مشوهة وعي الأجيال بعد أميركا و«إسرائيل»… البحرين ثالث من يعارض غيبسون

The-Passion-Of-The-Christ

منصورة عبدالأمير

منذ اللحظات الأولى التي قفزت فيها فكرة فيلم «آلام المسيح The Passion of the Christ» في ذهن نجم هوليوود الشهير «الاسترالي الأصل» ميل غيبسون، بدا هذا الفيلم مميزا كصاحبه، فموضوعه واسلوب تناوله وكل ما يدور حوله أصبح ولا يزال مثارا لجدل مختلف الأطراف في جميع أنحاء العالم. لم يكن غيبسون ينوي من خلال هذا الفيلم (بحسب قوله) سوى عرض جانب من حياة المسيح قد يكون خافيا حتى عن أكثر أتباع ديانته التزاما، وهو الجانب الذي لم ينو غيبسون في أي لحظة من اللحظات عرضه لاهانة أي طرف مسيحيا كان ام يهوديا. جاء فيلم ليقدم حقائق تاريخية وليعرض معاناة المسيح بتفصيل يزيد على الساعتين، وليكرم غيبسون، وهو الكاثوليكي الملتزم، المسيح من خلاله.

 

مهما تختلف وجهة نظرنا مع غيبسون وأيا كان سردنا التاريخي لما حدث الا اننا لا يمكن ان نختلف معه في ان الفيلم جاء ليخدم قضية عادلة، على الأقل من وجهة نظر مؤلفه ومخرجه ومنتجه، وهي القضية التي لم تكن تحتمل في بداياتها أية تأويلات سياسية او نزعات دينية أو عرقية أو ما شابه، لكن ما حدث هو ان الموضوع نحى منحى سياسيا وأثار جدلا وخصومات لم ولن تنتهي في المستقبل القريب.

ولعل الجدل المثار في العالم تختلف دوافعه من طرف لآخر ومن دولة لأخرى، «إسرائيل» وأميركا هما اشهر المعارضين، ترفضه الأولى لأنه يمس «بذاتها التي لا تمس» على الأقل من وجهة نظرها ووجهة نظر أميركا على رغم حقيقة كونه يعرض حقائق تاريخية لا جدل فيها، واميركا بالطبع تعترض على كل ما يجرح مشاعر طفلتها المدللة!! وعلى رغم تعجرف الأولى ووقاحة الثانية، الا ان اعتراضهما على هذا الفيلم يبدو مبررا ومفهوما الى حد ما، لكن ان تعارض دولة بعيدة كل البعد عن العجرفة والوقاحة، وأصحاب السامية، بل ويفترض ان تكون معادية للساميين، ان تعارض هذه الدولة مثل هذا الفيلم فهو ما لا يمكن تفسيره.

تحاول «الوسط» في السطور الآتية استقصاء ما يحدث بعد رفض وزارة الاعلام عرض الفيلم في البحرين، واستطلاع وجهات النظر المختلفة بشأن هذا الأمر، محاولتنا قد تكون تعثرت قليلا لكننا نحاول ان نعرض أمام القارئ جميع ما حصلنا عليه وما لم نحصل!

تناقضات ومغالطات!

قرار المنع – بحسب تعبير الجهة المانعة (وزارة الاعلام) – جاء لعدة اعتبارات أولها حظر الصور أو المشاهد التي تجسد الأنبياء والرسل، وثانيها هو المساس بالعقيدة التوحيدية، القرار جاء موقعا من قبل مدير ادارة المطبوعات والنشر جمال داود ، ولأن نسخة القرار التي لا تتعدى سطورها الثلاثة حوت الكثير من علامات الاستفهام كان لا بد من مناقشة الأمر مع داود، فما الذي يعنيه حظر الصور التي تجسد الرسل والأنبياء في حين تنتشر أفلام أخرى أشهرها فيلم Jesus المسيح (1979)، الذي كان يباع على أرصفة الشوارع في مختلف أنحاء المملكة، والذي حوى تجسيدا واضحا للمسيح. كيف سمح لذلك الفيلم المتعدي على قوانينا التي لا أعرف ان كان مصدرها دينيا تشريعيا أم مصادر أخرى قد يفصح عنها في وقت ما أو تظل في طي الكتمان حتى يشاء الله. اما العقيدة التوحيدية فلا أعرف أيضا كيف يمس بها الفيلم الذي يعرض معاناة نبي من أنبياء الله، وهل ترمي وزارة الاعلام الى ان هناك دعوة مبطنة وتبشيرية في هذا الفيلم، واذا كان كذلك فماذا عن فيلم Seven Years in Tibet ألا يبشر هو الآخر بالبوذية، فلماذا يعرض هنا أو هناك.

أسباب المنع لم تبدو منطقية على الاطلاق خصوصا في ظل التناقض الواضح في تعامل ادارة المطبوعات والنشر بوزارة الاعلام مع مختلف الأفلام التي يجاز دخولها والاعلان عنها وعرضها، ولعل ما لم يبدو منطقيا أيضا هو مماطلة الوزارة في الرد على تساؤلاتنا التي كانت لتجاب لو كان سبب المنع ببساطة ما جاء في نسخة القرار!

خطوات وقائية؟!

وزارة الاعلام لم تطلعنا على الجديد في هذا الفيلم وعن اختلافه عن فيلم المسيح Jesus على الأقل، لم تخبرنا ايضا ان كان ما يحدث الآن لفيلم «آلام المسيح» يشبه ما حدث مع برنامج الأخ الأكبر، بعبارة أخرى، ان كان قرارها هذا جاء كخطوة استباقية لتجنب ما حدث انذاك. ان كان ذلك فقد اخطأت الوزارة في حساباتها، وأتت الرياح من الجانب الآخر على ما يبدو!

ماذا عن الأزهر؟!

وزارة الإعلام ايضا لم تعلق على موافقة الأزهر المؤسسة الدينية الأولى في العالم الاسلامي الذي أقر بعرض الفيلم في دور العرض السينمائية المصرية وان كان قد طالب بوضع عبارة توضح ان الفيلم يعبر عن وجهة نظر صانعية، ولا غبار على ذلك فالكل يعلم اختلاف وجهة النظر المسيحية والاسلامية حول نهاية المسيح، اذ يرى المسيحيون ان المسيح صلب ومات بينما يؤكد المسلمون على انه رفع للسماء بينما صلب شبيهه الذي وشى به «يهوذا». ما الذي يحدث هل يعني ذلك وجود حال من عدم التوافق مع قرارات الأزهر ومع الجهات المختصة في باقي دول الخليج التي لا يختلف اثنان في أنها لا تقل حرصا وحفاظا على القيم الاسلامية عن جهاتنا المختصة. لماذا كما يقول الكاتب السينمائي محمد فاضل – اصبحنا فجأة ازهريون اكثر من الأزهر، ويضيف فاضل «الأزهر وافق على عرض الفيلم، فهل نحن أعلم من الأزهر، كما إنني لم أسمع رد فعل واحد من أي كنيسة ما يوحي بعدم تعارض مادة الفيلم حتى مع ما هو موجود في المسيحية (…) لا أعتقد أننا سنفوق الآخرين في حرصنا على الدين والأخلاق».

خنق الفكر والابداع!

لم تقتصر أسئلتنا إلى وزارة الإعلام على ما ورد أعلاه، وعلى رغم عدم حصولنا على أية اجابات إلا اننا سنواصل طرحها جميعا، أردنا من الوزارة ان توضح لنا مدى تناقض قرارها مع ما يرد في خطابات الملك من تأكيد على توسيع هامش الحريات، الذي يرقى بالنتيجة بالحركة الفكرية والفنية والابداعية في المملكة. لم تعلق وزارة الاعلام، لكن التعليق بشأن هذا الأمر جاء من جهات آخرى، أحدها هو المخرج البحريني بسام الذوادي الذي ابدى اعتراضه على القرار قائلا: «نحن في زمن الحرية والابداع، وهذا الفيلم يحمل أهدافا راقية، فلماذا لا يعرض، لماذا لا يمكننا تجاوز بعض النقاط لعرض ما يفيد الناس خصوصا في ظل أوضاع سياسية تستوجب محاولة عرض كل ما يمكن ضد بعض الجهات وأقصد هنا «إسرائيل». أما محمد فاضل فيقول «أنا ضد هذا النوع من القرارات التي تتعلق بمسائل الابداع الفني والثقافي، يجب أن لا توضع العراقيل امام الابداع الفني، وهنا اؤكد على ضرورة احترام الأديان والرسل لكن الحكم في مسألة الابداع الفني يبقى في النهاية للناس» ويواصل فاضل معلقا على دور الرقابة «هذه العقلية عفا عليها الزمن وهي ليست مناسبة للتعامل مع الابداع، واقصد هنا عقلية التحريم التي نعاني منها نحن العرب والمسلمون، مشكلتنا هي ان هناك دائما من يمارس دور الوصاية علينا ويحدد لنا ما نشاهد وما لا نشاهد وما نقرأ وما لا نقرأ، احترم الجميع واحترم جميع العادات والتقاليد، لكني أرفض دور الرقيب الذي لا يفعل شيئا سوى تشويه وعي أجيال متعاقبة».

وبنبرة مختلفة يعبر فاضل عن مخاوفه من أن تمتد يد الرقيب وتطال قراراتها النتاجات الفنية والأدبية الأخرى، يقول «اعتقد ان مسألة الرقابة يجب أن تنتهي، ولا أقصد أن تحل، بل ان تنتهي ذهنية الرقيب الذي يحدد للناس ما يقرأون وما يسمعون… ولعل ذلك يبدو مستحيلا في وقتنا ولكن على الأقل نريد رقيبا متسامحا».

رقابة متسامحة!!

ولعل دعوات فاضل استجيب لها منذ زمن دون ان يعرف بالأمر فرقيبنا متسامح لأبعد الحدود، وقائمة التسامح هذه تحوي الكثير من الأسماء أحدها Seven Years in Tebet (1997) وأهمها (2001) Matrix 2 الذي منعته الرقابة في مصر لتعرضه لمسائل تتعلق بالخلق والوجود، أما اكثرها اثارة فهو فيلم Striptese (1996)! والاسم يغني عن أي تفصيل، لكن رقيبنا المتسامح عرض هذا الفيلم على رغم منع عرضه في معظم الدول العربية المحافظة!

وتضرب بيد من حديد

في مقابل هذا التسامح يبدو أن لبعض الأطراف الأخرى وجهات نظر مختلفة، يقول مدير سينما الدانة جيرارد سعيد «مازلنا في مداولات مع الوزارة بهذا الخصوص، ولا مانع لدينا من ان نضع ذات العبارة التي طالب الأزهر بوضعها». أما أحمد العريان صاحب سينما الدانة فيقول «اعتقد ان الأطراف التي عارضت هذا الفيلم لم تشاهده أساسا، بل انا واثق من ذلك، فأنا أول من أحضر نسخة الفيلم الى البحرين في صباح يوم 29 مارس/ آذار الماضي بعد شراء حقوق عرضه في البحرين، في حين ان قرار المنع صدر في 23 مارس من الشهر نفسه ويواصل العريان «الدولة الوحيدة التي منعت عرضه هي «إسرائيل»، والبحرين ثاني دولة في العالم ترفضه بعد «إسرائيل».

اقترح العريان تشكيل لجنة من قبل وزارة الإعلام للاطلاع على الفيلم (بعد البت في موضوعه) ليصبح القرار مدروسا وعادلا، وليتحمل متخذو القرار المسئولية كاملة، والوزارة وعدت بالنظر في الموضوع، وحتى ساعات كتابة هذا المقال لم تنظر الوزارة بعد في امر «آلام المسيح» ليبقى القرار الصائب معلقا والاعتباطي نافذا ويظل أسئلة «الوسط» معلقة هي الأخرى وسط تلك الزوبعة فلا تجاب ولا ترد، ونبقى هنا لنطرح المزيد من التساؤلات أملا في الحصول على المزيد لكن يبقى السؤال الأهم «هل سيعرض الفيلم، أم سننال «شرف!» كوننا ثاني من يمنع عرضه؟!، وهل سيبقى المعلن من الأسباب هو ما ورد ام سيملك أحدهم جرأة إعلان اسباب حقيقية تقنع العقلاء!

بطاقة الفيلم

«2004»

طول الفيلم: 126 دقيقة

ملخص: يتناول الفيلم الساعات الاثني عشر الأخيرة من حياة المسيح، في يوم صلبه. نص الفيلم مستقى من مصادر كثيرة، بما فيها مذكرات القس آن كاثرين ايمريك (1774-1824) والتي جاءت تحت عنوان The Dolorus Passion of Our Lord Jesus Christ ، ومن كتاب The Mystical City of God للقس ماري اوف اغريدا، وكتب جون، ولوك، ومارك وماثيو الجديدة.

تاريخ العرض: 25 فبراير/ شباط 2004.

التصنيف: بسبب سلسلة من مشاهد العنف

الشركة الموزعة: مجموعة نيوماركت للأفلام

بطولة: جيمس كافيزيل، مونيكا بيلوتشي، روزاليندا كيلينتانو، سيرجيو روبيني، ماتيا سبراغيا

اخراج: ميل غيبسون

انتاج: بروس دايفي، ميل غيبسون، ستيفان ماكفيتي

كاتب النص: بين فيتزغيرالد، ميل غيبسون، بينديكت فيتزغيرالد

التصوير السينمائي: شاليب ديشانيل

موسيقى: جون ديبني

المنتج المنفذ: اينزو سيستي

صحيفة الوسط البحرينية – العدد 576 – الأحد 04 أبريل 2004م الموافق 13 صفر 1425هـ

 

 

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s