلام هي أصعب إن قدمت على نحو مدروس وسليم.

كذلك لفت الفيلم الأنظار لوجود سينما بحرينية مختلفة، من ناحية كونه فيلم روائي طويل، يتم انتاجه بعد توقف ثمانية أعوام، يترشح لجائزة المهر الذهبي في مهرجان دبي السينمائي الدولي عام 2014، كما يتنافس مشروع سيناريو الفيلم على “جائزة آي دبليو سي للمخرجين” في أولى دوراتها في مهرجان دبي عام 2012، عدا عن حصوله على دعم من برنامج “انجاز” وهو جزء من مبادرة سوق دبي السينمائي.

ولا تتوقف انجازات الفيلم عنذ ذلك بل إنه فاز بجائزة لجنة التحكيم الخاصة في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي عام 2015 في دورته السابعة والثلاثين، كما حصل على الجائزة الثانية لأفضل فيلم خليجي بمهرجان مجلس التعاون الخليجي الثالث الذي أقيم في الإمارات العربية المتحدة، وترشح لثلاث جوائز في مهرجان صناع السينما في برلين عدا عن عرضه في أكثر من 22 مهرجانا دوليا.

لن ننسى بكل تأكيد الدعم الذي حصل عليه الفيلم من هيئة شئون الإعلام لإنتاجها وكذلك من بنك التنمية وبعض مؤسسات القطاع الخاص، وتلك خطوة تحسب للجهة الرسمية بحرينيا في إيمانها بقدرات الشباب البحريني وطاقاتهم، لكنها في الوقت ذاته تحسب للفيلم باعتباره أول فيلم روائي طويل يحظى بتلك المباركة الرسمية.

أخيراً، قد يتهمني البعض بالإنحياز للفيلم ولصانعيه كما حدث مسبقاً، والواقع هو أنني لا أجد ذلك صحيحا، كل في الأمر هو أن كتابات فريد، روايات ونصوص، تصلني بشكل جيد، كما أجدني أتمكن من قراءة رؤى بوعلي الإخراجية أتلقاها هي الأخرى بشكل لا بأس به، ولذا وصلتني تجربتهما الروائية الطويلة الأولى.

وختاماً فإنه مهما كان تفاعل المتلقي مع هذه التجربة إلا أنه لا يمكن إنكار كونها تجربة سينمائية جيدة  بإعتبارها المحاولة الأولى لمخرجها في الفيلم الطويل، والثالثة لكاتبها في النوع ذاته، وذلك بعد فيلمي”زائر” (2004)، و”حكاية بحرينية” (2006).

لا أنحاز ولا أجامل، لكن فيلم “الشجرة النائمة” تجربة جيدة، غير مكتملة، قد تصل البعض ولا تصل آخرين.

Independent movies,,, matter*

By: Mansoora Al-Jamri

IMG_2171

Good morning,

It feels good to be here with you today and to have the opportunity to speak at the opening of the Independent Malayalam Film Festival which is coming this year under the title “Reflections 2017”.

The festival is reflecting on five Malayalam movies. Movies that are independent and here I will borrow words of the American producer Christine Vachon to describe independent movies as “movies that matter”.

But what is an independent movie or an indie movie?

Seems we have two definitions of the term, one that is to do with movies in the United States or I would call it the Hollywood definition and another that will apply to movies produced and made outside the US, all over the world.

In the US, it first meant, movies which were made on a low budget. That was in the first decades of the movie industry history. The term was first used in 1908 to refer to movies produced by small firms who were not financially capable and who therefore rejected the financial hegemony of the major movie companies, in today’s terms, the conglomerates that centralized and standardized film production, distribution and exhibition.

The Indies at that time moved to Hollywood, established themselves and a new monopolistic system that is called the Studio System. Companies who didn’t follow the rules of this system rejected the control or were not financially capable of joining it were kicked away and were classified as Poverty Row firms.

The same story happened again in Hollywood, and it happened later, again, in another decade with new renegades or revolutionists “revis” as small companies reject the hegemony of the majors, formed their own gatherings, get stronger, put their own rules and kicked the weak ones.

This had continued until a time when Hollywood realized that cinema is losing its audience to TV so major companies of the cinema industry decided to fight back by backing and financing a different kind of movies, that is the indie movies

What is important here is that every time, the “outcasts” would produce their own version of cinema, at first it wouldn’t be different than the mainstream cinema, and the only difference would be in its low budget. The resulting movies would often contain more creativity, as directors try their best and are as creative as possible to compensate for the shortage in finance that will give better picture due to the better equipment, better cast, and technicians.

IMG_2281

But then when TV came, makers of Indie US movies realized that cinema fights stupidity and shallowness of whatever version of cinema was there and also to get back its audience from TV.

The best description for that period was explained by the founders of The Filmmakers’ Collective, a non-profit organization committed to the preservation and distribution of experimental films. Those members explained the situation at that time; as such “official cinema is running out of breath (…) the industry had become morally corrupt, aesthetically obsolete, thematically superficial, and temperamentally boring.”

This pushed the big cinema houses to care about issues like the freedom to say something else and to experiment in movies. They decided to finance Indie movies that challenge the dominant culture in movies making; movies that challenge the audience or as Christine Vachon (mentioned above) called them “movies that matter”.

With majors (conglomerate) backing “independent content”, one can’t help but ask:

What are “independent” movies called so, what makes them independent?

And

Is an independent film a film that has a low budget?

A film that is not backed or funded by majors in the industry

Or

Is it called so by its spirit?

Having these questions in mind, we would realize that in the indie movies in the US are not necessarily the low budget movies, for a movie like ” A 12 years a slave”, is independent but has a budget of millions of US dollars.

In Europe, the term would refer to movies which are more into experimentation but again does that apply to the rest of the world, putting in mind that freedom of expression is not an issue that is as serious in Europe as it is in the rest of world, outside Europe and the US.

As for the rest of the world, the important issue in this regard is not just about freedom of expression that makes indie movies, as lots of other nations around the world are not enjoying the same level of freedom as it is in the US and Europe, so in such countries where there are no high levels of freedom, cinema is a tool of change and an art that should be respected for its power.  In these countries movies have a different story, the story of an empire and a rebellion, and unlike the US, it doesn’t have to be a financial empire, it might be an empire of a hegemonic culture; whether it is the culture of Hollywood, with its rules, laws, discourse and traditions, that can’t and must not be applied everywhere, or it can be a social and political hegemony within a given country.

So movies that oppose to the idea of “Globalization” are Indies, movies that stand against the status quo and want to change it are Indies.

Indies are movies that challenge the dominant culture as well as its audience, movies that represent different communities of people sharing their values instead of Hollywood values.

To conclude, Independence in cinema is about following your vision without interference from Hollywood hegemony, freeing art and the audience from all restrictions whether market rules, religious prohibitions, political pressure or social norms. Indies are about lowering budget, not relying on technology, telling your own story, choosing the way to tell it, respecting your audience, protecting your identity, and showing the reality of your society.

Dear attendees,

Today’s event that is celebrating Malayalam independent movies is organized so that you, lovers of cinema, appreciate these films, know how movies can express your truth; show your dreams and reality.

 Independent films are made for independent audience who are free from any previous hegemonic cinema perceptions whether came from Hollywood, Bollywood or what some people would call “Arabwood”.

This event is held so that you get a first-hand experience of how passion projects which are made with love, can affect its audience and strengthen them.

Independent films seek to tell the truth with its realistic stories about the world as it really exists, in all its ugliness and cruelty, whereas purely commercial movies or in some cases Hollywood films provide escape and fantasy.

Indie moves are made for people by people, and the least we can do is to free independent artists by backing them, emotionally by watching their movies and financially to guarantee to have their voice alive, freeing them and as a result freeing the audience, from any commercial junk cinema.

Back free art and artists. Free them and free yourself

*A speech delivered on the opening of Independent Malayalam Films Festival,  that was held by the Kerala Club in Bahrain on13th October 2017. 

مشاركاً في مؤتمر الجامعة الأهلية للتنمية المستدامة البروفيسور إدريس: أحاديث مختلف عليها سبب أزمه العقل  

المنامة – منصورة عبدالأمير

IMG_2944

 

قال البروفيسور جمال نور الدين إدريس أستاذ الدارسات الإسلامية بجامعة الإمام عبدالرحمن بن فيصل بالدمام، إن العقل يضع خارطة الطريق لما يعرف بالتنمية المستدامة، وان هذه التنمية حين تشمل كافة الأطياف هي ما تحقق الإرهاب المقصود في الآية الكريمة “واعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمون” إذ يؤكد إدريس أن الإرهاب هنا ليس في مهاجمة الآخرين، إنما هو في إعداد القوة بحيث ترهب الآخرين من أن يخترقوا هذه الحريات وجعل التنمية المستدامة على كافة ألوان الطيف، ولذلك فهو إرهاب دفاعي وليس هجومي، إرهاب ينمي المجتمعات ويحارب الإرهاب بمعناه السلبي.

وأضاف إدريس بأن الإعلاء من سياق بعض الأحاديث المختلف عليها وتحميلها على الأمة الإسلامية ككل هو أحد أسباب الأزمة التي تعيشها العقول، مقترحا ضرورة تجديد الفهوم في إنماء العقل كمخرج من هذه الأزمة التي يمر بها العقل.

جاءت آراء ادريس تلك في ورقة بعنوان “العقل بين الإنماء المنشود والإفساد المردود” قدمها البروفيسور المشارك في جامعة الدمام، في إحدى جلسات “مؤتمر التنمية المستدامة” في نسخته الخامسة عشر التي نظمتها الجامعة الأهلية بالتعاون مع منظمة العالمية للتنمية المستدامة في فندق شيراتون البحرين وذلك في الفترة 16 – 18 مايو/ آيار 2017.

إدريس تحدث حول أهم ما جاء في ورقته تلك، مفيداً “تحدثت عن العقل بإعتباره من مصادر المعرفة في هذه الحياة وكيف يمكن له أن يوصلنا للمعارف بضوابط معينة وحين يسير في ركاب النقل الصحيح”.

وأضاف “ذكرت في هذه الورقة التي مقدر لها ان تخرج في كتاب في لندن عما قريب قضية المعرفة أو العقل بإعتبار أنه يضع خارطة الطريق لما يعرف بالتنمية المستدامة وهذا هو الموضوع الأساس لأني لا أستطيع أن أرتقي بالإنسان الذي جعله الله سبحانه وتعالى خليفته، من دون عقل، لأن استخلافنا نحن وارادة ان نعمر هذه الارض انما بإيداع العقل فينا”

نحن أمة لا تقرأ

وعن ضرورة إنماء العقل، قال إدريس “ماذا يحدث اذا اطفئ الإنسان عقله ولم يتبع “اقرأ”. نحن من أمة اقرا ولكن بتنا للأسف الكبير لا نقرأ. هؤلاء الاسرائيلين الذين ننقدهم يوما بعد يوم، لو قرأتي الآن في وسائل التواصل الإجتماعي واطلعتي على الإحصائيات العلمية الصارمة، ستجدين أن الاسرائيلي يقرأ في الشهر الواحد 16 مؤلفا. فلأسأل الذين يقرأون هذا الحوار: كم نقرأ ونحن من ندعي الإنتماء إلى أمة إقرأ؟. الكثيرون لا يقرأون كتابا واحدا في الشهر. حتى إن بعض طلبة الدراسات العليا لم يكونوا قد قرأوا طوال حياتهم عشرة كتب، وربما قرأوا هذه الكتب مضطرين وهم في مرحلة التحصيل للدكتوراة او للماجستير حتى ينالوا درجة يسمون بها الدكتور أو البروفيسور. لكن لا نقرأ من أجل المتعة الذاتية، ومن أجل أن نكوّن حصيلة معرفية. لا نقرأ من أجل أن نحل بها ونوطئ بها مجتمعنا الذين نعيش فيه في كافة الجنبات. هذه هي الجزئية الأولى في الورقة إذ تناولت قضية الانماء العقلي بمسألة العلم، ومسألة المعرفة المستدامة باعتبار ان العقل هو الذي يساعد في هذا”.

وعن كيفية إنماء العقل، نادى إدريس في ورقته، وخلال حديثه معي، إلى ضرورة أن يكون العقل متوازنا بين الروح والجسد، إذ “لا يقول أنا روحاني فينغلق في صومعته أو مسجده ويختزل هذه الحياة كلها في زي واحد وفي أطروحات فكرية جامدة وضيقة في أتونها، وإنما يكون عقلاً متوازناً بين  المادة  والجسد “وكذلك جعلناكم امة وسطا”، لا روحاني فحسب ولا مادي فحسب، لأن الله خلقنا من أمرين، من قبضة من تراب ونفخة من روح. القبضة من التراب ترمز للمادة والنفخة من روح ترمز إلى الروحانية، فاذا اردت ان اكون بينهما وسطا لا يغلب جانب الروح على جانب المادة ولا جانب المادة على جانب الروح”.

ادريس أشار إلى أن اغلاق العقل عن الجانب المادي هو ما يغلق أزمه عقل لدينا، وهو ما يجعل البعض يعلي من سياق بعض الأحاديث المختلف عليها وغير الثابتة ويريد أن يحمل الأمة كلها عليها، لذلك نادى ادريس بضرروة “تجديد الفهوم في انماء العقل” مضيفا “لا بد ان نطلق العقل من سراجه. الأمر المهم الذي نود أن نعيه في تجديد الفهوم هو أننا لا ينبغي ان نقصي الآخرين، حتى الذين يخالفونا في المعتقد وفي الهوية وفي اللغة وفي كل هذه الأشياء. لا ينبغي أن نقول لا أريكم إلا ما أرى. حتى دستور المدينة نفسه جاء في إطار التلاقح، اليهودي إلى جوار المسلم والمسلم بجوار النصراني بل والاسلام نفسه. “قل اعملوا على مكانتكم” و”انك لست عليهم بمسيطر”، “لكم دينكم ولي دين”، “فمن شاء فليؤمن ومن شا ء فليكفر”.

ويتساءل مستنكراً “كيف جاءت نظرة هذه الفكر المأزوم، نظرة الدواعش والإرهاب. كيف يفهموا كثيرا من الايات بفهم خاطئ، فآية “وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمون”،  لا تقصد بالترهيب هنا مهاجمة الناس، إنما الارهاب هنا هو أن نجعل التنمية المستدامة على كافة ألوان الطيف، أن نعد القوة بحيث ترهب الآخرين من ان يخترقوا هذه الحريات، ولذلك هو ارهاب دفاعي وليس هجومي”.

الإسلام لم ينتشر بالسيف

ويرد ادريس في ورقته على ما يروج عن انتشار الإسلام بالسيف، قائلا “يقولون جاءكم الرسول بالذبح كما تسمعين من داعش، وجاءكم بالسيف، وأريد أن أصحح هذا، فلو كان الاسلام قد انتشر بالسيف لكان قد زوي حينما زوي الاسلام خيلا ورجلا بمعنى حين خرج  الاسلام من الأندلس مهزوما خيلا ورجلا بالقوة لكننا نجد انه قد تمدد في اوروبا ووصل حدود سيحون وجيحون وبلاد الغال وهي فرنسا الآن ووصل الصين. ابن خلدون في مقدمته التي بنى عليها مونتسكيو قال “غالبا ما يعجب المغلوب بثقافة الغالب” لكن هذه المسألة ما انكسرت إلا لحضارتنا، ل لأن الاسلام حينما زوي خيلا ورجلا تمدد بالقناعة التي اعطيت فيه، لو هزم الاسلام نقول انتشر بالسيف لكن الاسلام زوي وهزم سيفا لكن مع ذلك وما زال يتمدد إلى يومنا هذا ولذلك قضية  الاسلاموفوبيا الموجودة في الغرب لأنهم يخشون من تمدد الاسلام بالمعطى الذي اوجده الله فيه فعلا. الآن يأتي الدواعش والرواعش، المنبطحون والمتشددون ليقولوا أن الاسلام جاء بالذبح وبالسيف”.

يوسع ادريس مفهوم التنمية المستدامة، ويخرجه من إطاره النظري الجاف ليجعل منه أسلوب وفلسفة حياة، وهو يوضح ذلك بالقول “ينبغى توسيع التنمية المستدامة لأكثر من ذلك، فمن الأشياء التي أدت إلى هذا الفكر المأزوم وجاءت بفكر الدواعش قضية عدم بسط الحريات، وقضية الاستبداد السياسي نفسه”

وقال بأن البعض يتحدث عن نظرية المؤامرة ويستدل بما كتبته هيلاري كلينتون في مذكراتها عن أن داعش صنيعة المخابرات الاميركية، لكنه أضاف متسائلا “هل كل شيء نلقيه على أميركا؟ لدينا فكر مأزوم إنساق وراءه الناس للأسف وينبغي ان يصحح، وهناك حكم في العالم العربي يضيق بالحريات وهناك استبداد سياسي لا يتيح الحرية للآخر كما أتاحها العهد الأول الزاهر في أيام الصحابة وفي أيام النبي وهو القدوة والأسوة”.

ادريس شدد على قضية بسط الحريات مؤكدا أنها إذا لم تتحقق فلا يمكن تحقق قضية التنمية المستدامة. كذلك أكد على ضرورة التعايش رغم الاختلاف، موضحاً “ما يضمنا هو الانسانية جمعاء، الرسول يقول “من آذى ذمياً فقد آذاني” ويقول سبحانه وتعالى “ما أرسلناك إلا رحمة للعالمين” ولم يقل رحمة للمسلمين، “وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا” وقال “كونوا ربانييّن” ولم يقل “كونوا محمدين” لذلك ننظر إلى هذه القضية وفق هذا السياق ككل”.

لكن ادريس يشدد على ان عدم تحقق الحريات وبسطها لا يعني أن نخرج على الحاكم المسلم موضحا “العقل يقول لا ينبغي أن نزيل مفسدة بمفسدة اكبر منها، ولذلك الإمام علي يقول لا يصلح الولاة إلا بصلاح الرعية ولا تصلح الرعية إلا بصلاح الولاة” وانه اذا أدت الرعية إلى الوالي حقه وادى الوالي إلى الرعية حقها، استقامت بينهما معالم السُنن والسنن (بفتح السين).

القبضة البوليسية لا تعالج الإرهاب

انتقل ادريس بعدها للحديث عن تبديات ثمار إنماء العقل، مفيداً بأنه “يفيدنا في التنمية المستدامة وينعكس خيرا وبركة في التكنولوجيا وفي التعليم وفي الاطار المجتمعي المتناغم المنسجم، وعلى الناحية الاقتصادية المالية”، كما استعرض ادريس في ورقته آثار افساد العقل وهي كما أفاد “أولا الجانب الحسي فانماء العقل يحافظ على العقل من جهة الوجود بالعلم ويحافظ عليه من جهة العدم، فالإنسان المتفلت الذي لا يرعوى بسلطان الدين يمكن له أن يفسد منظومة المجتمع ويعكر صفو المجتمع، وبذلك نخاف على العقل حتى لا يعدم لأنه لو عدم العقل أو جن عدمت الحياة”

ثم انتقل للحديث عن الأثر الآخر من آثار افساد العقل وهو الأثر المعنوي، مستشهداً بقضية الإرهاب وبما أحدثه من خسائر، يقول “بلغت خسائر العراق بسبب الإرهاب 16 مليار دولار في العشر سنوات الأخيرة، بعدها تأتي أفغانستان التي خسرت بلايين الدولارات، عدا عن الأنفس التي أزهقت”.

ويضيف “الرسول يقول في حجة الوداع “ألا إن دمائكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، علام يأتي إنسان ويفجر نفسه ويطفئ سراج عقله. ما الذي دهاه عن ذلك. لذلك لا بد أن نبحث عن الجذور الحقيقية وأنا أسميها بالمخدرات الالكترونية وبالتنويم المغناطيسي والاستلاب الفكري”

ويؤكد “ينبغي لمناهجنا التعليمية والتربوية والاعلاميين والمفكرين وفي وسائل التواصل الإجتماعي أن يوضحوا جميعا أن القبضة البوليسية لا تعالج الارهاب، بل ان ما يعالجه هو التنمية الحقيقية”.

في أولى رواياته “آريامهرنامة، سيرة نور الآريين” عقيل الموسوي يستكشف الماسونية، يلتقي الشاهبانو، ويستشرف ما بعد رييع العرب

منصورة عبدالأمير

unnamed (2)

منذ عام 2010، وعلى مدى خمسة أعوام متواصلة، بدأ الكاتب عقيل الموسوي رحلة بحث مميزة وخاصة، جاء نتاجها هذا العام في هيئة رواية، هي الأولى له، وهي التي وضعته بين مصاف الكتاب والروائيين البحرينيين. دشنها أخيرا تحت عنوان “آريامهرنامة، سيرة نور الآريين” في حفل نظمه الكاتب في مرسم عباس الموسوي وقع خلاله الرواية لجمهور غفير حضر حفل التدشين.

  يوثق الموسوي في الرواية تجربته مع الحضارة الفارسية، مستشهدا في محطات كثيرة بما نتجت عنه مراسلاته المتعددة مع فرح بهلوي، زوجة شاه إيران رضا بهلوي.

بداية فكرة الرواية جاءت حين زار الموسوي إيران، هو المولع بالأسفار وهو الحالم بزيارة العالم بأجمعه، وهو الذي تمتلئ صفحاته على مواقع التواصل الإجتماعي بصور لرحلاته التي لا تنتهي والتي يسعى من خلالها لتحقيق ذلك الحلم.

يقول الموسوي “زرت حضارات الشرق والغرب لكنني حين زرت إيران بهرتني الحضارة الفارسية، وتوقفت عند كلمات حافظ وسعدي والعطار. بهرتني جغرافية فارس، بصحاريها وجبالها وأنهارها وبحارها المالحة والحلوة التي انتجت شعوب مختلفة، قصصهم مختلفة، ملابسهم مختلفة، اشعارهم مختلفة، لكن يجمعهم أمر واحد وهو الجنس والأصل الآري”.

بهرته قصص الحضارة الايرانية واساطيرها التي لا تنتهي بأبطالها من العفاريت والجن وبتفاصيل قصص الحب والانتصارات وأخبار الممالك التي تقوم والتي تسقط. يقول “بالنسبة لغير الإيراني، تبدو هذه القصص من خيال ولكن ليست كذلك، فهناك بالفعل ممالك قامت وهناك ملوك أحبت وكتبت شعراً ووثقت كل انتصاراتها على الجبال والصخور”.

إيران.. مشروع أصغر وأهم

من هنا تولدت القناعة لدى الموسوي ليبدأ روايته “تستحق ايران إن أؤجل مشروعي الكبير في استكشاف العالم، وهو مشروع يبدو مستحيلاً”.

هكذا بدأ الموسوي مشروعه الصغير في استكشاف ايران، بدأ الأمر عام 2010 وانتهى عام 2015، وخلال ذلك بدأ في توثيق ما يراه وشرع في كتابة راويته، بدءا من العام 2014 حتى 2016.

ويوضح “سافرت إلى إيران خمس مرات وأطلعت على أهم كتابها وشعرائها وتعرفت على  شعوبها المنتشرة بين الصحاري ووسط الجبال والتي تعيش بين البحر والنهر”

ثم يواصل “آريامهرنامة هي خلاصة تجربة البحث في ايران هذه، والتي استمرت خمسة أعوام”.

بطل رواية عقيل هو شاب عربي تأثر بأحداث الربيع العربي وحلم، مثل كثير من العرب، بواقع مختلف، لكن مآلات الربيع العربي التي قادت إلى نهايات مظلمة، وربما دموية في بعض الدول، جعلته يلجئ إلى نموذج مقارب لنموذج هذا الربيع العربي.

يقول الكاتب “يلجئ بطل الرواية إلى إيران للبحث في الحالة الإيرانية لأن كل ما موجود في ايران هو شبيه تماما بالحالة العربية مثل وجود النفط وهيمنة الغرب ووجود الأنظمة التقليدية القديمة واهم شيء وجود المؤسسة التقليدية المحافظة”.

ويكمل “يبدأ البطل يبدأ بالحفر في إيران بحثا عن أوجه التشابه واستشرافا لما قد يحدث في الوطن العربي لو تطورت الأمور واخذت مجاري مثل ما جرى في ايران”.

unnamed

الشاهبانو الرائعة

وإلى جانب هذا البطل “الحقيقي”، تمتلئ رواية الموسوي بأبطال “من خيال” كما يصفهم هو، ويقول عنهم “الأبطال الحقيقون كان لا بد أن يلتقي بهم البطل، وحين بحثت عمن تبقي من رجال ونساء الدولة  البهلوية ممن عاصروا الفترة المهمة وعاصروا الشاه لم أجد أفضل من الشاهبانو نفسها، إمرأة أقرب ما يكون للشاه، كانت حبه الأخير وأم ولي العهد، كما إنها شهدت أهم الأحداث في الدولة البهلوية، بالإضافة إلى ذلك فهي تحمل شخصية رائعة محبة للفن وعاشقة للتاريخ وأصيله بطريقة لافتة”.

أبطال رواية عقيل، الحقيقيون والخياليون، جاءوا ضمن عملية بحث مطول قام به الموسوي، استمر خمسة اعوام أو يزيد بقليل، ولعله ذات البحث الذي يقوم به بطل روايته، وهو بحث تاريخي متشابك، يقول عنه عقيل “في الرواية بحوث تاريخية متعددة متشابكة متداخلةـ لكن لها مسار تاريخي واضح والقارئ يجد سلاسة في هذه البحوث”.

الأمر الوحيد الغريب على القارئ في الرواية، كما يشير كاتبها هو “الماسونية ودخولها في صميم الأحداث في الدولة البهلوية”، موضحاً “الماسونية عالم غامض ومثير وسري ومليئ بنظريات المؤامرة، ونظريات جديدة تخرج علينا كل يوم، وهذا ليس غريب على مؤسسة تتخذ من السرية قاع لأعمالها” لكنه كما يشير “أنا معني بالماسونية في الشرق الأوسط وعلاقة العرب والمسلمين بالماسونيةـ والأهم هو دور الماسونية في الدولة البهلوية وتغلغلها في أهم الأحداث إلى درجة أن أصبحت البوصلة التي ترسم العلاقة بين ايران والدول الأجنبية”.

رواية الموسوي “اريامهرنامه” تقع في 361صفحة من القطع المتوسط قسمها عقيل إلى أربعة أجزاء، عنونها بـ “العرش”، “الإبن”، “الطريق”، “المشروع البهلوي”. وعبر هذه القصول تتداخل الأزمنه السردية، لتقحتم الرواية العالم الإيراني بكل تفاصيله وتعقيداته التاريخية والجغرافية والسياسية والدينية والقومية.

“آريامهرنامه” … قراءة مختلفة

a69e8da619576b10

 الكاتب والناقد نادر كاظم، الذي كان واحدا ممن أهدى الموسوي روايته لهم، وصف الرواية بأنها “ثرية ومشوقة، ستجدون فيها روائي هو عقيل الموسوي وهو روائي جديد على الرواية البحرينية والرواية العربية لكنه مثل الروائيين المميزين يكتب برأسه وبيديه وبقلبه وبقدميه”، وكاظم هنا يشير إلى الزيارات المتعددة التي قام بها الموسوي إلى إيران، مشيرا إلى أنه “لم يبقى جزء مهم في تاريخ إيران وثقافتها وفيما يتعلق بالدولة البهلوية والديانة الزرادشتيه إلا ذهب بنفسه وزاره، وبالتالي نحن امام روائي من نوع جديد، يكتب بكل ما بامكان الكتابة به، باليد وبالرأس وبالقلب وبالقلم”.

وقال  كاظم بأن هذه الرواية “تقتحم عالماً جديداً غير مألوف في الروايات العربية هو عالم إيران المعقد المتشابك المتقاطع معنا عربيا وجغرافيا وتاريخيا وثقافيا”، مستدركا “مع ذلك ومنذ قيام الثورة في ايران والتلقيات العربية والقراءة العربية لايران مصطفة على جانبين ولا تخرج عن نوعين من القراءات، اما قراءة تمجد ايران إلى حد التقديس أو قراءة  تذم وتقبح في ايران إلى حد الشيطنة” مؤكدا بأن “الرواية تتجاوز هاتين القراءتين وتقدم قراءة مختلفة ومغايرة تذهب مباشرة بمعزل عن الحمولات المسبقة لهاتين القراءتين وتقرأ ايران بطريقة مختلفة”.

شفرة دافنشي

المصور الفوتوغرافي والكاتب حسين الصيرفي قال بأن الرواية “تجذبك إليها وتجعلك تعيش في عالم موجود في زمن ما في ايران القديمة، تربطك بالتاريخ”

ويشبه الصيرفي “اريامهرنامه” برواية “شيفرة دافنشي” للكاتب دان براون، مشيراً “لهذه الرواية قصتها التاريخية الخاصة بها، لكن كلا الروايتان تتشاركان في شغفهما بالمؤسسات السرية والصراع على السلطة، والأحداث التاريخية التي شكلت المنطقة. الرواية تذهب اكثر من ذلك وتصل الى رموز الحضارة البابلية. انها رواية قوية تقدم لك التاريخ بطريقة مثيرة، بطريقة تجعلك تفهم من الشخصيات والتفاعلات الأحداث التي أدت إلى ما أصبحت عليه إيران اليوم”.

ويضيف الصيرفي “في احدى المرات أوضح لنا عقيل أهمية جبل دماوند، كنا ننظر إليه جبل كأي جبل آخر لكن بعد أن شرح لنا عقيل تاريخه، أصبحنا ننظر إليه بشكل مختلف لأن دماوند كان ملجئ وكان العمود المهم للثورة في ايران، كلما جاء الغزاة إلى ايران لمهاجمتتها يلجئ الإيرانيون إلى دماوند، ولهذا فان هذا الجبل هو ايقونة وليس جبل فقط. عقيل بتمكنه من اللغة والربط يشرح لك القصة فتتغير نظرتك إليه، تبدأ في النظر إليه بطريقة الإيرانيين المتعلقة به روحيا وليس مجرد جبل يقف وسط سلسلة جبال”.

مصصمة غلاف اريامهرنامة أماني الطواش، زوجة الكاتب التي كانت أيضا أحد من أهداهم الموسوي الرواية، تقول ان أكبر تحدياتها في تصميم الغلاف هو أنها عاشت الرواية وكذلك في “كثرة أبطال الرواية الذين كان بعضهم حقيقيا، فيما مثل عقيل الجزءالآخر المتمثلة في الدرع البهلوي، برموز”.

الجزء الثاني من التحدي كما تشير الطواش، يأتي “من أزمان الرواية، وهنا فكرنا وتناقشنا وتوصلنا إلى أن أخذ الرموز الموجودة في الدرع واحولها الى مجسمات ثلاثية الأبعاد . وهكذا تغلبنا على التحدي الأول، أما فيما يتعلق بالتحدي الثاني فاخترنا ان تكون رقعة الشطرنج هي من تمثل امتداد ازمان الرواية”.

يشار إلى أن رواية “أريامهرنامة” صادرة عن دار الفارابي اللبنانية وتقع في 361 صفحة من القطع المتوسط. وتعد الرواية الأولى للكاتب وطبيب الأسنان عقيل الموسوي، وقد أهداها إلى ابنيته ليال ورزان وزوجته أماني الطواش  وهي مصممة الغلاف وإلى صديقه نادر كاظم.

احتفاءا بالشهر الكريم… الفنان أحمد كمال يطلق انشودة على بحرين اف ام

الوسط – منصورة عبدالأمير

IMG-20160722-WA0004

احتفاءا بحلول شهر رمضان الكريم، يطلق الفنان البحريني أحمد كمال، اليوم، أنشودة جديدة تحت عنوان “وبدى هلالك” . وتبث الأنشودة اليوم على قنوات البحرين الإذاعية على موجة الإف إم.

الأنشودة من كلمات الشاعر ابراهيم بوعلاي، ألحان فهد الخليف، وقيتارات عبدالرحمن البحريني، مكساج و ماسترينغ يوسف الغافري، أما التوزيع الموسيقي فوضعه عمار الظاعن،

تم تسجيل الأنشودة في استوديو TRUE ART بمملكة البحرين.

حتى 16 مايو 2017 في مساحة مشق علي البزاز: معرض “نوتات مقدسة” يحتفي بالواقعية ويعيد لها الوهج

المقشع – منصورة عبدالأمير

maxresdefault

في محاولة لإعادة شيء من الوهج للمدرسة الواقعية، يجتمع سبعة فنانون في “مساحة مشق للفنون” ليعزفوا “نوتات مقدسة” التي يعيدون من خلالها تسليط الضوء على جماليات بيئاتهم المحلية، وذلك عبر أعمال واقعية وأساليب فنية متنوعة. عازفو النوتات هم أولا الفنانة الأميركية آن ووتشر التي كانت هي من اختار اسم المعرض وهو المقام على شرف زيارتها للبحرين بدعوة من السفارة الأميركية في البحرين.

يشاركها في المعرض، الذي يمثل أول تعاون بين الملحقية الثقافية في السفارة ومساحة مشق للفنون، كل من الفنانين عباس الموسوي، حسن الساري، محمد المهدي، فيصل حسن، زينب درويش، والفنانة ميريل كوبر وهي من جنوب افريقيا ومقيمة في البحرين منذ سنوات طويلة.

المعرض الذي يستمر حتى 16 مايو/ آيار 2017، يضم 28 عملا تتنوع بين الزيتية والمائية والأكريليك، احتفت جميعها بالمدرسة الواقعية وتغنت جميعها بطبيعة بيئات الفنانين المشاركين.

الفنان علي البزاز، مالك مساحة مشق للفنون، تحدث إلى “الوسط” عن المعرض المقام،  مشيرا أولا إلى أن ما يجمع النوتات المعروضة هو أنها أعمال تقدم واقعاً من الماضي، لكنه أضاف “لكل فنان من الفنانين المشاركين أسلوبه وخاماته المختلفة، وكل خامة لها ميزاتها التي تعطيها للوحة، هذا بالإضافة إلى أن لكل فنان موضوعاته التي تناولها بأسلوبه المختلف. الأمر الآخر البيئة المختلفة فالفنانة آن ووتشر أيضا تنقل بيئتها في لوحاتها، وهي غالبا بيئة الجنوب الأميركي، التي تنقل الفنانة اللون الضوء والبيئة والاحساس الخاص بها، أما ميريل كوبر ورغم أنها تعيش في البحر ين منذ سنوات إلا أن رؤيتها للأشياء لم تتغير، فكأنها تنقل عالمها معها من حيث تقديم البيئة والألوان وحتى نوعية الورود. حسن الساري يأخذنا لعالم آخر، فهو لا ينقل الطبيعة فقط بل ينقل مشاهد من الحياة لا نلتفت إليها عادة ولكن جزء من وظيفة الفن تسليط الضوء على الأشياء المهمشة. محمد المهدي له أسلوبه وفنه  المختلف، فيصل حسن عرض مجموعة من اللوحات القريبة من البيئة الصحراوية من الريف، أما عباس الموسوي فتناول تجربة مختلفة قدم من خلالها رحلته إلى أميركا، اشتغل بنفس التكنيك والضربات لكن الألوان اختلفت عن ألوان البيئة البحرينية”.

 حول الواقعية في الأعمال قال “الشغل الواقعي خفت كثيرا وليس هناك معارض تتناول الأسلوب الواقعي. هناك بعض الفنانين الذين يشتغلون بأسلوب الواقعي ولكنهم لا يعرضون. ربما لأن هناك اتجاه نحو الفن الحديث والتجارب الجديدة، ما جعل الأعمال الواقعية ليس لها سوق”.

وأضاف “الفنان عباس الموسوي لا يزال يصر على الاشتغال بالواقعي، رغم أن لديه اسلوب آخر وموضوعات أخرى. ميريل أكثر أعمالها واقعية، أما المهدي فيقدم ثلاثة لوحات وهي الوحيدة التي اشتغلها باسلوب الواقعي”.

ثم علق “جيد أن نجمع هؤلاء الفنانين في معرض واحد، لكن الأمر الآخر هو اننا نريد أن نعيد شيء من الوهج للمدرسة الواقعية”.

وعن أسباب عزوف الفنانين عن المدرسة الواقعية، قال “لأنها بشكل ما تعري الفنان. فالأعمال الواقعية تكشف مدة قوة الفنان وفهمه لعناصر اللوحة. كثير من الفنانين اليوم أصبح يتفادى عدم معرفته بالضوء والظل واللون وتكوين اللوحة والتشريح، باللجوء الى الفن الحديث والتجريد واللعب على المساحة اللونية أو حتى بتقديم الأشكال التي لا يطلب فيها تفاصيل وتشريح معينين. ميزة الواقعي أنه يوضح قوة الفنان وأساسه الفني وتدرجه في المجال الفني”، والبزاز يرى أن الأسلوب الواقعي هو الأفضل لإبراز جماليات البيئة والطبيعة المحلية، مؤكدا عدم ارتباط الأعمال الحديثة بالبيئة والطبيعة بشكل كبير”.

وعن رؤية بعض الفنانين بعدم منح الأعمال الواقعية فرص للإبتكار وللغوص في المعنى، قال “بشكل ما هذا الكلام صحيح لأننا في الغالب ننقل ما تراه أعيننا واحأسيسنا وانطباعاتنا عن البيئة الواقعية، مع ان هناك مجال للإبداع أمام فنان الواقعية، فالفنان محمد المهدي اشتغل في فترة على تصوير البيئة المظلمة وتغير الألوان فيها. ما أريد قوله أن هناك إمكانية لإشتغال الفنانين في اللوحة الواقعية واعمال الفنان ريمبرانت أكبر مثال لذلك، فلوحاته تقول الكثير”.

  • وماذا عن عدم رواج الأعمال الواقعية، ألا يعد هذا عائقا يمنع توجه الفنانين نحو الأعمال الواقعية

أفهم بأن هدف الفنان ان تقتني اعماله، وفي الحقيقة هناك سوق للواقعي لكن الأمر يعتمد على تسويق الفنان لأعماله، وعلى الزوايا التي يختارها او اسلوبه الفني، فلأعمال الفنان عباس الموسوي سوق ممتازة، كما إنه لا يزال بعض مقتني اللوحات يفضلون الواقعي.

سألته عما يمكن لمساحة مشق وغيرها من الجاليريهات أن تقدم لهذا الوعي بأهمية الأسلوب الواقعي، عدا عن تنظيمها لمثل هذا المعرض، فقال “نقوم بتنظيم ورش في البورتريه والطبيعة الصامته. نوجه هذه الورش بشكل كبير للأطفال لنؤسسهم فنياً”، مؤكداً “أحد المناهج المتبعة لتأسيس الفنانين هو عبر الواقعي، وهو منهج متبع أكاديميا، إذ يجب أن يفهم الفنان اللون والعناصر الرئيسية في اللوحة، التي يخلق عدم فهمه لها مواقع ضعف، على الرغم من أن الفن الحديث اليوم يذهب في فضاء آخر، وهو ما يخلق جدلاً  حول ما إذا كان الفن الحديث فن حقيقي أم لا. هناك خطاب اكاديمي لا يتوافق كثيرا مع بعض المدارس والاتجاهات الحديثة، وهو خطاب له مبرراته ولغته التي تملك ما تقوم عليه.

وعن ترويج “مشق” للأعمال الواقعية قال “أنا لا أروج لفن معين كصاحب جاليري بل أحتضن الفنون جميعها لكني أرى أن الواقعي حقه مهضوم، وهناك صالات لم تعد تفتح ابوابها له. في الواقع لدينا فنانين ممتازين واعمال جميلة وهناك من يقتني الواقع فلماذا لا نفتح المجال للفنانين الذي يعملون على الواقعي، وهو ما يشكل جزء من أهدافنا كجاليري”.

وحول أهمية إقامة هذا المعرض المشترك بين فنانين بحرينين وأجانب قال “من المهم للفنان ان يطلع على تجارب الآخرين، وعلى الرغم من أن أدوات التواصل الأجتماعي منحتنا هذا، لكن هناك حاجة لتواصل أكبر مع تجارب الفنانين في الخارج. عدا عن ذلك هناك فنانين لا يتواصلون مع فنانين من الخارج وهذه المعارض تتيح لهم الفرصة لأن يشاهدوا أعمال الآخرين بشكل قريب، ولأن يثروا أنفسهم بالنقاشات مع الفنانين من الخارج، وهو أمر يغني الطرفين حين يتم تبادل الخبرة على جميع المستويات، وهو ما يثري تجربة الفنان وخبرته، وهو بعد كل ذلك من مهمات الجاليري ابراز هذا التنوع الذي يمكن أن يشكل أساسا لمشاريع مستقبلية”.

مشاركة في برنامج السفارة الأميركية  “الفن في السفارات” الفنانة آن ووتشر: أعمالي حديثة، تمزج بين الواقعية والتجريد

الهملة – منصورة عبدالأمير

24273_1478876l

تشارك الفنانة الأميركية آن ووتشر في معرض “نوتات مقدسة”  المقام في “مساحة مشق للفنون”، بخمسة أعمال تنتمي إلى المدرسة الواقعية تحتفي عبرها ببيئة الجنوب الأميركي. وتعرض ووتشر أعمالها الخمسة إلى جانب خمسة فنانين بحرينين هم الفنان عباس الموسوي، والفنانين حسن الساري، محمد المهدي، فيصل حسن، وزينب درويش، إلى جانب الفنانة الجنوب أفريقية المقيمة في البحرين ميريل كوبر.

ووتشر حضرت إلى البحرين، بدعوة من الملحقية الثقافية بالسفارة الأميركية لتشارك في المعرض المذكور، ومن أجل تقديم ورش فنية لعدد من طلبة الجامعات والمدارس الفنية. وتأتي هذه الزيارة ضمن برنامج “الفن في السفارات” Art in Embassies الذي يتولاه مكتب الفنون في السفارات التابع لوزارة الخارجية الأميركية. ويرعى المكتب معارض مؤقتة ودائمة تشغل المساحات الملائمة للعرض في مباني السفارات والقنصليات الأميركية ومقرات إقامة السفراء الأميركيين في جميع انحاء العالم.

“الوسط” التقت الفنانة آن ووتشر على هامش ورشة فنية قدمتها في “المدرسة للفنون” وهي مدرسة لتعليم الفنون أسستها الفنانة بثينة فخرو.

عن اختيارها في برنامج “الفن في السفارات” قالت “تشرفت كثير بإختياري ضمن هذا البرنامج. سعدت كثيرا حين تلقيت رسالة الكترونية من زوجة السفير الأميركي في البحرين آن ريبوك، تخبرني فيها أنها شاهدت أعمالي وأعجبت بها، ودعتني للمشاركة في البرنامج كما طلبت أن تزين منزل السفير بمجموعة من هذه اللوحات”.

20170506_083501760_iOS

بالإضافة إلى ذلك قالت “مشاركتي في البرنامج وحضوري إلى البحرين يمنحني فرصة الإلتقاء مع فنانين آخرين لنتشارك في خبراتنا وتجاربنا الفنية”.

عن أهمية الورش التي قدمتها في البحرين، تقول “يجب على الفنان أن يرعى مهارته الفنية ويحاول أن يخرجها بأقصى ما يمكن. لكي تكون فناناً رائعاً عليك أن تواصل التعلم وتستمر في شحذ مهاراتك”.

آن التي تصنف نفسها بأنها ترسم اللون والتعبير، تقول أن ما يميز لوحاتها هو استخدامها للألوان “هذا ما أول يلاحظه كثيرون في لوحاتي وما يعجبهم فيها أيضا. تفرحني الألوان وأستخدمها بشكل غير متوقع، وهذا أمر أفعله في بعض المرات بضربات فرشاتي كما فعلت في هذه الورشة”.

الألوان هي وسيلة آن للحصول على المتعة على الكانفاس، وعن الجانب التعبيري في لوحاتها تقول “يمكن للفنان أن يجد طرقاً أخرى يعزز بها ما هو مرسوم على الكانفاس بدلا من الخطوط التفصيلية العامة. وأنا لا أريد أن أنسخ الصور بل أن أبدعها. وهذا هو القصد من التعبيرية التي تحدثت عنها. أريد أن أحصل على رد فعل عاطفي، في العادة السعادة، من وراء لوحاتي”.

20170506_083439422_iOS

وعلى الرغم من الأسلوب الواقعي الطاغي على لوحاتها، تشير آن إلى أن هناك حس حديث لا يخطئ في أعمالها، وتوضح “يبدو ذلك واضحاً في أسلوبي وفي اختياري للألوان، فأنا استخدم الألوان بشكل غير متوقع، أريد أن أكون خارج الصندوق في تعاملي معها”

وتضيف “أنا لست فنانة كلاسيكية بحيث أقوم بعمل الكثير من الطبقات الرقيقة في اللوحة، بل إنني افضل المفاهيم الفنية الحديثة مثل اسلوب الألا بريما alla prima  الذي يكون للألوان ولضربات الفرشاة فيه أهمية خاصة، وهو أمر لا  تجده واضحاً مع الفنانين الكلاسيكيين حيث لا ترى ضربات الفرشاة في أغلب الأوقات. كذلك أنا أستخدم بعض العناصر التي تنتمي إلى الأسلوب الحديث، عدا عن أن أسلوبي الفني في استخدامي للألوان وفي طريقة رسمي للأشياء يمكن أن يصنف بأنه حديث”.

وعما يجعل الأسلوب الفني “حديثاً”، تقول آن “الجدة، التطبيقات اللونية، كسر القواعد الفنية. كذلك فإن ما يجعل الفن حديثا هو اكتشاف تقنيات فنية جديدة لم تطرأ على بالك مسبقا، واختلاف الطريقة التي توزع بها الألوان، لكن رغم كل ذلك فأنا  لا أزال أركز في أعمالي على ضرورة أن يفهم المتلقي ما أريد قوله أو أن يعرف أن هناك موضوعا وقصة وراء اللوحة”.

تعتبر آن التجريد المطلق أسلوبا بارداً، وتؤكد ضرورة مزجه مع أساليب أخرى مشيرة إلى أنها تمزج بين الواقعية بالتجريد في أعمالها، وتوضح  “إذا نظرتي إلى بعض أجزاء لوحاتي بشكل منفصل فستبدو وكأنها لوحات تجريدية وهذا ما قاله السفير الأميركي حين قدم لوحاتي في منزله حيث أشار إلى أنه “إذا نظرت إلى اللوحات بشكل منفصل ستجد إنها تركيبات لونية جميلة”.

وتكمل “لست مهتمة برسم الأشياء كما هي في الطبيعة، لكنني أسعى دائما لأن أحصل على المتعة عبر بناء تركيبات جديدة، ليصبح للوحاتي صدى لدى المتلقين ويكونوا قادرين على قراءتها”.

ثم تواصل “الأمر الأخر المتعلق بإستخدامي للألوان هو أني أحب أن يعجب المتلقي بألوان أعمالي، لكني أريد أن أؤكد على أن استخدامي للألوان ليس عشوائيا بل إني  أسعى إلى توظيفها فنياً لتساعد المتلقي على فهم أعمالي والوقوف على موضوعاتها”.

عرضت أفلامه في الإمارات و”الجزيرة الوثائقية” وصور “الجارف” في الموصل    المخرج اللبناني بلال خريس: لا أخفي الحقيقة.. ولن أنزلق لمنحدر “البروباغندا”

منصورة عبدالأمير

المخرج بلال خريس

“إن دخول المخرج في عمل حول بلد ما أو فئة ما أو حزب أو طائفة لا يعني بالضرورة إنتماءه لهم أو ترويجه لأفكارهم، إلا إذا حرف الحقيقة عن مسارها، وعندها لا يمكن السكوت”.

هكذا بدأ المخرج بلال خريس حديثه معي. كان هذا جزء من رده على استفساري عن أحد أفلامه الروائية… “الجارف” الذي كان الدافع الأساس للحوار معه.

وخريس، لمن لا يعرفه، هو منتج ومخرج لبناني متخصص في تقديم الأفلام التوثيقية ذات الصبغة الدرامية “الدوكيودراما”، لكنه قدم إضافة إلى ذلك عدد من الأعمال السينمائية وعمل درامي تلفزيوني واحد. شغف بلال الأكبر يتعلق بالسينما بشكلها المألوف، يؤكد أنه يعشقها أكثر من الوثائقيات، لما تمتلكه من عناصر جذب وقوة “أكبر بمرات من الوثائقي”. ولعل ذلك ما جعله يختار تضمين الدراما في وثائقياته. شهرته في منطقة الخليج تعود إلى عدد من أفلامه التوثيقية التي  عرض بعضها في سينما فوكس في دولة الإمارات من خلال قناة الجزيرة الوثائقية، من بينها  “السلاح في أيد ناعمة”، “أيام بلون الورد”، “الحرب الأمنية”، “أصبح عندي الآن بندقية”،” في عين العاصفة”، “الجار اللدود”، “نغمات فارسية”، “الريشة تحكي الحروب”، “أبناء الجبل”.

أما فيلم “الجارف” موضع حديثي مع خريس، وهو مخرجه وكاتب السيناريو الخاص به، فهو فيلم درامي طويل يحكي قصة حصلت في مدينة بيجي بشمال العراق أثناء حكم داعش، وكيف تم تحريرها بالتعاون بين أهالي المنطقة مع بعض فصائل المقاومة العراقية.

فيلمي لا يمجد أحداً

سألت خريس بداية، وهو المخرج الذي تناقش أفلامه موضوعات متنوعة لا تنحاز لطرف، تسعى لكشف الحقيقة مهما كان ثمنها. سألته عما بدا في فيلم “الجارف” من تمجيد لبطولات فصيل عراقي محدد. ألا يخشى أن يتهم بالتحيز لأي طرف؟

جاء رده كما ذكرت بداية، ثم أضاف “الجارف لا يمكن تصنيفه إلا أنه فيلم ضد الإرهاب يحكي قصة مجموعة من الطوائف المختلفة اجتمعت معا لقتال داعش، أبو جاسم وعائلته من السنة، مصطفى وحسن من الشيعة ومريم وعائلتها من المسيحية. حاولت أن أقول في فيلمي إن الإرهاب لا دين له، وعلى كل الطوائف أن تلتقي معا لدحر هذا العدو وجرفه من أساسه”.

يؤمن خريس بأن العمل السينمائي لا يمكن أن ينحازـ كما لا يمكن له تمجيد أي بطولات وإلا تحول إلى بروباغندا. يعرف خطورة أن تنزلق أفلامه  التوثيقية إلى هذا المنحدر، لكنه يؤكد “كان لا بد من ذكر الطرف الذي حارب داعش وطرده من المدينة. داعش لم يطرده الجن ولا قوات عسكرية جاءت من كوكب المريخ، هذه الجهة التي ذكرناها في الفيلم “بشكل غير مباشر” كانت ضمن المجموعات التي قاتلت داعش وقدمت دماءا لتحرير العراق من الارهاب سواء اتفقنا معها في السياسة والأداء أو لم نتفق. ما أريد قوله هو أن الإشارة بشكل غير مباشر للجهة التي قاتلت داعش ليس بالأمر الخطأ، الخطأ أن نكذب ونخفي الحقيقة”.

أثناء تسلم الكلاكيت الذهبي عن فيلم نغمات فارسية

فيلم “الجارف” لقي ترحيبا واسعاً في بعض الأوساط لكنه ورغم جودة انتاجه وتقديمه لم يتمكن من الوصول لمحافل أخرى. طلبت تفسيره للأمر، فقال خريس “الفيلم لاقى ترحيبا قويا في العراق بدءاً من اللجنة الفنية بوزارة الثقافة العراقية التي أجازت عرضه حيث كان التقدير ممتاز ولله الحمد. قمنا بعرض افتتاحي للفيلم في بغداد وكان الحضور مزدحما تجاوز عدد مقاعد صالة السينما”.

ويفسر خريس هذا الإقبال بأن “الناس متعشطة لمشاهدة أفلام سينمائية تحكي واقعها مع تضمين العمل حكاية إنسانية حصلت بين عائلة أبو جاسم الذي كان مختبئا في بيجي المحتلة مع شباب المقاومة العراقية الذين قاموا بتنفيذ عملية ضد قاضي داعش”، مستدركاً “نعم الفيلم لم ينتشر بعد في الدول التي فكرنا بها قبل إنتاجه وما زلنا نعمل على تسويقه. الفيلم ما زال جديدا ونتواصل مع شركات توزيع في العالم، ترجمناه للإنجليزية، ونحن بحاجة لدوبلاجه تسهيلا لتسويقه في الدول اللغة الأجنبية”.

المقاومة العراقية ليست كداعش

  • إضافة إلى التوثيق، ما الفكرة التي تقصد نقلها من الفيلم، وكيف جاءت هذه الفكرة أصلا

الجارف فيلم سينمائي حاولت من خلاله عرض فكرة أن الارهاب في العراق لا دين له، وأن العراقين بكل طوائفهم ضد الارهاب ويتعاونون فيما بينهم لتنظيف العراق من الارهاب، وأن المقاومة العراقية ليست كداعش كما يتم الترويج له. بدأت الفكرة عندما قمت بزيارة الى بيجي شمال العراق واستمعت لبعض القصص التي حصلت أثناء حكم داعش لتلك المنطقة في ٢٠١٥.  تولدت فكرة الفيلم وكتبتها على الأرض خلال اسبوعين فقط حيث كنت استمع لللقصص وأحولها فورا الى مشاهد سينمائية.

  • ما الصعوبات التي واجهتك أثناء التصوير

 في أغلب المجتمعات يتصدى مجموعة من الناس للعمل في الحقل الفني والإعلامي مدركين مسبقا لما سيواجهونه في مسيرتهم، مسيرة مهنة المتاعب. ولعل ما يخفف ذلك التعب هو الشهرة أو المال الوفيرـ ولكن يبقى الشغف هو أقوى الدوافع خصوصا في الأعمال القريبة من الخطر كما حصل معنا أثناء تصوير الفيلم، إذ دخلنا بيجي لنصور بعد شهور قليلة على تحريرها وداعش يبتعد عنا مسافات قليلة، أردت التصوير في الأماكن الحقيقية لإعطاء الفيلم بعدا واقعيا صادقا”.

الدراما تؤثر.. أكثر

  • تولى الأفلام التوثيقية ذات الصبغة الدرامية اهتماما أكبر، لماذا هذا التوجه

عملت على مدى سنوات أفلاما وثائقية بلسمات درامية لقناعتي أن الدراما أكثر تأثيرا في المشاهد وجذبه لما تمتلكه من عناصر جذب سواء على صعيد القصة أو على صعيد أسلوب التصوير الدرامي. أخرجت أربعة عشر فيلما من خلال شركتي سبوت شوت كمنتج منفذ والانتاج كان لصالح قناة الجزيرة الوثائقية، القناة الأولى في عالم الوثائقيات العربية دون منافس.

  • ما الذي تسعى لتوثيقه من خلال افلامك؟ ولماذا قررت تأسيس شركة الإنتاج الخاصة بك “سبوت شوت”؟

الأفلام الوثائقية التي عملتها تنوعت بين اجتماعي وفني وسياسي وأمني وعسكري، بحسب الموضوع والفكرة التي كنت أقترحها على القناة المنتجة “الجزيرة الوثائقية”. أول فيلم وثائقي “دوكيودراما” أنتجته حمل عنوان “السلاح في أيد ناعمة” وهو عن النساء اللبنانيات اللواتي حملن السلاح في الحروب اللبنانية سواء الحرب الأهلية الداخلية أو الحرب ضد إسرائيل. أردت القول من خلال هذا الفيلم أن المرأة عندما تحمل سلاحا وتقاتل فهي لا تحمله للاستعراض ولا للمرجلة بل للدفاع عن أهلها وناسها وأحبابها وأولادها. لا بد لهذه الأفلام من قضية محقة تعالجها، وأنا أعتبر نفسي مخرجا صاحب قضية لا يغريني العمل إذا لم يتضمن قضية وطنية أو فنية أو اجتماعية أو إنسانية. أنتجت بعده فيلم “أيام بلون الورد” وفيلم “أصبح عندي الأن بندقية”.

ثم وجدت نفسي بحاجة لتأسيس شركة إنتاج لسبب وحيد وهو أن أحمي المخرج الذي في داخلي لأنكم تعلمون أن شركات الإنتاج همها الأساسي التوفير والربح وهذا الأمر كان يسبب لي حرجا مع الشركات التي تعاونت معها، أن تكون أفلامي من تنفيذ شركتي معناها أنني أملك كامل الحرية في الصرف والانتاج دون الحاجة لموافقة أحد. الموضوع له علاقة بعشقي لأفلامي والحفاظ على مستواها قدر الإمكان.

عن المرأة والحرب

  • ماذا عن فيلم “قاهرات” الذي تعمل عليه حاليا؟ وما القضية التي توثقها من خلاله؟

أشتغل حالياً على فيلم روائي سينمائي عن المرأة وحضورها في الحرب ضد الإرهاب، هناك نماذج عديدة لنساء لم ترضَ السبي والاغتصاب وفضلت أن تحمل البندقية لتحمي شرفها من شياطين الارهاب. هذا الفيلم الذي سيغلب عليه العنصر النسائي ما زال في خطواته الأولى ونحن نتواصل مع عدة جهات مستقلة يهمها أن تستثمر في السينما. والفيلم سيكون من إنتاج شركة “سبوت شوت” اللبنانية تحت إدارتي”.

يشار إلى أن قائمة أعمال المخرج بلال خريس تضم أعمال دراما كوميدية مثل “أما بعد” من بطولة الفنان اللبناني أحمد الزين، وأفلام درامية مثل ‘ستحين الساعة’، “هذا الرجل غيرني”، “القلادة” وعدد كبير من الأفلام التوثيقية والروائية التي ناقشت موضوعات متنوعة.

فيلم “الجارف”: لا حق للإعتراض على البشاعة

منصورة عبدالأمير

لقطة من فيلم الجارف

لم تعد المشاهد السينمائية التي تصور العنف والوحشية، اليوم، ضربا من خيال سادي لكاتب أو رؤية إخراجية مضخمة ومبالغ بها من أجل أغراض الإثارة ورفع نسب المشاهدة للعمل السينمائي. ولن تصنف الأفلام التي تضم هذه المشاهد كأفلام رعب أو إثارة أو ما شابه، لكن هذه المشاهد والأفلام، أصبحت اليوم، ومهما بدت فانتازيتها، تؤدي غرضا توثيقيا هاماً، وتمارس مهمة في نقل واقع مؤلم صادم.  ولذا فلا حق لمشاهد ما أن يعترض على أي مشهد سينمائي يصور وحشيات عالم اليوم، مهما بدت فانتازيته.

ينطبق ذلك بكل تأكيد على البطولات التي تصورها تلك الأفلام، والتي يقدم عليها ضحايا عنف وبشاعة الواقع الذي نتحدث عنه. هذه البطولات هي أيضا ليست ضربا من الخيال، وقد لا تعد بطولات أساسا بل سلوكيات طبيعية وردود فعل دفاعية ضرورية لحماية الوجود الإنساني.

وهكذا، فإن المشهد الافتتاحي الصادم في فيلم “الجارف” The Torrential  الذي  أخرجه  اللبناني بلال خريس، لا يتضمن أي مبالغة حين يصور مشهد قتل فتاة من الموصل على أيدي أعضاء ينتمون لما يسمى بتنظيم الدولة الإسلامية “داعش”. كما لن يكون الفيلم خياليا وهو يستعرض شجاعة ذوي الفتاة حين شاركوا في تحرير مدينتهم “بيجي” الواقعة في الموصل بشمال العراق.

خريس يشير منذ البداية إلى أن فيلمه هذا مقتبس من قصة حقيقية، إنها قصة تحرير مدينة بيجي من قبضة  داعش.  ومنذ البداية أيضا يضع المخرج مشاهدي فيلمه في حالة ترقب وحذر، بدءا من مرافقتهم لبطل الفيلم (الممثل العراقي مازن مصطفى) وهو يجول بالقرب من موقع عسكري تتمركز قوات داعش فيه. والبطل ليس سوى شيخ عجوز يحاول تتبع أثر ابنته سارة التي اختطفها أفراد من داعش إبان هجومهم على المدينة متخذين منها سبية لزعميهم.

ما سيشاهده العجوز حينها سيشكل بشاعة لكن تجسيدا لواقع حي عايشه أهالي شمال العراق منذ وقت قريب. تلك البشاعة التي نجح المخرج ومدير تصويره نهاد عز الدين، وربما مؤلف موسيقاه رعد خلف، في نقلها أو الإيحاء بها. ولن تكمن البشاعة في مشهد التنكيل بالفتاة ومن ثم قتلها فحسب، لكن حتى في قبح خطاب التنظيم الذي يأتي على لسان أحد زعمائهم وهو من يأمر بذبح الفتاة بعد أن ترفض الإنصياع لشهواته. يلوم من أحضرها لشراستها معترضا بأنه كيف يمكن له أم المصلين وأثار خدوشها ظاهرة على وجهه، منهيا لومه بالتذكير بأن “من غشنا فليس منا”.

جودة التصوير العالية ستزيد من حدة المشاهد وتأثيرها الصادم، ربما لأن التصوير تم اصلا في مدينة بيجي حيث جرت الأحداث الحقيقية، وربما لأن المصور أحسن اختيار زاوية تصوير كل مشهد والإضاءة المناسبة له، ما خلق أثرا مضاعفا ومشاهد أكثر قدرة على نقل حجم البشاعة من جانب، وتبيان قدر المعاناة والألم اللذان يعيشهما أبطال تلك المشاهد من جانب آخر.

عبر ساعة وخمسين دقيقة، يقص الفيلم ثلاث حكايات تتداخل أجزاءها ويلتقي أبطالها لاحقاً ليحرروا المدينة جميعاً.  سيكون الشيخ العجوز المقتفي أثر ابنته، هو وأسرته التي تتكون منه وزوجته (تقوم بدورها الفنانة العراقية عواطف السلمان) وإبنه محمد، هما محور هذه الحكاية.

لقطة 2 من فيلم الجارف

الحكاية الثانية ستدور في حي السكر الواقع بمحافظة نينوى بشمال العراق. وكما بدأت الحكاية الأولى، يطالعنا المخرج ببشاعة أخرى كبداية للحكاية الثانية، حين يهجم الدواعش على هذا الحي المسيحي، ليقوموا بعملية إعدام جماعي لمجموعة من أهالي الحي. يعرف خريس كيف ينقل بشاعة الحدث، حين يضيف إلى قائمة المقرر إعدامهم طفلة صغيرة يقوم جلادها بتضبيط غطاء رأسها قبل أن يشد على معصمها الحبل الذي يربطها بباقي المحكومين بالإعدام تفجيراً، فيما تطمئن هي قطتها الصغيرة وتعدها بأن تبقيا معاً. سيتناول الزعيم أول لقمة من مائدة وضعت له بالقرب من موقع التفجير، ثم سيضغط الزر لتتناثر أشلاء الضحايا فيكبر جنوده. ستنجو فتاة من سكان الحي ستكون هي محور الحكاية الثانية.

الحكاية الثالثة ستدور أحداثها في موقع عسكري ميداني لأحد فصائل المقاومة العراقية. هنا سنعيش أجواء أكشن وإثارة وفق المخرج في نقلها بتصويره أجواء التخطيط للعمليات العسكرية التي ينوي فصيل المقاومة القيام بها للقضاء على الدواعش في المنطقتين المذكورتين.

سيعتمد المخرج اسلوب التوثيق في هذا الفيلم الدرامي، ليستشعرك الرعب والألم الذي عاشه أولئك الذين يسرد فيلمه حكاياهم. سيوضح المخرج أسماء المواقع التي يصور فيها حكاياته، سوف يهتم بنقل تفاصيل الحياة الصغيرة، الطعام، الطرقات، الملابس، ثم سيختم فيلمه بمشاهد حقيقية من عملية تحرير مدينة بيجي التي تمت بتاريخ 15 نوفمبر/ تشرين الثاني عام 2015 والتي أطلق عليها عملية السيل الجارف.

وعلى رغم الحس التوثيقي الطاغي على الفيلم، إلا أن المخرج تمكن من تقديم فيلم درامي بإنتاج عالي، حبكة رصينة، رؤية اخراجية متمكنة، تصوير متقن أنتج مشاهد بليغة، مصحوب بموسيقى مؤثرة ومكملة لنقل الحدث.

هل هي القضية التي يناقشها الفيلم أم إنتاج الفيلم العالي من شركة سبوت شوت، أم براعة الإخراج هو ما قدم فيلماً برصانة “الجارف” وبقوة منطقه؟. مهما يكن من أمر، الفيلم جيد ويستحق المشاهدة.