في لقاء أجرته «الوسط» مع المخرج السينمائي التونسي فتحي الخرّاط: السينما تعيد ترتيب الوعي الجمالي لدى المتفرّج

العدليّة – منصورة عبدالأمير 

BN20790fethi

يتردد اسمه في الكثير من العواصم العربية من القاهرة إلى دمشق إلى قرطاج العاصمة الثقافية في بلاده، كيف لا وهو ضيف شرف دائم في معظم المهرجانات السينمائية التي تعقد في هذه الدول، فمن مهرجان القاهرة إلى مهرجان قرطاج السينمائي، وصولا إلى آخر مشاركاته في مهرجان دمشق السينمائي الذي عقد أخيرا في ديسمبر/ كانون الأول من العام الماضي إذ برز اسمه فيه كأحد أعضاء لجنة التحكيم للأفلام القصيرة… انه مدير ادارة السينما في وزارة الثقافة التونسية والأمين العام لمهرجان قرطاج السينمائي فتحي الخراط، الذي اخرج عددا من الأفلام القصيرة حصل عن أحدها وهو فيلم «باب الحديد» على جائزة السيف البرونزي وذلك في مهرجان دمشق السينمائي للعام 1998.

الخراط كان ضيف البحرين أخيرا خلال الاسبوع الثقافي التونسي الذي امتدت فعالياته في الفترة من 17 إلى 24 يناير/ كانون الثاني الجاري. التقت «الوسط» المخرج الخراط وكان لنا معه الحوار الآتي:

علاقتنا بالسينما التونسية تكاد تكون منعدمة ولكن اسم فتحي الخراط من الأسماء اللامعة التي فرضت وجودها وسط عالم السينما المزدحم بالوجوه والأسماء، هل من الممكن أن تحدثنا عن تجربتك السينمائية؟

– في الواقع تجربتي السينمائية باعتباري مخرجا ليست مهمة جدا لأنني اعمل في ادارة السينما في وزارة الثقافة، وأشغل منصب الأمين العام في مهرجان قرطاج السينمائي منذ العام 1996. درست السينما في اكاديمية الفنون بالمعهد العالي للسينما في مصر. أخرجت فيلمين قصيرين وفيلما ثالثا عن الاستثمار في تونس. عملي كما قلت هو عمل اداري في صلب ادارة السينما بوزارة الثقافة وهي التي تتكفل بتنظيم مهنة العمل بالسينما وتقديم الدعم للإنتاج السينمائي بالاضافة إلى تنظيم مهرجان قرطاج السينمائي.

ماذا عن الحضور التونسي في المهرجانات السينمائية العربية منها والعالمية؟

– تشارك تونس في معظم المهرجانات التي تنظم في المنطقة العربية ان لم يكن جميعها كمهرجان القاهرة، ومهرجان دمشق، ومهرجان مراكش في المغرب، ومهرجان تطوان، بالاضافة إلى الكثير من المهرجانات العالمية المهمة مثل مهرجان كان والبندقية وبرلين والمهرجانات التي تعنى بالسينما الافريقية وهي كثيرة بعضها يعقد في ايطاليا وآخر في كندا وهناك مهرجان في فرنسا يعنى بسينما القارات الثلاث افريقيا وآسيا واميركا اللاتينية. هذه المهرجانات توفر لنا فرصة للاطلاع على احدث ما انتج من أفلام للالتقاء بمديري المهرجانات والسينمائيين وقلما لا تكون تونس حاضرة في المهرجانات المهمة. وفي فترة من الفترات كانت الأفلام التونسية هي أكثر الأفلام التي تحصل على جوائز وهي الفترة التي تمتد بين الأعوام 1985 و 1995.

هناك انتاج سينمائي نوعي في دول المغرب العربي لكنه يظل مطلا على دول حوض البحر الأبيض المتوسط وبعض الدول الأوروبية أما حضوره العربي فيكاد يكون منعدما. ترى ما السبب في ذلك؟

– هذا الأمر لا يقتصر على السينما فقط بل حتى التبادل التجاري فهو مكثف مع حوض البحر الأبيض المتوسط وأوروبا ويكاد يكون منعدما مع المشرق والخليج العربي لأسباب ربما جغرافية أو تتعلق بالنقل فتونس تبعد عن روما ساعة واحدة بالطائرة بينما تستغرق الرحلة بالطائرة إلى البحرين مثلا حوالي 24 ساعة لعدم وجود خطوط مباشرة، البعد الجعرافي اذا له تأثير على التبادل التجاري والثقافي، أما بالنسبة إلى التبادل الثقافي فالمسألة أكثر تعقيدا فهناك شبه احتكار للسوق تقريبا من قبل السينما المصرية، والجمهور في المشرق العربي وفي الخليج تأسست ذائقته السينمائية على السينما المصرية، أما الأفلام التي تأتي من المغرب العربي فتختلف في مقارباتها وفي شكلها وأحيانا حتى في مضمونها عن السينما السائدة، وهو الأمر الذي يشكل صعوبة في التلقي لدى المتفرج العربي، لكن الملاحظ انه كلما أتيح للجمهور في المشرق وفي الخليج مشاهدة الأفلام المغاربية، فإنهم يعبرون عن إعجابهم بها.

لكن ألا ترى ان لهجة دول المغرب العربي تقف عائقا في طريق انتشار هذه الأفلام ووصولها إلى المشاهد العربي؟

– في تقديري أن اللهجة مسألة ثانوية فالسينما لغة بصرية تعتمد على الصورة، أما الحوار فيأتي ليدعم الصورة، والمتفرج في الواقع مطالب ببذل شيء من الجهد ليفهم. نحن في دول المغرب العربي صرنا الآن نفهم اللهجة الخليجية وذلك بعد انتشار الفضائيات التي تبث المسلسلات الخليجية وخصوصا الكويتية ما جعل المتفرج في المغرب العربي يتعود على اللهجة ويفهمها، وهكذا يمكن للمتفرج الخليجي ان يألف اللهجة المغاربية بتداول الأفلام والأعمال التونسية او الجزائرية او المغربية، اضافة إلى ان هناك بعض الأفلام التونسية التي تستخدم اللغة العربية الفصحى لغة لها مثل فيلم «الهائمون» الذي عرض خلال الاسبوع التونسي، وكما قلت هناك أفلام تعتمد في التعبير على الصورة إذ يكون الحوار فيها بسيطا والفيلم غير متكئ على الحوار. مسألة اللهجة كثيرا ما تثار من قبل الأشقاء المصريين على أساس أن الفيلم التونسي لا يمكن أن يوزع في مصر لأن المشاهد المصري لا يفهم اللهجة التونسية، ما أدى إلى قيام أحد المخرجين التونسيين بدبلجة فيلم تونسي باللهجة المصرية وهو فيلم شارك فيه الممثل المصري جميل راتب وتم انتاجه في العام 1992 وهو من اخراج الفاضل شعيبي، وجاء ذلك بناء على طلب موزع الفيلم المصري، وعلى رغم ذلك لم يلق الفيلم رواجا، فالمسألة ليست لهجة بقدر ما هي احتكار للسوق، فالفيلم المصري يجد صعوبة ليفرض نفسه امام الفيلم الأميركي فأصحاب شركات التوزيع وأصحاب قاعات العرض هم الذين يتحكمون في السوق وبالتالي فهم يفضلون الفيلم الأميركي لأنه في تقديرهم يجذب جمهورا أكثر من الفيلم العربي، ولمست هذا الأمر هنا في البحرين.

صار من البديهي ان تذهب مقولة السينما العربية إلى السينما المصرية تحديدا بحكم كم الانتاج وسهولة اللهجة، إلى متى ستظل هذه الوضعية قائمة؟

– السينما المصرية أيضا أصبحت تعاني من مشكلة بسب انتشار الفضائيات وأفلام الفيديو، فمصر في وقت ما كانت تنتج حوالي 100 فيلم في السنة، والآن لا يتعدى الانتاج 25 فيلما في السنة، والسبب في ذلك يعود إلى أن المشهد السمعي البصري في العالم تغير، كما ان المنطقة العربية تغيرت لأن كثرة الفضائيات أنشأت جيلا جديدا، وأفقد الكثير من الوجوه بريقها ففي الماضي كان يكفي وجود نجوم مثل محمود ياسين وحسين فهمي وسعاد حسني مثلا ليباع هذا الفيلم أو ذاك، أما الآن فبسبب كثرة التدوال وبسبب كثرة عرض الأفلام قلما يوجد فيلم يشد انتباه المتفرج، مصر كان لها سبق تاريخي في السيطرة على الشاشات في السينما وفي التلفزيون إلى درجة انه عندما يقال الفيلم العربي فإن ذلك يعني الفيلم المصري كما لو ان السينما العربية تساوي السينما المصرية لكن السينما غير المصرية يمكن أن تفرض نفسها بنوعية الأفلام وبجودتها فهي لا تمتلك نجوما وآليات توزيع وانتاج ضخمة لكن يمكن ان تصل للمتفرج من خلال مواضيع مختلفة ومعالجات مختلفة عن السينما المصرية بممثلين مختلفين وأداء مختلف ولذلك ففي المهرجانات نجد ان السينما المصرية لا تصمد كثيرا في السباق مع سينما دول المغرب العربي مثلا.

هناك تعريف للسينما في أوساط المثقفين يقول إن السينما هي اعادة ترتيب الوعي، كيف يمكن للسينما ان تقوم بذلك الدور؟ واي وعي يراد به هنا؟ اقصد هنا السينما بشكل عام والسينما التونسية بشكل خاص…

– هذه المقولة قابلة للنقاش، إذ إن هناك وظائف كثيرة للفن فهناك من يرى أن الفن لا يمكن أن تكون وظيفته الا التسلية، وهناك من يرى أنه لابد أن يكون له بعد سياسي وتعليمي وغير ذلك وهناك وجهة نظر بين الاثنين فالفن يمكن ان تكون له رسالة هي السمو بالانسان لكن ايضا يمكن أن يكون فيه جانب من الترفيه والا يكون فنا متجهما، السينما يمكن أن تكون أداة في الارتقاء بوعي المتفرج وبوعي الانسان بأن تفتح أمامه مجالا للتذوق والاحساس بالجمال والقيم الجميلة والنبيلة ويمكن أيضا ان تنزل بالمتفرج حين توغل به إلى الغرائز وجميع الاثارة والمسائل التي تنزل بمستوى الفرجة. نعم اعادة ترتيب الوعي هي في تقديري من وظائف الفن.

الفن أيضا يقدم رسالة ويصنع ثقافة بل ويخلق أجيالا جديدة ففي جميع دول العالم مثلا نرى تأثير هوليوود ودورها في تكوين الأجيال الجديدة، ما الدور الذي تقوم به السينما التونسية في هذا المجال؟

– السنيما التونسية تتميز بأن مخرجيها مثقفون كما ان الطابع التجاري تقريبا منعدم في سينما المغرب العربي لأن السوق منعدمة فالمخرج لا يصنع الفيلم ليوزعه تجاريا لأنه لا يوجد هناك نجوم كما في السينما المصرية إذ يتم انتاج فيلم باسم نجم ما كعادل امام مثلا بل يتم انتاج الفيلم لقيمته الفنية والفكرية وبالتالي فإن كل الافلام التونسية تقريبا فيما عدا بعض الاستثناءات تقدم وجهات نظر ورؤى وفكرة معينة وتحاول ان تشرك المتفرج في موضوع وقضية ما، هذه القضية كثيرا ما تكون في صلب اهتمامات المتفرج، مثال على ذلك فيلم «عزيزة» وهو من أشهر الأفلام التونسية، والذي نال الجائزة الأولى في مهرجان قرطاج في العام 1980، هذا الفيلم يطرح قضية حرية المرأة في تونس، البلد الوحيد الذي أجاز مشاركة المرأة في كل مجالات الحياة كما أعطى للمرأة حرية كاملة من بداية الاستقلال، وقد جاء هذا الفيلم في العام 1980 ليقول ان حرية المرأة لا تتحقق الا بالاستقلالية الاقتصادية اذ لا يمكن ان تكون المرأة حرة الا اذا كانت مستقلة اقتصاديا. هذه الفكرة لاقت تجاوبا لدى المتفرجين لانها تشكل وجهة نظر منطقية وقد اثبتت الوقائع ذلك.

مازال المستثمرون العرب يتخوفون من خوض تجربة توظيف أموالهم في مجال السينما باستثناء مصر، هل مرد ذلك إلى ان الوعي بهذا العالم (عالم السينما) لم يصل بعد إلى درجة من النضج تكفي لانتاج نوع من المغامرة؟

– المسألة بسيطة جدا، الاستثمار في السنيما مسألة غير ملموسة فلو توقف الفيلم مثلا فما الذي سيعوض المستثمر، ما الذي يستطيع ان يحجز عليه حين يتوقف الفيلم لسبب أو لاخر، المستثمر العربي لا يريد ان يضع امواله الا في مسألة ملموسة ومضمونة الربح والسينما ليست بالضرورة مضمونة الربح منذ بدايات تاريخها، وقلما نجد منتجا يعرف مسبقا ان الفيلم سينجح، اذ ليس من الممكن ضمان ربح الفيلم بحسابات معينة، في السينما العربية عموما لا يمكن توقع هذا الأمر فحسن الامام مثلا قدم فيلم «خلي بالك من زوزو» وقد نجح نجاحا باهرا، وبالتركيبة نفسها قدم فيلم «أميرة حبي أنا» وبالنجوم أنفسهم لكن الفيلم لم ينجح على الاطلاق، وهكذا فإن خصوصية السينما تجعل المستثمر لا يقبل على الفيلم بسبب ان المسألة غير مضمونة حتى لو تم اختيار افضل المخرجين او افضل الممثلين او افضل كتاب السينماريو كفيلم يوسف شاهين الأخير «سكوت حنصور» الذي قدم فيه مطربة معروفة على الساحة هي لطيفة لكن الفيلم لم ينجح.

فالاستثمار في السينما يكاد يكون منعدما في حين ان الاستثمار السمعي البصري في القنوات الفضائية مثلا في الاغاني يلقى اقبالا لان المعادلة هي تحقيق الربح، والربح في الأغاني تقريبا مضمون بسبب رواج سوق الأغنية.

يبدو ان هناك تركيزا على قضايا المرأة في السينما التونسية، هل يعود ذلك إلى وجود عدد كبير من المخرجات ام انها قضية تشغل الرأي العام التونسي؟

– موضوع المرأة يشكل قضية مركزية في المجتمع التونسي تثير الكثير من الجدل وتناولها المخرجون في السينما والمسرح، المسألة تثير الكثير من النقاش لأن المرأة في تونس نالت حقوقها نظريا منذ بداية الاستقلال إذ تساوت مع الرجل ما عدا ما يتعلق بالارث إذ ظل امره من جانب الشريعة «وللذكر مثل حظ الانثيين» (النساء 176).

هناك جدل كبير في هذا الأمر فيما اذا كانت المرأة جديرة بهذه الحرية وهل استفادت منها وما الذي حققته، أو لعلنا تسرعنا في منح هذه الحرية، وهل الحرية هي ان تشارك المرأة في كل مجالات الحياة، وهل تعتبر التبعية للرجل مسألة ايجابية بالنسبة إلى المرأة ام العكس، تحرير المرأة هل أثر على الاسرة وعلى الترابط الاسري، هل هناك بنى في المجتمع قادرة على ترك الفراغ الذي تتركه المرأة حينما تخرج للعمل، هناك قراءات لكل هذه القضايا تطرح للنقاش والسينما وسيلة من وسائل النقاش وطرح وجهات النظر واهتمت بهذه المواضيع، فعبداللطيف بن عمار قدم فيلم «عزيزة» عن التبعية والحرية الاقتصادية للمرأة، ثم مفيدة التلاتني قدمت فيلم «صمت القصور» الذي يناقش مدى الاختلاف في مصير المرأة بعد الاستقلال عنه في مرحلة ما قبل الاستقلال.

هناك أيضا فيلم «السامة» الذي يناقش الضغوط التي تتعرض لها المرأة في مجتمع على رغم ظاهره فانه في الواقع مجتمع ذكوري، فالمجتمع الشرقي دائما له نظرة معينة للمرأة التي تساوي الرجل نظريا لكنها في الوعي الجمعي ناقصة عقل ودين، فكل هذه القضايا تطرح في مختلف المجالات بما فيها السينما. موضوع المرأة موضوع مهم جدا في الثقافة التونسية وبما ان السينما عنصر من عناصر الثقافة التونسية فهي تهتم بهذا الجانب

العدد 506 – الأحد 25 يناير 2004م الموافق 02 ذي الحجة 1424هـ

موناليزا سمايل …. حرية المرأة… مرة أخرى!

الوسط – منصورة عبدالأمير

220px-Monalisasmile (1)

تظل القضايا والشئون النسائية دائما من المواد الخصبة التي يلجأ إليها كتاب نصوص الأفلام ومخرجوها ليضمنوا تقديم أعمال تحمل من الغموض والإثارة ما يكفي لشد انتباه المتفرج ولربما إثارة حزنه وغيظه على هذا الطرف أو ذاك سواء كان ذلك شخصا ام جهة أم ايديولوجية أو حتى دينا ومنهاجا. وفي كل الأحوال ينجح هؤلاء في مسعاهم، فالتركيز على عالم المرأة الغامض والساحر الفاتن يخلق اثارة تتعدد أنواعها بحسب توجهات صانعي الفيلم أو أية مادة سينمائية أخرى، وسواء كان المضمون هادفا وذا رسالة أم لا، فان الناتج في غالبيته يكون فيلما ناجحا والفضل للأنثى شاء من شاء وأبى من أبى.

فيلم اليوم هو أحد هذه الأفلام التي تناقش بعض القضايا النسائية إذ يعود بنا مخرجه مايك نويل إلى العام 1953 وإلى فترة من فترات تصاعد موجة نشاط الحركات النسوية في أميركا وبدايات ظهور احدى حركات التحرير هذه التي جاءت في أعقاب نكسة حلت على النساء بعد أن كان لهن دور كبير في أربعينات القرن الماضي ابان الحرب العالمية الثانية، لكنه تراجع بشكل مفاجئ بعد انتهاء الحرب ومع حلول حقبة الخمسينات، إذ تحولت المرأة من فرد منتج في المجتمع إلى ربة بيت تسجنها جدران منزلها، وتحولت طموحاتها نتيجة الضغط الاجتماعي والثقافي نحو الزواج وانشاء اسرة والعناية بها، ولا شيء آخر.

وهكذا علت الأصوات هنا وهناك لتعيد المرأة إلى صف الرجل ولتخرجها من قوقعة الاهتمامات الأسرية والزوجية. وبسبب التطرف في حرمان المرأة جاءت هذه الحركات هي الأخرى متطرفة ولكن في الاتجاه الآخر ففي مقابل السلبية المفروضة على المرأة، جاء المتمردون بسلبية من نوع آخر تأخذ المرأة بعيدا عن أي جو أسري في سبيل تحقيق ذاتها عمليا.

كاثرين ويليس (جوليا روبرتس) كانت هي رمز هذه الحركات التحررية في الفيلم فمدرّسة الفن التي جاءت من غرب القارة جاءت بأفكار تحررية متمردة على قوانين وتقاليد مدرسة ويلزلي التي تقع في شمال شرق القارة إذ العائلات الثرية المحافظة التي تؤمّن لفتياتها أفضل التعليم وأرقاه لينتهي بهن المطاف في منازل الزوجية والتي ترفض أية مساومة على مستقبل هؤلاء الفتيات مهما كانت الفتيات أنفسهن يحملن من طموح. تواجه كاثرين صعوبة في التكيّف مع طالباتها الفخورات بأنفسهن، لكنها في الوقت ذاته تتمكن من الوصول إلى أعماقهن جميعا، لتصبح المدرسة ذات الشعبية الأعلى بعد أن كانت الادارة قد قررت الاستغناء عنها بسبب أفكارها التحررية فيما يتعلق بمستقبل هؤلاء الفتيات وبواقع المرأة في الخمسينات وحتى بسبب تحمسها لأفكار الفنانين الأوروبيين أو لاعجابها الشديد بمذاهب فنية لا تميل لها الادارة المحافظة.

تؤثر كاثرين في حياة هؤلاء الفتيات وتتأثر هي الأخرى بعالمهن، وهدف ذلك في رأيي هو وضع المتفرج في موقف وسط بين النظرتين ولذلك كان لابد أن تتأثر كاثرين بالفتيات ليتم طرح وجهة نظر ثالثة تقتضي أن تحقق المرأة ذاتها في المجالين إن أمكن، فهي حرة في اختيار مصيرها وتقرير مستقبلها بين 3 أمور: الزواج، الانخراط في الحياة العملية أو الاثنين معا مع أن البطلات جميعا لا يتمكنّ الجمع بين الأمرين.

ينتهي الأمر بكاثرين بترك المدرسة التي لم يعد لها مكان فيها بعد الشروط الكثيرة التي وضعتها الادارة في عقد توظيفها الجديد والتي تقيد كاثرين وتحد من حريتها وتحولها إلى مجرد أداة لايصال ما هو مدون في الكتب الدراسية التي تحفظها الطالبات عن ظهر قلب وهو ما لا يتناسب مع ما تتبناه من أفكار تحررية.

كاثرين هي الشخصية المركزية في الفيلم لكن ذلك لا يعني أن جوليا هي الممثلة الرئيسية فإلى جانبها تألقت كل من كرستين كورست في دور بيتي الفتاة المتعالية التي تحلم بالزواج وحين يتحقق الحلم، تكتشف ان سعادتها ستكون في الاتجاه الآخر الذي تؤكد عليه كاثرين مدرستها وهو تحقيق ذاتها، خصوصا مع زوج عابث يتجاهل انوثتها مفضلا عليها أمورا أخرى. وإلى جانب ذلك تذهلنا ماغي غيلينهيل بأدائها دور الفتاة العابثة غيزيل التي تتنقل كالفراشة من رجل إلى آخر، ولا تحمل أي طموح بتكوين أسرة أو بتحقيق ذاتها، لتنقل نمطا من أنماط الحرية التي تدعو إليها الحركات النسوية وهي الحرية الجنسية، ولا أعرف أية مكانة تحاول هذه الحركات إعطاءها للمرأة بتحقيقها الانفلات الجنسي.

أما جوليا ستايلز (جوان) فتؤدي دور الفتاة التي تفضل الزواج على دراسة الحقوق في واحدة من أرقى الجامعات في أميركا، لكن خيارها ذلك لا يتعسها فهي تعيش سعيدة في كنف زوجها المحب والحنون.

fa448d1e9da3600d54384f1ee47e76c9

موضوع الفيلم الذي يدور حول حرية المرأة أو تحريرها ليس موضوعا جديدا فقد تم تناوله في الكثير من الأفلام على مختلف الفترات الزمنية التي تمثل عمر السينما، والأسوأ من ذلك هو أن معالجة هذه القضية تمت بصورة سطحية للغاية وبنص ضعيف ومبتذل في بعض المشاهد، هذا النص الذي كتبه كل من لاري كونر، مارك روزينثال، ولورنس كونر، لم يكن مقنعا وجاءت حوادثه غير مقنعة، فجوليا أو كاثرين تترك الرجل الذي أحبته حين يعرض عليها الزواج وتفضل عليه زميلها ذو المغامرات العاطفية مع الطالبات، ثم لا نجد لهذه العلاقة أية نهاية وكأنها لم تحدث، إذ ترحل جوليا من المدرسة من دون أي تفسير أو وداع لحبيبها.

أما عنوان الفيلم فلم يضع أية بصمة على حوادثه كما أنه لا يعبر عن مضمونه. فما هي ابتسامة الموناليزا؟ أهي الابتسامة الساحرة الدائمة التي تخفي وراءها الكثير من الأحزان والهموم في قلب النساء اللواتي لم يحصلن بعد على حقوقهن كاملة. أم هي ابتسامة كاثرين؟ ولكن ألم تبد كاثرين قانعة بحياتها سعيدة بخياراتها؟ ألم تختر الفتيات ما أردن في نهاية المطاف؟ فما الداعي للهموم إذن؟ ولماذا يتردد اسم الموناليزا وابتسامتها من مشهد إلى آخر؟

أخيرا، فإن الأمر الوحيد الذي أثار انتباهي هو شجاعة جوليا روبرتس في قبول هذا الدور، فجوليات هنا ليست البطلة ولا تظهر بشكل أكبر عن سواها، وليست هي الشخصية التي يدور حولها الفيلم، بل تتقاسمها البطولة مجموعة من الفتيات الجميلات اللاتي يبدون أجمل من جوليا، هذا عدا عن أن جوليا لم تستطع أن تتفوق في أدائها على الفتيات الأخريات، فالجميع أبلين بلاء حسنا وقدمن أداء رائعا، وحتى ملصق الفيلم لم تظهر فيه جوليا وحيدة بل شاركتها الفتيات فيه مرة أخرى، بل وبدت… كريستين كورست (بيتي) أجمل من جوليا بسبب زاوية الصورة المأخوذة لها. وإن أردتم رأيي فهي شجاعة من جوليا قل أن تجد لها نظيرا في عالم السينما!

يعرض الفيلم في سينما الدانة

العدد 506 – الأحد 25 يناير 2004م الموافق 02 ذي الحجة 1424هـ

 

Marooned in Iraq … أحلام مبتورة

Marooned_in_Iraq

الوسط – منصورة عبدالأمير 

عالم الأفلام يشبه الى حد كبير دنيا البشر، فالأفلام كالبشر، قد تقع في حب أحدهم منذ النظرة الأولى، أو قد تكره آخر وتنفر من مشاهدته بعد دقائق معدودة من بداية العرض.

تضحكنا الأفلام وتأخذنا الى عوالم سعيدة، كما تبكينا في أحيان أخرى وتحزننا حتى الكآبة، لكننا على أية حال نبقى معها، سواء ملأتنا نشوة وفرحا ام ألما وحزنا… ألا تبدو هذه العلاقة سادية !

بالنسبة لي فإن آخر ما أحببت هو فيلم المخرج الايراني بهمن غوبادي Marooned in Iraq، وهو فيلم لا يمكن اتهامه بنقل المتفرج الى حال من الكآبة والحزن كالكثير من الأفلام الايرانية، لكنه يأخذك بعيدا ويسرق انتباهك بل يستحوذ عليك على رغم أنه لا يملك الكثير من جمال المظهر سواء بممثليه أو بمواقع تصويره التي بدت على رغم جمال طبيعتها خالية من أية حياة قد تضفي عليها شيئا من الحسن والروعة… الا انه يأسرك لتجد نفسك وقد توحدت مع مجرياته ولتكون أنت والشاشة كيانا واحدا… هو فيلم لا يفرحك، لا تجد نفسك فيه، لا يفزعك بمناظر بشعة على رغم أن حوادثه وحواراته تنقل من البشاعة ما تعجز نفسك عن تحمله، لكنك تذهب معه بعيدا وتسافر الى الوراء عبر الزمان أولا… الى بداية التسعينات او ربما كانت تلك نهاية الثمانينات لكن مجرياته على أية حال تدور في الفترة الزمنية التي أعقبت نهاية الحرب العراقية الايرانية، ثم يسافر بك مرة أخرى عبر المكان لتصل الى بلاد ليست ككل البلاد فلا حدود لها ولا اعتراف بجغرافيتها التي سببت لأهلها كل العذاب والدمار، ولتتعرف على شعب ليس ككل الشعوب، شعب يظل ممتلئا بالحياة على رغم جثث أمواته المتناثرة فوق أرضه الثلجية البيضاء وفي أزقته الطينية.

يصور الفيلم حياة الأكراد ومعاناتهم في تلك الفترة العصيبة وذلك من خلال قصة ميرزا (شهاب ابراهيمي) وهو موسيقي عجوز يعيش في كردستان الايرانية، يخاطر بنفسه وبولديه حين يسافر في رحلة شاقة وخطرة عبر هذه الأراضي التي تمتد بين العراق وايران وتركيا والتي شهدت الكثير من المآسي والفجائع، بحثا عن زوجته هناريه (ايران غبادي) التي هجرته منذ عشرين عاما لتفر مع صديقه (سيد) الى كردستان العراق. يرافق ميرزا في رحلته الشاقة هذه ولداه بارات (فائق محمدي) وعودة (مراد راشتيان) اللذان يبدوان مرغمين على هذه الرحلة فهي في نظرهما، لا تستحق كل هذا العناء والحب من والدهما الذي لم ينسها على رغم خيانتها له وغدرها به، بل ظل محبا لها ومفضلا اياها على زوجاته الأخريات، وما كاد يعلم بحاجتها اليه حتى هُرع إليها، على رغم ما قد يواجهه من أخطار في سبيل الوصول الى المخيم الذي تعيش فيه بالقرب من الحدود العراقية.

يأخذنا المخرج مع أبطاله في هذه الرحلة لنشهد بأم أعيننا ما خلفته الحرب من مآس ومحن لبشر ظلوا على رغم كل أعين الموت التي تتربص بهم يحملون حبا للحياة طغى على أي شعور آخر، حبا جعلهم يتمسكون بكل ما هو عذب من معاني هذه الحياة، حبا جعل الأب العجوز يخاطر من أجل حبيبة خائنة وجعل ابنه الأكبر يتسابق مع الزمن ليحصل على ابن مهما كلفه الثمن، ابن يرعى نساءه السبع وبناته الإحدى عشرة اللاتي انجبهن على طريق انتظار هذا الابن، ليقرر في نهاية الأمر ان ينهي رحلة انتظاره بيتيمين ليسا من صلبه.

هذا الحب أيضا هو الذي جعل بارات يقع في ما وقع فيه والده سابقا ليحب صوت امرأة لم يرها وليطلب منها الزواج ثم لترد رفضه السماح لها بالغناء، برفض عرضه الذي لا يرد.

حب الحياة هذا يتبدى أيضا من خلال الكثير من التفاصيل التي يعج بها الفيلم فهو الذي يجعل أطفال المخيم اليتامى يتحلقون حول عودة وبارات ويشاركونهما الغناء على رغم الأحزان التي تمتلئ بها قلوبهم الصغيرة ووسط مخيم تحيط به الألغام من كل جانب، وليس ذلك فحسب بل إن هؤلاء الصغار يحملون شجاعة وجرأة تجعلهم يتحلقون حول مدرسهم ليتلقوا منه درسا حيا عن الطائرات في مكان ما بالقرب من مخيمهم، وعلى مرأى ومسمع منهم تحلق الطائرات الحربية التي يمكن أن تنهي حياتهم في لحظة واحدة، وهي على أي حال جرأة أراد الفيلم ان يركز على كونها جزءا من طبيعة الأكراد.

MCDMAIN EC074

هذه الرحلة الشاقة التي تمتلئ بالمخاطر، يعيشها الثلاثة معا لكنهم لا يلبثون أن ينفصلوا ليواصلها العجوز العاشق وحيدا وليلتقي أخيرا بالحبيبة التي تودعه (سنوريه) ابنتها وابنة سيد، الصديق الذي شاركها الخيانة الموجعة التي لم ينسها ميرزا أو أي ممن يعرفه من الأكراد، وتنتهي الرحلة بعودة العجوز الى كردستان ايران حاملا معه صغيرة هناريه أو ما تبقى منها.

الحب الذي يسكن قلب العجوز وابنيه يرمز للحياة التي تسكن الأكراد على رغم كل ما مر بهم، والرحلة التي يقوم بها العجوز ترمز لرحلة شعب بأكمله في طريق تأسيس الدولة الحلم التي تجمعهم وتحميهم من بطش أشباه طاغية العراق المندحر، هي رحلة لم تنته بل تبدأ من جديد حين يعود العجوز حاملا معه حياة جديدة جاءت من صلب أب قد دفنه للتو وأمرأة انهت كيماويات صدام ما تبقى فيها من رونق حياة، وفي ذلك اشارة إلى نفوس الاكراد التي ستظل حية متقدة بالأمل على طريق انشاء الدولة الحلم.

هذا الفيلم يعرضك لوجبات من عذاب الضمير لتجد نفسك مسئولا عن محنة بشر شاءت ظروف جغرافيتهم ان تضعهم في فوهة المدفع ليدفعوا ثمن حرب لا ناقة فيها لهم ولا جمل. الفيلم يجعلك تحاسب نفسك على اية لحظة مرت لم تشعر فيها بمأساتهم وعلى أية بادرة كان يمكنك القيام بها لرفع شيء من آلام الأكراد… تعرف انك لا تملك من الأمر شيئا، حينها أو في أي وقت آخر… لكنك مع ذلك تتألم لساعة أو مايزيد هي مدة الفيلم من وخزات الضمير.

الغريب في الأمر انك تعشق الفيلم هذا العشق كله على رغم الألم المبرح والعذاب اللذين يسببهما وينقلهما عبر مجرياته وعلى وجوه ممثليه الذين لا يملك معظمهم أية مسحة للجمال الذي نشهده على الشاشة عادة، عدا عن مسحات تجدها على بعض وجوه الفتيات والأطفال، وكأن المخرج قد تعمد ذلك ليصب تركيز المتفرج على أمور أخرى تبرز ماهية القضية الكردية بأفضل ما يمكن.

أخيرا فإن الفيلم شيق على رغم كل المشاعر السلبية التي ينقلها للمتفرج، وكالتجربة الثانية لهذا المخرج في نقل المعاناة الكردية فإنه بالفعل فيلم يستحق المشاهدة

العدد 499 – الأحد 18 يناير 2004م الموافق 25 ذي القعدة 1424هـ