مناشدات للسلام تضفي مفارقة واضحة على الأوسكار

 oscar_statue

الوسط – منصورة عبدالأمير

حفل الأوسكار في كل عام ليس حدثا عاديا، على الأقل بالنسبة إلى المشاركين فيه وإلى متابعي أخبارهم، ففي هذا اليوم يجتمع النجوم ومشاهير الفن السابع جميعهم في مكان واحد، ليلتقوا مع جمهورهم ويتحدثوا معهم وجها لوجه، وليتأنق الفنانون والفنانات على البساط الاحمر وهم يرتدون أرقى الملابس وأرفعها ذوقا. وفي هذا اليوم تجرى الكثير من الطقوس والمراسم التي يتم بعدها اختيار وتكريم افضل أعمال العام ومن قام بها.

في حفل هذا العام وفي يوم الأحد 23 مارس/ آذار 2003 لم تكن الحال كما كانت عليه، فالمراسم تقلصت وجمهور المعجبين قل عددا وحماسا، رجال الأمن المنتشرون في جميع الزوايا والأنحاء فاقوا رجال الاعلام الموجودون على مسافة بعيدة من البساط الأحمر الذي يعتبر نقطة التقائهم مع النجوم، الوجوه لم تكن جميعها متألقة ككل عام والصمت يخيم على المكان وهتافات الترحيب خفتت فيما عدا القليل منها لتحية كبار النجوم كشون اوكونري وجوليان مور… وسواء شاء المنظمون أم أبوا فقد طغى جو الحرب على بريق الحفل… لم يكن هناك شيء مميز وجديد بعيدا عن الأعمال التي قدمت، ربما كانت هناك بعض المفاجآت في اختيار النجوم الفائزين وفيما عدا ذلك لم يكن هناك حدث غير اعتيادي في مراسم الحفل. الأمر الوحيد الذي قد يكون متميزا والذي كنا قد حبسنا أنفاسنا منذ أيام انتظارا له هو ما سيقوله المشاركون في الحفل وبالتحديد الكيفية التي سيتحدثون بها عن مشاعرهم وآمالهم وآرائهم فيما يتعلق بموضوع الحرب التي تشنها الولايات المتحدة على العراق.

فعلا حدث ما توقعه الكثيرون حين فاجأنا المخرج الأميركي مايكل مور المعروف بجرأته الشديدة وآرائه الشجاعة والمنصفة فيما يتعلق بالكثير من القضايا والأمور، وذلك بخطابه القصير الذي ألقاه على حشد النجوم، والذي شجب فيه قرار الحرب على العراق وانتقد فيه السياسة البوشية واصفا الرئيس بأنه زائف. بعد ذلك أعلن موقفه من الحرب ثم عبر عن استيائه من الرئيس.

ولم تكن هذه هي المفاجأة الوحيدة بل تلتها مفاجآت أخرى، منها: التهليل والتصفيق الحار الذي تلقاه مايكل من الجمهور والذي ان عبر فانما يعبر عن وجهة النظر المشابهة التي يحملها الحضور، والى جانب الهتافات كانت هناك هتافات مضادة وهو الامر المتوقع إذ انطلقت بعض الأصوات من بين التصفيق مستنكرة كلمات مور لكن هذه الأصوات لم تتجاوز خمسة أصوات بحسب كلام مور نفسه… هذه الاصوات انطلقت بحسب ما يبدو من أصحاب البروج العاجية الذين يعيشون في منأى عن كل ما يدور والذين يؤمنون بأن لا خلط بين السياسة والفن على جميع الأصعدة حتى على صعيد حياتهم الشخصية ربما، فهم فنانون لكن ليسوا مثقفين أو يحملون اي اهتمام بالآخرين… ولذلك فليذهب كل شيء الى الجحيم.

Michael-Moore-001

 

ولم يكن مايكل مور هو الوحيد الذي عبر عن آرائه تجاه الحرب بل كان هناك أدريان برودي بطل فيلم The Pianist، الذي فاز بجائزة أفضل ممثل في دور رئيسي، والذي عبر عن مشاعره تجاه الحرب بطريقة عاطفية مؤثرة وكان هناك نيكول كيدمان، التي فازت بجائزة أحسن ممثلة في دور رئيسي عن فيلم The Hours، والتي أشارت عن بعد الى موضوع الحرب وتمنت السلام للجميع، بالاضافة الى كريس كوبر الفائز بجائزة أفضل ممثل في دور ثانوي عن فيلم Adaptation. جميع هؤلاء أشاروا في حديثهم الى الحرب وغيرهم كانوا قد سبقوهم في التعبير عن احتجاجهم فاعتذروا عن حضور الحفل وعلى رأسهم ويل سميث الذي كان من المفترض ان يكون احد مقدمي الجوائز في الحفل. الا ان ما يميز مايكل هو كمُّ الصراحة والحس الانساني الذي اتسم به خطابه، فالمتحدثون الآخرون كانوا قلقين على الجنود الاميركان وعلى أصدقائهم أو ربما على صورة أميركا لكن مايكل كان انسانا اكثر من غيره فقد كان يرفض الحرب وقتل الناس الآخرين وهم العراقيون. وقد حاول منظمو الحفل اجباره على انهاء كلمته بجعل صوت موسيقى الأوركسترا أعلى من صوته وتم اقتياده مباشرة من على خشبة المسرح الى سيارته وليس مرة أخرى الى مقعده!، وحصل مايكل مور في هذا العام على جائزة أفضل فيلم وثائقي وهو فيلم Bowling for Columbine الذي يتحدث عن سوء استخدام الأسلحة في أميركا.

يذكر أن جائزة أحسن فيلم ذهبت هذا العام الى فيلم Chicago (وهو الأمر الذي كان متوقعا) وحصل أيضا على جائزة أفضل تصوير وأفضل اخراج وافضل تصميم للملابس وأفضل تركيب للأصوات وكذلك الصور كما حصلت بطلته كاترين زيتا جونز على جائزة أفضل ممثلة في دور ثانوي. من الأفلام الأخرى الفائزة فيلمThe Pianist الذي حصل على جائزة أفضل اخراج وافضل نص سينمائي بالاضافة الى جائزة أفضل ممثل لادريان برودي.

انتهى حفل الأوسكار وتسلم الفائزون جوائزهم لكن آراءهم التي عبروا عنها سواء خلال الحفل أو بعد ذلك بقيت وهي بالنسبة إلى معظمهم أهم بكثير من الجوائز التي تسلموها، لقد أراد النجوم ان ينقلوا إلينا رسالة تفيد بأنهم ليسوا أشخاصا مرفهين مشبعي الرغبات لا يكترثون لآلام ومعاناة وهموم الآخرين بل انهم كما يقول برودي الفائز بجائزة أحسن ممثل سيصلّون للّه أو لأي إله آخر يؤمنون به من أجل عالم آمن

العدد 205 – الأحد 30 مارس 2003م الموافق 26 محرم 1424هـ

 

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s