ملحمة التاريخ المظلم في فيلم “عصابات نيويورك”

منصورة عبدالأميرgangs-of-new-york-e1500745514478.jpg

بعد ثلاثة أعوام من فيلمه الأخير Bringing Out The Dead الذي لم يكن بمستوى أفلامه الأخرى، يعود الينا مارتين سكورسيس بفيلم لا يقل روعة عن أعظم أعماله .Good Fellas هذه المرة يعود بملحمة تاريخية تسطر تاريخ أعظم وأقدم ديمقراطية في العالم، في فيلم Gangs of New York. استطاع سكورسيس من خلال هذا الفيلم الذي تفوح منه روائح الدم والموت وتسمع فيه أصوات القتل والهلع، ان يأخذنا الى حقبة تاريخية سابقة، الى القرن التاسع عشر وبالتحديد الى الفترة الواقعة بين الأعوام 1846-1863 وهي الفترة التي حددت مصير أعظم دولة في العالم ورسمت تاريخها الحالي.

نعود بالتحديد الى الجزء الأدنى من منهاتن والى اسوأ حاراته الى حارة الخمس نقاط Five Points حيث يعيش الناس في كهوف قذرة وتحت ظروف فقر مدقع يجعلهم ينخرطون في أعمال العصابات ويجعل النساء يتخذن طريق البغاء الذي لا يعرفن سواه، وحيث يسيطر قانون الغاب المتمثل في حروب بدائية دامية تدور بين العصابات التي تتسمى بأسماء غريبة لكنها تحمل ايحاء بحياة التشرد والفقر السائدة في تلك الفترة فهناك ملائكة المستنقع وفتية الفجر وأذيال القميص وقبيحو القبعات وغير ذلك من أسماء لا تقل غرابة وظرفا، لكن أشهر هذه العصابات عصابتا الأرانب الميتة وأبناء البلد الأصليين.

يبدأ الفيلم بتصوير لمعركة وحشية بين أهم عصابتين، عصابة الأرانب الميتة التي تتكون من الأميركيين – الايرلنديين بزعامة القس فالون (ليام نيسون) وعصابة ابناء البلد بقيادة ويليام كتنج الشهير ببيل الجزار (دانيل داي لويس)، سبب المعركة هو رفض عصابة بيل لوجود الأجانب وأهمهم المهاجرون الايرلنديون في أميركا، ويدور القتال الوحشي بين الطرفين باستخدام السيوف والسكاكين والرماح والهراوات والفؤوس وكل ما يمكن أن يشطر الجسد أو يثقبه، معركة اختار لها المخرج ان تدور على أرض ثلجية بيضاء ربما ليزداد وضوح لون الدم الذي يصبغ بياض الثلج فينقل لنا ذلك مدى وحشية المكان والزمان.

CLA1.CA.Oe.1127.GANGS9.0.1gangs-of-new-york (1)

تدور المعركة في وسط الشارع وعلى مرأى من الجميع ويشارك فيها الكبار جميعهم، رجالا ونساء، والكل يحمل نفس القسوة والعنف والوحشية لا فرق بين امرأة ورجل. يشاهد الأطفال ذلك وتنتهي المعركة بقتل القس فالون على يدي زعيم أبناء البلد بيل الجزار، وعلى مرأى من امسترادام، ابن فالون، الطفل الصغير. مشاهد القتل بشعة خصوصا مع لقطات الكاميرا المقربة والاختيار الموفق للموسيقى ما يجعلنا نشعر بألم الضربات التي تطال كل أجزاء الجسد البشري وبحرارة الدماء التي تتناثر من الرؤوس والعيون والأفواه والأجساد والأشلاء. مشهد قتل القس يرعبنا ويؤلمنا، يرعبنا بيل الجزار الذي أدى دوره دانيل داي لويس ببراعة فائقة ما كان دي نيرو الذي كان مرشحا للدور ليتمكن من أن يظهر اكثر منها، ويؤلمنا المشهد بسبب اداء الطفل الرائع والتصوير المدهش والإخراج المبدع فنحن نفزع لفزع الطفل ونلهث حين يجري نحو والده المحتضر وتسيل دموعنا حين يذرف القليل من الدموع المخنوقة الخائفة الغاضبة، وحين يغضب وتنبت في نفسه اول جذور الانتقام نغضب معه ونجفف دموعنا ونحمل نفس عزمه على الانتقام الذي يتضح في مشاهد تالية في الفيلم.

مشهد معركة العام 1846 المؤرخة مشهد رائع على رغم وحشيته و على رغم انه يدفعنا للتقيؤ بسبب العنف المبالغ فيه لكنه يجعلنا نعيش المعركة كما يعيشها سكورسيس وكما يعيش كل افلامه الرائعة الأخرى. يكبر امستردام (ليوناردو دي كابريو) الذي تم أخذه بعيدا الى احدى الاصلاحيات ويعود ليثأر لمقتل أبيه بعد 16 عاما اي في حوالي العام 1861، ليكتشف ان قاتل والده هو زعيم اقوى عصابات منهاتن وان عليه الحذر واستخدام ذكائه ليتمكن من الانتقام، يعود امستردام فتى قويا مفتول العضلات لكنه بالطبع ليس بقوة او دهاء او براعة خصمه، يعود وهو يحمل صراعا عنيفا في داخله، صراعا بين رغبته في الانتقام وبين محاولاته لكتم غضبه ومشاعره الحقيقية وحقيقته في مقابل اظهار الولاء والدفاع عن قاتل والده وذلك حين ينضم لعصابة بيل ويصبح المقرب له. وقد استطاع ليوناردو ان يجسد الدور باداءه الرائع، اذ جعلنا نشعر بغضبه المكبوت ونرى ألمه من خلال عينيه وجميع تعابير وقسمات وجهه، جعلنا نشعر بنبض عروقه حينما كان يحاول كبت غضبه ونشعر بالألم يعتصر قلبه حينما يكتم دموعه وجعل دموعنا تسيل حين تسيل دموعه المقهورة، تألمنا لألمه وغضبنا لغضبه، ثرنا معه واتقدت في أحشائنا ذات النار التي تلهبه.

من جانب آخر يصعقنا أداء دانيل داي لويس المتوحش الذي استطاع ان ينقل لنا من خلاله أوجه عديدة لهذه الشخصية المعقدة فهو الجزار الذي يستعذب قتل الآخرين لكنه في الوقت ذاته فيلسوف، وهو الوحش البغيض الذي لا يرحم خصومه لكنه أيضا يحمل روح دعابة وظرف، تلفت انتباهنا لهجته الغريبة التي تقمصها ليتكامل أداءه لشخصية الجزار. دانيل بدا قبيحا بسبب شاربيه القبيحين ومقرفا بسبب شعره الطويل القذر ومرعبا بسبب عينه الزجاجية التي يستعذب النقر عليها بقطعة من الحديد. شخصية معقدة ومرعبة ولا أعرف ان كانت هناك دقة تاريخية في نقلها ام ان هذا التفصيل كان بهدف الاثارة السينمائية لا أكثر. مهما يكن فقد كان دانيل اكثر من بارع، أرعبنا، أقرفنا، كرهناه ورغبنا في ان نشهد نهاية بشعة له وتحقق لنا ذلك في نهاية الفيلم على يدي امستردام وان لم تكن النهاية بشعة بما يتناسب مع بشاعة صاحبها بيل وبما تمنينا لنشفي غليلنا منه.

2560x1440

يحاول امسترادام الانتقام لكن حقيقته تنكشف لبيل من قبل جوني (هنري ثوماس) ـ صديق امستردام الذي يكتشف حقيقة صديقه ـ وتدفعه الغيرة والحسد لان يشي به، تفشل محاولة الانتقام ويلقى امستردام من بيل اقسى الجزاء، لكنه لا يقتله وذلك جزء من التعقيد في شخصية بيل فهو لا يقتل جميع ضحاياه بل يترك بعضهم ليموتوا ببطء امعانا منه في تعذيبهم. كاميرون دياز التي لعبت دور جيني النشالة البارعة التي تقع في حب امسترادام وتفضله على جوني صديقه، تهرب مع امسترادام وتعالجه بعد انتقام بيل منه حتى يسترد صحته ويعود ليعيد تشكيل عصابة والداه الأرانب الميتة. كاميرون تلعب في هذه المرة دورا مختلفا عن أدوراها في كل أفلامها السابقة فليست هي الفتاة الجميلة الغبية بل انها نشالة ماكرة وذكية وهي عنيفة ومتوحشة بشكل لا يقل وحشية عن امستردام وهي ايضا محبة وحنونة وفي بعض المشاهد مقاتلة ضارية. توظيف رائع لقدرات دياز من قبل سكورسيس وهي القدرات التي لم يتم الالتفات لها من قبل مخرجين آخرين.

تندلع الحرب الأهلية بسبب سخط الايرلنديين المهاجرين الذين يؤخذون للتجنيد الاجباري مباشرة بعد وصولهم الى اميركا ويجبرون على الحرب من أجل امور لا علم لهم بها، ومن قبل الأقليات الأخرى التي تعيش الفقر والحرمان. تستهدف ثورة المحرومين هذه حي الأثرياء لتنتهي بهجوم الجيش وبمذبحة قد لا يكون لها مثيل في تاريخ أميركا سوى ما حدث في الحادي عشر من سبتمبر. الفيلم رائع ومؤثر ولا أعرف ان كان ذلك بسبب براعة سكورسيس ام هو أداء ليوناردو المدهش الذي يعتقد البعض ان وجوده يكفي لانجاح الفيلم وذلك بسبب ما اكسبه فيلم (Titanic) من شهرة واسم لامع اذ يكفي وجود اسمه في اي عمل لتحقيق نجاح كبير. وربما يكون السبب هو التوثيق لتاريخ نجهل بداياته والصدمة التي تلحق بالمتفرج حين يعرف الحال التي كانت عليه دولة القانون والديمقراطية (كما يفترض ان تكون) وهو التاريخ الذي لا يمكن تجاهله او التنكر منه.

المخرج بارع ولسنا بحاجة لاستعراض براعته تلك، ليوناردو رائع في أداءه، دانيل مدهش، ودياز تظهر بوجه جديد، بالاضافة الى الموسيقى الرائعة التي تجعلنا نعيش المشاهد ونتفاعل معها، هذا عدا عن التصوير السينمائي الذي يجعلنا في وسط الصورة وتقنيات اللقطات المقربة ورؤية الأمور من عيني البطل. العمل ككل هو عمل عظيم من صنع استاذ بارع

صحيفة الوسط البحرينية – العدد 156 – الأحد 09 فبراير 2003م الموافق 07 ذي الحجة 1423هـ