ساعات… ليست كالساعات

منصورة عبدالأمير

المرة الأولى التي كتبت فيها على هذه الصفحة كانت منذ ما يزيد على العام، وحينها لم أكن أنوي الاستمرار ابدا، كل ما في الأمر انني شاهدت فيلما اعجبني وجعلني أعيش ساعات «ليست كالساعات»، قررت على اثرها نقل تجربتي تلك بكل انفعالاتها. قد يكون سوء حظي بعدها أو لعله حسنه جعل رئيسي في العمل يعجب بمقالي ذاك ويبدأ في الإلحاح عليّ بالكتابة لاحقا، لأجد نفسي بين ليلة وضحاها أصبحت محررة بصفحة السينما، ولأجد اللعنات تنصب على رأسي والشتائم تكال اليّ ناسبة لي تهمة الخروج عن «ملة القوم»، أو الانبهار بأسلوب الحياة الغربية.

مهما يكن من أمر فقد واصلت الطريق لتقودني الصدفة ذاتها التي قادتني للكتابة، للالتقاء بمحرر صفحة فنية في إحدى الصحف الخليجية، وليدور بيننا حديث طويل يختمه ضيفي بطلب صغير – كما أسماه – لكنه كبير وشبه محال كما وجدته. محدثي طلب مني التعهد له بالتعاون معه والعمل بجد لنشر ثقافة سينمائية واعية… وراقية، كما وصفها، كل من خلال منبر صحيفته الذي يعتليه.

وجدتني استرجع كلماته بعدها وأرددها طوال اليوم، عل عقلي يتمكن من قبولها وهضم معانيها، وإلا فكيف يعقل أن اسعى للمساهمة في نشر ثقافة ووعي سينمائيين. كيف يكون ذلك والسينما في نظر الكثيرين لدينا ليست سوى رجس من عمل الشيطان، كيف يكون وثقافتنا القائمة على الضدين – الحلال والحرام – لا تحتمل مجرد الحديث عن السينما وتأثيراتها وترى فيه انحرافا فكريا وقد يكون عقائديا لا يحتمل. محال ان اتمكن من ذلك، ومحال ان احاول فتح الأعين على واقع أليم وانحرافات اجتماعية خطيرة باتت آثارها واضحة على المجتمع بأسره، سببها أولا وأخيرا يعود لما تشكل من وعي لدى معظم قطاعات المجتمع بفعل ما تبثه شاشاتنا وما تعرضه دور السينما لدينا مصدرة أفكارا لا تمت بصلة لعقائدنا ولا لطبيعتنا كبشر أولا وكشرقيين ثانيا.

وسواء شئنا أم ابينا فقد أضحى ارتياد دور السينما جزءا من اسلوب حياة بات يعتنقه الكثيرون، وبات الخارجون عليه قلة قليلة بل وشواذ في نظر البعض، وشئنا ام ابينا فإن هذه الأفلام التي تعرض هنا وهناك، قد أعادت تشكيل حياتنا وخلقت لنا من المفاهيم ما نستسيغ وما نرفض. حالات الانحراف المنتشرة بين أوساط شبابنا تذكرنا بكثير من أفلام شاهدناها هنا أو هناك، أفلام نجد لها تطبيقا على أرض الواقع وبممثلين حقيقيين، يؤدون أدوارهم بصدقية عجيبة لينتجوا جيلا لا يمكن أن يحمل لقب باني المستقبل وحامل رسالة الحاضر وحامي إرث الأجداد. الأدلة على حالات الانحراف هذه كثيرة، فأحداث المعارض التي لن تمحى من ذاكرة الكثيرين، واكتشاف مجموعات من عبدة الشيطان «البحرينيين»، قد تعدان من أهم الشواهد على ما تحمله أفلام هوليوود وغيرها من تأثيرات على تشكيل اتجاهاتنا وصوغ أفكارنا وأساليب حياتنا، وهو الأمر الذي لا يمكن نكرانه أو تجاهله.

لنقبل الواقع على عواهنه ولنحاول صوغ وعي بهذا العالم – وأقصد به عالم السينما – ولنتناسى ما لم ينزل الله به من سلطان من معتقداتنا. لنحاول استشراف واقعنا بمنظار أكبر وأوضح رؤية، وكفانا تقوقعا في زوايا الحلال والحرام، وما ترفضه أعرافنا التي لم تعد تقدم الكثير.

السينما جزئية مهمة في حياتنا، والوعي بها وبما تقدمه لنا وبدورها في صوغ ادراكنا للأمور، وفي تشكيل مفاهيمنا وآرائنا في كل ما يتعلق بأمور حياتنا، أمور لا يمكن التغاضي عنها تحت أي مبرر أو حجة كانت. ومواجهة الانحراف فيها قد تكون أشد أثرا وفاعلية مما تقدمه الخطب العصماء أو الأقلام اللامعة، فلنكن أكثر وعيا بما يدور حولنا ولنجرب أن نقضي ساعات «ليست كالساعات» علنا نخلق وعيا مختلفا «ليس كوعي» معظمنا

صحيفة الوسط البحرينية – العدد 646 – الأحد 13 يونيو 2004م الموافق 24 ربيع الثاني 1425هـ

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s