مناشدات للسلام تضفي مفارقة واضحة على الأوسكار

 oscar_statue

الوسط – منصورة عبدالأمير

حفل الأوسكار في كل عام ليس حدثا عاديا، على الأقل بالنسبة إلى المشاركين فيه وإلى متابعي أخبارهم، ففي هذا اليوم يجتمع النجوم ومشاهير الفن السابع جميعهم في مكان واحد، ليلتقوا مع جمهورهم ويتحدثوا معهم وجها لوجه، وليتأنق الفنانون والفنانات على البساط الاحمر وهم يرتدون أرقى الملابس وأرفعها ذوقا. وفي هذا اليوم تجرى الكثير من الطقوس والمراسم التي يتم بعدها اختيار وتكريم افضل أعمال العام ومن قام بها.

في حفل هذا العام وفي يوم الأحد 23 مارس/ آذار 2003 لم تكن الحال كما كانت عليه، فالمراسم تقلصت وجمهور المعجبين قل عددا وحماسا، رجال الأمن المنتشرون في جميع الزوايا والأنحاء فاقوا رجال الاعلام الموجودون على مسافة بعيدة من البساط الأحمر الذي يعتبر نقطة التقائهم مع النجوم، الوجوه لم تكن جميعها متألقة ككل عام والصمت يخيم على المكان وهتافات الترحيب خفتت فيما عدا القليل منها لتحية كبار النجوم كشون اوكونري وجوليان مور… وسواء شاء المنظمون أم أبوا فقد طغى جو الحرب على بريق الحفل… لم يكن هناك شيء مميز وجديد بعيدا عن الأعمال التي قدمت، ربما كانت هناك بعض المفاجآت في اختيار النجوم الفائزين وفيما عدا ذلك لم يكن هناك حدث غير اعتيادي في مراسم الحفل. الأمر الوحيد الذي قد يكون متميزا والذي كنا قد حبسنا أنفاسنا منذ أيام انتظارا له هو ما سيقوله المشاركون في الحفل وبالتحديد الكيفية التي سيتحدثون بها عن مشاعرهم وآمالهم وآرائهم فيما يتعلق بموضوع الحرب التي تشنها الولايات المتحدة على العراق.

فعلا حدث ما توقعه الكثيرون حين فاجأنا المخرج الأميركي مايكل مور المعروف بجرأته الشديدة وآرائه الشجاعة والمنصفة فيما يتعلق بالكثير من القضايا والأمور، وذلك بخطابه القصير الذي ألقاه على حشد النجوم، والذي شجب فيه قرار الحرب على العراق وانتقد فيه السياسة البوشية واصفا الرئيس بأنه زائف. بعد ذلك أعلن موقفه من الحرب ثم عبر عن استيائه من الرئيس.

ولم تكن هذه هي المفاجأة الوحيدة بل تلتها مفاجآت أخرى، منها: التهليل والتصفيق الحار الذي تلقاه مايكل من الجمهور والذي ان عبر فانما يعبر عن وجهة النظر المشابهة التي يحملها الحضور، والى جانب الهتافات كانت هناك هتافات مضادة وهو الامر المتوقع إذ انطلقت بعض الأصوات من بين التصفيق مستنكرة كلمات مور لكن هذه الأصوات لم تتجاوز خمسة أصوات بحسب كلام مور نفسه… هذه الاصوات انطلقت بحسب ما يبدو من أصحاب البروج العاجية الذين يعيشون في منأى عن كل ما يدور والذين يؤمنون بأن لا خلط بين السياسة والفن على جميع الأصعدة حتى على صعيد حياتهم الشخصية ربما، فهم فنانون لكن ليسوا مثقفين أو يحملون اي اهتمام بالآخرين… ولذلك فليذهب كل شيء الى الجحيم.

Michael-Moore-001

 

ولم يكن مايكل مور هو الوحيد الذي عبر عن آرائه تجاه الحرب بل كان هناك أدريان برودي بطل فيلم The Pianist، الذي فاز بجائزة أفضل ممثل في دور رئيسي، والذي عبر عن مشاعره تجاه الحرب بطريقة عاطفية مؤثرة وكان هناك نيكول كيدمان، التي فازت بجائزة أحسن ممثلة في دور رئيسي عن فيلم The Hours، والتي أشارت عن بعد الى موضوع الحرب وتمنت السلام للجميع، بالاضافة الى كريس كوبر الفائز بجائزة أفضل ممثل في دور ثانوي عن فيلم Adaptation. جميع هؤلاء أشاروا في حديثهم الى الحرب وغيرهم كانوا قد سبقوهم في التعبير عن احتجاجهم فاعتذروا عن حضور الحفل وعلى رأسهم ويل سميث الذي كان من المفترض ان يكون احد مقدمي الجوائز في الحفل. الا ان ما يميز مايكل هو كمُّ الصراحة والحس الانساني الذي اتسم به خطابه، فالمتحدثون الآخرون كانوا قلقين على الجنود الاميركان وعلى أصدقائهم أو ربما على صورة أميركا لكن مايكل كان انسانا اكثر من غيره فقد كان يرفض الحرب وقتل الناس الآخرين وهم العراقيون. وقد حاول منظمو الحفل اجباره على انهاء كلمته بجعل صوت موسيقى الأوركسترا أعلى من صوته وتم اقتياده مباشرة من على خشبة المسرح الى سيارته وليس مرة أخرى الى مقعده!، وحصل مايكل مور في هذا العام على جائزة أفضل فيلم وثائقي وهو فيلم Bowling for Columbine الذي يتحدث عن سوء استخدام الأسلحة في أميركا.

يذكر أن جائزة أحسن فيلم ذهبت هذا العام الى فيلم Chicago (وهو الأمر الذي كان متوقعا) وحصل أيضا على جائزة أفضل تصوير وأفضل اخراج وافضل تصميم للملابس وأفضل تركيب للأصوات وكذلك الصور كما حصلت بطلته كاترين زيتا جونز على جائزة أفضل ممثلة في دور ثانوي. من الأفلام الأخرى الفائزة فيلمThe Pianist الذي حصل على جائزة أفضل اخراج وافضل نص سينمائي بالاضافة الى جائزة أفضل ممثل لادريان برودي.

انتهى حفل الأوسكار وتسلم الفائزون جوائزهم لكن آراءهم التي عبروا عنها سواء خلال الحفل أو بعد ذلك بقيت وهي بالنسبة إلى معظمهم أهم بكثير من الجوائز التي تسلموها، لقد أراد النجوم ان ينقلوا إلينا رسالة تفيد بأنهم ليسوا أشخاصا مرفهين مشبعي الرغبات لا يكترثون لآلام ومعاناة وهموم الآخرين بل انهم كما يقول برودي الفائز بجائزة أحسن ممثل سيصلّون للّه أو لأي إله آخر يؤمنون به من أجل عالم آمن

العدد 205 – الأحد 30 مارس 2003م الموافق 26 محرم 1424هـ

 

عودة إلى جاذبية قاتلة في فيلم Swimfan

منصورة عبدالأمير 

ee132967bf0e12c68e1bdd2d1b25d689

في العام 1987 قدم المخرج ادريان لين فيلم Fatal Attraction من بطولة مايكل دوغلاس وغلين كلوس وكان يدور حول فكرة خيانة الرجل للمرأة محذرا من مخاطرها ونتائجها التي لا تحمد عقباها. وفي سبتمبر/ أيلول 2002 وبعد ما يقرب من ستة عشر عاما تعود إلينا فكرة الخيانة الخطرة ذاتها في فيلم للمخرج الاسترالي جون بولسون يحمل اسم Swimfan، يوجه الممثل المخرج من خلاله درسا أخلاقيا إلى المراهقين يتركز على أنه من الخطأ أن تخون حبيبتك فذلك سيكلفك الكثير. ولا يكتفي جون بولسون باقتباس فكرة فيلم ادريان، بل ان الملامح العامة للقصة وجزءا كبيرا من التفاصيل ينسخ ويعاد في فيلمه الأخير، وما يتغير فقط هو التقنيات ووجوه الممثلين والمشاهدين المستهدفين، ففي الفيلم الأول تتم الخيانة او الانجذاب القاتل من قبل رجل متزوج ناضج في السن إلى امرأة في مثل سنه. أما هنا فتدور الحوادث في احدى المدارس الثانوية بين طلبتها المراهقين، وهكذا فقد يكون الفيلم الجديد موجها إلى المراهقين والشباب الصغار، لذلك نستطيع القول ان فيلم Swimfan هو نسخة العام 2002 من.Fatal Attraction.

مايكل دوغلاس هنا هو جيس برادفورد أو بن كرونين، أما غلين كلوس فهي اريكا كريستينسين (ماديسون بيل)… (بن) طالب في المدرسة الثانوية، حياته لا ينقصها اي شيء تقريبا فهو سبّاح ماهر على أمل الحصول على بعثة إلى ستانفورد، كما ان لديه صديقة لطيفة رائعة وتحبه كثيرا وهي شيري ابلباي (ايمي)، وهو محبوب ومحب للآخرين ومثالي، إذ يقضي أوقات فراغه في التدريب على السباحة كما انه يعمل ممرضا في احد المستشفيات. أما البطلة ماديسون فهي فتاة فاتنة رائعة الجمال أتت حديثا إلى المدينة من مكان ما، وهي حساسة وتجيد العزف على الكمان لكنها على ما يبدو مريضة نفسيا ولديها خلط واضح في تعريفها للمفاهيم كمفهوم الصداقة مثلا.

منذ بداية الفيلم تقع ماديسون في حب بن وتحاول التقرب منه بشتى الطرق ويستجيب إليها في بادئ الأمر اعتقادا منه برغبتها في الصداقة ليس إلا، لكنه يتراجع مسرعا بعد تطور معين في علاقتهما ويفضل الاخلاص لإيمي والبقاء معها، لكن ماديسون ترفض ذلك معتقدة ان بن يحبها وتحاول اقناعه بذلك. وهنا تبدأ سلسلة من المطاردات بين ماديسون وبن، تكاد ماديسون من خلالها ان تدمر حياة بن. يطرد أولا من فريق السباحة بتهمة استخدام المنشطات التي يقسم انه لم يأخذها أبدا، ويبدو هذا الاتهام مدعوما بماضيه الأسود إذ عولج سابقا من الادمان على المخدرات، بعد ذلك يُقتل أحد أصدقائه وتبدو أصابع الاتهام جميعها موجهة إلى بن. وأخيرا يتهم بن بمحاولة ايذاء صديقته ايمي والتسبب لها بحادث. يشك بن في ان تكون ماديسون وراء كل هذه الأمور ويحاول التحقيق في هذا الأمر بعد ان انفض الجميع من حوله، وفعلا يتمكن من اكتشاف الكثير من الأسرار لتنتهي مطاردات ماديسون وتفشل في مسعاها بينما ينجح بن في اعادة الأمور الى نصابها الصحيح.

2002_swimfan_005

ليس هناك الكثير مما يمكن كتابته عن هذا الفيلم، فالسيناريو والقصة لا يستحقان ذلك على الأقل لأنهما تقليديين ولا جديد فيهما، كما ان فكرتهما مبتذلة. وكما ذكرت سابقا الفيلم تكرار لفيلم Fatal Attraction ولما شابهه من أفلام كفيلم .The Crush وما يمكن ان يشكل عامل جذب لهذا الفيلم هو الموهبة التي يتمتع بها الممثلون فيه وعلى رأسهم اريكا كريستينسين (ماديسون) التي ظهرت منذ عامين في فيلم Traffic إذ كان شكلها الخارجي متناسبا بشكل كبير مع ما يفترض ان تكون عليه الشخصية التي لعبتها، فهي على قدر كبير من الجمال والفتنة وهذا ما يجب ان تكون عليه ماديسون، كما انها حادة الذكاء وهذا ما تنقله لنا عينا اريكا، الأمر الذي يخونها هو براءة وجهها التي لا تعطي انطباعا عن وجود مرض نفسي، كما اعطت ملامح غلين كلوس في Fatal Attraction، وفيما عدا ذلك كان أداؤها جيدا وكانت حالة البرود التي تسيطر على أدائها في جميع المشاهد تقريبا كفيلة بأن تنقل لنا جزءا مما تعيشه من حالة نفسية. ومن بعد ذلك يأتي بن، فهو ممثل جيد وهو كماديسون على قدر من الوسامة واللياقة ما يجعله مناسبا للدور، لكن على رغم ذلك فوجهه الطفولي يظلمه اذ لا يتناسب مع مستوى النضج الذي نشهده منه في الكيفية التي يعالج بها الامور. أما بالنسبة إلى إيمي فإن ملامحها البريئة ووجهها الهادئ يعطيان انطباعا يتناسب فعلا مع الشخصية، فهي محبة ولطيفة ومتسامحة إلى حد بعيد لكنها أيضا ذكية تعرف كيف تحتفظ ببن على رغم كل شيء. الأمر المميز في اختيار جيس برادفور وشيري ابلباي ايضا هو ذلك النوع من التناسب والانسجام العاطفي الذي يبدو بينهما والذي نشعر به في كل مشهد يجمعهما.

swimfan.20170228025348

بالنسبة لسيناريو الفيلم (الذي كتبه فيليب شنايدر)، فهو يمتلئ بالكثير من المبالغات، كإظهار قدرة ماديسون على القيام بالكثير من الأشياء لايذاء بن، فنحن نشاهدها تتسلل إلى المستشفى وتتمكن من تبديل الأدوية للمرضى، وتتمكن من قتل جوش في بركة السباحة، كما انها تستطيع قتل الشرطيين المرافقين لها على رغم انها مقيدة. الأمر السلبي أيضا هو وجود بعض التناقضات في الفيلم، فماديسون ذات الذكاء الحاد لا يمكن أن تنتهي بالطريقة الغبية التي رأيناها في حوض السباحة. والى جانب التناقضات فهناك الغموض الذي يلف الكثير من الامور والذي يبدو بأن كاتب السيناريو لم يعبأ به، فهو لا يخبرنا عن ماضي ماديسون وما سبب لها المرض النفسي الذي تعاني منه. كما انه لا يغوص بنا في أعماق بن، فنحن لا نعرف كيف يشعر حقا ولما يرفض ماديسون وهل يكرهها ام لا وكيف يشعر بالذنب تجاه خيانته لايمي، لا نرى منه سوى عينين تائهتين وربما ساذجتين لا يمكننا قراءتهما.

ما يحسب لصالح الفيلم هو قدرة مخرجه على استخدام الكاميرا بحيث يوجه اهتمام المشاهد وتركيزه الى حيث يريد. لكنه يفشل مرة أخرى في استخدام تقنية يقوم فيها بتقطيع المشاهد لبيان انفعالات الممثل، وهي تقنية استخدمت عدة مرات لايضاح انفعالات ماديسون ولنقل فكرة مرضها النفسي، تقنية لم يكن المخرج بحاجة إليها مع وجود ممثلة جيدة كأريكا كريستينسين.

الفيلم لا يحمل اية اثارة او تشويق ويبدو اننا نتابع الحوادث بضجر وملل فنحن نعلم منذ البداية ما سيحدث كما ان جميع الحوادث تبدو متوقعة وغير مفاجئة لنا، ربما لابتذال الفكرة او ربما لأن المخرج لم يوفق في ان يشوقنا.

المخرج جيد والممثلون جيدون ولكن الفيلم لا يستحق المشاهدة ولا اعتقد ان ايا من طاقم العمل في الفيلم ينتظر شيئا من الثناء او التقدير او الجوائز لا سمح الله

صحيفة الوسط البحرينية – العدد 198 – الأحد 23 مارس 2003م الموافق 19 محرم 1424هـ

الكآبة تملأ قلب دي نيرو في فيلم “مدينة عند البحر”

s-l225

منصورة عبدالأمير 

المرة الأولى التي لفت فيها روبرت دي نيرو الانتباه وجعل الانظار تتوجه اليه كانت بعد عشر سنوات من أول محاولة  له للظهور على الشاشة، بالتحديد في العام 1973، وذلك بعد ظهوره في فيلم Bang the Drum Slowly الذي اكسبه جائزة نقاد الأفلام بنيويورك لأفضل ممثل، وبعدها بسنة واحدة أي في العام 1974 ظهر دي نيرو في الجزء الثاني من فيلم The Godfather وهو الظهور الذي جعل منه ممثلا متميزا وأكسبه جائزة الأوسكار لأفضل ممثل مساند وجعل منه خلفا لمارلون براندي في نظر الكثيرين، وبعدها

 توالت النجاحات وتعددت الترشيحات والجوائز والتشريفات التي حصل عليها دي نيرو الأمر الذي أثبت جدارته وبراعته وتميزه بين نجوم جيله، فهو النجم الذي بهر الجمهور ولايزال كذلك من خلال جميع أفلامه تقريبا بادائه الصادق وتمكنه من تقمص اية شخصية فهو المجروح، وهو المهووس أو الشخص غير المتزن عاطفيا أو عقليا أو الشخص الغاضب أو شديد المراس وغير ذلك من الشخصيات التي يقدمها ببراعة ودقة وواقعية لا يمكن لاحد سواه ان ينقلها.

لا يمكن الجزم بأن جميع أفلام دي نيرو ناجحة وقوية لكن الامر الذي لا يقبل الجدل هو أن جميع هذه الأفلام تحمل بينها قاسما مشتركا يضفي عليها عنصر قوة الا وهو أداء دي نيرو وظهوره المتميز فيها. ومن الأفلام التي لام الكثيرون دي نيرو على قبوله لها والتي وصفها النقاد بانها أفلام حمقاء وهزيلة .Meet the Parents, Showtime, Rocky and Bullwinkle

في هذا العام يعود دي نيرو من جديد بفيلم يفترض به ان يكون قويا كما هي معظم أفلامه وهو فيلم City by the Sea، وأقول يفترض ذلك اذا اعتمدنا على ملصق الفيلم الذي يظهر فيه دي نيرو في لقطة توحي بقصة ذات حوادث مثيرة واذا اخذنا في الاعتبار طاقم الممثلين المشاركين وجميعهم ممثلون جيدون وبالطبع اعتمادا على اسم دي نيرو أولا وأخيرا. في هذا الفيلم يجتمع دي نيرو للمرة الثانية مع المخرج مايكل كاتون جونز وذلك بعد فيلم This Life Boy الفيلم الذي لم يحز اعجاب النقاد كثيرا. الفيلم الجديد مبني على القصة الواقعية لروبرت لاماركا كما تم توثيقها في مقالة صحافية نشرت في مجلة اسكواير الأميركية في سبتمبر/ أيلول 1997 بعنوان علامة قاتل Mark of a Murderer، وقد كتبها كاتب الأعمدة الفائز بجائزة بوليتزر للكتابة الصحافية مايك ماكلاري، وتتحدث المقالة عن توارث جينة القتل في عائلة لاماركا، إذ بدأت بالاب روبرت وانتقلت الى الحفيد «جوي».

روبرت دي نيرو هو فينسنت لاماركا ابن روبرت لاماركا بطل مقالة ماكلاري، وهو محقق من شرطة نيويورك صنع اسما لامعا له بسبب اخلاصه وتفانيه في عمله… تقوده الصدف إلى المدينة الساحلية لونغ بيتش للتحقيق في جريمة قتل، ولونغ بيتش هي المدينة التي يحمل الفيلم اسمها، مدينة عند البحر وقد كانت مدينة سياحية مهمة في فترة الخمسينات والستينات لكنها تحولت الآن الى مدينة أشباح هجرت شواطئها وأصبحت شوارعها مهلهة وتمتلئ بالمتشردين ومتعاطي المخدرات، أما بالنسبة إلى دي نيرو فهي المدينة التي شهدت طفولته والحادثة الأليمة التي مرت به حين اعدم والده بعد اختطافه وقتله طفلا والذي كان أول من أعدم بالكرسي الكهربائي في مدينة لونغ بيتش وهي أيضا المدينة التي هجرها فينسنت منذ فترة طويلة بعد طلاقه من زوجته السابقة ماغي (باتي لابون)، تاركا فيها ابنه جوي (جيمس فرانكو) الذي كان طفلا حينها. وقد كان اختيار المخرج لهذه المدينة موفقا إلى حد كبير فهو يدعونا من خلال هذا الاختيار لعقد مقارنة بين حال المدينة وحال فينسنت فكلاهما مر بفترات سعادة وكلاهما فقد هذه السعادة والبهجة وكلاهما يخبئ الكثير بين زاوياه.

يبدأ الفيلم بمشهد قديم للمدينة في أوج تألقها وبأغنية قديمة تعود الى الخمسينات تأكيدا على ان الصورة تعود إلى تلك الفترة، وتأخذنا الكاميرا إلى سواحل المدينة الجميلة وهي تكتظ بالسياح وفجأة ننتقل إلى مشهد آخر يصور لنا ما آلت اليه الأمور في هذه المدينة، إذ تحولت الشوارع الأنيقة الى شوارع رثة بالية وأصبحت السواحل المكتظة بالسياح مهجورة وتمتلئ بالقاذورات وبدلا من أفواج السياح التي تملؤ المدينة أصبحت تمتلئ بالمتشردين وتجار المخدرات ومتعاطيها. بعدها نرى شابا في مقتبل العمر (نعرف بعدها انه جوي الابن) يحاول بيع غيتاره ليحصل على المال من أجل شراء المخدرات، حاله مزرية، وإلى حد ما نتألم من أجله بسبب الأداء الجيد لجيمس فرانكو الذي اشتهر بادائه لدور المراهق الشرير في أعمال مثل Freaks and Geeks والذي تألق سابقا في فيلم James Dean وحصل عنه على جائزة الكرة الذهبية. هنا ينقل لنا جيمس حال اليأس والعوز الشديد التي يعيشها جوي بصدق وواقعية تتضحان على قسمات وجهه ومن خلال عينيه الكئيبتين المحاطتين بهالات سوداء.

الكآبة التي تسود المشاهد الأولى تنقل لنا صورة مماثلة للكآبة التي تملؤ قلب فينسنت الذي ظل هاربا من المدينة والذي اعتبر دفعه للعودة الى المدينة هو اجبار له للعودة الى ماضيه المؤلم. يعود فينسنت ليفاجئ بأن المتهم الرئيسي في جريمة القتل ليس سوى ابنه جوي الذي تركه منذ سنوات وها هو الآن يعود اليه مرغما ويعود لكل ما كان يحاول تجنبه وتحاشيه لفترة طويلة ولكل ما ظل يخفيه حتى عمن يفترض ان تكون أقرب الناس اليه وهي صديقته ميشيل (فرانسيس ماكدورمند). تعود اليه ذكريات والده الذي لاتزال قضيته تشكل مصدر ازعاج وأذى لفينسنت، ويجد نفسه في مواجهة جوي الذي تركه منذ كان طفلا، إذ تسبب له ذلك في حزن وأسى شديدين حاول اخمادهما مع الوقت وتصور انه نجح. تتسبب القضية في صراع لفينسنت يتمكن دي نيرو من نقله لنا بشكل رائع من خلال واقعيته في الأداء فهو لا ينفعل ولا يحاول اظهار مشاعره بل يكتمها مما يجلعنا نعتقد انه لا يبالي لكننا اذا أمعنا النظر في قسمات وجهه ونظرات عينيه وجدناها تمتلئ بالحزن والألم وعرفنا انه واقعي فذلك هو ما يفعله الناس عادة، ولا يكتفي دي نيرو بواقعيته تلك بل انه بتحكمه في عضلات وجهه استطاع ان ينقل لنا الألم الشديد الذي يعتريه فهو على رغم رغبته في كتمان الألم الا ان ألمه فوق الاحتمال، ما يجعل كل تقاسيم وجهه تنطق به على رغم محاولات صاحبه في اخماده.

600px-CBTS_14

 

بصفته شرطيا يجب عليه ان يساعد العدالة على ان تأخذ مجراها ويلقي القبض على ابنه، وبصفته أبا عليه أن يجد طريقة لانقاذ ابنه، يختار دي نيرو المخاطرة بحياته لانقاذ عائلته والالتزام بواجبه الوظيفي. الفيلم عموما يمثل عملا جيدا لكنه لا يحمل اي تميز سوى الأداء الرائع لممثليه فإلى جانب دي نيرو كان هناك جيمس فرانكو الممثل الموهوب الصادق في أدائه بشهادة الكثيرين من نقاد وممثلين أو حتى مشاهدين وليس أدل على هذا من ترشيح دي نيرو له ليشاركه هذا الفيلم، وكذلك فرانسيس ماكدورماند وهي الممثلة البارعة ذات الأداء الواقعي الذي لا تكلف فيه، وجورج دزندا الذي يلعب دور ريج زميل فنسنت في العمل وصديقه المقرب، وجورج مشهور بأداء أدوار الصديق الطيب، وهو الدور الذي لعبه هنا بشكل جيد.

مايكل كاتون جونز مخرج قدير فقد قدم أفلاما مثل The Jackal, Doc Hollywood, Rob Roy, Memphis Belle, وهو هنا يقدم فيلما جيدا الى حد ما هذه المرة، لكنه يعجز عن أن يجعلنا نعيش مع فيلمه ويعجز عن تقريب المسافة بيننا وبين القصة فنحن دائما خارج الشاشة سواء بسبب النص أو بسبب تقنيات التصوير، وحتى تفاعلنا مع المشاهد يظل سطحيا ونبدو كأننا لا نأبه بمعظم الحوادث لدرجة اننا لا نتعاطف مع اي من الممثلين الذين يعانون جميعا ولا نأبه لمعاناتهم كثيرا لأننا لا نعرف سوى القليل عنهم.

كما ان القصة الواقعية مختلفة إلى حد كبير عن قصة الفيلم إذ إن فينسنت لاماركا كان متقاعدا في الوقت الذي حدثت فيه جريمة ابنه، كما ان جوي ليس بريئا أو ان جريمته تمثل حادثا بل انه في الحقيقة قام بجريمته مع سبق الاصرار والترصد، هذا بالاضافة الى عدم وجود بعض الشخصيات التي وردت في الفيلم في واقع الأمر مثل شخصية سبايدر التي قام بها ويليام فورسيث.

الفيلم على رغم كل الوجوه وعلى رغم قوة الاداء يعاني من نص ممل لا يعطينا اي عمق سواء في المشاهد او فيما يتعلق بمشاعر الشخصيات وانفعالاتها. تغيير الوقائع وتحريفها ان لم يكن في هذه الكلمة اي مبالغة لم يتم ببراعة ولم يكن موفقا، ما جعل المطلعين على القصة الحقيقية يرفضون التغييرات.

لم يكن فيلما بمستوى ممثليه ولذا فلا عجب أن يتم تأخير عرضه سنة كاملة عن الموعد الأصلي، إذ كان من المقرر أن يعرض في دور السينما العالمية في سبتمبر 2002 لكن تم دفعه مرات كثيرة لتحل مكانه أفلام أخرى حتى تم عرضه أخيرا في سبتمبر 2003.

حسبما أرى لم يوفق كاتب السيناريو ولا المخرج ولا دي نيرو حين رفض فيلم Gangs of New York مفضلا واقعية هذا الفيلم التي لم تتمكن من التغطية على عوامل النقص الأخرى فيه، وفعل آل باتشينو الذي كان مرشحا لأداء دور دي نيرو خيرا حين رفض الدور لأي سبب كان

صحيفة الوسط البحرينية – العدد 184 – الأحد 09 مارس 2003م الموافق 05 محرم 1424هـ