Marooned in Iraq … أحلام مبتورة

Marooned_in_Iraq

الوسط – منصورة عبدالأمير 

عالم الأفلام يشبه الى حد كبير دنيا البشر، فالأفلام كالبشر، قد تقع في حب أحدهم منذ النظرة الأولى، أو قد تكره آخر وتنفر من مشاهدته بعد دقائق معدودة من بداية العرض.

تضحكنا الأفلام وتأخذنا الى عوالم سعيدة، كما تبكينا في أحيان أخرى وتحزننا حتى الكآبة، لكننا على أية حال نبقى معها، سواء ملأتنا نشوة وفرحا ام ألما وحزنا… ألا تبدو هذه العلاقة سادية !

بالنسبة لي فإن آخر ما أحببت هو فيلم المخرج الايراني بهمن غوبادي Marooned in Iraq، وهو فيلم لا يمكن اتهامه بنقل المتفرج الى حال من الكآبة والحزن كالكثير من الأفلام الايرانية، لكنه يأخذك بعيدا ويسرق انتباهك بل يستحوذ عليك على رغم أنه لا يملك الكثير من جمال المظهر سواء بممثليه أو بمواقع تصويره التي بدت على رغم جمال طبيعتها خالية من أية حياة قد تضفي عليها شيئا من الحسن والروعة… الا انه يأسرك لتجد نفسك وقد توحدت مع مجرياته ولتكون أنت والشاشة كيانا واحدا… هو فيلم لا يفرحك، لا تجد نفسك فيه، لا يفزعك بمناظر بشعة على رغم أن حوادثه وحواراته تنقل من البشاعة ما تعجز نفسك عن تحمله، لكنك تذهب معه بعيدا وتسافر الى الوراء عبر الزمان أولا… الى بداية التسعينات او ربما كانت تلك نهاية الثمانينات لكن مجرياته على أية حال تدور في الفترة الزمنية التي أعقبت نهاية الحرب العراقية الايرانية، ثم يسافر بك مرة أخرى عبر المكان لتصل الى بلاد ليست ككل البلاد فلا حدود لها ولا اعتراف بجغرافيتها التي سببت لأهلها كل العذاب والدمار، ولتتعرف على شعب ليس ككل الشعوب، شعب يظل ممتلئا بالحياة على رغم جثث أمواته المتناثرة فوق أرضه الثلجية البيضاء وفي أزقته الطينية.

يصور الفيلم حياة الأكراد ومعاناتهم في تلك الفترة العصيبة وذلك من خلال قصة ميرزا (شهاب ابراهيمي) وهو موسيقي عجوز يعيش في كردستان الايرانية، يخاطر بنفسه وبولديه حين يسافر في رحلة شاقة وخطرة عبر هذه الأراضي التي تمتد بين العراق وايران وتركيا والتي شهدت الكثير من المآسي والفجائع، بحثا عن زوجته هناريه (ايران غبادي) التي هجرته منذ عشرين عاما لتفر مع صديقه (سيد) الى كردستان العراق. يرافق ميرزا في رحلته الشاقة هذه ولداه بارات (فائق محمدي) وعودة (مراد راشتيان) اللذان يبدوان مرغمين على هذه الرحلة فهي في نظرهما، لا تستحق كل هذا العناء والحب من والدهما الذي لم ينسها على رغم خيانتها له وغدرها به، بل ظل محبا لها ومفضلا اياها على زوجاته الأخريات، وما كاد يعلم بحاجتها اليه حتى هُرع إليها، على رغم ما قد يواجهه من أخطار في سبيل الوصول الى المخيم الذي تعيش فيه بالقرب من الحدود العراقية.

يأخذنا المخرج مع أبطاله في هذه الرحلة لنشهد بأم أعيننا ما خلفته الحرب من مآس ومحن لبشر ظلوا على رغم كل أعين الموت التي تتربص بهم يحملون حبا للحياة طغى على أي شعور آخر، حبا جعلهم يتمسكون بكل ما هو عذب من معاني هذه الحياة، حبا جعل الأب العجوز يخاطر من أجل حبيبة خائنة وجعل ابنه الأكبر يتسابق مع الزمن ليحصل على ابن مهما كلفه الثمن، ابن يرعى نساءه السبع وبناته الإحدى عشرة اللاتي انجبهن على طريق انتظار هذا الابن، ليقرر في نهاية الأمر ان ينهي رحلة انتظاره بيتيمين ليسا من صلبه.

هذا الحب أيضا هو الذي جعل بارات يقع في ما وقع فيه والده سابقا ليحب صوت امرأة لم يرها وليطلب منها الزواج ثم لترد رفضه السماح لها بالغناء، برفض عرضه الذي لا يرد.

حب الحياة هذا يتبدى أيضا من خلال الكثير من التفاصيل التي يعج بها الفيلم فهو الذي يجعل أطفال المخيم اليتامى يتحلقون حول عودة وبارات ويشاركونهما الغناء على رغم الأحزان التي تمتلئ بها قلوبهم الصغيرة ووسط مخيم تحيط به الألغام من كل جانب، وليس ذلك فحسب بل إن هؤلاء الصغار يحملون شجاعة وجرأة تجعلهم يتحلقون حول مدرسهم ليتلقوا منه درسا حيا عن الطائرات في مكان ما بالقرب من مخيمهم، وعلى مرأى ومسمع منهم تحلق الطائرات الحربية التي يمكن أن تنهي حياتهم في لحظة واحدة، وهي على أي حال جرأة أراد الفيلم ان يركز على كونها جزءا من طبيعة الأكراد.

MCDMAIN EC074

هذه الرحلة الشاقة التي تمتلئ بالمخاطر، يعيشها الثلاثة معا لكنهم لا يلبثون أن ينفصلوا ليواصلها العجوز العاشق وحيدا وليلتقي أخيرا بالحبيبة التي تودعه (سنوريه) ابنتها وابنة سيد، الصديق الذي شاركها الخيانة الموجعة التي لم ينسها ميرزا أو أي ممن يعرفه من الأكراد، وتنتهي الرحلة بعودة العجوز الى كردستان ايران حاملا معه صغيرة هناريه أو ما تبقى منها.

الحب الذي يسكن قلب العجوز وابنيه يرمز للحياة التي تسكن الأكراد على رغم كل ما مر بهم، والرحلة التي يقوم بها العجوز ترمز لرحلة شعب بأكمله في طريق تأسيس الدولة الحلم التي تجمعهم وتحميهم من بطش أشباه طاغية العراق المندحر، هي رحلة لم تنته بل تبدأ من جديد حين يعود العجوز حاملا معه حياة جديدة جاءت من صلب أب قد دفنه للتو وأمرأة انهت كيماويات صدام ما تبقى فيها من رونق حياة، وفي ذلك اشارة إلى نفوس الاكراد التي ستظل حية متقدة بالأمل على طريق انشاء الدولة الحلم.

هذا الفيلم يعرضك لوجبات من عذاب الضمير لتجد نفسك مسئولا عن محنة بشر شاءت ظروف جغرافيتهم ان تضعهم في فوهة المدفع ليدفعوا ثمن حرب لا ناقة فيها لهم ولا جمل. الفيلم يجعلك تحاسب نفسك على اية لحظة مرت لم تشعر فيها بمأساتهم وعلى أية بادرة كان يمكنك القيام بها لرفع شيء من آلام الأكراد… تعرف انك لا تملك من الأمر شيئا، حينها أو في أي وقت آخر… لكنك مع ذلك تتألم لساعة أو مايزيد هي مدة الفيلم من وخزات الضمير.

الغريب في الأمر انك تعشق الفيلم هذا العشق كله على رغم الألم المبرح والعذاب اللذين يسببهما وينقلهما عبر مجرياته وعلى وجوه ممثليه الذين لا يملك معظمهم أية مسحة للجمال الذي نشهده على الشاشة عادة، عدا عن مسحات تجدها على بعض وجوه الفتيات والأطفال، وكأن المخرج قد تعمد ذلك ليصب تركيز المتفرج على أمور أخرى تبرز ماهية القضية الكردية بأفضل ما يمكن.

أخيرا فإن الفيلم شيق على رغم كل المشاعر السلبية التي ينقلها للمتفرج، وكالتجربة الثانية لهذا المخرج في نقل المعاناة الكردية فإنه بالفعل فيلم يستحق المشاهدة

العدد 499 – الأحد 18 يناير 2004م الموافق 25 ذي القعدة 1424هـ

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s