Cinema Paradiso… قد يقترح إجابة ما

الوسط – منصورة عبدالأمير 

cinema-paradiso-poster.jpg

فيما يتعلق بي، لم يكن موضوع الفيلم سبب اندفاعي الشديد وحماسي للكتابة فحسب، بل يكمن في استمتاعي الشديد بمشاهدته ما حدا بي لمشاهدته ثلاث مرات، يضاف الى ذلك احتواؤه على كم هائل من المعلومات التي تزودت بها، وأرى في ذلك سببين كفيلين بتصاعد حماسي.

قبل الشروع في الحديث عن الفيلم، يجدر بي أن أذكر أن الفيلم الذي أنتج في العام 1989، فاز بجائزة الأوسكار لأفضل الأفلام الأجنبية، كما فاز بجوائز أخرى كثيرة منها جائزة مهرجان «كان» وجائزة «الدب القطبي» وجائزة أخرى فاز بها بطل الفيلم… وغير ذلك من الجوائز. والغريب في الأمر أن الفيلم حصل على هذه الجوائز على رغم عدم تناسبه مع مقاييس هوليوود المعروفة، بل انه جاء مختلفا أشد الاختلاف عمّا تطالعنا به أفلامها فلم يحو أي عنصر من العناصر التي تحفل بها، كما لم يعتمد على اي من التقنيات التي تقوم على أساسها.

يتناول الفيلم قصتين تتمحوران حول السينما هما: قصة (توتو) و(ألفريدو) والكيفية التي شكلت علاقتهما بالسينما، ثم قصة أهل القرية ومدى تأثير السينما في حياتهم. وتتداخل القصتان بشكل رائع لا يشعر فيه المشاهد بأنه أمام حوادث وتفاصيل كثيرة بل هو نسيج متكامل من الحوادث. تدور حوادث الفيلم في الأربعينات والخمسينات من القرن الماضي، وينقل إلينا قصة بسيطة وممتعة تتناول وقائع من حياة قرية صغيرة في صقلية إبان الحكم الفاشستي.

نشاهد أولا قصة الطفل سالفاتور (سالفاتور كاسكيو) الذي يعمل في الكنيسة ليعول اسرته التي تتكون من والدته وشقيقته الأصغر سنا وذلك بعد فقد والده في الحرب العالمية الثانية إذ كان أحد الجنود الايطاليين الذين فقدوا في روسيا. لا يجد «توتو» اية متعة في عمله بالكنيسة بل ينصب جل اهتمامه على عمل الفريدو (فيليب نوار) الذي يعمل على تشغيل آلة عرض الأفلام السينمائية في الكنيسة حيث تعرض مختلف الأفلام في كل ليلة لأهالي القرية، ونرى انبهار توتو بعمل الفريدو ومحاولاته المستميتة لاقناع الأخير بالموافقة على ان يعمل معه في تشغيل الأفلام. أما الفريدو فلا يتقبل وجود توتو في البداية لكنه بعد فترة وجيزة يحبه بسبب شقاوته وخفة ظله ويوافق على طلبه. تتطور العلاقة بين الاثنين حتى يصبح الفريدو بمثابة الأب لتوتو الذي لا يذكر وجه والده (كما يقول لوالدته في أحد مشاهد الفيلم) وفي المقابل يصبح توتو الابن الذي لم يتمكن الفريدو من انجابه. ينفصل الاثنان حين يقرر توتو الأخذ بنصيحة الفريدو والسفر الى روما للعمل في مجال اخراج الافلام، ويكون انفصالهما دائما وذلك بناء على رغبة الفريدو الذي لا يريد لتوتو العودة الى القرية حرصا على مستقبله المهني، ويلتزم توتو بقرارات الفريدو ولا يعود إلا بعد ثلاثين عاما ليشارك في جنازة الفريدو وليشهد التغيرات الكبيرة التي طرأت على القرية وأهلها.

وبين طيات هذه القصة الرئيسية نرى مشاهد قصيرة تحكي لمحات عن أهل القرية، أهمها المشاهد التي نرى فيها القس الذي كان شخصية مهمة في بداية الفيلم، إذ كان يلعب دور الرقابة على الأفلام التي تعرض لأهل القرية والذي ينفرد بالعرض الأول من كل فيلم ليتمكن من حذف اللقطات التي لا يعتبرها مناسبة للعرض كلقطات القبل وما شابهها، إذ يحمل في يده جرسا يقرعه كلما شاهد احدى هذه اللقطات تنبيها لألفريدو الذي يقوم بقصها من شريط الفيلم، وغير ذلك نتعرف على الكثير من أهالي القرية الذين يضحكونا بقدر ما يقرفونا.

وكما نشاهد توتو في مراحل زمنية مختلفة، إذ نعيش معه طفلا في الأربعينات ثم شابا شديد التوقد والحماسة في الخمسينات وأخيرا رجلا ناضجا وناجحا في عمله في الثمانينات، نشاهد تدرج الحياة في هذه القرية وتغيرها بتغير الواقع السياسي المحيط بها.

 

cinema_paradiso_1

وكما شكل حب توتو للأفلام مستقبله فجعل منه مخرجا مشهورا، رسم حب أهل القرية للأفلام واقعهم، فتدخلت السينما في أدق تفاصيل حياتهم لتسعدهم تارة وتبكيهم أخرى وجاءت لتغير جميع أوضاعهم السياسية والاجتماعية والنفسية ولتعبر عن ارادتهم، وقد بدا ذلك واضحا من خلال تفاصيل بسيطة، فأفلام الأربعينات التي لم تكن تحوي اي مشاهد تقبيل وما شابهها تحولت الى أفلام تحوي كل مشاهد الاثارة، كما ان الأفلام التي كانت تعرض في الكنيسة اصبحت تعرض في دار سينما خاصة، هذا الى جانب انتهاء دور الرقابة على هذه الأفلام، فالقس الذي كان يمارس هذا الدور اصبح يرفض حضور العروض. وإلى جانب ذلك توجد في صالة السينما غرفة جانبية لممارسة الرذيلة التي كانت تمارس بصورة سرية وخفية ومستهجنة من الجميع لكنها تحولت أخيرا الى أمر معلن لا يخجل من ممارسته اي احد، والجمهور الذي كان يشاهد بكل هدوء كل ما يعرض عليه اصبح يحتسي الشراب حتى الثمالة في صالة العرض، بل ويتبادل القبل وكل ما ينخرط في هذا المجال. كما تم القضاء على الطبقية الموجودة في المجتمع والتي كانت واضحة في ترتيب المقاعد إذ يجلس الأثرياء في الشرفة العلوية بينما يجلس الباقون في أسفل الشرفات، ولا يكتفي الاثرياء بذلك بل نرى احدهم يبصق بين الحين والآخر على الجالسين في الأسفل، لكن هذه الحال تنتهي حين يعبر الناس عن رفضهم لسلوكه في أحد المشاهد التي تصور حياة الخمسينات.

جاء الفيلم ليصور واقع الحياة في صقلية في ظل النظام الفاشستي المتحالف مع الألمان والروس الذي لم يستطع ان يخلق انصارا للنازية أو محبين للشيوعية فيما عدا قلة ممن كان اهالي صقلية يزدرونهم، وهو النظام الذي خلق حالا من الطبقية والتمييز وجعل البلاد تعيش حال فقر مدقع، لكن ارادة الناس تظل هي الباقية فينتهي النظام وتزدهر الحياة بكل ما يراه المخرج ازدهارا، إذ لا توجد نازية ولا اشتراكية ولا كنيسة تضع قيودا دينية على الناس.

أخيرا لا يمكنني التعليق على الفيلم من دون وصفه بالروعة والامتاع، والسبب في ذلك يعود إلى تميز المخرج غوسيبي تورنتوري الذي أبى استخدام اي نوع من التقنيات الفنية والسينمائية وفضل الاعتماد على موهبة ممثليه وبراعتهم فقدموا أفضل ما لديهم من اداء وعلى رأسهم فيليب نوار (ألفريدو) الذي فاز بجائزة أفضل ممثل عن أدائه الرائع في هذا الفيلم، والطفل سلفاتور كاسكيو (توتو) الذي أضفى على الفيلم جوا من البراءة والشقاوة والطرف، وإلى جانب ذلك تميز الفيلم بموسيقاه الرائعة التي حصل عنها ايضا على جائزة.

فيلم يستحق المشاهدة، وبالنسبة إليّ أكثر من مرة، ويقدم اجابة، وإن كانت غير شافية، عن السؤال عن أهمية السينما.

يمكن الحصول على نسخة الفيلم من محلات مدينة الليزر (Laser Town) شارع البديع، هاتف 693110

العدد 317 – الأحد 20 يوليو 2003م الموافق 20 جمادى الأولى 1424هـ

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s