في لقاء أجرته «الوسط» مع المخرج السينمائي التونسي فتحي الخرّاط: السينما تعيد ترتيب الوعي الجمالي لدى المتفرّج

العدليّة – منصورة عبدالأمير 

BN20790fethi

يتردد اسمه في الكثير من العواصم العربية من القاهرة إلى دمشق إلى قرطاج العاصمة الثقافية في بلاده، كيف لا وهو ضيف شرف دائم في معظم المهرجانات السينمائية التي تعقد في هذه الدول، فمن مهرجان القاهرة إلى مهرجان قرطاج السينمائي، وصولا إلى آخر مشاركاته في مهرجان دمشق السينمائي الذي عقد أخيرا في ديسمبر/ كانون الأول من العام الماضي إذ برز اسمه فيه كأحد أعضاء لجنة التحكيم للأفلام القصيرة… انه مدير ادارة السينما في وزارة الثقافة التونسية والأمين العام لمهرجان قرطاج السينمائي فتحي الخراط، الذي اخرج عددا من الأفلام القصيرة حصل عن أحدها وهو فيلم «باب الحديد» على جائزة السيف البرونزي وذلك في مهرجان دمشق السينمائي للعام 1998.

الخراط كان ضيف البحرين أخيرا خلال الاسبوع الثقافي التونسي الذي امتدت فعالياته في الفترة من 17 إلى 24 يناير/ كانون الثاني الجاري. التقت «الوسط» المخرج الخراط وكان لنا معه الحوار الآتي:

علاقتنا بالسينما التونسية تكاد تكون منعدمة ولكن اسم فتحي الخراط من الأسماء اللامعة التي فرضت وجودها وسط عالم السينما المزدحم بالوجوه والأسماء، هل من الممكن أن تحدثنا عن تجربتك السينمائية؟

– في الواقع تجربتي السينمائية باعتباري مخرجا ليست مهمة جدا لأنني اعمل في ادارة السينما في وزارة الثقافة، وأشغل منصب الأمين العام في مهرجان قرطاج السينمائي منذ العام 1996. درست السينما في اكاديمية الفنون بالمعهد العالي للسينما في مصر. أخرجت فيلمين قصيرين وفيلما ثالثا عن الاستثمار في تونس. عملي كما قلت هو عمل اداري في صلب ادارة السينما بوزارة الثقافة وهي التي تتكفل بتنظيم مهنة العمل بالسينما وتقديم الدعم للإنتاج السينمائي بالاضافة إلى تنظيم مهرجان قرطاج السينمائي.

ماذا عن الحضور التونسي في المهرجانات السينمائية العربية منها والعالمية؟

– تشارك تونس في معظم المهرجانات التي تنظم في المنطقة العربية ان لم يكن جميعها كمهرجان القاهرة، ومهرجان دمشق، ومهرجان مراكش في المغرب، ومهرجان تطوان، بالاضافة إلى الكثير من المهرجانات العالمية المهمة مثل مهرجان كان والبندقية وبرلين والمهرجانات التي تعنى بالسينما الافريقية وهي كثيرة بعضها يعقد في ايطاليا وآخر في كندا وهناك مهرجان في فرنسا يعنى بسينما القارات الثلاث افريقيا وآسيا واميركا اللاتينية. هذه المهرجانات توفر لنا فرصة للاطلاع على احدث ما انتج من أفلام للالتقاء بمديري المهرجانات والسينمائيين وقلما لا تكون تونس حاضرة في المهرجانات المهمة. وفي فترة من الفترات كانت الأفلام التونسية هي أكثر الأفلام التي تحصل على جوائز وهي الفترة التي تمتد بين الأعوام 1985 و 1995.

هناك انتاج سينمائي نوعي في دول المغرب العربي لكنه يظل مطلا على دول حوض البحر الأبيض المتوسط وبعض الدول الأوروبية أما حضوره العربي فيكاد يكون منعدما. ترى ما السبب في ذلك؟

– هذا الأمر لا يقتصر على السينما فقط بل حتى التبادل التجاري فهو مكثف مع حوض البحر الأبيض المتوسط وأوروبا ويكاد يكون منعدما مع المشرق والخليج العربي لأسباب ربما جغرافية أو تتعلق بالنقل فتونس تبعد عن روما ساعة واحدة بالطائرة بينما تستغرق الرحلة بالطائرة إلى البحرين مثلا حوالي 24 ساعة لعدم وجود خطوط مباشرة، البعد الجعرافي اذا له تأثير على التبادل التجاري والثقافي، أما بالنسبة إلى التبادل الثقافي فالمسألة أكثر تعقيدا فهناك شبه احتكار للسوق تقريبا من قبل السينما المصرية، والجمهور في المشرق العربي وفي الخليج تأسست ذائقته السينمائية على السينما المصرية، أما الأفلام التي تأتي من المغرب العربي فتختلف في مقارباتها وفي شكلها وأحيانا حتى في مضمونها عن السينما السائدة، وهو الأمر الذي يشكل صعوبة في التلقي لدى المتفرج العربي، لكن الملاحظ انه كلما أتيح للجمهور في المشرق وفي الخليج مشاهدة الأفلام المغاربية، فإنهم يعبرون عن إعجابهم بها.

لكن ألا ترى ان لهجة دول المغرب العربي تقف عائقا في طريق انتشار هذه الأفلام ووصولها إلى المشاهد العربي؟

– في تقديري أن اللهجة مسألة ثانوية فالسينما لغة بصرية تعتمد على الصورة، أما الحوار فيأتي ليدعم الصورة، والمتفرج في الواقع مطالب ببذل شيء من الجهد ليفهم. نحن في دول المغرب العربي صرنا الآن نفهم اللهجة الخليجية وذلك بعد انتشار الفضائيات التي تبث المسلسلات الخليجية وخصوصا الكويتية ما جعل المتفرج في المغرب العربي يتعود على اللهجة ويفهمها، وهكذا يمكن للمتفرج الخليجي ان يألف اللهجة المغاربية بتداول الأفلام والأعمال التونسية او الجزائرية او المغربية، اضافة إلى ان هناك بعض الأفلام التونسية التي تستخدم اللغة العربية الفصحى لغة لها مثل فيلم «الهائمون» الذي عرض خلال الاسبوع التونسي، وكما قلت هناك أفلام تعتمد في التعبير على الصورة إذ يكون الحوار فيها بسيطا والفيلم غير متكئ على الحوار. مسألة اللهجة كثيرا ما تثار من قبل الأشقاء المصريين على أساس أن الفيلم التونسي لا يمكن أن يوزع في مصر لأن المشاهد المصري لا يفهم اللهجة التونسية، ما أدى إلى قيام أحد المخرجين التونسيين بدبلجة فيلم تونسي باللهجة المصرية وهو فيلم شارك فيه الممثل المصري جميل راتب وتم انتاجه في العام 1992 وهو من اخراج الفاضل شعيبي، وجاء ذلك بناء على طلب موزع الفيلم المصري، وعلى رغم ذلك لم يلق الفيلم رواجا، فالمسألة ليست لهجة بقدر ما هي احتكار للسوق، فالفيلم المصري يجد صعوبة ليفرض نفسه امام الفيلم الأميركي فأصحاب شركات التوزيع وأصحاب قاعات العرض هم الذين يتحكمون في السوق وبالتالي فهم يفضلون الفيلم الأميركي لأنه في تقديرهم يجذب جمهورا أكثر من الفيلم العربي، ولمست هذا الأمر هنا في البحرين.

صار من البديهي ان تذهب مقولة السينما العربية إلى السينما المصرية تحديدا بحكم كم الانتاج وسهولة اللهجة، إلى متى ستظل هذه الوضعية قائمة؟

– السينما المصرية أيضا أصبحت تعاني من مشكلة بسب انتشار الفضائيات وأفلام الفيديو، فمصر في وقت ما كانت تنتج حوالي 100 فيلم في السنة، والآن لا يتعدى الانتاج 25 فيلما في السنة، والسبب في ذلك يعود إلى أن المشهد السمعي البصري في العالم تغير، كما ان المنطقة العربية تغيرت لأن كثرة الفضائيات أنشأت جيلا جديدا، وأفقد الكثير من الوجوه بريقها ففي الماضي كان يكفي وجود نجوم مثل محمود ياسين وحسين فهمي وسعاد حسني مثلا ليباع هذا الفيلم أو ذاك، أما الآن فبسبب كثرة التدوال وبسبب كثرة عرض الأفلام قلما يوجد فيلم يشد انتباه المتفرج، مصر كان لها سبق تاريخي في السيطرة على الشاشات في السينما وفي التلفزيون إلى درجة انه عندما يقال الفيلم العربي فإن ذلك يعني الفيلم المصري كما لو ان السينما العربية تساوي السينما المصرية لكن السينما غير المصرية يمكن أن تفرض نفسها بنوعية الأفلام وبجودتها فهي لا تمتلك نجوما وآليات توزيع وانتاج ضخمة لكن يمكن ان تصل للمتفرج من خلال مواضيع مختلفة ومعالجات مختلفة عن السينما المصرية بممثلين مختلفين وأداء مختلف ولذلك ففي المهرجانات نجد ان السينما المصرية لا تصمد كثيرا في السباق مع سينما دول المغرب العربي مثلا.

هناك تعريف للسينما في أوساط المثقفين يقول إن السينما هي اعادة ترتيب الوعي، كيف يمكن للسينما ان تقوم بذلك الدور؟ واي وعي يراد به هنا؟ اقصد هنا السينما بشكل عام والسينما التونسية بشكل خاص…

– هذه المقولة قابلة للنقاش، إذ إن هناك وظائف كثيرة للفن فهناك من يرى أن الفن لا يمكن أن تكون وظيفته الا التسلية، وهناك من يرى أنه لابد أن يكون له بعد سياسي وتعليمي وغير ذلك وهناك وجهة نظر بين الاثنين فالفن يمكن ان تكون له رسالة هي السمو بالانسان لكن ايضا يمكن أن يكون فيه جانب من الترفيه والا يكون فنا متجهما، السينما يمكن أن تكون أداة في الارتقاء بوعي المتفرج وبوعي الانسان بأن تفتح أمامه مجالا للتذوق والاحساس بالجمال والقيم الجميلة والنبيلة ويمكن أيضا ان تنزل بالمتفرج حين توغل به إلى الغرائز وجميع الاثارة والمسائل التي تنزل بمستوى الفرجة. نعم اعادة ترتيب الوعي هي في تقديري من وظائف الفن.

الفن أيضا يقدم رسالة ويصنع ثقافة بل ويخلق أجيالا جديدة ففي جميع دول العالم مثلا نرى تأثير هوليوود ودورها في تكوين الأجيال الجديدة، ما الدور الذي تقوم به السينما التونسية في هذا المجال؟

– السنيما التونسية تتميز بأن مخرجيها مثقفون كما ان الطابع التجاري تقريبا منعدم في سينما المغرب العربي لأن السوق منعدمة فالمخرج لا يصنع الفيلم ليوزعه تجاريا لأنه لا يوجد هناك نجوم كما في السينما المصرية إذ يتم انتاج فيلم باسم نجم ما كعادل امام مثلا بل يتم انتاج الفيلم لقيمته الفنية والفكرية وبالتالي فإن كل الافلام التونسية تقريبا فيما عدا بعض الاستثناءات تقدم وجهات نظر ورؤى وفكرة معينة وتحاول ان تشرك المتفرج في موضوع وقضية ما، هذه القضية كثيرا ما تكون في صلب اهتمامات المتفرج، مثال على ذلك فيلم «عزيزة» وهو من أشهر الأفلام التونسية، والذي نال الجائزة الأولى في مهرجان قرطاج في العام 1980، هذا الفيلم يطرح قضية حرية المرأة في تونس، البلد الوحيد الذي أجاز مشاركة المرأة في كل مجالات الحياة كما أعطى للمرأة حرية كاملة من بداية الاستقلال، وقد جاء هذا الفيلم في العام 1980 ليقول ان حرية المرأة لا تتحقق الا بالاستقلالية الاقتصادية اذ لا يمكن ان تكون المرأة حرة الا اذا كانت مستقلة اقتصاديا. هذه الفكرة لاقت تجاوبا لدى المتفرجين لانها تشكل وجهة نظر منطقية وقد اثبتت الوقائع ذلك.

مازال المستثمرون العرب يتخوفون من خوض تجربة توظيف أموالهم في مجال السينما باستثناء مصر، هل مرد ذلك إلى ان الوعي بهذا العالم (عالم السينما) لم يصل بعد إلى درجة من النضج تكفي لانتاج نوع من المغامرة؟

– المسألة بسيطة جدا، الاستثمار في السنيما مسألة غير ملموسة فلو توقف الفيلم مثلا فما الذي سيعوض المستثمر، ما الذي يستطيع ان يحجز عليه حين يتوقف الفيلم لسبب أو لاخر، المستثمر العربي لا يريد ان يضع امواله الا في مسألة ملموسة ومضمونة الربح والسينما ليست بالضرورة مضمونة الربح منذ بدايات تاريخها، وقلما نجد منتجا يعرف مسبقا ان الفيلم سينجح، اذ ليس من الممكن ضمان ربح الفيلم بحسابات معينة، في السينما العربية عموما لا يمكن توقع هذا الأمر فحسن الامام مثلا قدم فيلم «خلي بالك من زوزو» وقد نجح نجاحا باهرا، وبالتركيبة نفسها قدم فيلم «أميرة حبي أنا» وبالنجوم أنفسهم لكن الفيلم لم ينجح على الاطلاق، وهكذا فإن خصوصية السينما تجعل المستثمر لا يقبل على الفيلم بسبب ان المسألة غير مضمونة حتى لو تم اختيار افضل المخرجين او افضل الممثلين او افضل كتاب السينماريو كفيلم يوسف شاهين الأخير «سكوت حنصور» الذي قدم فيه مطربة معروفة على الساحة هي لطيفة لكن الفيلم لم ينجح.

فالاستثمار في السينما يكاد يكون منعدما في حين ان الاستثمار السمعي البصري في القنوات الفضائية مثلا في الاغاني يلقى اقبالا لان المعادلة هي تحقيق الربح، والربح في الأغاني تقريبا مضمون بسبب رواج سوق الأغنية.

يبدو ان هناك تركيزا على قضايا المرأة في السينما التونسية، هل يعود ذلك إلى وجود عدد كبير من المخرجات ام انها قضية تشغل الرأي العام التونسي؟

– موضوع المرأة يشكل قضية مركزية في المجتمع التونسي تثير الكثير من الجدل وتناولها المخرجون في السينما والمسرح، المسألة تثير الكثير من النقاش لأن المرأة في تونس نالت حقوقها نظريا منذ بداية الاستقلال إذ تساوت مع الرجل ما عدا ما يتعلق بالارث إذ ظل امره من جانب الشريعة «وللذكر مثل حظ الانثيين» (النساء 176).

هناك جدل كبير في هذا الأمر فيما اذا كانت المرأة جديرة بهذه الحرية وهل استفادت منها وما الذي حققته، أو لعلنا تسرعنا في منح هذه الحرية، وهل الحرية هي ان تشارك المرأة في كل مجالات الحياة، وهل تعتبر التبعية للرجل مسألة ايجابية بالنسبة إلى المرأة ام العكس، تحرير المرأة هل أثر على الاسرة وعلى الترابط الاسري، هل هناك بنى في المجتمع قادرة على ترك الفراغ الذي تتركه المرأة حينما تخرج للعمل، هناك قراءات لكل هذه القضايا تطرح للنقاش والسينما وسيلة من وسائل النقاش وطرح وجهات النظر واهتمت بهذه المواضيع، فعبداللطيف بن عمار قدم فيلم «عزيزة» عن التبعية والحرية الاقتصادية للمرأة، ثم مفيدة التلاتني قدمت فيلم «صمت القصور» الذي يناقش مدى الاختلاف في مصير المرأة بعد الاستقلال عنه في مرحلة ما قبل الاستقلال.

هناك أيضا فيلم «السامة» الذي يناقش الضغوط التي تتعرض لها المرأة في مجتمع على رغم ظاهره فانه في الواقع مجتمع ذكوري، فالمجتمع الشرقي دائما له نظرة معينة للمرأة التي تساوي الرجل نظريا لكنها في الوعي الجمعي ناقصة عقل ودين، فكل هذه القضايا تطرح في مختلف المجالات بما فيها السينما. موضوع المرأة موضوع مهم جدا في الثقافة التونسية وبما ان السينما عنصر من عناصر الثقافة التونسية فهي تهتم بهذا الجانب

العدد 506 – الأحد 25 يناير 2004م الموافق 02 ذي الحجة 1424هـ

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s