Cold Mountain وللبشاعة وجوه أخرى

الوسط – منصورة عبدالأمير

coldmountainmovie

كم فيلما من أفلام الحروب شاهدت؟ وكم من الأفلام أراك بشاعة الحرب ووحشيتها؟ وكم منها نقل لك مزيدا من تفاصيل هذه البشاعة؟ نعم، كثيرة هي الأفلام التي تفعل ذلك، لكن كم منها ينقل تفاصيل المعاناة بالدقة التي ينقلها أنتوني مينغيلا؟ لا أظن أن هناك الكثير من الأفلام التي تجعل مشاهديها يعيشون آلام الماضي بكل تفاصيلها، المنقولة بواقعية وعمق رائعين. فيلم اليوم هو فيلم يأخذ المشاهد اكثر من مئة عام الى الوراء، الى ايام الحرب الأهلية الأميركية ليطلعنا على تفاصيل لم تتح لنا مشاهدتها مسبقا، مع مخرج بارع وطاقم ممثلين تألقوا جميعا في تقمص أدوراهم. مينغيلا يعود بنا الى ايام الحرب الأهلية التي دمرت أميركا في القرن التاسع عشر لينقل لنا صورة من الدمار الذي أحدثته الحرب لكن الدمار في هذه المرة ليس دمارا ماديا بل هو ما لحق بنفوس البشر من جروح يصعب دملها والشفاء منها.

يعرض لنا الفيلم شريط المعاناة ذاك من خلال قصة حب بين شاب وفتاة، ابنة كاهن وأجير يعمل في حقل والداها، آدا الرقيقة المدللة (نيكول كيدمان) التي لا تتناسب الطريقة التي رباها بها والدها (دونالد سذرلاند) مع ما كانت عليه الفتيات في ذلك العصر فآدا تجيد الخياطة والعزف على البيانو وتتحدث الفرنسية لكنها لا تعرف شيئا عن المطبخ بل يأتي الوقت الذي تعيش في قلق ومعاناة بسبب أحد ديوك حقل والدها الذي يتوفى ليتركها وحيدة وليجعلها في مواجهة مع حياة قاسية تخلق منها امرأة جديدة. الأجير الذي يتقاسمها قصة الحب هو اينمان الخجول المنطوي على نفسه (جود لو) الذي يجد نفسه مجبرا على الالتحاق بصفوف المحاربين بعد انضمام ولاية شمال كارولينا إذ تقع مدينة الجبل البارد التي يقطنها أبطال الفيلم، إلى الحرب ضد الشماليين اليانكيين.

يبدأ الفيلم بتصوير لمعركة بيترسبيرغ الشهيرة التي يجعلها المخرج تدور في أرض طينية، ربما ليصور لنا مدى قذارة الحرب التي دارت، يحتدم القتال ليسفر عن عشرات القتلى معظمهم من الجانب الجنوبي الذي يقاتل فيه ابناء مدينة الجبل البارد. اينمان هو أحد الضحايا إذ يصاب بجروح تتطلب نقله المستشفى لعلاج طويل، يقرر عدم اتمامه بمجرد أن وجد في نفسه قوة كافية للعودة الى الوطن والى الحبيبة التي تناشده في الرسالة الوحيدة التي تصله منها الامتناع عن القتال ان كان يقاتل وبالتوقف عن المسير نحو ساحة المعركة ان كان يفعل ذلك، وبالعودة اليها لأنها بحاجة اليه.

اينمان لا يعلم أن تلك الرسالة كانت واحدة مما يزيد على المئة رسالة بعثتها له آدا التي حملت في قلبها له من الحب الكثير، تماما كما فعل هو على رغم أنها – كما تقول – تستطيع احصاء الكلمات التي دارت بينهما لقلتها. يقرر اينمان العودة غير مكترث بالمخاطر التي قد تواجهه في طريقه الطويل والمتمثلة في الحرس الوطني الذين يجولون المناطق بحثا عن الفارين من المعركة. طوال الرحلة يلتقي اينمان بالكثير من الاشخاص الذين يستعرض المخرج قصصهم ليوضح وجها آخر مما يعانيه أولئك الذين يعيشون بعيدا عن ساحة المعركة. تكشف هذه القصص الكثير عن واقع الحال، لعل أبلغها أثرا قصة الأرملة الشابة سارا (ناتالي بورتمان) التي تعيش في كوخ منعزل مع طفلها الذي يتلوى من آلام الحمى ولا تجد له دواء، هذه الأرملة التي يلتقيها اينمان في نهاية رحلته تقدم مشهدا من أروع مشاهد الفيلم وأكثرها تأثيرا حين تطلب من اينمان أولا مشاركتها الفراش لا لشيء، الا رغبة في الحصول على شيء من الأمان الذي افتقدته مذ رحل زوجها للحرب… تبدو متألمة وهي تعرض طلبها ذاك ويبدو اينمان العاشق لآدا مترددا في قبول طلبها، لكنه على أية حال يوافقها حين يعرف حقيقة نواياها، ولا ينتهي استعراض المخرج لما تمر به ناتالي من معاناة عند هذا الحد بل انه يقدم جرعة مضاعفة للمشاهدين حين يجعل مجموعة من الحرس الوطني تهاجم منزلها وتحاول اغتصابها وقتل رضيعها… مشهد يحمل من الوحشية الكثير، انتقد البعض المخرج بسببه لتعريضه طفلا صغيرا للعنف الذي جاء فيه، لكنه على أية حال ما كان ليصبح بهذه القوة في التأثير لو لم تتم الاستعانة بطفل صغير.

تنتهي رحلة اينمان ويصل الى آدا ليتزوجا أخيرا، لكن تبدو سعادتهما قصيرة إذ سرعان ما يقتل على يد أكثر افراد الحرس الوطني قسوة وهو بوسي (تشارلي هاتام) الذي جاء اختياره على ما يبدو لهذا الدور بسبب مظهره الخارجي الذي يوحي بالقسوة والقدرة على القيام بأفظع الأعمال وأكثرها وحشية بدم بارد. يموت اينمان بعد لقائه القصير بآدا، وهو اللقاء الذي انتظره المشاهدون ما يزيد على الساعتين، لكنه يموت وتستمر حياة آدا وخصوصا بعد انجابها ابنة اينمان، تستمر الحياة ليخبرنا مينغيللا عبر قصته الرومانسية الرائعة ان الفراق ليس هو النهاية بل هو بداية لحياة أخرى قد تكون أفضل من سابقتها، وهي الفكرة التي نجح المخرج في نقلها لنص الفيلم الذي اقتبسه من الرواية الشهيرة التي ألفها الكاتب الأميركي تشارلز فرازير والتي حصدت الكثير من الجوائز.

محصلة عمل مينغيللا كانت واحدا من أروع أفلام العام 2003، وان كان قد عرض في دور السينما لدينا في بدايات العام الجاري، بل انه يذكر الكثيرين بالفيلم الرومانسي الشهير Gone with the Wind ، والفضل في قوة الفيلم تعود لمخرجه البارع المتألق الذي نعرفه في أفلام عظيمة نالت الكثير من الجوائز لعل أشهرهاThe English Patient و The Talented Mr. Ripley. عدا عن ذلك فإن جزءا كبيرا من عظمة أفلام مينغيللا وتميزها يعود للروايات التي يستقيها منها، إذ ان هذا المخرج الانجليزي لا يختار من الروايات سوى أروعها وأقواها، الى جانب ذلك فإن اختياره لممثليه جاء مدروسا بدقة، فجميعهم من الممثلين ذوي القدرات التمثيلية الرائعة ابتداء من النحيلة الشقراء نيكول كيدمان التي يمكنها التألق في أي دور، والانجليزي الوسيم جود لو الذي برع في أداء شخصية اينمان الغامض الخجول الذي رفض بعض الممثلين أداءها كتوم كروز، لكن جود لو تألق بشكل جعل منه أحد المرشحين لنيل أوسكار هذا العام لأفضل الممثلين في دور رئيسي. والى جانب كيدمان ولو تتألق رينيه زيلويغر التي تؤدي دور روبي الفتاة التي تساعد آدا في رعاية حقل والدها، والشخصية التي تضفي الكثير من خفة الظل على مشاهد الفيلم ذات الايقاع البطيء والحزين، وهو الأداء الذي أكسب زيلويغر أوسكار أفضل ممثلة في دور ثانوي.

بقية فريق التمثيل تألقوا في أداء أدوارهم من دون استثناء، كما ساهم تصوير الفيلم في مواقع رائعة في رومانيا في اضفاء الكثير من الجمال على مشاهد الفيلم.

الفيلم بشكل عام فيلم رومانسي رائع يستحق المشاهدة لكن يفضل عدم مشاهدته الا بعد التأكد من حمل كمية كبيرة من محارم الورق!

بطاقة الفيلم

Cold Mountain 3002

النوع: دراما رومانسية.

طول الفيلم: 155 دقيقة.

انتاج: شركة ميراماكس.

بطولة: نيكول كيدمان، جود لو، رينيه زيلويغر، ايلين اتكينز، برندان غليسون، دونالد سذرلاند.

سيناريو: انتوني مينغيللا، تشارلز فرازير.

اخراج: انتوني مينغيللا

العدد 583 – الأحد 11 أبريل 2004م الموافق 20 صفر 1425هـ

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s