The Day I Became A Woman حين تنتصر الإرادة

الوسط – منصورة عبدالامير 

  • TheDayIBecameAWoman

بقدر ما يعتبر مخرجو هوليوود محظوظين بالاستوديوهات الضخمة والتقنيات المتطورة وكل ما هو متوافر لهم في مجال التصوير والانتاج الفني والسينمائي، إلا ان هذه الرفاهية التي يعيشونها مهنيا تحرمهم من الاجتهاد والابداع في أعمالهم واستخدام كل ما يملكون من طاقات ذهنية خلاقة، الأمر الذي يؤدي الى تقديمهم أعمالا لا تحوي كما هائلا من الابداع العقلي سواء على مستوى الإخراج أو النصوص المقدمة. لكن هذه الضارة تنفع سواهم من المخرجين الذين ما كانوا ليتألقوا لولا ذلك، والمخرجون المقصودون هنا تلك المجموعة الكبيرة التي تنتج أفلامها في أي مكان في العالم خارج نطاق هوليوود. هؤلاء المخرجون الذين ما إن يعطوا شيئا من الحرية والمساحة في بلادهم حتى ينطلقوا ليسعدوا جمهورهم بإبداعاتهم الفنية وليسطروا أسماءهم بأحرف من ذهب على قائمة كبار مخرجي العالم، أو – على الأقل – لينجحوا في أن يختطفوا أضواء الشهرة والنجومية بطريقة أو بأخرى. ولعل المخرجين الايرانيين يعتبرون – من وجهة نظر الكثيرين – على قائمة هؤلاء المبدعين، بسبب ما يمتلكونه من حس فني راق وقدرة بالغة على ايصال مضامين أفكارهم ببراعة فنية عالية. وليس أدل على ذلك من الجوائز والتشريفات الكثيرة التي حصل عليها مخرجو هذا البلد على مر الأعوام في مختلف المهرجانات الفنية، فعلى رغم كل أنواع الضغوط السياسية أو الاجتماعية المفروضة عليهم سواء من الداخل أو الخارج، يتألقون ويبدعون ويقدمون ما يبهر المشاهد ويترك بصمات تظل باقية ومؤثرة.

ميرزاية ميشكاي هي أحد أولئك المخرجين البارعين، وهي مخرجة فيلم هذا الاسبوع The Day I Became A Woman. وبالمناسبة، ميرزاية هي أحد أفراد عائلة ايرانية فنية لها شهرة عالمية بسبب انجازاتها الفنية المتعددة، فزوجها هو المخرج المعروف محسن مخملباف وهو كاتب سيناريو هذا الفيلم أيضا، وهي والدة سميرة مخملباف التي فاز أحد أفلامها حديثا في مهرجان «كان» الماضي، وعرض فيلم لشقيقتها في مهرجان فينيسيا الأخير لكنها منعت من حضور العرض لعدم بلوغها السن القانونية!

the-day-i-became-a-woman-bikes2

يتناول فيلم ميرزاية تصويرا لواقع تعيشه بعض النساء في الشرق، ويتم ذلك من خلال عرضها لثلاث قصص تتناول كل منها يوما في حياة امرأة مختلفة. وتتدرج أعمار هؤلاء النساء ومعاناتهن بحسب ترتيب القصص، فحواء (او «هافا» كما يطلقون عليها) في القصة الأولى، هي فتاة صغيرة على وشك البلوغ واتمام سن التاسعة. أما «آهو» بطلة القصة الثانية، فهي شابة في عنفوانها. في حين نرى «حوراء» بطلة القصة الثالثة عجوزا مقعدة في خريف عمرها.

تتعرض النساء الثلاث لمضايقات ومعوقات تختلف بحسب أعمارهن، لكنهن جميعا يثبتن قوة إرادة لا تلبث ان تواجه بطريقة أو بأخرى. فحواء (فاطمة جراغ أختر) الطفلة الصغيرة التي تملأ مشاهد القصة الأولى براءة وعذوبة بأدائها العفوي الرائع ووجهها الطفولي البريء، على وشك البلوغ واتمام سن التاسعة في اليوم الذي تدور فيه حوادث قصتها، وهذا يعني أن عليها ان تنسى حياتها الأولى وتودع عالم الطفولة لتدخل عالم النساء الذي ستلجه في هذا اليوم من خلال ارتدائها «الشادر» الذي سيغطي شعرها ومعظم جسدها. لكن حواء لاتزال تريد اللعب مع أصدقائها من الأولاد، ولايزال «حسن» ينتظرها ليذهبا معا كعادتهما في كل صباح لشراء الآيسكريم. ويبدو وكأن هذه الرغبة الطفولية البسيطة تحيطها الكثير من المعوقات، فالجدة تعارض خروجهما معا لأن حواء أصبحت امرأة الآن ولا تستطيع أن تصادق الأولاد، ومن ثم يجب على حواء ان تقيس الشادر الذي ابتاعته أمها وترتديه، لكنها تظل مصرة على لقاء حسن، فتتوسل جدتها ووالدتها لأن تودع حسن الوداع الأخير. وتستجيب الجدة تحت إلحاح حواء متعللة بأن الفتاة ولدت عند الظهر، وهذا يعني انها لم تبلغ بعد، وهكذا فإن بإمكانها الخروج لساعة حتى يحين الظهر وتحين ساعة بلوغها. وتخرج حواء على شرط أن تعود قبل الظهر. ولأنها صغيرة لا تعرف قياس الوقت، فليس هناك من سبيل سوى قياس ظل عصا صغيرة لتعرف موعد العودة. ويبدو الوقت ضيقا ويمر بسرعة، وحواء لم تتمكن من لقاء حسن وتناول الآيسكريم. وأخيرا يتم ذلك تحت معوقات كثيرة ومن خلف حواجز وموانع كثيرة، لكنه يتم على أية حال وبحسب رغبة حواء «البسيطة».

أما القصة الثانية التي تثير الحيرة فتبدأ بمشهد سريالي نرى فيه مجموعة من راكبات الدراجات اللواتي تتطاير عباءاتهن في وجه الكاميرا، ويبدو وكأن الفتيات في سباق للدراجات يتم على شاطئ احدى الجزر. وعلى طرف السباق نرى فارسا على جواد يحاول منع احدى المتسابقات وثنيها عن اتمام السباق، لكن «آهو» (شابنام تولوي) تواصل سيرها غير مكترثة بنداءاته التي بدأها أولا متعللا بخوفه على صحتها وقدمها التي تعاني منها دائما، وبعد ذلك يتدرج في منعه حتى يصل به الأمر الى تهديدها بالطلاق… وهكذا نعرف ان هذا الفارس ليس سوى زوجها. لكن آهو لا تنثني عن عزمها وتواصل قيادة الدراجة، تحت تهديدات الزوج، ومن ثم الأقارب الذين يحاولون اقناعها بأن الدراجة شيطان وان عليها التعقل والعودة الى حياتها والى زوجها الذي يحبها كثيرا. وتأتي الحيرة عندما تنتهي القصة نهاية مفتوحة لا نعرف بعدها إن كانت آهو أكملت السباق أم انها استجابت ورضخت لرغبة الذكور من أقاربها. لكن المؤكد انها قاومت حتى الرمق الأخير، فقط، لتمارس الرياضة التي تحبها.

أما حوراء (عزيزة صديقي) بطلة القصة الثالثة، فتضفي جوا فكاهيا ظريفا على الفيلم، فحوراء عجوز مقعدة لا تنتظر من الدنيا شيئا، نراها قادمة من مكان ما على متن طائرة تحط في مطار جزيرة ما، ثم نراها مدفوعة على كرسي متحرك، ونسمعها وهي تتحدث الى الولد الصغير الذي يدفع كرسيها لتطلب منه اخذها الى السوق لأنها تريد شراء كل ما عجزت عن شرائه حين كانت شابة. وفعلا تشتري كل ما تريد، ومعظمه مما لا تحتاج إليه عجوز في مثل سنها. تنقل العجوز مقتنياتها الجديدة وتضعها على شاطئ البحر انتظارا لوصول القوارب التي ستأخذ حاجياتها الى السفينة الكبيرة التي ستعيدها مرة أخرى الى ديارها.

تعرض حوراء حاجياتها على شاطئ البحر، ويبدو وكأن العجوز لا تريد شيئا من حياتها سوى أن تمتلك هذه الأشياء حتى لو لم تستخدمها، وتؤكد ذلك حين تمر بها فتاتان ممن كن يشاركن «آهو» في السباق، وتتساءلان عن سر هذه الحاجيات كما تعبران عن دهشتهما من تصرف العجوز، لكنها لا تكترث وتعبر عن رغبتها منذ زمن طويل في اقتناء هذه الأشياء، التي حرمتها من الزواج حين كانت شابة! قصص الفيلم الثلاث جاءت معبرة عن واقع تعيشه المرأة. لا يهم المكان ولا الأسلوب، لكنه على أية حال واقع لا يمكن نكرانه أو التغافل عنه، فرغبات النساء الثلاث كانت بسيطة، لكن محيطهن حاول قمعها، ويبدو وكأنه نجح في ذلك في القصص الثلاث، بطريقة أو بأخرى.

فحواء لم تتناول الآيسكريم مع حسن، بل اكتفت ببعض الحلوى التي تقاسمتها معه من وراء شباك منزله. أما آهو فلا نعرف إن كانت واصلت سيرها بالدراجة أم انها رضخت لرغبة أشقائها، فالمخرجة تركت النهاية مفتوحة، وزادت الأمر حيرة وغموضا حين جعلت الفتاتان تخبران العجوز بالأمر ثم تتجادلان في موضوع «آهو» لتؤكد احداهن استمرارها في السباق بينما تنفي الأخرى ذلك وتؤكد مشاهدتها لشقيقيها وهما يأخذانها معهما، وآهو لم تكن ترغب إلا في ان تمارس رياضتها وتثبت براعتها في ركوب الدراجة. أما حوراء فلم تتمنَ سوى الزواج لكنه (والضمير هنا يعود إلى رجل أرادت حوراء الزواج منه)، حرمها من كل ذلك.

ثلاث رغبات، وثلاث نساء، وواقع مرير يتكرر هنا أو هناك، وبطريقة أو بأخرى، تعرضه ميرزاية بدقة وبراعة كبيرتين وبإحساس بالغ وبصمات نسائية جاءت واضحة حتى في عنوان الفيلم.

يمكن الحصول على نسخة الفيلم من محلات

مدينة الليزر Laser Town – شارع البديع، هاتف: 011396

العدد 366 – الأحد 07 سبتمبر 2003م الموافق 11 رجب 1424هـ