«إنذار بالطاعة»: زواج بالسر… أم فوضى أخلاقية؟

hqdefault

منصورة عبد الأمير

قليل من الحب، كثير من العنف… عنوان لأحد الأفلام العربية كنت شاهدته منذ سنوات، لا أذكر موضوع الفيلم لكن اسمه هو ما تبقى في ذاكرتي فقط، ربما بسبب ما حمله لي هذا الاسم من ايحاءات جعلتني استبقيه في ذاكرتي وأعمل على إيجاد تحليلاته بين الحين والآخر. هذا الاسم وجدت أصداءه تتكرر في أذني أثناء مشاهدتي لفيلم المخرج عاطف الطيب «إنذار بالطاعة» ووجدتني اقحم هذه العبارة في كل مرة حاولت فيها استعادة حوادث الفيلم للكتابة عنه.

نعم في حياتنا كثير من العنف في مقابل قليل من الحب، العنف الذي يتبدى في سلوكياتنا وفي تعبيرنا عن مشاعرنا جميعها بما فيها مشاعر الحب، العنف الذي يسود علاقاتنا وتصوراتنا للأمور وحكمنا عليها، عنف لا ينتهي في مقابل مشاعر حب تدفنها غرائز أخرى فتكاد تسحقها، الا ان الطيب يجعلنا متفائلين حين يخبرنا في نهاية فيلمه ان الحب ينتصر في نهاية المطاف.

الطيب أراد نقل الكثير عبر فيلمه هذا، بل وقد لا تأتي مفارقة الحب والعنف على رأس أهدافه، فالفيلم الذي تم تصويره وانتاجه في العام 1993 جاء ليناقش أولاً إحدى تلك القضايا التي تبقى مثيرة للجدل على الدوام وهي قضية الزواج العرفي، مركزاً على المعاناة التي تتعرض لها المرأة بسبب هذا الزواج سواء على المستوى الاجتماعي أو القانوني أو العاطفي، فالمرأة هي من تضحي وتقدم ليتم الزواج على حساب سمعتها التي لا تحتمل الكثير في عالمنا العربي، وعلى حساب سمعة أسرتها وليس الأمر كذلك بل يخبرنا الطيب أيضاً انها هي من يُنتظر منها الدفاع عن هذه العلاقة المحرمة عرفاً على رغم مشروعيتها الدينية والقانونية.

يستعرض الفيلم تلك المعاناة من خلال قصة أمينة (ليلى علوي) التي تتزوج من إبراهيم (محمود حميدة) عرفياً، بعد رفض أسرتها لزواجهما على رغم قصة الحب التي يعيشانها. هكذا يعيش الزوجان علاقة سرية تقوم على بعض اللقاءات التي تتم هنا وهناك والتي يبدو فيها الاثنان كعاشقين يمارسان عملاً شائنا لا أنهما زوجان شرعيان. تتعقد الأمور حين يتقدم صلاح (ممدوح وافي) وهو المقتدر مادياً لخطبة أمينة فتوافق والدتها المتسلطة (نادية عزت) على هذا الزواج وترغب في تزويجه لابنتها متخذة العنف طريقاً لارغامها على القبول. هكذا تجد أمينة نفسها في مأزق فوالدتها تجبرها على قراءة الفاتحة وعلى الخطوبة ولم يتبق سوى عقد الزواج «كتب الكتاب» وأمينة لا تستطيع اطلاع أهلها على الحقيقة.

حين تفشل جميع جهود أمينة، يتخذ إبراهيم زمام المبادرة فيرفع عليها دعوى إنذار بالطاعة على أساس الزواج العرفي الذي يربطهما، وإذ تجد الفتاة ان اقرارها بكل ما يدعيه زوجها يعني نهايتها اجتماعياً وربما أسرياً، تنكر أمام المحكمة ارتباطها بإبراهيم باي عقد كان، وتتطور الحوادث لنرى أمينة تدفع الثمن دائماً فهي من تتلقى الصفعات واللكمات من الجميع الوالد، والوالدة، وصلاح الذي يوشك ان يكون زوجاً لها، وحتى إبراهيم وهو من يفترض به ان يكون الحضن الدافئ الذي تسند رأسها عليه وسط هذه المحنة، وأخيراً تأتي النهاية على يدي الوالد الذي يواجه الواقع بحزم ويقبل الزواج على رغم رفض الأم له، لينتهي الفيلم بزفاف الاثنين «أمينة وإبراهيم».

يأتي الفيلم ليعالج قضية اجتماعية وليلقي الضوء على تبعاتها وليقترح حلولاً بسيطة لا تكاد تخرج من إطار الأسرة، إذ يعرض موقف الأب الذي كان رافضاً لإبراهيم في بادئ الأمر والذي عاقب ابنته مراراً بالضرب الموجع، لكنه وحين اشتدت الأزمة وقست الظروف كان صدراً حنوناً، احتضن ابنته واستمع إليها ثم حسم الأمر، وإلى جانب ذلك نرى الأم المتسلطة التي لا تكترث لمشاعر ابنتها وترغمها على الزواج ممن لا تحب بل ويصل بها الأمر لأن تحرض والدها ضدها، جهلاً واعتقاداً منها أنها بذلك تضمن مستقبل ابنتها. كذلك نرى الشاب المحب الذي يحمل في نفسه كماً كبيراً من العنف يمارسه ضد الجميع بمن فيهم محبوبته، إذ يتخذ منها موقفاً سلبياً ويرفض مساعدتها في بادئ الأمر والتدخل في الموضوع بأي شكل كان، وحين تضطر لنكران علاقتهما يكون جزاؤها منه أقسى الصفعات والإهانات، وهناك ايضاً الشاب الآخر الذي يعرف كم تكرهه الفتاة الا انه يصر على الاقتران بها مهما كان الثمن، وحين يفشل ويرفضه أهلها يكون له رد فعل عدائي وعنيف. جميع تلك الصور الاجتماعية وغيرها مما قدمه الطيب تمثل صوراً واقعية لأناس حقيقيين يعيشون بيننا، وهو الأمر الذي لم نعتده في كثير من الأفلام العربية، فالأبطال ليسوا أشخاصاً مثاليين، ولا يمكن وصفهم بالأخيار المطلقين أو الأشرار تماماً، بل يحمل كل منهم نسبة من الجانبين، تطغى إحداهما على الأخرى لتحدد ماهية كل شخصية. العلاقة أيضاً بين الحبيبين كانت واقعية إلى حد كبير، فالشابان يحبان بعضهما وحين لا يجدان سبيلاً يؤطران علاقتهما بالزواج العرفي متحدين جميع السلطات المحيطة بهما والمتمثلة في سلطة الاسرة من ناحية وسلطة المجتمع الذي يشين هذا العمل على رغم مشروعيته من جهة أخرى.

قصة الفيلم قوية، وما ساعد على إظهار قوتها أداء الممثلين المشاركين فيها، وعلى رأسهم ليلى علوي، فهذه الممثلة الجميلة أبت أن تحصر نفسها في أدوار البنت الجميلة المرغوبة من جميع سكان الحي، وجاءت لتظهر في هذا العمل ولتقدم شخصية بنت اعتيادية لم يحاول المخرج اشعارنا بما يميزها من جمال أو سحر أو جاذبية، فهي فتاة كجميع الفتيات، تخطئ وتصيب، تتراجع عن الخطأ وتصلحه بطريقتها، لها نقاط ضعف وقوة، تحب وتقسو، جريئة وجبانة، هي كل ذلك، وهي باختصار، امرأة عادية. كذلك يتألق محمود حميدة كعادته، فهذا الممثل القادر على تقمص جميع الأدوار الخيرة منها والشريرة، استطاع ان يقدم هذه الشخصية المركبة بصورة تجعل المتفرج لا يكرهها على رغم ما تقترفه، ربما لا تحمل معه تعاطفاً كذلك الذي نحمله للفتاة، لكننا على أيه حال لا نكرهه.

ومن الشخصيات المميزة ايضاً سواء على مستوى النص أو على مستوى الأداء، شخصية الأب التي قدمها سيدعزمي والتي بدت لي واقعية بشكل كبير، فالأب قسى على ابنته في بادئ الأمر وارغمها على الزواج لكنه وبعد ان وجدها تكاد تنهار أشفق عليها وقرر اصلاح الخطأ وتصرف بشكل أبوي، وقدم صورة مختلفة عن معظم آباء السينما المصرية الذين اما ان يكونوا عطوفين بالغي الحنان أو قساة لا تعرف الرحمة طريقاً الى قلوبهم، لكن هذا الرجل هو ببساطة أب!

الطيب يطرح من خلال فيلمه الكثير من الأسئلة لعل معظمها يتعلق بالزواج العرفي، ومدى مشروعيته والجدل القائم بشأنه، هذا الزواج وما شابهه من الصيغ ان احصينا مساوئه وسلبياته خرجنا بقائمة طويلة في مقابل إيجابيات لا تذكر، هذا الزواج الذي لا أعرف سبباً لاستمرار تشريعه، فهو وان شرع في فترات تاريخية سابقة فقد كان لذلك التشريع أسبابه، ولا أعرف حقاً لم لا يراجع الفقهاء وواضعو الفتاوى أنفسهم الآن ليقننوا هذه التشريعات على الأقل وليضعوا بعض الحدود والقيود الشرعية، إن لم تكن القانونية، التي يمكن أن تضع حداً للفوضى الأخلاقية، والاستغلال السيئ للتشريع الديني.

يمكن الحصول على نسخة من الفيلم في محلات مدينة الليزر Laser Town

شارع البديع ت: 1769311

أيديولوجية التسلية

 منصورة عبدالأمير

الحديث عن السينما وضرورة الانفتاح عليها الذي كنت قد بدأته قبل شهور من الآن وقررت التوقف عنه بسبب بعض ردود الفعل السلبية، لايزال هاجساً أعيشه بل ولربما يمكنني القول انه مازال «هماً أحمله، ومسئولية أتبناها»… ومهما يكن من أمر فقد قررت مواصلة هذا الحديث الذي لا يكاد يبدأ حتى تتطاير الكلمات وتتوجس الأنفس خيفة مما قد يثيره أو يحويه أي مقال ينشر من مظاهر وقيم دخيلة على مجتمعاتنا.

أعود لأكرر قولي يجب أن نكون على وعي تام بما يصدر لنا عبر الشاشات صغيرها وكبيرها، وأركز هنا على أمر مهم لكي لا يسيء القراء فهمي كما حدث سابقاً، السينما التي أقصد ليست مبنى أو قاعة عرض أو شاشة هنا أو هناك، بل هي عالم من الصور الناطقة والمتحركة، عالم يرى فيه الكثير من كبار القادة السياسيين (في العالم الغربي) وسيلة للهيمنة على أي شعب وكسب وده ورضاه، وهي وسيلة لاتزال القوى الكبرى تعي فاعليتها وتحسن استخدامها فتنقل ما تشاء من القيم والمبادئ عبرها، ثم تضحك منا وتهزأ بنا حين نحارب ما تدعو له من عولمة أو تطبيع ثقافي قبل أن يكون سياسياً، في الوقت الذي نعيش فيه كما تشاء هذه القوى وندعو لما تريد، والفضل أكبر الفضل لما نتبناه من أساليب حياة وقيم وأفكار لا نستوردها عبر كتب ولا صحف أو خطب حمقاء بل عبر هذه الشاشات السحرية التي نتسمر أمامها صغاراً وكباراً، لساعات تطول أو تقصر، لنغادرها وقد حملت نفوسنا ما لا تستوعبه عقولنا في ساعات من القراءة تبلغ أضعاف ما قضيناه من لحظات معها. السينما بحسب التعريف الالكتروني هي وسيلة عرض الصورة الموجودة على شرائح السيلولايد، وهي ايضاً القاعة التي تعرض فيها الأفلام، فإذن هناك فن للسينما وهناك دار للسينما، والفن هو ما نتحدث عنه وهو ما نريد ان نعيه، وهو ما يمكن أن نجده في دار عرض محددة، أو حتى في منازلنا على شاشات أجهزة التلفزيون لدينا. هي عالم بدأ منذ ما يزيد على القرن، لينتج دنيا الأحلام التي وعى الكثيرون أهميتها من حيث قوة تأثيرها وفاعليتها وقدرتها على الوصول إلى كل شرائح المجتمع وقطاعاته، وليس أدل على أهميتها من استحواذ السلطة الشيوعية ومن ثم النازية عليها لتصدير إيديولوجيتها عبر مختلف آليات هذه الوسيلة التي أثبتت جماهيريتها في ذلك الوقت ومازالت كذلك. الرأسماليون أيضاً وعوا أهميتها وعملوا ومازالوا يعملون جاهدين على نقل اسس وتفاصيل نظامهم القيمي والفكري وحتى الاجتماعي عبر هذه الوسيلة، ولعلهم كانوا أكثر ذكاء من الشيوعيين والنازيين، فقد صرح هؤلاء بخططهم ورغباتهم الاستحواذية على فكر الجماهير، أما الرأسماليون فلم يتطرقوا إلى ذلك الحديث بل اتخذوا الكتمان وسيلة لنشر افكارهم وإيديولوجياتهم، وبدلاً من ذلك اقنعونا بفكرة سينما التسلية وصنفوا لنا بعض الأفلام على انها تهدف لقضاء وقت ممتع ليس الا، فهي قد تكون كوميدية أو خيالاً علمياً أو ما شابه، المهم ان الهدف منها هو الضحك فقط، وان العاملين عليها لا يحاولون نقل أية فكرة من خلالها، والواقع انه ما من فيلم يمرر الى الجماهير من دون ان يهدف الى تغيير واقع معين او الى نقل فكرة ما، ولا ننسى في هذا المقام اليهود الذين استطاعوا كسب ود العالم بأسره من خلال عشرات من الأفلام التي تصور ما يدّعون تعرضهم لهم على ايدي النازيين، وهو الامر الذي قد لا يكون صحيحاً تماماً الا انه على اية حال اصبح اشبه بالحقيقة التاريخية التي تثبتها ما بثته السينما على مدى عقود.

هكذا يغني الجميع على ليلاهم في عالم السينما، ونغني نحن على ليلى أخرى تختلف تمام الاختلاف عن ليلاهم جميعا، فليلانا لا تمت لعالم السينما بصلة، بل يرسم ملامحها بعض أصحاب السلطات لدينا، ليحرموا ويحللوا كما يشاءون، وليرفضوا السينما بدعاوى وحجج متعددة، متناسين الخطر المحدق بنا وبقيمنا وأفكارنا.

آن لنا ان نفيق من سباتنا العميق ويكفينا انزواءً وابتعاداً عن الحياة ولنكن قوة فاعلة تصل أصداؤها الى الجميع وتتغلغل في نفوسهم لتقدم نماذج مشرفة لنا، لندافع عن أنفسنا ضد ما يبث هنا وهناك، لا باتخاذ شعار المقاطعة بل بمواجهة هذا العالم الجميل وفرض نفوذنا عليه، ولا ننسى ان سلطة الدين تنافسها سلطات أخرى

«مور»… ووجوه متعددة للديمقراطية

منصورة عبد الأمير 

michael_moore_ap_img_0

كثيرة ومتنوعة هي الانتقادات والتحليلات التي صدرت بحق الفيلم الأخير للمخرج الأميركي مايكل مور «فهرنهايت 11/9»، وكثيرة كذلك الاتهامات التي وجهت إلى هذا المخرج الذي لا أملك إلا ان أصفه بالذكي المجنون. ذلك فعلاً هو انطباعي الأول بعد مشاهدتي المتأخرة نوعاً ما للفيلم، فهذا الفيلم الذي لاتزال شركة البحرين للسينما تعرضه في سينما السيف، نظراً للإقبال الكبير من الجمهور المحلي، يثير في مشاهده الكثير والكثير من المشاعر سواء السيئة منها أو السارة. الفيلم على رغم كل ما قيل عنه وكل ما اتهم به من سطحية أو تحيز أو ما شابه ذلك، يعبر عن براعة مؤلفه ومخرجه مايكل مور، هذا المشاغب الذي استطاع ببراعته ان يجمع مادة صحافية وتوثيقية تكفي لإدانة نظام بوش الحاكم، على الأقل في المجتمع الأميركي، كما ان مور تمكن من دمج مادته تلك بطريقة ذكية جعلت من فيلمه واحداً من الأفلام التي تأسرك وتشد انتباهك مذ لحظة ابتدائه حتى آخر ثواني عرضه. مور لم يفعل ذلك فحسب بل نجح في من اختيار المشاركين في فيلمه ليكون الناتج فيلماً توثيقياً رائعاً يعبر على الأقل عن وجهة نظر شريحة من شرائح المجتمع الأميركي، لينقل لنا واقعاً آخر غير ما نعتقد معرفته عن الشعب الأميركي.

الفيلم وإن لم يكن ينقل أي جديد سواء على مستوى قذارة السياسة الأميركية الخارجية أو على مستوى جرائمها المتعددة ومصالحها مع أي طرف كان، الا أنه وبكل تأكيد خلق صدمة كبرى للجمهور الأميركي حال عرضه في دور السينما هناك حين عرى كل أكاذيب ودجل بيتهم الأبيض بوثائق وأدلة داحضة لا يمكن لأي طرف كان نكرانها أو التهرب منها.

قد يكون عرض مور سطحياً في تناوله بعض المواد الا انه تمكن من خلق تأثير كبير في نفوس مشاهديه، وحتى المشاهدين العرب الذين يكرهون أميركا ويعرفون قذارتها ويشهدون جرائمها بأم أعينهم، بل ويمكنهم تزويد مور إن شاء بمعلومات أكثر دقة وبتفاصيل أكثر إثارة عما تعيثه حكومة بلاده في دولهم وبين أوساطهم، لكن على رغم ذلك فإن مور أضحكنا وأثار حزننا وزادنا حنقاً أيضاً على حكومة بلاده. نعم نجح مور في ذلك بغض النظر عن كل النواقص الأخرى، بل وأبهرنا بفيلم توثيقي ممتع وبجرأة لا نجد لها مثيلاً في عالمنا العربي.

المفارقة المثيرة للجدل هو أن الفيلم وبقدر ما أساء الى الحكومة الأميركية والى ما تتشدق به من مبادئ الحرية والديمقراطية، فإنه في الوقت ذاته سلط الضوء على الجانب الآخر للديمقراطية الأميركية وهو في هذه المرة الجانب المضيء، وهو الجانب الذي لا نجد له نظيراً لدى كل أنظمتنا، إذ لا يحلم أي صحافي أو مخرج أو موثق في بلادنا العربية ان يفعل ما فعله مور بفيلمه هذا وان ينتقد سياسات بلاده بمثل الجرأة التي فعلها مور.

هكذا فإن فيلم مور رائع، يستحق سعفة «كان» الفضية، وربما كان سيحصل على ما هو أعلى منها من جوائز لو كان قد تنافس مع أفلام توثيقية أخرى في هذا المهرجان أو في سواه من المهرجانات، بدلاً من مقارنته مع الأفلام السينمائية والدرامية وغيرها إذ نعلم جميعاً اختلاف تفاصيلها وعدم إمكان الاتفاق على مقاييس محددة للحكم على النوعين

العدد 712 – الأربعاء 18 أغسطس 2004م الموافق 02 رجب 1425هـ

حكاية «البيت الزهر»: تبدأ بعريضة وأعمال تخريبية وشهادة على واقع أليم

الوسط – منصورة عبدالأمير 

آخر شعلات حروب لبنان ومصائبه أخمدت منذ ما يزيد على العشرة أعوام، تحديداً في العام 1990، وعلى رغم ذلك فإن مدنه وضواحيه الجميلة وضيعاته الزاهرة لاتزال حزينة جريحة، ولاتزال أوجاعها حاضرة في ذاكرة أبنائها تتسلل بين الحين والآخر لتلقي بثقلها الموجع على مجريات الحياة بشكل أو بآخر.

انتهت الحرب وبقيت في الصدور حسرة وفي الأعين صور أليمة لا تمحوها السنون، لكن ارادة الحياة ظلت باقية في النفوس، والرغبة في النهوض من جديد متوقدة في الأذهان، لنشهد بعد سنوات قليلة عودة لبنان، عروس العرب، وإن بدت أقل بهاء وحسناً مما كانت عليه قبل اغتيال زهرة شبابها.

انتهت الحرب وبدأ لبنان فصلاً آخر من فصول المعاناة، هذه المرة في صراعه من أجل البقاء وفي تحدياته من أجل الإعمار أو «إعادة الإعمار». معاناة لا يستهان بها تبرز في وسطها ظلال قاتمة لكل ما تسبب في العذابات السابقة، فسواء شاء اللبنانيون أم أبوا فإن عليهم أن يخوضوا معتركاً صعباً ليبقوا ناهضين، فمأزق سنين الحرب يرفض فك حلقاته عن رقابهم.

الفيلم اللبناني «البيت الزهر» يلقي الضوء على بعض صور المعاناة تلك، ويأخذ بمشاهديه إلى بيروت، التي يعاد إعمارها، ومن خلال قصة عائلة بسيطة يستدرجنا مخرجاه جوانا حاجي توماس وخليل جريج إلى أعماق جراحات لبنان. تتحدث القصة الرئيسية في الفيلم عن اسرتين تسببت الحرب في تهجيرهما من «ضيعتهما» إلى حيث بيروت وإلى بيت من البيوت التي تركها أصحابها بعد أن طرزت القذائف والرصاصات الطائشة جدرانها. ذلك هو بيت الزهر، كما اعتاد اهالي الحي تسميته للونه الزهري، وقد يكون ذلك اشارة لتاريخه الذي يشبه اللون الزهري، إذ كان ملكاً لسيدة ثرية وكانت تقام فيه الحفلات التي يحضرها علْيَة القوم وأثرياؤه. تنتهي الحرب ليظهر مالك البيت مطالباً الأسرتين بإخلاء المنزل رغبة منه في تحويله إلى مركز تجاري، ويبدو الأمر بالنسبة إليه غاية في البساطة فهو يشرح للأسرتين في لقائه معهما تفهمه لظروفهما التي دعتهما «لاحتلال» منزله طيلة تلك السنوات، لكنه على رغم ذلك يتحدث عن ضرورة اعادة اعمار لبنان وجعلها بلداً متطوراً حديثاً، ومن أجل ذلك لا بد من تضحيات.

المفارقة هنا هي ان التضحية التي يتحدث عنها مالك المنزل تأتي على حساب هاتين الأسرتين اللتين وجدتا نفسهما في مأزق لا يمكن توجيه اللوم فيه لأي طرف، فهل هي الحرب التي وضعتهما في هذا الموقف، أم هي إعادة الإعمار، أم طموح صاحب الملك. مهما يكن من أمر فإن هاتين الاسرتين اللتين قضتا احد عشر عاماً في المنزل لا تجدان مأوى آخر، بل ولا تملك احداهما خيار العودة للضيعة بعد هروب ابنة لها منذ زمن وانقطاع أخبارها ما يجعل الاسرة مجبرة على ان تبقى في مكان قريب في حال عودة الابنة الفارة.

هكذا ومع وقوع الاسرة في هذه الورطة، ومع محاولاتها الخلاص من مشكلتها تظهر على السطح آثار لجروح الحرب التي لم يتوقف نزفها على رغم محاولات اصحابها إخفاءها ومداراتها، وتظهر خلافات الشارع اللبناني التي لا تنتهي حين ينقسم الحي بين مؤيد للخطط الاعمارية ومعارض يرفض تهجير الاسرتين ويتعاطف معهما.

أول ردود الفعل لدى الاسرتين كانت بعقد اجتماع لطرح ما يمكن فعله لمقاومة قرار المالك، لتتفتق عبقرية المجتمعين عن أساليب ووسائل كثيرة للمقاومة، وهي ليست سوى نتاج لما يتبناه أصحابها من أفكار وأساليب حياة، وبين الرغبة في اقامة مظاهرة صاخبة تجبر المالك على التنازل عن حقه، إلى استخدام وسائل أشد عنفاً، يبدو اقتراح كتابة عريضة وتوقيعها من قبل أفراد الاسرتين والحي بأكمله، اقرب الاقتراحات إلى القبول واكثرها منطقية، وأشدها ميلاً للأساليب السلمية البعيدة عن المغالاة التي رفضها معظم المجتمعين.

هكذا تتم كتابة العريضة وتبدأ بعدها حملة جمع التوقيعات التي تظهر الصديق من العدو، والتي تكشف عن رغبة الجميع في اعادة الاعمار مهما كلف الأمر وأياً كانت الجهة القائمة على الأمر. تتطور الحوادث وتجد الاسرة نفسها مجبرة على النزوح من المنزل لكنها تشترط على مالكه ان يقوم أفرادها أنفسهم بهدم المنزل بالجرافات، وهم كما يرون أحق من الشركة الفرنسية بذلك.

هكذا ينتهي منزل الزهر وتنتهي القضية الأولى بمأدبة فاخرة يقدمها مالك المنزل الثري لأهالي الحي جميعاً، ويخرج افراد الاسرة من ورطة أولى ليقعوا في ورطة ثانية وليواجهوا واقعهم الجديد، إذ عليهم بناء حياة جديدة بثمانية آلاف دولار سلمها مالك المنزل لكل أسرة، اضافة إلى ألفي دولار تسلمهما الدولة لجميع متضرري الحرب ليبدأوا حياة جديدة. هكذا وبهذا المبلغ الزهيد الذي طالب رب احدى الاسرتين زيادته إلى عشرين ألفاً على الأقل، يتوجب على الاسرتين ان تبدآ حياة جديدة ولائقة.

ينتهي الفيلم طارحاً الكثير من القضايا والإشكالات على الساحة السياسية اللبنانية ومن خلال عرض لحكاية كل فرد من أفراد الاسرتين، يستعرض الفيلم واقع الحال في هذا البلد الذي سيظل منقسماً على نفسه وستظل أهواء أحزابه السياسية تقذف به إلى اليمين تارة وإلى الشمال تارة أخرى. يستعرض الفيلم هذه الحكايا ليجد المشاهد نفسه وكأنه أصبح شاهداً على واقع الحال لا متفرجاً سلبياً، يضحك ويتفاعل أولاً مع شاب يعشق فتاة، لم يظهر لها أي اثر في الفيلم، وكل ما تردد هو أسمها الذي يردده عاشقها الولهان عبر صفيحته المعدنية التي يستخدمها كمكبر للصوت يقف حاملاً اياها امام شرفة منزل «زينة» ليمطره الجيران بالشتائم والسباب وليسكبوا عليه المياه، من دون فائدة، إذ يظل عاشقاً حتى النهاية وحتى بعد ان يتم تدمير المنزل. ومن الشاب العاشق إلى شقيقه الذي يتفجر حماساً وطنياً يوجهه إلى العنف دوماً ويبدو وكأنه على استعداد دائم مع أفراد عصابته أو ما يشبه الميليشيا، لتصفية الحسابات باستخدام منطق القوة مع أي طرف مخالف، ومنه إلى الفتاة الغاضبة التي تريد ان تعيش لكنها شديدة الانفعال، تلجأ في نهاية الأمر مع حبيبها إلى القيام بأعمال تخريب تستهدف الجيران، بل وتكون أول من يبدأ عملية هدم المنزل.

وإلى جانب هؤلاء نجد قصة مختلفة وزاوية أخرى من زوايا الواقع اللبناني مع كل فرد من أفراد العائلتين، ولننتهي من الفيلم وفي أذهاننا صورة أخرى عن لبنان، صورة تختلف عما يبدأ به الفيلم حين يعرض لنا صورة ساحرة للبنان في أيام عزها، نكتشف بعدها انها صورة مقربة بالكاميرا لمنظر يصور لبنان في السبعينات لكنه لايزال يباع في شوراعها.

فيلم تضحكنا مفارقاته وتناقضات أبطاله الأشرار والأخيار في آن واحد، يعرض لنا واقعاً مأسوياً بصورة ممتعة بعيدة عن الدراما الحزينة وجميع الصور التي تلهب المشاعر والأحاسيس، ليجعل منا شاهدين لا مشاهدين. فيلم ينقل صورة لمستقبل يبنى من الأشلاء والجراحات والعزيمة النافذة والرغبة الجامحة في الحياة التي تقاوم كل الآلام والمصاعب، وتنتصر على كل الجراحات، والتي يحملها أبناء هذا الشعب الذي تنبض عروقه بالحياة.

هذا الفيلم الشيق يأسرك بحوادثه على رغم عدم اعتماده على الاثارة في حوادثه والابهار البصري في مشاهده، وهو من انتاج لبناني وفرنسي وكندي، لكنه من أكثر الأفلام اللبنانية التي تحمل هوية لبنانية خالصة وهماً وطنياً واقعياً، وقد مثل لبنان في حفل الأوسكار للعام 2000 لكنه وكأي فيلم جيد آخر ولا يمت لهوليوود بأية صلة لم يحصل على أي من جوائز هذا المهرجان لذلك العام.

البيت الزهر

سيناريو واخراج: جوانا حاجي توماس، خليل جريج

تمثيل: حنان عبود، فادي ابو سمرة، اسما اندروس، نبيل عساف، انطوني بلابين، عصام بوخالد، جوزيف بونصار

التصنيف: كوميدي

مدة العرض: 92 دقيقة

الانتاج: فرنسي، كندي، لبناني

تتوافر نسخة من الفيلم في محلات مدينة الليزرجفَّمْ ٌَُّ، للاستفسار يمكن الاتصال على هاتف 17693110

العدد 709 – الأحد 15 أغسطس 2004م الموافق 28 جمادى الآخرة 1425هـ

 

بعد عرض الجزء الثاني منه .. «شريك 2»: ضحك متواصل ومتعة لا حدود لها

منصورة عبد الأمير

71HQiOZsZ6L._SY445_

ولع الأطفال بأفلام الكرتون لا حدود له، ورغبتهم في مشاهدتها وتكرار مشاهدتها لا ينتهي، ولعل هذا الأمر يشكل أحد الأسس المهمة لتحقيق الأرباح الضخمة للشركات المنتجة لهذه الأفلام، والتي يتقن معظمها أصول اللعبة ويعرف ما يريد الأطفال أولاً، إبهار بصري ومناظر جميلة وألوان زاهية، وليأتي بعد ذلك ما يضعه القائمون على الفيلم على رأس أولوياتهم وأقصد بذلك الفكرة والقيمة الأخلاقية والدرس الذي يتشربه الأطفال ليستقر في عقولهم، وليشكل أساساً للكيفية التي ستبنى بها شخصياتهم وعقولهم ونفوسهم.

فيلم Shrek الذي قدمته شركة دريم ووركس هو أحد الأفلام التي تقع على رأس القائمة بما يقدمه من ابهار بصري، لا يشد الأطفال فحسب بل والكبار أيضاً، وقد عرض الجزء الأول منه قبل ثلاثة أعوام أي في العام 2001. شريك بجزئيه مبني على قصة من تأليف ويليام ستايج، وقد شارك في كتابة نصه وإخراجه السينمائي فريق كامل من كتاب السيناريو والمخرجين ليقدموا قصة سلبت عقول الكثير من الأطفال لفترة لم تطل لكنها انتهت بعرض الجزء الثاني منه.

في الجزء الأول شاهدنا قصة الأميرة الجميلة فيونا (صوت كاميرون دياز) التي تحاصرها لعنة ساحر تجعلها أسيرة في قلعة محصنة، والتي تعيش على أمل وصول فارس أحلامها الذي سيحررها من سجنها، لكنها تصاب بصدمة حين تكتشف ان فارسها المنقذ ما هو الا غول ذميم المنظر، وهو طبعاً شريك (صوت مايك مايرز) أما الأمير الذي كان يفترض به التقدم لمساعدتها فانه لم يكن سوى شخص تافه وكسول.

في نهاية الجزء الأول تكتشف فيونا الروح الجميلة لغولها القبيح وتقع في حبه وتقرر التحول الى غولة قبيحة لتتمكن من الزواج منه والعيش معه في سعادة وهناء.

الجزء الثاني يبدأ من حيث انتهى الجزء الأول لنرى فيونا وشريك وهما زوجان سعيدان يقضيان شهر العسل، طبعاً فيونا غولة خضراء قبيحة المنظر تعيش مع شريك في مستنقعه وسط القاذورات، ويشاركهما في المنزل الحمار الثرثار (صوت ايدي مورفي) والذي ظهر في الجزء الأول. يتوجب على فيونا وشريك زيارة والديها الملك والملكة المتشوقان لرؤيتها اذ يصابان بصدمة حال لقائهما مع ابنتهما «الغولة»، فبدلاً من الفتاة الرقيقة الجميلة التي ستزف الى الأمير الوسيم «تشارمنغ» ابن الساحرة الشريرة (صوت روبرت ايفيرت)، يلتقيان بغولة خضراء سمينة لها قرنان مضحكان. تتقبل الملكة الأم (صوت جولي أندروز) الواقع الجديد، بينما يرفضه الملك «الأب» (صوت جون كليز) ويقرر التخلص من شريك فيحبك الكثير من المؤامرات التي يستأجر فيها أولاً قاتلاً مأجوراً هو القط باس (صوت أنطونيو بانديراس) لكنه يفشل في أداء مهمته وينقلب من عدو لشريك الى صديق ومرافق له، ما يجعل الملك يلجأ إلى الساحرة أو الأم الروحية (صوت جينيفر سوندرز)، التي توافق على قتل شريك واعادة فيونا الى هيئتها الأولى، بشرط موافقة الملك تزويج فيونا من ابنها المغرور الذي كان من المفترض ان يحررها من الأسر.

هذا الجزء كسابقه يشتملان على الكثير من الاشارات والتلميحات والعبارات التي تسخر من كثير من أفلام وقصص الأطفال خصوصاً ما قدم منها على شاشات هوليوود. فالأميرة في الجزء الأول حبيسة قلعة كبيرة يحرسها تنين متوحش، وهي تحلم بفارس الأحلام الذي يحررها من الأسر ويمنحها القبلة الأولى، في اشارة الى القصة الشهيرة لأميرة القلعة الحبيسة التي تدلي شعرها من شرفة القلعة ليستخدمه فارسها كحبل يصل به اليه. السخرية من هذه القصة جاءت هنا حين تكتشف الأميرة أن منقذها ليس فارساً وسيماً بل هو وحش أخضر اللون قبيح المنظر وان الأمير الوسيم ليس رجلاً شجاعاً بل هو جبان وتافه وكسول، كما ان احتجازها في القلعة جاء بطلب من والديها اللذين فعلا ذلك كما تقول فيونا في أحد المشاهد «لمصلحتها»، ولا أدري أية مصلحة يراها أي والدين في احتجاز ابنتهما ووضعها تحت رحمة تنين متوحش.

في الفيلم ايضاً اشارة ساخرة إلى مدينة هوليوود وللحياة فيها، فالمملكة البعيدة التي يعيش فيها والدا فيونا ليست سوى هوليوود كارتونية، تمتلئ بالمحلات الشهيرة مثل «فيرساتشي»، مع تغيير بسيط، ولا أدري لماذا اختار فيرساتشي تحديداً، وعدا عن ذلك نرى اشارة أخرى إلى محلات ماكدونالدز، بل ونسمع اغنيات شهيرة تسخر من هوليوود، وحين تصل فيونا لقصر والدها نرى استقبالاً يشبه ذلك الذي يلقاه نجوم هوليوود أثناء احتفالات الأوسكار.

ومن بين الشخصيات الواقعية التي يقحمها الفيلم نرى الأمير الذي تمني الساحرة فيونا بمرافقته، وهي تقول ذلك بينما تشير إلى صورة لولي العهد البريطاني الأمير تشارلز، ثم هناك السير جستن الذي تعلق فيونا صورته على حائط غرفتها (اشارة الى صديقها في الواقع المغني الشهير جستن تمبرلايك).

كذلك يدمج الفيلم في جزءيه الكثير من الشخصيات الكرتونية الشهيرة فنرى خبز الزنجبيل الشهير في قصص الأطفال، كما نشاهد الخنازير الثلاثة وبينوكيو «ذو المنقار الخشبي»، ونشاهد قصر سندريلا، ورابونزيل، بل ونلتقي بالجميلة النائمة وذات الرداء الأحمر وحتى بالذئب الذي التهم جدتها.

ولا يتوقف الأمر عند السخرية من الشخصيات فحسب، بل ان الفيلم يقلد مشاهد بعض الأفلام الشهيرة، فمشهد المائدة الذي يسيئ فيه شريك الأدب ويصدر الكثير من التصرفات غير اللائقة التي يفترض ان تكون مضحكة للأطفال!، يذكرنا الى حد كبير بمشهد من فيلم Meet the Parents، بعدها تظهر شخصية القط باس الذي يذكرنا بزورو في الفيلم الشهير The Mask of گorro، أما المشهد الذي يسرق فيه شريك وصفة الجمال والحب الدائم من معمل الساحرة فتذكرنا بمشهد من فيلم بيكسار «شركة الوحوش Monsters Inc. ».

لا اعرف حقاً لماذا فعل كتاب السيناريو ذلك، ولا اعرف ان كانوا يتصورون ان يعي الأطفال تلميحاتهم واشاراتهم تلك، إذ إن الفيلم سيظل رائعاً وجذاباً حتى من دون اللجوء إلى مثل هذه المحاكاة الساخرة التي أغضبت بعض النقاد الأميركان إذ وجدوا فيها استهزاء من ثقافة بلادهم وليس أفلام هوليوود فقط، وهي في واقع الأمر محاكاة مزعجة خصوصاً الجزء المتعلق منها بفيلم Monstersص Inc فالفيلم المذكور حقق نجاحاً كبيراً على كل المستويات وهو فعلاً فيلم جميل ويقدم فكرة جميلة لا تحتمل السخرية منها أو حتى تفسيرات الكثير من النقاد، العرب على وجه الخصوص، الذين رأوا فيه تسويقاً للرأسمالية الأميركية.

عموماً، لم يكن هناك أي داع لانتاج هذا الجزء (عدا عن الدواعي المادية طبعاً) بل ان التفكير في جزء ثان لأية قصة كانت نهايتها الأولى منطقية، يضع على القائمين عليه عبئاً أكبر لجعل الجزء الجديد مقنعاً أكثر من سابقه، وللأسف كانت النتيجة هنا قصة ذات حبكة ضعيفة وغير مقنعة وتحمل الكثير من التناقضات المقصودة وغير المقصودة. الأمر الوحيد الذي تفوق في هذا الجزء كان جمال المشاهد والصور وروعتها فهي أجمل بكثير من مشاهد الجزء الأول إذ تبدو واقعية بشكل مذهل وتبدو الحركة فيها طبيعية بصورة لا تصدق والفضل يعود للتطور الرقمي الهائل في تقنية الصور ثلاثية الأبعاد.

أفضل ما في الفيلم هو بعض الشخصيات ذات الأدوار الصغيرة وبعض النكات الظريفة وبعض المشاهد التي تحوي ظرافة مبتكرة، فيما يتعلق بالشخصيات فقد كان أظرفها هو الحمار الذي كان يطلق الكثير من النكات ويشيع جواَ من الضحك والظرافة كلما ظهر في أحد المشاهد. أما القط باس فهو أكثر الشخصيات اثارة، فهذا القط الأنيق انضم الى قائمة الابطال بعد أن تحول من عدو لشريك يسعى لقتله الى صديق حميم وظريف يثير غيرة الحمار الذي يتضايق من وجوده ويخبره انه لا حاجة لوجود حيوان متكلم آخر، ووجود هذه الشخصية يعتبر أحد العلامات المميزة للفيلم التي تضيف نقاطاً كثيرة لصالح هذا الجزء، فباس ليس شخصية كارتونية، بل هو شخصية حقيقية، بارعة في القتال، حركاتها رائعة تأسر المشاهد، والشخصية ظريفة بطريقة ما.

أما أسوأ ما في الفيلم فهو انه يجعل طفلك يحب شريك على رغم كل مساوئه لكن لا تقلقوا بعض الأطفال يشمئزون من تصرفات شريك ولا يرون فيه كفؤاً لفيونا، ولكن وعلى رغم كل النواقص وكل الانتقادات فإن مشاهدة Shrek 2 تصاحبها الكثير من المتعة والتسلية والضحك التي تجعل دقائق عرضه المئة وخمس دقائق تمر سريعاً ليس على الأطفال فحسب بل والكبار أيضاً.

«شريك 2» فيلم يستحق المشاهدة لكن أكثر ما يقلق بعض النقاد هو احتمال ظهور «Shrek 3» عاجلاً أم آجلاً، وخصوصاً أن بعض المشاهد تلهم كاتبي القصة بتتمات لها.

Shrek 2

اخراج: اندرو ادامسون، كيلي اسبري، كونراد فيرنون

تأليف: ويليام ستايغ

كتابة النص: اندرو ادامسون، جوي ستيلمان، ديفيد ستيم، ديفيد ويس

انتاج وتوزيع: شركة دريم ووركس

تاريخ العرض الأول: 19 مايو/ أيار 2004

مدة العرض: 105 دقائق

الأصوات (شريك: مايك مايرز، الحمار: ايدي مورفي، الأميرة فيونا: كاميرون دياز، الملكة: جولي أندروز، القط باس: انتونيو بانديراس، الملك جون كليز، الأمير تشارمنغ: روبرت ايفيرت، الساحرة: جنيفر ساندرز)

 

العدد 705 – الأربعاء 11 أغسطس 2004م الموافق 24 جمادى الآخرة 1425هـ