قوانين الإعلان… فيلم ألماني

الوسط – منصورة عبدالأمير 

51FTH203BRL._SY445_

مضت 48 ساعة على سماعي عبارة صاحب محلات مدينة الليزر حين فاجأني قائلا: «ما رأيك في هذا الفيلم الألماني»، ومازلت (والحق يقال) غير قادرة على هضم عبارته، لا لشيء إلا لأنه أتبعها بعبارة أخرى تحمل مفاجأة أكبر، وهي ان «هذا الفيلم كوميدي». حينها بدت لي كلماته وكأنها أتت من عالم آخر، لكنني الآن لا ألومه بقدر ما ألوم نفسي وربما دور السينما والمهتمين بالثقافة السينمائية، إذ انني لا أذكر اني سمعت عن فيلم ألماني يعرض هنا أو هناك، بل اني لا أذكر أبدا سماع اية معلومة عن الثقافة الألمانية في أي مجال سوى عن نازية هتلر وأمور أخرى ليست بذات أهمية بالغة، والآن يأتي هذا الفيلم (والشكر لصاحب المحل) لينقلني الى أجواء ثقافية أخرى والى كوميديا بدت لي غريبة وظريفة في الوقت ذاته.

يتناول فيلم Advertising Rules عالم صناعة الاعلانات، من خلال قصة كوميدية تدور حول فيكتور فوغل (الكسندر شير)، الشاب المضحك الذي يحاول البحث عن عمل ولكن بطريقة غريبة إذ نراه يقحم نفسه في اجتماع سري لشركة اعلانية كبرى، ويتصرف كما لو كان أحد موظفي الشركة بل ويصل به الأمر الى أن يشارك في النقاش الذي يدور حوله، لكن فضوله وتصرفه اللامسئول هذا يكسب الشركة حملة اعلانية يصل ربحها الى خمسة ملايين دولار، وهكذا يجد لنفسه عملا، ولكنه مع ذلك يظل غير مرتاح البال؛ وذلك لأن الفكرة التي أدخلته الشركة وأكسبت الشركة هذا المبلغ الضخم كانت أصلا فكرة صديقته الفنانة روزا (شلبان كاماتوفا) التي كانت تعتزم استخدامها أساسا لمعرضها الفني.

وتتابع الحوادث في قالب كوميدي لنرى فيها الصراع الذي يعاني منه فيكتور بين حبه لصديقته روزا وبين رغبته في النجاح في عمله الذي بدأه بطريقة غير نزيهة، ويستمر هذا الصراع لما يزيد على الساعتين لينتهي بفوز فيكتور بالاثنين، الحبيبة والنجاح.

جاء الفيلم كوميديا مضحكا في حوادثه وضحلا في محتواه، فالقصة لا تحمل اي مغزى أو هدف ولا تنقل الينا أية صورة لعالم الاعلانات كما نتوقع من اسم الفيلم «رجل الاعلانات»، هذا بالاضافة الى انها لم تنقل لنا شيئا عن ألمانيا حسبما نتوقع من فيلم ألماني، بل جاء الفيلم ليروي قصة عادية لا جديد فيها، إذ تبدو وكأنها قصة فيلم أميركي هوليوودي أُنتج بطريقة أميركية لكن بممثلين ألمان، بل وحتى تقنيات التصوير وأساليب الاخراج جميعها جاءت أميركية.

لا شيء مميز ولا شيء يمكن أن يجذبك الى هذا الفيلم إلا اذا عرفت انه يحمل عددا من الممثلين ذوي القدرات الفنية الكبيرة كألكسندر شير الذي أدى دور فيكتور والذي يعتبر هذا الفيلم أول ظهور له على الشاشة حيث استطاع ان ينقل لنا صورة دقيقة لهذا الشاب الأبله ذي الهيئة الرثة الذي يحمل قلبا طيبا على رغم كل شيء، وغوتز جورج الذي أدى دور ايدي كامنسكي الذي ينضم فيكتور للعمل معه في الشركة والذي استطاع ان ينتقم لنفسه ولفيكتور في نهاية الفيلم، وقد استطاع فيكتور ان ينقل لنا صورتين مختلفتين لهذه الشخصية وهي الصورة التي ظهر بها في بادئ الأمر والتي بدا فيها متعجرفا سيئ الخلق بل ويبدو محتالا في بعض المشاهد، لكنه يتحول بعدها وشيئا فشيئا الى صديق محب لفيكتور ويتخلى عن الكثير من تباهيه بنفسه واخيرا الى شخص بارع في الانتقام على طريقة شركات الاعلانات، وقد شاهدنا انتقامه موزعا على عدة مشاهد جميلة وذكية أستطيع القول انها اجمل مشاهد الفيلم وفي ذلك شهادة على براعة المخرج والممثلين.

وممن برع من الممثلين ايضا الممثلة الجميلة شلبان كاماتوفا التي أدت دور روزا حبيبة فيكتور، والتي استطاعت بفضل براعتها في التمثيل وملامح وجهها الهادئة الجميلة ان تنقل صورة للفنانة المبدعة والفتاة المحبة اولا ثم الحبيبة المستشيطة غيظا التي تعاقب حبيبها وتلقنه درسا يفترض ألا ينساه طوال حياته.

لا يمكن القول ان الفيلم غير جيد بل على العكس جاء فيلم متقنا وان كان نصه الذي كتبه كل من لارس كروم وتوم شليسنغر قد جاء ضحلا لا يحمل اي مغزى. لكن ما يحسب عليه هو اتباعه الأعمى لكل مقاييس الأفلام الهوليوودية في الاخراج والتمثيل وحتى في طرق التصوير السينمائي.

وعلى رغم ما علمته أخيرا من جودة الأفلام الألمانية والكوميدية منها تحديدا فإن هذا الفيلم وان كان جيدا ومضحكا وظريفا، كان على ما أظن دون مستوى أداء الممثلين الذين شاركوا فيه وأقل من قدرات مخرجه لارس كروم، ولا يتناسب مع آمالي التي عقدتها بمجرد رؤية ملصقه.

ما آمله هو أن أرى فيلما ألمانيا يمثل ألمانيا وثقافة ألمانيا لا فيلما أميركيا بتمثيل ألماني وانتاج أميركي، حتى لو كان العذر المقدم ان الفيلم انتج لجمهور أميركي، فهذا الجمهور متشبع الى حد التخمة بأفلام بلاده وسيجد بالتأكيد في أي مادة بديلة تقدم ابداعا فنيا جديدا مادة تستحق المشاهدة.

لكن أخيرا اذا كنت تريد ظرافة وخفة دم على الطريقة الألمانية فهذا الفيلم سيقدم مادة خفيفة الدم الى حد كبير.

يمكن الحصول على نسخة الفيلم من محلات

«مدينة الليزر» – شارع البديع، هاتف: 69311

العدد 324 – الأحد 27 يوليو 2003م الموافق 28 جمادى الأولى 1424هـ

Cinema Paradiso… قد يقترح إجابة ما

الوسط – منصورة عبدالأمير 

cinema-paradiso-poster.jpg

فيما يتعلق بي، لم يكن موضوع الفيلم سبب اندفاعي الشديد وحماسي للكتابة فحسب، بل يكمن في استمتاعي الشديد بمشاهدته ما حدا بي لمشاهدته ثلاث مرات، يضاف الى ذلك احتواؤه على كم هائل من المعلومات التي تزودت بها، وأرى في ذلك سببين كفيلين بتصاعد حماسي.

قبل الشروع في الحديث عن الفيلم، يجدر بي أن أذكر أن الفيلم الذي أنتج في العام 1989، فاز بجائزة الأوسكار لأفضل الأفلام الأجنبية، كما فاز بجوائز أخرى كثيرة منها جائزة مهرجان «كان» وجائزة «الدب القطبي» وجائزة أخرى فاز بها بطل الفيلم… وغير ذلك من الجوائز. والغريب في الأمر أن الفيلم حصل على هذه الجوائز على رغم عدم تناسبه مع مقاييس هوليوود المعروفة، بل انه جاء مختلفا أشد الاختلاف عمّا تطالعنا به أفلامها فلم يحو أي عنصر من العناصر التي تحفل بها، كما لم يعتمد على اي من التقنيات التي تقوم على أساسها.

يتناول الفيلم قصتين تتمحوران حول السينما هما: قصة (توتو) و(ألفريدو) والكيفية التي شكلت علاقتهما بالسينما، ثم قصة أهل القرية ومدى تأثير السينما في حياتهم. وتتداخل القصتان بشكل رائع لا يشعر فيه المشاهد بأنه أمام حوادث وتفاصيل كثيرة بل هو نسيج متكامل من الحوادث. تدور حوادث الفيلم في الأربعينات والخمسينات من القرن الماضي، وينقل إلينا قصة بسيطة وممتعة تتناول وقائع من حياة قرية صغيرة في صقلية إبان الحكم الفاشستي.

نشاهد أولا قصة الطفل سالفاتور (سالفاتور كاسكيو) الذي يعمل في الكنيسة ليعول اسرته التي تتكون من والدته وشقيقته الأصغر سنا وذلك بعد فقد والده في الحرب العالمية الثانية إذ كان أحد الجنود الايطاليين الذين فقدوا في روسيا. لا يجد «توتو» اية متعة في عمله بالكنيسة بل ينصب جل اهتمامه على عمل الفريدو (فيليب نوار) الذي يعمل على تشغيل آلة عرض الأفلام السينمائية في الكنيسة حيث تعرض مختلف الأفلام في كل ليلة لأهالي القرية، ونرى انبهار توتو بعمل الفريدو ومحاولاته المستميتة لاقناع الأخير بالموافقة على ان يعمل معه في تشغيل الأفلام. أما الفريدو فلا يتقبل وجود توتو في البداية لكنه بعد فترة وجيزة يحبه بسبب شقاوته وخفة ظله ويوافق على طلبه. تتطور العلاقة بين الاثنين حتى يصبح الفريدو بمثابة الأب لتوتو الذي لا يذكر وجه والده (كما يقول لوالدته في أحد مشاهد الفيلم) وفي المقابل يصبح توتو الابن الذي لم يتمكن الفريدو من انجابه. ينفصل الاثنان حين يقرر توتو الأخذ بنصيحة الفريدو والسفر الى روما للعمل في مجال اخراج الافلام، ويكون انفصالهما دائما وذلك بناء على رغبة الفريدو الذي لا يريد لتوتو العودة الى القرية حرصا على مستقبله المهني، ويلتزم توتو بقرارات الفريدو ولا يعود إلا بعد ثلاثين عاما ليشارك في جنازة الفريدو وليشهد التغيرات الكبيرة التي طرأت على القرية وأهلها.

وبين طيات هذه القصة الرئيسية نرى مشاهد قصيرة تحكي لمحات عن أهل القرية، أهمها المشاهد التي نرى فيها القس الذي كان شخصية مهمة في بداية الفيلم، إذ كان يلعب دور الرقابة على الأفلام التي تعرض لأهل القرية والذي ينفرد بالعرض الأول من كل فيلم ليتمكن من حذف اللقطات التي لا يعتبرها مناسبة للعرض كلقطات القبل وما شابهها، إذ يحمل في يده جرسا يقرعه كلما شاهد احدى هذه اللقطات تنبيها لألفريدو الذي يقوم بقصها من شريط الفيلم، وغير ذلك نتعرف على الكثير من أهالي القرية الذين يضحكونا بقدر ما يقرفونا.

وكما نشاهد توتو في مراحل زمنية مختلفة، إذ نعيش معه طفلا في الأربعينات ثم شابا شديد التوقد والحماسة في الخمسينات وأخيرا رجلا ناضجا وناجحا في عمله في الثمانينات، نشاهد تدرج الحياة في هذه القرية وتغيرها بتغير الواقع السياسي المحيط بها.

 

cinema_paradiso_1

وكما شكل حب توتو للأفلام مستقبله فجعل منه مخرجا مشهورا، رسم حب أهل القرية للأفلام واقعهم، فتدخلت السينما في أدق تفاصيل حياتهم لتسعدهم تارة وتبكيهم أخرى وجاءت لتغير جميع أوضاعهم السياسية والاجتماعية والنفسية ولتعبر عن ارادتهم، وقد بدا ذلك واضحا من خلال تفاصيل بسيطة، فأفلام الأربعينات التي لم تكن تحوي اي مشاهد تقبيل وما شابهها تحولت الى أفلام تحوي كل مشاهد الاثارة، كما ان الأفلام التي كانت تعرض في الكنيسة اصبحت تعرض في دار سينما خاصة، هذا الى جانب انتهاء دور الرقابة على هذه الأفلام، فالقس الذي كان يمارس هذا الدور اصبح يرفض حضور العروض. وإلى جانب ذلك توجد في صالة السينما غرفة جانبية لممارسة الرذيلة التي كانت تمارس بصورة سرية وخفية ومستهجنة من الجميع لكنها تحولت أخيرا الى أمر معلن لا يخجل من ممارسته اي احد، والجمهور الذي كان يشاهد بكل هدوء كل ما يعرض عليه اصبح يحتسي الشراب حتى الثمالة في صالة العرض، بل ويتبادل القبل وكل ما ينخرط في هذا المجال. كما تم القضاء على الطبقية الموجودة في المجتمع والتي كانت واضحة في ترتيب المقاعد إذ يجلس الأثرياء في الشرفة العلوية بينما يجلس الباقون في أسفل الشرفات، ولا يكتفي الاثرياء بذلك بل نرى احدهم يبصق بين الحين والآخر على الجالسين في الأسفل، لكن هذه الحال تنتهي حين يعبر الناس عن رفضهم لسلوكه في أحد المشاهد التي تصور حياة الخمسينات.

جاء الفيلم ليصور واقع الحياة في صقلية في ظل النظام الفاشستي المتحالف مع الألمان والروس الذي لم يستطع ان يخلق انصارا للنازية أو محبين للشيوعية فيما عدا قلة ممن كان اهالي صقلية يزدرونهم، وهو النظام الذي خلق حالا من الطبقية والتمييز وجعل البلاد تعيش حال فقر مدقع، لكن ارادة الناس تظل هي الباقية فينتهي النظام وتزدهر الحياة بكل ما يراه المخرج ازدهارا، إذ لا توجد نازية ولا اشتراكية ولا كنيسة تضع قيودا دينية على الناس.

أخيرا لا يمكنني التعليق على الفيلم من دون وصفه بالروعة والامتاع، والسبب في ذلك يعود إلى تميز المخرج غوسيبي تورنتوري الذي أبى استخدام اي نوع من التقنيات الفنية والسينمائية وفضل الاعتماد على موهبة ممثليه وبراعتهم فقدموا أفضل ما لديهم من اداء وعلى رأسهم فيليب نوار (ألفريدو) الذي فاز بجائزة أفضل ممثل عن أدائه الرائع في هذا الفيلم، والطفل سلفاتور كاسكيو (توتو) الذي أضفى على الفيلم جوا من البراءة والشقاوة والطرف، وإلى جانب ذلك تميز الفيلم بموسيقاه الرائعة التي حصل عنها ايضا على جائزة.

فيلم يستحق المشاهدة، وبالنسبة إليّ أكثر من مرة، ويقدم اجابة، وإن كانت غير شافية، عن السؤال عن أهمية السينما.

يمكن الحصول على نسخة الفيلم من محلات مدينة الليزر (Laser Town) شارع البديع، هاتف 693110

العدد 317 – الأحد 20 يوليو 2003م الموافق 20 جمادى الأولى 1424هـ

لماذا استحق «عازف البيانو» كل هذه الترشيحات والجوائز؟

الوسط – منصورة عبدالأمير 

The_Pianist_movie.jpg

كم هي عدد المرات التي تم التفجع فيها على ما يزعم انه حل باليهود ابان الحرب العالمية الثانية، ولست هنا أتساءل عما ذكر في مقالات الصحف أو الخطب هنا وهناك، بل اني احصر سؤالي في هوليوود وعالم السينما، فكم مرة تفجعت هوليوود وناحت وندبت ضحايا النازية من اليهود، وكم هي عدد الترضيات التي قدمتها لهم لتندمل جراحهم «المزعومة»؟. حسنا ببساطة تم عمل ذلك 170 مرة في خلال ثلاثة عشر عاما، هذا الرقم «الصاعق» اخذته من مقالة نقدية كتبها أحد نقاد الأفلام الأوربيين، وهو فيل هال الذي كان خائفا من ان يتهم بمعاداة السامية لأنه وجد قصة الفيلم معادة ومكررة ومملة، أما أنا ونظرا لموقعي فانني سأخشى من أمر آخر معاكس تماما اذ قد يعتقد القراء انني متعاطفة بشكل أو بآخر مع اي تفصيل من تفاصيل الفيلم، لكنني معاذ الله ان اكون كذلك وهذه هي الحقيقة التي قد تكون عادلة لدى قرائي لكنها ستجعل مني منحازة ولا عقلانية لدى قراء آخرين.

يتناول الفيلم معاناة اليهود في بولندا أثناء الحرب العالمية الثانية، والمآسي التي تعرضوا لها على يد النازيين الألمان، وتتضح هذه المعاناة في قصة عازف البيانو اليهودي البولندي لادسلو شبيلمان الذي توفي منذ بضع سنوات والذي كان قد نشر قصته في العام 1946 ثم أعيدت طباعتها في العام 1990 لتلفت انتباه رومان بولانسكي مخرج الفيلم الذي وجد فيها على حد قوله تعبيرا عن معاناته هو نفسه، اذ لقي جميع أفراد أسرته حتفهم على يد النازيين حينما كان في السابعة من عمره بينما نجا هو حين دفع به والده عبر حاجز من الأسلاك الشائكة أنقذه من القتل لكنه أخذ به الى حياة ملؤها ألم وعذاب اذ لم يستطع لحد الآن نسيان تفاصيل ما حدث وخصوصا، بحسب قوله، (موت والدته في غرفة الغاز الذي لن ينسيه اياه الا موته هو نفسه)، وعلى رغم ما تحمله هذه العبارة من ألم الا ان معاناة بولانسكي التي تتجسد في قصة شبيلمان هي معاناة جميع اليهود في جميع أفلام هوليوود.

تبدأ حوادث القصة في العام 1939 في وارسو لنرى عازف البيانو شبيلمان (ادريان برودي) وهو يؤدي آخر مقطوعة موسيقية تم سماعها من راديو وارسو قبل ان يقوم الجيش النازي بدخول المدينة وقصف محطتها الاذاعية، ونرى شبيلمان وهو يواصل عزفه على رغم اصوات الانفجارات التي تتداخل مع موسيقاه، ولا يتوقف عن العزف الا حين يقصف المبنى وينهار فوق رؤوس من فيه، فيفر لينجو بحياته. بعدها نراه وقد عاد الى اسرته متوسطة الحال التي تعيش في وسط المدينة ونراهم وهم يعدون للرحيل خوفا من الجيش النازي لكنهم يتراجعون حين يستمعون الى نشرة الأخبار من محطة BBC التي تفيدهم أن بريطانيا وفرنسا قد قررتا حرب ألمانيا، الأمر الذي يعطيهم شيئا من الأمل وخصوصا شبيلمان الذي كان رافضا لفكرة الرحيل وترك المدينة التي عاش فيها، وهكذا يقرر الجميع البقاء لكنهم بعد فترة يجبرون على ترك المنزل والانتقال للمنطقة التي خصصها النازيون لليهود والتي أطلقوا عليها اسم «الغيتو» وهي جزء من المدينة مخصص لليهود فصله النازيون بسور كبير وجعلوا له بوابة يقوم على حراستها مجموعة من الجنود.

ويستعرض لنا الفيلم واقع الحال في «الغيتو» وخارجه فنشاهد بعض اللقطات التي تنقل الحالة المزرية التي كان اليهود يعيشونها من وراء هذه الأسوار، ونراهم وقد أنهكهم الجوع وقسوة الجنود الألمان ومعاملتهم اللاانسانية التي تصل بهم في أحد المشاهد الى القاء رجل مشلول من الطابق العلوي لأنه لم يتمكن من الوقوف احتراما لهم حين هاجموا داره، وفي الخارج تشتد حلقة الحصار حول اليهود فيمنعون من ارتياد المطاعم والمنتزهات وغير ذلك من الأماكن العامة بل وحتى السير على الرصيف ثم نراهم أخيرا يساقون كالمواشي ليتم نقلهم الى مخيمات أخرى يتضح لنا فيما بعد انها افران الحرق النازية «الهلوكوست» وذلك من خلال عبارة ساخرة اطلقها احد الجنود الألمان بعد انطلاق القطار الذي سيأخذ الضحايا الى حتفهم. عند هذه النقطة ينفصل شبيلمان عن أسرته وذلك حين ينقذه أحد الجنود اليهود المتعاونين مع الجيش النازي والذي كان صديقا له، وينجو شبيلمان من الهلوكوست ليقع في جحيم آخر (كبولانسكي تماما) وهو محاولة البقاء على قيد الحياة في وسط التهديدات النازية المحدقة به، ونراه ينتقل من خطر إلى آخر لكنه ينجح في مسعاه حتى انتهاء الاحتلال، وفي وسط فترات الرعب والفزع التي عاشها والتي جردته حتى من سلوكه الانساني إذ نراه في كثير من المشاهد كالحيوان المذعور الذي لا يريد سوى البقاء على قيد الحياة، في وسط كل ذلك يظل شبيلمان حاملا لموسيقاه حبا كبيرا ويتضح ذلك من خلال الكثير من المشاهد التي نسمع فيها الموسيقى التي تعزف في رأسه حتى في أحلك لحظات الجوع والمرض والخوف التي مر بها ونرى اصابعه تتحرك وكأنها تحلم بالعودة للعزف حتى في أقسى اللحظات التي كان ينتظر فيها موته، بل وتنقذه هذه الموسيقى من الموت حين يقع في قبضة ضابط ألماني يطلق سراحه بعد ان يعجبه أداءه على البيانو، ويظل هو مخلصا لهذه الموسيقى فنراه وهو يركز على حماية يديه حين اشتداد الخطر اكثر من تركيزه على اي مكان آخر.

 

1484698650_focusfeatures_thepianist_romanpolanski_adrienbrody_thomaskretschmann_emiliafox_bg1

سيناريو الفيلم وقصته جاءا على شكل سيرة ذاتية، اذ يركز الفيلم على شبيلمان وما مر به من حوادث منذ بدء الاحتلال حتى النهاية، وقد يكون ذلك لرغبة المخرج في ان يتناول «معاناة اليهود» من زاوية أخرى غير التي عودتنا عليها وسائل الاعلام الأميركية، اذ لا يوجد هنا استعراض لجثث القتلى او لمشاهد الدماء والتعذيب او ما شابه بل ينصب التركيز على معاناة شبيلمان الشخصية ومحاولات النجاة من المخاطر من دون اية مبالغة او استعراض لعضلات البطل وقدراته القتالية، فهو انسان يحاول البقاء على قيد الحياة لا اكثر ولا أقل، وللانصاف كانت هذه هي النقطة التي اثارت اعجابي في الفيلم.

وهكذا وفق المخرج في ايصال فكرته من دون اللجوء الى الطرق السينمائية التقليدية وهي نقطة تحسب له، ووفق في ان يقدم صورة مفزعة وحزينة للمدينة كما وفق في ان يشد اعصاب المتفرج في بعض المشاهد، لكنه فشل في الوقت ذاته في ان يقدم عملا جديدا فكرة ومضمونا فكما ذكرت تم عمل 170 فيلما تتناول الموضوع ذاته، وبغض النظر عن ذلك فالفكرة مشكوك فيها وقد بدأت تثار حولها الكثير من علامات الاستفهام في الآونة الأخيرة لدرجة أن البعض بدأ يكذب ما يروى عن أفران الهولوكوست وعن ملايين اليهود الذين ماتوا حرقا، وحتى لو استبعدنا هذا الرأي فالأمر اليقين هو أن هناك الكثير من المبالغة والتهويل في وصف ما حدث سواء في هذا الفيلم أو في اي استعراض آخر لهذه المعاناة، وهو الأمر الذي يجعل المخرج بولانسكي يفشل في الحصول على اي تعاطف مع اية قضية تذكر في هذا الفيلم.

يذكر أن أداء الممثل أدريان برودي – الذي حصل عنه على جائزة الأوسكار لأفضل ممثل – هو اداء جيد فلقد برع الممثل في ايصال الكثير من المشاعر والانفعالات عبر تقاسيم وجهه ونظرات عينيه، على رغم عدم احتواء مشاهد الفيلم التي تصور محاولاته للنجاة من الموت على اي حوار، ولقد جاء هذا الاداء عن عزم من الممثل وتصميم على ذلك فلقد عمل جاهدا على ان ينقص ما يزيد على عشرة كيلوغرامات من وزنه ليظهر بالصورة التي شاهدناها في الفيلم والتي نقلت الحالة المزرية التي وصل اليها شبيلمان بسبب الجوع والمرض والخوف، لكنه على رغم ذلك لم يكن اداء فوق العادة بحيث يجعله يتفوق على باقي المتنافسين على جائزة أفضل ممثل في حفل الأوسكار الأخير.

عمل لم تستطع عناصر قوته المتمثلة في اداء بعض الممثلين والموسيقى المصاحبة وتركيب المشاهد ومواقع التصوير بالاضافة الى بعض نقاط قوة المخرج التي ذكرتها سابقا، من ان تتغلب على عناصر ضعفه المتمثلة في التكرار والمبالغة والتطويل، وعلى رغم ذلك يفوز بما فاز به، فهل هي ترضية أخرى لليهود من هوليوود؟

عمل غير موفق لقضية يصعب ان يجد ابطالها ولو شيئا من التعاطف في مقابل ما يقوم به أحفادهم من وحشية واللاانسانية بالغتين

العدد 310 – الأحد 13 يوليو 2003م الموافق 13 جمادى الأولى 1424هـ

Cyrano de Bergerac سيرانو دي بيرجراك فيلم يصور أسمى معاني الحياة

الوسط – منصورة عبدالأمير 

cyrano

تمثل مشاعر الحب وأشواقه، وأماله وآلامه، وتضحياته وهمومه، مادة خصبة شكلت الأساس للكثير من الأعمال الفنية سواء في الشرق أو الغرب، مادة قدمت لنا نخبة من أفضل النجوم وشكلت لنا قائمة طويلة لا تنتهي – وان قل تسارعها في الحقبة الأخيرة من عمر السينما – قائمة حملت أسماء لامعة كليلى مراد، عبدالحليم حافظ، فاتن حمامة، ريتا هيوارث، ميغ رايان، كيت وينسلت، ليوناردو دي كابريو. نجوم رسموا لنا عبر تدرج الزمان صورا كثيرة للحب بكل أشكاله ومعانيه، صورا قد تكون مشرقة زاهية الألوان أو عابسة كئيبة شاحبة، صورا أحببناها وعشنا معها فرقصت قلوبنا لفرح الأحباب وتمزقنا ألما ولوعة عند الفراق. صور جعلتنا نعيش مع ابطال عاشوا في التاريخ أو أولئك الذين صنعتهم مخيلة الكتاب، فشهدنا قيس وليلى أشهر المحبين في الشرق، وشهدنا روميو وجولييت في الغرب كأبطال لصور حقيقية، وشهدنا جون وروز في تايتانيك كصور صنعتها مخيلة الإنسان، وغيرهم الكثير، لكن القليل من هذه الصور هو ما تألق وبقي عالقا في أذهان الناس، وفي العادة لا تكون الصور التي تبقى هي السعيدة المبهجة بل الحزينة الموجعة التي يفترق فيها الحبيبان، ولا اعرف ان كان السبب يعود إلى ان العقل البشري يسلم بالفراق والألم أكثر من قبوله للحالة الأخرى انطلاقا من ان الأمور كلها إلى زوال!!

الصورة التي قدمها جيرارد ديبارديو في فيلم Cyrano de Bergerac هي احدى هذه الصور الموجعة التي تظل باقية في الذهن وتضاف إلى قائمة روائع صور الحب، لتضع سيرانو في الطابور ذاته الذي يقف فيه قيس بن الملوح وروميو. قصة حقيقية حدثت في حوالي القرن السادس عشر في فرنسا يصورها لنا المخرج جان بول رابينو في فيلم استحق خمس ترشيحات لجوائز الأوسكار ليحصل على واحدة منها في سنة انتاجه (1990) بالاضافة إلى الكم الهائل من الترشيحات والجوائز الأخرى، فيلم تميز بين الأفلام الفرنسية أولا ثم تألق كفيلم عالمي.

قصة الفيلم مأخوذة من مسرحية للكاتب الفرنسي ايدموند روستان، وهي تدور حول قصة حب سيرانو (جيرارد ديبارديو)، الرجل النبيل، الشجاع، جريء القلب، فصيح اللسان، والمشوه بسبب أنف ضخم يقول عنه ساخرا في أحد مشاهد الفيلم: «انه يسبقه بربع ساعة». سيرانو يحمل حبا كبيرا لابنة عمه «روكسان» (آن بروشيت) التي لا تبادله الحب لكنها تقع في غرام أحد الجنود الذين يعملون تحت إمرته ويدعى «كريستيان» (فينسنت بيريه) وهو شاب وسيم لكنه لا يحسن الحديث ويخجل من بث مشاعره لروكسان. ولا تكتفي روكسان بعدم مبادلتها سيرانو مشاعره بل انها تقصده طالبة منه الاهتمام بحبيبها ورعايته، ويمتثل سيرانو الذي لا يرعى كريستيان فقط بل يتفق معه في ان يوقع روكسان في حبه بطريقة أكبر باثا لها كل عبارات الحب والغرام التي تتوقعها من حبيبها، على لسان كريستيان ولكن بكلمات سيرانو. ينجح الاثنان وتذوب روكسان في حب كريستيان وتتزوجه بينما يعيش سيرانو كاتما مشاعره حاملا الألم والحسرة طوال حياته، ولا تنكشف الحقيقة لروكسان إلا في لحظات موته.

جاءت هذه القصة في قالب درامي يمتلئ بالكثير من الفكاهة والظرف نسمع معظمها من لسان سيرانوا (ديبارديو) الذي استطاع بحضوره المميز ان يخلق فيلما متألقا مميزا كاد أن يفشل لولا حضوره وجاذبيته التي طغت بالكاد على أي عنصر قوة آخر في الفيلم، فديبارديو تمكن من ان يضحكنا ويبكينا، ثم عاد ليجبرنا على الضحك في أحلك الساعات وعلى ان تتساقط دموعنا ونحن نستمع إلى حواراته وكلماته الظريفة.

 

Cyrano06_605x329

 

ديبارديو ممثل قدير ولسنا بحاجة الى اطراء قدراته اذ يكفي معرفة انه احد اهم دعامات السينما الفرنسية لنعرف سر تألقه على الشاشة. وطبعا لا يمكن اجحاف باقي الممثلين فجميعهم أدوا اداء رائعا وصادقا جعلنا نعيش مع القصة التي ما كانت لتنجح سينمائيا إذ انها قصة مسرحية أساسا وحتى حواراتها الشعرية والادبية كانت مناسبة لعرض مسرحي أكثر منها لفيلم رومانسي، وعلى رأس من تألقوا جاك ويبر الذي أدى دور كوميت دوغيش، رئيس سيرانو الذي كان نفسه واقعا في حب روكسان وكان كثير التودد اليها، والذي كان له دور لا بأس به في خلق جو الفكاهة في الفيلم. والى جانب هؤلاء تألقت آن بروشيت، الجميلة الناعمة التي استطاعت ان تتقن دور الحبيبة العاشقة ثم دور الأرملة الحزينة والتي أدت جميع مشاهدها بصدق وعفوية جعلتنا نحبها ونتعاطف معها على رغم انها تسببت في أذى سيرانو الذي احببناه منذ البداية على رغم مشاكساته وعنفه وازعاجه للآخرين الذي شهدناه في أحد المشاهد الأولى، حين أفسد عرضا مسرحيا بسبب كرهه لبطل المسرحية ولم يكتفِ بذلك بل انه تبارز معه وتسبب في جرحه.

وإلى جانب أداء الممثلين الرائع جاءت قدرات المخرج جان بول رابينو وفريق عمله ومهاراتهم في اختيار اللقطات ومواقع التصوير ونوع الأزياء والموسيقى لتسهم في تميز الفيلم واضفاء شيء من المسحة التاريخية عليه. وتأتي عناصر ضعف الفيلم في الحوارات الطويلة التي جاءت على لسان سيرانو في بعض المشاهد والتي كانت مملة إلى حد ما، هذا إلى جانب المشهد الأخير الذي يموت فيه سيرانو إذ نراه يحتضر بينما يسهب في الحديث مع روكسان ليناقش الكثير من الأمور بل ولينقل لها آخر أخبار القيل والقال، مشهد بولغ فيه ليمتد الى دقائق طويلة ومملة إذ ان المشاهد عند هذه المرحلة وقد عرف نهاية القصة لا ينتظر المزيد، فما الداعي الى اطالة مشهد الاحتضار وخصوصا مع كون المشهد غير مقبول منطقيا.

مهما يكن فإن الفيلم رائع ومميز، يقدم لنا صورة للحب الذي لا أمل له والذي تقول عنه أم كلثوم إنه أسمى معاني الوجود، وعلى رغم انه يقدم قصة ليست جديدة على المشاهد ولا تقدم للمرة الأولى فقد قدمت في فيلم فرنسي قام ببطولته جوسيه فيريه في العام 1950 وفاز عنه بجائزة الأوسكار لأفضل ممثل، ثم قدمها ستيف مارتين في واحد من أشهر أعماله وهو فيلم Roxanne الذي عرض في العام 1998، لكن ستيف مارتين جاء كوميديا وفراغ القصة من مضمونها أما هنا فلا يشعر المشاهد إلا بألم مبرح على رغم كثرة الظرف والفكاهة السوداء التي تملأ الفيلم.

اللغة: فرنسي

إخراج: جان بول رابينو

تمثيل: جيرارد ديبارديو، آن بروشيت، فينسنت بيريز، جاك ويبر، رولاند بيرتين

تصنيف الفيلم: دراما رومانسية

مدة العرض: 135 دقيقة

تاريخ العرض: 29 يونيو/حزيران 2003 خلال الأسبوع الثقافي الفرنسي الذي امتد في الفترة (26 يونيو – 3 يوليو)

العدد 303 – الأحد 06 يوليو 2003م الموافق 06 جمادى الأولى 1424هـ