جرائم شعورية!! …Equilibrium

الوسط – منصورة عبد الأمير 

30fd367ac55649e4998efbb6dc5231aa--movie-film-cyberpunk

تطل علينا هوليوود بين الحين والآخر بصرعات وتقليعات جديدة… صرعات تمس جميع شئون حياتنا وتفاصيلها عموما، وجميع ما يتعلق بالفن السابع وأساليبه وتقنياته خصوصا. حديثا، طالعتنا بإحدى هذه الصرعات الفنية التي جاءت في صورة أسلوب معين ونمط خاص تسير عليه أفلام الخيال العلمي. فهذه الأفلام، التي كانت لفترة طويلة لا تمت للواقع بصلة لا في قصتها ولا في هدفها، تأتي اليوم بحلة جديدة توظف من أجلها تقنيات فنية ورقمية عالية جدا لتقدم إلينا صورا وأصوات تأسر الحواس وتقرب المشاهد إلى الواقعية. ولم يكن التطور الحادث في خيال هوليوود العلمي مقتصرا على الاستفادة من التطور الرقمي الهائل، بل انه تعدى ذلك ليصل إلى الموضوعات التي تناقشها هذه الأفلام والتي تتطرق إلى أمور فلسفية عميقة، أو ايديولوجية معقدة، هذا عدا عن تضمين الفيلم بعض المشاهد الدرامية ليصبح تصنيف هذه الأفلام (دراما خيال علمي) وليس مجرد (خيال علمي). هذا التطور بدا واضحا في سلسلة أفلام The Matrix التي جاءت بحلة جديدة، وابتدعت هذا النمط التقني المذهل الذي لا يمكن نكران روعته والذي أعجب الكثيرين من المشاهدين، وإن كانت نسبة لا بأس بها منهم لم تتمكن من هضم القضايا الفلسفية التي تناقشها قصة الفيلم. ويأتي فيلم هذا الأسبوع Equilibrium ليقتفي أثر فيلم The Matrix على الأقل من الناحية التقنية.

يناقش هذا الفيلم الذي تدور حوادثه في القرن الواحد والعشرين قضية أقرب ما تكون إلى القضايا السياسية، ولكن من خلال المناقشة تلك يتم التطرق إلى تفاصيل سيكولوجية مثيرة كما يتم تطعيم الحوارات التي ترد ببعض العبارات الفلسفية الشعرية هنا أو هناك.

تدور القصة في عالم المستقبل الخيالي وفي أعقاب حرب عالمية ثالثة دمرت الكون ودفعت بأحد الأنظمة، التي أرادت القضاء على الحروب، إلى اللجوء إلى قمع مشاعر الناس، وإلى حظر تعاطي الفنون الجميلة والشعر والأدب والموسيقى لتصبح الكتب من المحرمات قانونا، وليصبح اقتناء اسطوانات وشرائط أي أنواع الموسيقى جريمة يعاقب عليها القانون. والنظام يضع مبرراته لكل ذلك، فهو يرى أن هذه المحظورات تثير مشاعر الحب أو الكره أو الألم أو الحزن أو الغضب، وهي المشاعر التي أدت الى قيام جميع الكوارث والحروب التي دمرت الكون، وهكذا يصبح تعاطي هذه الأمور جريمة يعاقب عليها القانون، وعقوبتها هي الموت إما في مسرح الجريمة أو حرقا في غرفة خاصة.

لكن يبدو وكأن المدينة تمتلئ بمرتكبي جرائم الإحساس هؤلاء، الأمر الذي يجعل جون بريستون (كريستيان بايل)، العميل الحكومي عالي المستوى والمسئول عن القبض على هؤلاء المجرمين، في سعي دائم لتعقبهم والقضاء على خلاياهم. ويبدو جون مخلصا في عمله إلى حد كبير فهو يسلم زوجته التي ارتكبت جريمة شعورية ليتم قتلها حرقا، كما يتولى إعدام زميله في العمل (شون بين) الذي يقع في يده كتاب شعري فيجد في نفسه استجابة «شعورية» لمادة الكتاب، وهكذا يصبح أحد مرتكبي جرائم الشعور وأحد المستحقين للإعدام بعد اكتشافهم بالجرم المشهود، إذ يفاجئه جون حين يكون الثاني منهمكا في قراءة كتاب الشعر هذا، مستكشفا مع كلماته متعة القراءة الشعرية. وليتمكن جون من الوصول إلى هذه المرحلة اللاانسانية التي تجعله شبيها بالآلات حتى في ملامح وجهه، يجب عليه، كما هي الحال مع كل فرد من أفراد هذه المدينة، أن يحقن نفسه يوميا بجرعة «بروزيوم» وهو مستحضر يعمل على احداث تغيرات دماغية تكون نتيجتها قتل المشاعر وتجميدها.

equilibrium2002.0108

 

يخطئ جون يوما ويفقد جرعة «البروزيوم» المخصصة له، وهكذا يجد نفسه في موقع ضحاياه ويبدأ هو نفسه بارتكاب جرائم شعورية. يتطور به الأمر بعد أن يقرر التوقف عن حقن نفسه بـ «البروزيوم» ليجد نفسه إنسانا آخر ومرتكبا للكثير من الجرائم الشعورية، فهو يتألم ويحزن ويحب، بل ويشعر برغبة جنسية عابرة تجاه إحدى السجينات المتهمات بارتكاب جريمة تعاطي الفن والموسيقى (ايميلي واتسون)، كما انه يصبح الشخص الوحيد القادر على القضاء على هذا النظام الاستبدادي. لكن الأمور لا تسير كما يريد إذ تساور الشكوك زميله الجديد في العمل (تاي ديجز) الذي يقتفي أثره ويبلغ عنه رؤساءه ثم يحبك ضده مؤامرة ليوقعه في يد النظام وليوقع به أشد العقاب. لكن، وكما هي الحال في جميع أفلام الأكشن والاثارة التي تنتجها هوليوود، يتمكن جون من القضاء على العشرات من الجنود والحراس ليصل إلى مقر الرئاسة ويقضي على رئيسه وعلى زميله في العمل على رغم احاطتهما بعشرات الحراس الشخصيين المجهزين بكامل العتاد.

جاء نص الفيلم الذي كتبه كيرت ويمر وكأنه يقدم ايحاءات وأفكارا جديدة إلى أية جهة ترغب في السيطرة على أي كان، فالسيطرة على الشعور هي الأساس في التحكم في الإنسان الذي إن تخلص من مشاعره أصبح كالآلة التي يمكن برمجتها وتوجيهها لفعل أي شيء. كما يشير الفيلم إلى بعض الجهات قد تعتقد أنها تحسن صنعا، فالنظام الاستبدادي هنا يهدف إلى تخليص البشرية من الحروب، وهو هدف نبيل سام، لكنه يخطئ الأسلوب، كما تخطئ الكثير من الجهات في اختيار أساليبها، بالاضافة إلى أن قياداتها لا تحمل نوايا مخلصة، وكأن هناك لمحة ولو كانت بعيدة إلى واقع نعيشه فيما تسميه أميركا بـ «الشرق الأوسط» الذي تحمِّله مسئولية الكثير من العنف والإرهاب العالميين، وهكذا يبدو وكأن النص ذو توجه أميركي مطلق. بالاضافة إلى ذلك يبدو وكأن الكثير من التفاصيل مأخوذة من نصوص أفلام أخرى، كما انه يحوي بعض المغالطات، فزميل جون الذي يوقع به تدفعه غيرته من جون إلى مراقبة تحركاته والايقاع به في نهاية المطاف… أليست الغيرة شعورا؟! فلماذا اذن لم يتمكن «البروزيوم» من القضاء عليها؟!

أما من الناحية الفنية فقد اعتمدت مشاهد القتال بشكل كبير على التقنيات الفنية ذاتها التي استخدمت في فيلم The Matrix ولذلك جاءت هذه المشاهد مشابهة بشكل كبير لتلك الموجودة في سابقه، ولذلك يتهم الكثيرون من النقاد فيلم Equilibrium بتقليد الكثير من الأفلام واقتباس الكثير من أفكارها ولعل أهمها فيلمThe Matrix. ومهما يكن من أمر فقد أبدع المخرج في اقتباساته وفي تقديمه للقصة وفي عرضه لكل مشاهدها.

لكن ما يحسب فعلا للفيلم هو انه يحوي فكرة على رغم كل شيء، وان فكرته أبسط بكثير من تلك التي قدمها The Matrix بجزئيه، كما أنها عرضت بشكل مباشر ولم تعتمد الترميز الذي يوحي بعدم امتلاك كاتب قصة The Matrix أو مخرجها أية جرأة أو شجاعة في الطرح، وهو الأمر المطلوب لكل من يخوض بحورا عميقة كتلك التي خاضها ذاك الفيلم أو هذا.

يمكن الحصول على نسخة الفيلم من محلات مدينة الليزر Laser Town – شارع البديع، هاتف: 693110

العدد 359 – الأحد 31 أغسطس 2003م الموافق 04 رجب 1424هـ

 

ماكس (Max) لا يتحيّز لهتلر

منصورة عبدالأمير

Max_(2002_movie_poster)

لم يأتِ اختياري لهذا الفيلم مصادفة، بل إنني كنت انتظر وصوله بفارغ الصبر وذلك منذ اللحظة التي تم عرضه فيها في أوروبا أواخر ديسمبر/كانون الأول الماضي. ويعود سبب لهفتي إلى مشاهدته، إلى الجدل الذي أثاره هذا الفيلم بداية عرضه في أوروبا، ولم يكن الجدل فنيّا بل كانت له أسباب سياسية أو قد يصنفها البعض على أنها تاريخية عرقية أو ربما دينية. ودار الجدل حول موضوع الفيلم الذي رأى فيه الكثيرون من الأوربيين، على اختلاف توجهاتهم ودياناتهم، تمجيدا لهتلر الذي يعتبر أحد مصادر شقاء البشرية، ولذلك تعرض مخرج الفيلم للكثير من الهجوم والانتقادات وظهرت الكثير من الأصوات التي دعت إلى إيقاف عرض فيلمه.

أما الآن، وبعد أن شاهدت الفيلم أخيرا، فأستطيع أن أشارك في هذا الجدل وأن ابدي رأيي سواء أكان مسموعا أم لا، لكن قبل ذلك يجب عليّ أن أسرد قصة الفيلم باختصار لأترك لكم المجال لأن تضموا أصواتكم أنتم أيضا وتتخذوا موقفا من هذا الجدل، حتى وإن لم نتمكن، أنا وأنتم، من إعلان موقفنا.

تدور قصة الفيلم في مدينة ميونيخ في العام 1918 وتتناول التغييرات التي طرأت على ألمانيا بعد هزيمتها في الحرب الكبرى، وهي التغييرات التي تمس حياة الناس في جميع المجالات وليس فقط في المجال السياسي. كما يقدم الفيلم تصويرا ووصفا للحال النفسية التي كانت سائدة في هذه الفترة والتي أدت إلى خلق جو سياسي مشحون وصل بالعالم إلى كارثة الحرب العالمية الثانية. بالإضافة إلى ذلك، يوغل بنا المخرج في تفصيلات أخرى، فنرى الألمان الذين لايزال يعتريهم الذهول والألم جراء ما حل بأبنائهم أولا، ثم ما حل ببلادهم وكيف عادت عليها الحرب بالخزي والعار، فهي لم تهزم فقط، بل اقتطعت أجزاء من أراضيها لتكون تحت سيطرة دول أخرى، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل وجب عليها أن تقدم اعتذارا رسميّا عن الحرب. خزي وعار سياسيان لم تمر ألمانيا بمثلهما مسبقا أديا إلى ظهور نزعات عرقية خطرة أوصلت العالم إلى طريق مسدود حين سببت كارثة الحرب العالمية الثانية. وفي وسط آلام الألمان كانت هناك مشاعر أخرى تستحوذ على قلوبهم الألمان ركيزتها الانبهار بكل ما هو جديد، وبكل ما يمكن أن يفتح الطريق أمام المستقبل، فقد كانوا جميعا يركزون أنظارهم على هذا المستقبل الذي يبدو مجهولا لهم، وفي الوقت ذاته يحلمون ويخططون لتنفيذ أحلامهم التي ستغير العالم بأكمله.

جميع الألمان كانوا يحلمون، كل بطريقته وفي مجاله، أما ماكس روثمان (جون كوساك)، الذي يرسم لنا المخرج مينو ماييس صورة ألمانيا في هذه الفترة من خلال قصته، فلم يكن يحمل الكثير من هذه الأحلام، إذ عاد هذا الرسام من الحرب الكبرى حزينا بائسا، فهو أولا يحمل المشاعر الوطنية التي كان يحملها أبناء بلده، وهو بالإضافة إلى ذلك يحمل همّا أكبر إذ إنه فقد أهم ما يملكه الفنان: يده. وهكذا بدت الحياة أمامه بلا مستقبل، لكنه مع ذلك لملم جروحه وعاد ليفتح معرضا للوحاته، وتمكن من أن يجعل من هذا المعرض صرحا مهمّا وشهيرا يتوافد عليه الأثرياء والمهتمون بالفنون الجميلة لشراء لوحاته التي كانت تباع على رغم غلاء أسعارها. وتطول أحزان ماكس عائلته، التي تتكون من زوجته الجميلة (مولي باركر) وابنه وابنته، إذ تبدو العائلة على وشك الانهيار بسبب ما يعانيه ربها، وبسبب افتتانه بإحدى الفنانات العاملات معه (ليلي سوبيسكي)، وعلى رغم كل ذلك لاتزال فكرة المستقبل تسيطر على ماكس، كغيره من الألمان، لكنه لا يستطيع تحقيقها وقد فقد يده اليمنى وقدرته على الرسم، بل يجدها في يوم افتتاح معرض لوحاته، في فنان غير معروف هو أدولف هتلر (نوح تايلر).

هنا تتضح الأمور وتتجلى نقطة الخلاف والجدل، فالجميع يرفض أن تقدم صورة تحمل أي نوع من التشريف لشخصية هتلر أو تضفي عليه بعضا من ملامح الإنسانية، فلا أحد يريد أن ينظر إلى هتلر على انه كان يملك إحساسا معينا ببعض الأمور يدفعه إلى رسم مادة أو أخرى، لكن الفيلم يقدم إجابة أراها شافية، فالفنان هتلر الذي فقد كل شيء بعد الحرب صاغته الظروف التي صاغت كل الألمان، وتملكته النزعات التي تملكت غيره، لكنه بدا أكثر تطرفا من الآخرين بسبب اجتماع كل ذلك على شخص واحد. فماكس، مثلا، الذي فقد قدرته على الرسم، لم يفقد عائلته وحب زوجته على رغم علمها بخيانته، ولم يفقد منزله الكبير وثراءه، وهكذا يبدو أن الفيلم يقدم عذرا، إلى حد ما، لنازية هتلر ولاإنسانيته، فمعاناته لا تحتمل.

لكن الفيلم يتواصل لنرى التشويش والخلط الذي أصاب هتلر كما أصاب غيره من الألمان وجعله يخلط بين الفن والسياسة والمشاعر الشخصية. فهتلر الرسام لم يستطع أن يعبر عن مشاعره في لوحاته، ولم يستطع إخراج ما يعتلج في أعماقه إلا حين لجأ إلى السياسة والأوضاع السياسية في بلاده، وحين نفّس عن مشاعره التعصبية لبني جنسه، وعن نزعاته العرقية وعدائه للعرق اليهودي، فجاءت لوحاته معبرة ومصورة للمستقبل أحسن تصوير. لكن مواهب هتلر لم تتوقف عند حد الرسم، بل انه برع في الخطابة التي كانت فنا جديدا يتساوى مع فن الحداثة الذي اصطبغت به كل لوحات ماكس. وعمل هذا الفن الجديد، المتمثل في الخطابة الدعائية، على أن ينقل إلى الألمان ما لم تستطع لوحاته إيصاله، كما انه أظهر النزعات العرقية لدى الكثيرين منهم، وهذا الفن أيضا هو الذي أنهى حياة ماكس في الليلة التي كان من المفترض أن يلتقي فيها هتلر ليدخله إلى عالم الفن والفنانين.

وهكذا فمهما كان العذر الذي يعطيه الفيلم لهتلر فإنه لا يطلب منا التعاطف بأي شكل معه، لكن أصحاب هذا الجدل غفلوا أو تغافلوا عن نقطة أخرى في الفيلم تتعلق باليهود ومحاولة تقديمهم بالصورة المثلى، إذ يتضح لنا لاحقا، من خلال بعض مشاهد الفيلم الأخيرة، أن ماكس روثمان، الذي يظهر في صورة الإنسان، الفنان، والمساهم في اقتصاد البلاد، والذي يحمل روحا حساسة، والمحب للحياة على رغم كل شيء، وما إلى ذلك، ما هو إلا يهودي، وكأن لسان حال الفيلم يضيف إلى ذلك عبارة «وإلا لما كان إنسانا بمعنى الكلمة». وهكذا نجد موضوع تبجيل اليهود وتعظيم بطولاتهم يسيطر على الفيلم، وهو في رأيي من الموضوعات التي تصيب المشاهد بالغثيان على المدى الطويل، ولا أعرف متى سيتوقف مخرجو هوليوود عن التفجع لما حدث ولما طال اليهود.

لا أعتقد أن الفيلم مبني على قصة حقيقية، لكنها على أية حال قصة ذكية كتبها وأخرجها مينو ماييس، هدفها الأول والأخير الحصول على مزيد من التعاطف مع اليهود، لكن هل يعتبر المخرج ما يفعله اليهود الصهاينة اليوم رد فعل طبيعيّا لما لحق بهم؟ وهل يبرر أعمالهم بظلم هتلر؟ وإذا كان الأمر كذلك، فلما يدفع آخرون ثمن زلات هتلر وأبناء جنسه؟

لا أستطيع القول إن الفيلم غير جدير بالمشاهدة فهو يقدم كمّا هائلا من المعلومات على أية حال، لكني أتساءل إن كان هناك مخرج هوليوودي ظهر أو لم يظهر، يفكر في إنتاج فيلم عن تألق صدام في أي مجال، وعن الكيفية التي صنعته بها الظروف؟

صحيفة الوسط البحرينية – العدد 345 – الأحد 17 أغسطس 2003م الموافق 18 جمادى الآخرة 1424هـ

حياة ديفيد غيل… مؤثرة وغير مقنعة!

منصورة عبدالأمير

 

the-life-of-david-gale.18425

تخفق هوليوود في كثير من الأحيان في الوصول الى ق قلب المشاهد، وذلك حين تفرض أولوياتها وقوانينها على بعض الأفلام – التي لا تحتمل سيناريوهاتها او القضايا التي تناقشها او ربما الابطال الذين يقدمونها بعضا من هذه القوانين. وعلى رأس هذه الأولويات تحقيق عنصر الاثارة، أيا كان نوعها وهدفها، إذ يأبى معظم مخرجي هوليوود إلا ان يضمنوها في أفلامهم مهما كان ثمن ذلك، وهو الأمر الذي لا يمكن تقبله حين يتم التنازل من أجل هذا البعد عن أبعاد أخرى أكثر أهمية كالبعد الانساني او البعد الواقعي مثلا، الأمر الذي قد يفسد متعة المشاهدة ويفرغ الفيلم من محتواه مهما كانت القضية التي يدعو اليها مهمة وخطيرة.

وفيلم المخرج الان باركر الأخير، The Life of David Gale، يعد مثالا صارخا على هذه النوعية من الأفلام، فالمخرج يتناول في هذا الفيلم قضية خطرة من القضايا الملحة التي يدور بشأنها الكثير من الجدل ليس في أميركا وحسب بل في أنحاء متفرقة من العالم، وهي قضية عقوبة الموت أو الحكم بالاعدام على مرتكبي بعض الجرائم، التي تنقسم الآراء بشأنها بين مؤيد ومعارض والتي أنشئت من أجلها الكثير من الجمعيات والتنظيمات التي تدعمها أو تعمل للقضاء عليها.

يركز الفيلم على هذه القضية من خلال حياة ديفيد غيل (كيفن سبايسي) بروفيسورالفلسفة الذي يعمل مع صديقته كونستانس هاراواي (لورا ليني) من أجل معارضة عقوبة الموت باذلين أقصى ما يمكنهما في سبيل منع اعدام المذنبين ايمانا منهما بعدم جدوى ذلك في ردع الجرائم وبضرورة ايجاد سبيل آخر سوى اعتماد مبدأ العين بالعين والسن بالسن.

وفي اطار استعراض كفاحهما من أجل هذه القضية، يأخذنا الفيلم الى تفاصيل حياة الاثنين لنرى كيف يجد ديفيد نفسه فجأة وقد خسر كل شيء في حياته لجريمة لم يرتكبها، ثم يعرج بنا لنرى بعضا من جوانب حياة كونستانس لنراها وهي تفقد كل شيء أيضا ولكن بطريقة مختلفة عن ديفيد، ولكنهما على أية حال يشتركان في نهايتهما. ومن منطلق الصداقة الحميمة التي تجمعهما، وبسبب اخلاصهما الشديد لقضيتهما، يقرران عمل شيء، أي شيء من أجل انقاذ ما تبقى لهما وهو القضية التي يكافحان من أجلها «منع عقوبة الاعدام»، ولأنهما لا يجدان سوى بقايا حياتهما، يقدمانها بكل سرور لعلها تسهم في اثبات صدقية ما يدافعان عنه.

تنتج خطتهما عن موت كونستانس والحكم على ديفيد بالاعدام لاتهامه بمقتلها، ويبدو وكأن لديفيد طلبا أخيرا يفصح عنه قبل تنفيذ الحكم عليه بأيام وهو الالتقاء بالصحافية الناجحة بيتسي بلووم (كيت وينسلت)، المعروفة بجرأتها التي دفعتها الى قضاء اسبوع كامل في أحد السجون تعقبا لموضوع معين، والمشهورة بحمايتها لمصادر اخبارها.. يلتقي الاثنان ويبدأ ديفيد الذي لا يريد من وراء هذه المقابلات سوى اثبات براءته في عيون الآخرين وخصوصا ابنه الذي حرم منه لجرائم لم يرتكبها، وليس رفع عقوبة الموت عنه. ويبدأ في سرد حكايته التي نتعرف عليها من خلال مشاهد الفلاش باك التي تعود بنا الى الوراء والتي تتخللها كلمات او اشارات لحوادث أو زوايا أو مشاعر معينة تتعلق بتفاصيل القصة التي تروى، وهي تقنية جاءت كالحشو الذي لا داعي له.

وسط كل مشاهد الاسترجاع هذه. تقتنع بيتسي ببراءة ديفيد، وتجد نفسها مسئولة عن حياة هذا الانسان وعن اثبات براءته للآخرين وانقاذه من الموت. ولذلك تفعل ما بوسعها من أجل ذلك، تفلح أم لا ليس هو المهم، ولكن الأهم هو ما يثبته ديفيد وصديقته كونستانس في النهاية.

 

قضية الفيلم – كما ذكرت – تنقل قضية مهمة وخطيرة، نقلها المخرج بطريقة جيدة، استطاع من خلالها ان يشعرنا بأهمية الموضوع وان يقدم لنا الكثير من التفاصيل عن الجدل السائد، وان يأخذنا الى حد كبير الى صف المعارضين للاعدام، وان يجعلنا نتعاطف مع ديفيد وكل قضاياه وان نشعر بمظلوميته، كما وضعنا بسبب براعته في موقع بتيسي، فأصبحنا مثلها نلهث في اللحظات الأخيرة علنا نستطيع انقاذ ديفيد من الموت. لكن ما أفسد الفيلم هو النهاية التي وجدتها غير مقنعة وغير واقعية على الاطلاق، ولا أعرف إن كان المخرج هو الملام في هذا وهو الذي صنع من هذه القصة فيلما جيدا من حيث القصة ورائعا من حيث الاداء والتقنيات الفنية، أم الممثلون الذين تألقوا وقدموا أداء رائعا ليس بمستغرب منهم ككيفين سبايسي الذي استطاع نقل الكثير من تفاصيل شخصية ديفيد عبر ادائه الهادئ وعينيه اللتين تحملان الكثير من الغموض وهو الأمر الذي جاء مناسبا لهذه القصة ولشخصية ديفيد غيل إذ وجب ان تكون كذلك لتوغل بنا في مجاهل الحيرة، ولتسهم في تحقيق عنصر المفاجأة في هذه القصة، ولتجعلنا نتردد كثيرا في قبول حكاية ديفيد أو رفضها وفي توجيه أصابع الاتهام لأي طرف. والى جانب كيفن، تألقت كيت وينسلت المتألقة دائما، ولا أقول ذلك اشارة الى جمالها الباهر ولكنه ذكائها الحاد الذي يشع من عينيها والذي يجعلك مشدودا اليها وهي تؤدي اي دور ابتداء من «روز» تايتانيك حتى الصحافية الجريئة بيتسي والتي تأخذ المتفرج معها ليبكي حين تبكي ويضحك حين تضحك مهما كان السبب، ثم هنالك لورا ليني التي أدت دور الناشطة كونستانس المتحمسة لقضيتها والتي استطاعت ايضا ان تتقن الدور وتعطيه حقه، وحتى جابريل مان الذي أدى دور الشخص المغرم بها، استطاع ان يشدنا على رغم انه لم ينطق كلمة واحدة في الفيلم بأكمله وكل الذي شاهدناه منه هو لقطات جانبية لوجهه المغطى تقريبا بقبعة الكاوبوي الكبيرة، او ابتسامة صفراء تلتقطها الكاميرا عن بعد.

مخرج كالان باركر الذي قدم فيلم Evita في العام 1997، وممثلون يكفي ان يوجد بينهم كيفن وكيت، لا يمكن توجيه اللوم اليهم في اي ضعف في هذا الفيلم. ولذلك ولكي نكون منصفين فإن اللوم كله يلقى على كاتب الفيلم تشارلز راندولف إذ جاء فيلمه غير مقنع، ختمه بطريقة تثير غضب المشاهد الذي كان يتوقع الكثير من أجل قضية كهذه لا ان يحل لغز الفيلم الذي شغلنا ابطاله به واشعرونا بالمسئولية تجاه قضيته، بطريقة خيالية أقرب الى لعب المراهقين. بالاضافة الى ذلك احتوى الفيلم على بعض الحوارات أهمها في نظري هو حوار مشهد المناظرة التلفزيونية التي جرت بين ديفيد وبين حاكم الولاية، إذ عجز ديفيد – الذي يسخّر كل طاقاته من أجل قضيته – عن الدفاع عن موقفه وهزم خصمه في هذه المناظرة، هذا مع العلم بأن ديفيد ليس ناشطا عاديا بل هو استاذ فلسفة متميز!!

قضية خطيرة، ومعلومات وتفاصيل كثيرة، وممثلون بارعون ومتألقون لا أجد بينهم أي ممثل يمكن أن أطلق على أدائه انه جيد فقط!! وفوق كل ذلك مخرج متميز كالان باركر، لا أعرف لماذا لم يفكر في كتابة نص فيلمه هذا وهو الذي بدأ حياته الفنية ككاتب سيناريو إذ كتب نص فيلم السبعينات الرومانسي Melody.

الفيلم عموما جيد جدا فيما يتعلق باخراجه، ورائع بممثليه، ومقبول، وعلى رغم كل العيوب في نصه فإنه كان يمكن أن يكون قويا ومؤثرا للغاية بنص أقوى وأكثر واقعية.

كلمة أخيرة أشعر بمسئولية كتابتها ونقلها إليكم وهي تأثري الشديد بقضية الفيلم وبقصته إذ لاأزال أشعر به حتى ساعة كتابة هذه الكلمات اي بعد 36 ساعة من مشاهدتي للفيلم!

يمكن الحصول على نسخة الفيلم من محلات مدينة الليزر Laser Town – شارع البديع، هاتف 693110

صحيفة الوسط البحرينية – العدد 338 – الأحد 10 أغسطس 2003م الموافق 11 جمادى الآخرة 1424هـ

طيور الحرية تحلق من جديد The Cranes are Flying

الوسط – منصورة عبدالأمير 

146_box_348x490_original

حين تقرَّر أن تناقش صفحة السينما لهذا الاسبوع موضوع السينما الروسية وحين شرعتُ في العمل على المقالات الموجودة، أدهشني كمّ الأفلام التي أنتجتها روسيا وادهشني كمّ الممثلين والممثلات الذين انتجتهم هذه الأرض طوال عمر السينما الروسية وعلى مر الفترات الزمنية المختلفة. ولذلك وتناغما مع الموضوع قررت استعراض أحد هذه الأفلام الروسية، لكنني ولسوء الحظ لم أتمكن من العثور على أي فيلم روسي حديث. الفيلم الوحيد الذي وجدته هو فيلم The Cranes are Flying الذي عرض في العام 1957، اي منذ ما يزيد على 45 عاما، وعلى رغم ذلك قررت مشاهدته حين علمت انه كان من أفضل أفلام الخمسينات وأنه فاز بجائزة السعفة الذهبية في مهرجان «كان» في العام 1958؛ وذلك لتميزه فيما يتعلق بتقنيات التصوير والاخراج الفني والاخراج بشكل عام.

ويدور الفيلم حول قصة حب تجمع شابين هما فيرونيكا وبوريس، وتستمر مشاعرهما المتأججة حتى اندلاع الحرب العالمية الثانية التي تفرقهما حين يتطوع بوريس للانضمام الى صفوف المقاتلين الذي يواجهون الألمان والفاشستيين (حسبما يطلق عليهم أبطال الفيلم)، وبمجرد انضمامه الى صفوف القتال ينقطع الاتصال بينه وبين حبيبته التي تمر بظروف صعبة شأنها شأن الكثيرات من الروس في تلك الفترة العصيبة التي مرت بها روسيا والعالم بأسره. أخيرا تجد فيرونيكا نفسها مضطرة الى الزواج من ابن عم زوجها، ولكنها مع ذلك تظل على انتظار دائم لبوريس.

جاء الفيلم مناسبا للأجواء التي كانت سائدة في روسيا وفي جميع الدول التي تضررت مباشرة بأهوال الحرب العالمية الثانية ومآسيها، وذلك بعد سنوات قليلة من انتهاء هذه الحرب الشرسة التي بقيت ذكراها حاضرة في أذهان الكثيرين. ولم يكن الهدف من هذا الفيلم استعادة هذه المآسي او تكرار عرضها بل يبدو أنه جاء ليخفف من حالة الاحتقان والكبت السينمائيين اللذين صاحبا فترة الحرب التي حدثت ابان الحكم الستاليني، وليمسح بيد حانية على قلوب ابناء الشعب الروسي المكلومة، إذ جاء في فترة خففت فيها القيود نوعا ما على جميع مجالات الحياة بما فيها السينما وهكذا اصبح بامكان من تضرروا أن يعلنوا ألمهم وحزنهم الذي كان محظورا في فترات سابقة وكان قمعها يصل حتى الى مشاعر المواطن الروسي ليخنقها وليحجر دموعه في مآقيه وليجبر هذا المواطن على ان يرسم ابتسامة رضى وسعادة شاء أم أبى!!

 

the-cranes-are-flying-1957

وبحسب مقاييس فترة الخمسينات والتطور الفني والتقني في مجال صناعة الأفلام يبدو هذا الفيلم متألقا جدا ومميزا وجديرا بلقب أفضل الأفلام وبجائزة السعفة الذهبية، وكذلك يبدو مخرجه متميزا ايضا في عرضه للقصة وحوداثها ولكن ليس بحسب مقاييس ما قبل 40 عاما بل والى حد كبير حتى بمقاييس اليوم، لكن ما يظل متميزا حتى هذا الوقت بشكل كبير هو أداء ممثليه وعلى رأسهم الكسي باتالوف الذي قدم شخصية بوريس الحبيب الذي يترك حبيبته ويتطوع للقتال من أجل روسيا، والذي كان ممثلا محبوبا من قبل النظام ومن قبل الروس أنفسهم، بل انه كان يطلق عليه ممثل الروس المفضل. وهناك أيضا تاتيانا ساميولوفا التي أدت دور فيرونيكا، الحبيبة المغرمة التي تفقد جميع أحبتها وتخسر حياتها وسعادتها بسبب الحرب، وتظهر لنا في المشهد الأخير بوجه حزين شاحب وبعينين ذابلتين وهو الأمر المختلف تمام الاختلاف عن الهيئة التي بدت عليها في المشاهد الأولى من الفيلم فهي الحبيبة الفاتنة الشقية التي يشبهها حبيبها دائما بالسنجاب «سكويرل» لامتلائها الدائم بالسعادة والفرح التي تعبر عنها بشقاوة طفولية الى حد بعيد. وما يظل متميزا أيضا هو قصة الفيلم التي يقول عنها المخرج سيرجي سولوفويوف أحد معاصري مخرج الفيلم ميخائيل كالتوزوف، انها قصة أنشأت جيل الخمسينات وأثرت فيهم بشكل كبير لم تستطع اية قصة أخرى تم تقديمها على الشاشة ان تحققه.

الفيلم الذي حقق نجاحات ساحقة عند عرضه في دور السينما السوفياتية كان حدثا بارزا في تاريخ السينما العالمية، فهو الفيلم الذي حقق أكبر عدد مبيعات على القائمة الفرنسية لأفضل الأفلام، وهو الفيلم الذي لم يحصد جائزة مهرجان «كان» فقط بل حصل على جوائز أخرى من مهرجانات عالمية مختلفة أهمها جوائز مهرجانات الأفلام العالمية في لوكارنو وفانكوفر والمكسيك. نجاح ساحق قد يعود سببه الى ظروف القمع السياسية التي تسود العالم بأسره وروسيا (الاتحاد السوفياتي سابقا) بشكل خاص، إذ تمكن هذا المخرج الجريء في ظل هذه الظروف من المجاهرة بما لم يستطع معاصروه أن يفعلوه بشكل واضح ومعلن في ظل حالة القمع والارهاب اللذين كانت تمارسهما السلطة على الشعب الروسي عامة وعلى المبدعين والمثقفين بشكل خاص، وهذه ليست المرة الأولى التي تتجلى فيها جرأة هذا المخرج وشجاعته بل انه قام بمحاولتين سابقتين كانتا أشد جرأة وشجاعة ولكنهما قمعتا بقسوة. وما يزيد من شأن محاولتيه الأوليين هو قيامه بهما في فترة حكم ستالين التي حكمت روسيا بالنار والحديد والتي كانت تطبق مبدأ «العصا والجزرة» إذ لم يستطع ميخائيل ان يحصل سوى على الأولى منهما بسبب تحديه للارهاب الستاليني.

أول هذين الفيلمين هو Salt of Svanetia الذي قدمه في العام 1930 وهو العمل الذي أعجب المشاهدين، ولكن الدولة لم تقبله واعتبرته معاديا لها، ثم قدم بعد ذلك بعامين فيلم The Nail in the Boat والذي منع للأسباب لنفسها حتى انتهى العهد الستاليني ليقدم ميخائيل فيلمه الثالث الذي قوبل باستحسان كبير من قبل المشاهدين في روسيا وفي جميع أنحاء العالم والذي كان سيمنع بلاشك لو قدم قبل ذلك بسنوات قليلة.

فيلم The Cranes are Flying يظل مميزا على رغم كل شيء، ويظل كأفلام فاتن حمامة وعبدالحليم حافظ التي لا تمل مهما هرمت او تكررت.

يمكن الحصول على نسخة الفيلم من محلات Laser Vision إذ تجدون تشكيلة ضخمة من الأفلام المتنوعة، هاتف535400، الموقع الالكتروني mylaservision.com

العدد 331 – الأحد 03 أغسطس 2003م الموافق 05 جمادى الآخرة 1424هـ