دعوة عامة… لجميع القراء

منصورة عبدالأمير 

لنمارس النقد لسنا بحاجة لأن نكون فلاسفة أو أدباء أو نقاداً على أضعف الايمان، لنمارس النقد نحتاج لأن نكون مسئولين، لأن نحمل هماً أكبر، لأن نحمل وعياً يكفي، لأن نكون على قدر طموحاتنا فاعلين مؤثرين نملك نفوذا يتوافق مع ما نرفع من شعارات ومع ما نحمل من هموم حياتية.

أن ننتقد عملاً ما يعني أن نحمل عيوناً ثاقبة تتجاوز السطح لتغوص في الأعماق، يعني أن نذهب الى ما وراء الشكل والمضمون، يعني أن ندخل الى وعي مرسل أية رسالة نتلقاها، مكتوبة كانت ام مسموعة ام كما هو الحال على هذه الصفحة مرئية، ان ننتقد يعني ان نعبر عن وجهات نظرنا في ما هو جيد وما هو عكس ذلك، أن نكون قوة ضاغطة ذات نفوذ قد لا نعي أهميته اليوم، أن أنتقدك يعني ان أساهم في رصيدك الشعبي أو على العكس من ذلك أن أقضي على وجودك وان تم ذلك ببطء قد لا تشعره القلوب العمياء.

إن ننتقد يعني أن نرفض التلاعب بعقولنا ومصائرنا ومستقبل أجيالنا، أن ننتقد يعني أن نكتب، أن نسمع ونرى ونشاهد ثم نعلق.

وإن اكتب هنا اليوم فلأني على ثقة بإن هناك من ينتظر كتابتي، وان هناك من يؤمن بما أكتب، ويعتنق الرسالة ذاتها التي أحمل، ويعيش الهم الذي أعيش، ولذلك فأنا أدعو كل هؤلاء لأن يعبروا عن مشاركتهم اياي الهم الذي أعيش وان يتواصلوا معي عبر الايميل المدون ادناه لتتلاقح أفكارنا، ولنتشارك في طرح ما لدينا من رؤى بشأن كل ما يعرض علينا على الشاشات بمختلف اشكالها وانواعها واحجامها.

نعم اطلب منكم الكتابة اليّ والتعبير عن آرائكم فيما تشاهدون كما أعبر أنا وان كنت أكثر حظاً منكم لحصولي على مساحة التنفيس التي تفردها لي الصحيفة اسبوعياً، فلنختر فيلماً مختلفاً في كل اسبوع لنكتب عنه جميعاً على ان ننشر أقوى الآراء في ما يلي من أسابيع.

لنبدأ نقاشنا الفني اليوم بواحد من أحدث الأفلام التي تعرضها شركة البحرين للسينما في دور عرضها المختلفة وهو فيلم Godsend الذي بدأ عرضه في الاسبوع الماضي. لنتحاور معاً ولنستمع جميعاً الى ما نراه في هذا الفيلم، وان كنا نعتقد انه فيلم جيد أو ردئ، ما عوامل قوته وما عوامل ضعفه، والأهم من كل ذلك ما الرسالة التي يود الفيلم نقلها، وإلى من توجه هذه الرسالة، وان كانت مناسبة لجمهورنا أم انها لا تتوافق مع كثير من معتقداتنا وقيمنا، وأخيراً ان كنا نود المزيد من هذه الأفلام ام اننا لسبب أو لآخر نرفضها ونرفع أصواتنا عالياً للمسئولين لمنع عرضها لاحقاً.

يمكنكم كتابة ما تشاؤون لكنني اطلب منكم جميعاً التجرد حال كتابة آرائكم من كل حساسيات وتحيزات، ولنبدأ معاً رحلة الدفاع عن كل ما نحمل من تراث وقيم عبر هذه الكتابات، ولنعرف العدو من الصديق من الأفكار والرؤى.

مرحباً بكم جميعاً… وفي انتظار رؤاكم وتعليقاتكم على الفيلم

العدد 747 – الأربعاء 22 سبتمبر 2004م الموافق 07 شعبان 1425هـ

 

في «باب الشمس»: فلسطين «نصر الله»… حكايا ووجوه عدة

منصورة عبدالأمير

_315x420_61237d5927e32f17aa8d38b3a9595aac4602c19c5d90f562a60f832ba94fdc2a

من قال إن لفلسطين قصة واحدة، ومن قال إن مدنها تحمل وجهاً واحداً، وان مآساتها ذات بعد واحد… ومن يا ترى يمكن أن يحكي كل الحكايات العتيقة وينثر كل أوراق الزيتون المخضبة بدماء المزارعين، من يمكنه أن ينبش جراح التاريخ ويعيد عرض صور لم تغب من ذاكرة جدران المنازل والأزقة والحواري والضياع المليء بالزيتون والبرتقال.

ثم لماذا غيب التاريخ كل تلك الصور الجميلة، ولماذا يقسو على ذكريات وتراث يبدو غائباً مضيعاً وسط آهات هذا الشعب التي لا تنتهي، وفي خضم صراعه المرير مع عدو ينشب أنيابه بوحشية لا مثيل لها في الجسد الفلسطيني الذي لا يشيخ.

لكن اتراها تشيخ الهموم وتعجز، أتراها تكبر المأساة وتهرم، أما انها تظل شابة متوقدة تملأها الحياة، والحياة هذه المرة تنزفها دماً وتملأها جراحاً لا تداويها السنون.

ما عرفناها فلسطين تراثاً، ما ألفناها أراض خضراء، ففلسطين تعني الدم والقتل والنزف الذي لا يتوقف، واليوم وبعد ما 56 عاماً يأتي يسري نصر الله ليحاصرنا بصور تعبث في الذاكرة وتعيث فيها ألماً، أتراه نصر الله يعني ما يفعله حين يعرض المأساة يوماً بيوم ساعة بساعة، حين يواجهنا باتهامات ما عاد الهروب منها ممكناً ولا عاد طيها في صفحات التاريخ مقبولاً. نعم يعرضها نصر الله في فيلمه «باب الشمس» من خلال قصة شاب وفتاة، وان كانت البداية صبي وصبية، وهي قصة نعيشها حتى آخر المطاف، لنكتشف من خلالها واقع المعاناة وحقيقة الزيف العربي والتآمر المشترك الذي تنتكس الرؤوس له خجلاً وان كانت أجيال سابقة قد اقترفته.

الحكاية تبدأ منذ بدايات الأربعينات ومنذ عز فلسطين الذي ولى ولعله يعود قريباً، بطلها يونس وبطلتها ناهيلا، صغيران يجدان أنفسهما أمام معترك الحياة، وذلك حين يقرر الشيخ أبو يونس تزويج فتاه الصغير الذي تتبدى عليه أول ملامح الرجولة والشباب، لطفلة لم تتضح معالم أنوثتها بعد، إذ يقع اختيار الشيخ على واحدة من الأسر الصغيرة لأرملة وبناتها الثلاث، وبالأحرى صغراهن التي ماتزال طفلة قد لا تتجاوز عامها الحادي عشر. هكذا تبدأ الحكاية بتفاصيل بسيطة عادية سرعان ما تسطو عليها السياسة لنجد أنفسنا أمام ملحمة يخط سطورها فتى وفتاة يكبران مع كبر المأساة، وتنضج سنواتهما بنضوج ثمرة التآمر الانجليزي ضد الأرض وأبنائها.

حكاية ناهيلا ويونس ليست سوى واحدة من عشرات الحكايات (وان كانت هي الأساس) التي ينثرها نصر الله أمامنا في فيلمه الرائع (باب الشمس) الذي يبدأ عرضه قريباً في سينما الدانة، والفيلم انتاج فرنسي وهو مأخوذ من رواية الكاتب اللبناني الياس الخوري التي تحمل الاسم نفسه والتي تعبر كما يتضح من الفيلم عن نظرة الكاتب الخاصة لكل ما جرى منذ نهاية الاربعينات حتى اليوم، وهي النظرة التي يشاركه اياها نصر الله وينقلها عبر فيلمه المميز هذا الذي تطول ساعاته حتى الخمس.

الفيلم يستحق المشاهدة ويعرض على جزءين طول كل منهما يصل الى حوالي الساعتين والنصف، وهو من تمثيل ريم تركي، ندى عمران، هيام عباس، محتسب عارف، وآخرون

العدد 740 – الأربعاء 15 سبتمبر 2004م الموافق 30 رجب 1425هـ

كاتبة «قوس قزحية»!

منصورة عبدالأمير

ها هي «الوسط» تكمل عامها الثاني، وها هي شاشتنا الملونة تكمل مسيرة بدأتها مع تلك البدايات، وها نحن نواصل الترصد لكل ما هو ذو قيمة على الشاشات صغيرها وكبيرها. شاشتنا «القوس قزحية» (كما أطلق عليها جعفر الجمري قبل العام) تميزت بالكثير بدليل ما جاء في شهادات صدرت بحقها، لعل أهمها ما جاء عبر رسائل لانزال نعتز بها ونحمل منها نسخاً في الذاكرة الملموسة وغير الملموسة، كتلك التي وصلت من القاص المبدع أمين صالح ومن الشاعر البحريني الكبير قاسم حداد، والتي لاتزال تزين مكتبي وتدفعني للمضي قدماً والإمعان في ارتكاب الكتابة، غير آبهة بما يقفز هنا وهناك من وسط سطور يبدو بعضها أحمق ساذجاً ويبدو البعض متحاملاً أو غافلاً متغافلاً عن أهمية ما اقترفه بمعدل اسبوعي على هذه الصفحة وهو ما يعبر عن واقع واضح كوضوح الشمس قد تعمى عنه القلوب، لكن العيون لا تخطئ أثره.

وعودة الى الجمري، فإننا لا نزال على هذه الصفحة «نترصد شحذ حواسنا لنخرج برؤى نعلن بها اننا لسنا من مواطني الهامش وشعوب الفرجة»، واننا لسنا بسذاجة ما قد يتصوره صانعو الأيديولوجيات ومصدروها.

عامان مرا، عشنا خلالهما ساعات جميلة وأخرى قاتمة، طالعتنا صورة مشرقة وأخرى كالحة في السواد، همنا بها حباً أو كرهناها، استفزتنا أو لم تحرك فينا ساكناً، لكننا على أية حال حرصنا على نقل كل انفعالاتنا وتفاعلاتنا معها.

لم يكن الأمر سهلاً وما كان الطريق معبداً، بوجود من يرى في هذا العالم مساحة للخروج عن ملة القوم، هؤلاء نادوا بلا لتمرين عضلات أعيننا في جميع الاتجاهات ودعوا ولايزالون كذلك الى اللا لادارة الرؤوس للخلف او حتى لليمين أو اليسار، واللا لفتح الأعين وغسلها من القذى، واللا لتمرين عضلات اللسان وصقلها.

لا يمكن الكتابة هنا، بل هي منقصة ووزر لا يجوز اقترافه، والحديث بجرأة على هذه الصفحة هو من المحرمات ومن النواقص في حق هذا أو ذاك وهو بالنسبة إلى الكثيرين مدعاة لاستعراض نسب هذا الكاتب أو ذاك، واتهامه بما لا يليق إما بالتلميح والإشارة أو الإعلان صراحة عما تجول به النفوس!!

وأعود لأستعير كلمات جعفر الجمري لأقول: «ان سكينة ما تستوطنني وتكاد تلقي بالمتزمتين ممن يناصبون عداء اللون والرؤية، الى الرمادي من الوقت والمعنى».

لم أكتب ما يشين وما يستحق الاشارة الى نسبي وأصلي وكل ما يمت لي بصلة وتذكيري بذلك بين الفينة والأخرى، لم أنس كل ذلك ومازلت أحمل احتراما كبيراً وحباً لا تصفه الكلمات لمن أعطاني الاسم واللقب، ولمن أورثني الاصرار على نقل الرسالة وحملها. كتبت ما اعتقده من منطلق مسئولية تجاه هذه الأمة التي لم تعد تميز ما يقدم لها ما دام يعرض بالألوان التي تعمي القلوب قبل أن تعمي الأبصار. مازلت لا أرى ضيراً في الكتابة ومازلت شادة الرحال مواصلة المسير ومازلت هنا أحدق عبر هذه الشاشة القوس قزحية كل أحد وأربعاء، ومازلت أدعو الى فتح الأعين واسعة وكسر أقفال الأفواه لتحرير ألسنتها. مازلت أنا وسأظل كذلك محررة صفحة السينما..

العدد 733 – الأربعاء 08 سبتمبر 2004م الموافق 23 رجب 1425هـ

في آخر أعماله «طفولة أخرى» جناحي يميط اللثام عن واقع آخر للطفولة

الوسط – منصورة عبدالأمير 

maxresdefault.jpg

يقول أحد علماء الرياضيات إن الصُّدف في واقع الأمر لا تحدث صدفة، وإنها ليست سوى نتائج لترتيبات وحسابات قد تكون من صنع البشر، أو إنها في غالبية الأحيان تأتي بارادة أكبر من إرادتنا، وهو يحاول أن يثبت ذلك الأمر بطريقة رياضية لم أتمكن من فهمها لكنني على أية حال آمنت بكلامه، بل وامتثلته ليلة أمس لحظة إعادتي كتابة هذا المقال الذي كنت أدخلت نسخة سابقة منه لتنشر صباح هذا اليوم لكن ما حدث أجبرني على كتابة مقال آخر.

فما حدث، لم يكن يمسني أنا وحسب، بل انني واثقة بأن جميع قرائي تألموا كما تألمت في اليومين الماضيين، وأعلم تماماً ان الكثيرين مروا بما مررت به من حال انفعال وحزن بالغين لسماع أنباء مذبحة اوسيتيا التي راح ضحيتها مئات الأطفال.

أما ما علاقة كل ذلك بالصدفة، فالأمر يتصل بدعوة تلقيتها قبل أيام لحضور عرض لفيلم تلفزيوني جديد بنادي البحرين للسينما جاء تحت عنوان: «طفولة أخرى»، وحقيقة بدا لي الأمر صدفة في بداياته أن يتزامن عرض هذا الفيلم الذي يتناول جانباً من جوانب معاناة الأطفال، مع جريمة اوسيتيا ضد الطفولة والبراءة، لكن والحال كذلك فان ايماني بأنه لا وجود للصدفة يدفعني إلى الاعتقاد بأن هذا التزامن ليس سوى رسالة لعلها إلهية تنذر هذا المجتمع أو ذاك بالهوة السحيقة التي يوشك أن يقع فيها ان هو تساهل بحقوق الأطفال وتغافل عن أي انتهاكات تطولهم.

هي ليست صدفة لأن المأساة عالمية، والمعاناة شاملة لا تقتصر على أطفال دون سواهم… نعم، شتان بين الحالين (أوسيتيا وطفولة أخرى) لكن النتيجة واحدة، براءة تقتل، وابتسامات طاهرة توأد، وقلوب غضة تخنق فيها الفرحة، وعيون عذبة تطفأ منها أنوار الحياة.

هو سيل جارف من المشاعر غمرني لليال كثيرة، ما عدت أجد سبيلاً لضبط مجراه أطلقته صور ومشاهد اخترقت أعماق قلبي ولفتت انتباهي إلى واقع نعيشه لكننا ننساه أو نتناساه، جاءت ضمن عمل درامي قدمه المخرج البحريني محمد جناحي تحت عنوان: «طفولة أخرى»، عمل لم يتعمد مخرجه ترك مشاهده في حال من الانفعال التي أمر بها، إذ إنه يقدم من خلاله صورة من واقع مجتمعنا البحريني نشهد بعض حالاتها هنا وهناك، لكن يبدو كأن تأثيرها حين تجمع وتقدم على شاشة واحدة يصبح أشد ألماً وأوقع أثراً على النفس، أتراها الكاميرا التي تستكشف أدق تفاصيل المعاناة وتعري كل الآلام التي يحاول اصحابها اخفاءها، ام انها روعة الأداء والإخراج، ام انه ما تلا ذلك من أخبار فجيعة أوسيتيا بأطفالها؟!

قد يكون هذا أو ذاك لكن الفيلم على أية حال يترك مشاهده في مواجهة مع الضمير، ويحمّله مسئولية كبرى ما عاد يمكن ادارة الرؤوس عنها تجاهلاً وإهمالاً.

فيلم جناحي الذي كتب قصته راشد الجودر يتحدث عن حسين (زياد خليفة) الصبي الصغير الذي لا تبدو لآلامه حدود، إذ فقد هذا الفتى والدته وجدته، وهما على ما يبدو مصدر الحنان الوحيد في حياته، ورحلتا لتتركاه بين أنياب والد سكير (إبراهيم خلفان) لا تعرف الرحمة طريقاً إلى قلبه، يعيش على راتب تقاعده الذي يبدو كأنه لا يسمن ولا يغني من جوع لأسباب لعل أهمها ان الوالد يفضل قضاء لياليه ثملاً مع زجاجاته، تاركاً صغيره يصارع الحياة وحيداً، محروماً من أبسط الاحتياجات البشرية مجبراً على أن يعمل «شيال» في سوق الخضراوات، يستعطف المتسوقين لحمل أشيائهم منتظراً ما تجود به نفوسهم عليه، ولأنه صغير السن فإنه يجد صعوبة في التكيف مع ظروف هذا العمل التي يأتي على رأسها «الشيالين» الأكبر منه سناً الذين يرفضون منافسته اياهم.

ولا يكتفي الأب بذلك بل إنه يمعن في إيذاء هذا الابن والقسوة عليه وحرمانه حين يرفض عرضاً يتلقاه من أحمد (يوسف بوهلول) الذي تجمعه الأقدار مع حسين، لتحرك في نفسه ونفس زوجته نوال (فضيلة المبشر) مشاعر طالما حلموا بها منذ بدايات زواجهما، لكن الارادة الالهية لم تشأ ذلك. يعرض الزوجان أن يعيش معهما حسين، وأن يكفيا والده مؤونة حمله، لكن الوالد يرفض وبشدة ويهدد بأخذهما إلى الشرطة ان لم يعيدا إليه ابنه، فيغلق بذلك باباً من أبواب السعادة في وجه هذا الصبي البائس، الذي يبدو وكأن مشواره مع التعاسة لا نهاية له.

يلتقي حسين بعد ذلك بكلب ضال (نعرف فيما بعد ان اسمه جوني) وتنشأ بين الاثنين صداقة ومحبة منذ اللحظات الأولى، ويبدو أن الكلب يظهر في حياة الصبي ليكون ملاكه الحارس الذي يحميه من كثير من شرور الطريق وأبنائه.

وفي الاثناء يبدو أن للكلب من يطالب به، فصاحبه سمير (مصطفى رشيد) يكاد يفقد عقله بحثاً عن كلبه المدلل (جوني)، ويسارع لوضع إعلان في الصحف يعلن فيه مكافأة نقدية لمن يساعد في العثور عليه. وسمير هو شاب مترف في الغنج والدلال، وهو أحد المثليين الذين أصبح وجودهم تقليعة جديدة يدلل بها البعض على ما يقتنعون به من أفكار غربية هي في نظرهم قمة التمدن ورمز الحياة الراقية.

إعلان سمير يقوده إلى حسين ووالده لاسترجاع جوني، لكن يبدو أن العملية ليست بالسهولة التي تصورها سمير ووالد حسين، فجوني ارتبط مع حسين بعلاقة محبة وود، ولا يمكن للاثنين أن ينفصلا، بل وتفشل جميع محاولات سمير في إرجاع جوني الذي يفضل حب وبراءة حسين على عز ودلال سمير.

تتعقد الأمور لنجد أنفسنا أمام مشهد من أجمل مشاهد الفيلم وأقواها تأثيراً بل وربما يمكنني إرجاع سبب ثورتي العاطفية إليه وهو المشهد الأخير الذي نرى فيه سمير الذي تعب من ملاحقة جوني، يعقد صفقة مع والد حسين ينتقل الفتى بموجبها إلى منزل سمير كمرافق يسلي الكلب، في مقابل مبلغ من المال لم يتجاوز بعد الأخذ والرد خمسة وخمسين ديناراً تسلم بيد الوالد في نهاية كل شهر. وتتم الصفقة فيبيع الأب ابنه لسمير (المثلي ذي العلاقات الشائنة) ليقتل بصفقته تلك آخر ذرة من ذرات الانسانية في نفسه وليقطع آخر صلة له بعالم الآباء، وليوجه إلى فتاه طعنة تتكفل بقتل ما تبقى في نفس هذا الصغير من أية رغبة في الحياة.

ينتهي الفيلم ليتركنا بمرارة لا تطيب منها النفس وخصوصاً مع تكرار الألم بسماع مزيد من الجرائم ضد الطفولة هنا وهناك، وتؤكدها صور واقعية نشهدها حيثما ندير رؤوسنا، فهذا الأب القاسي الذي يملأ الجشع نفسه ليس بشخصية تعيش في خيال كاتب القصة راشد الجودر بل انها تعيش بيننا، تختلف صورها وأشكالها، لكنها موجودة على أية حال، نعرفها جميعاً ونشاهد جرائمها بأم أعيننا من دون أن نحرك ساكناً أو نرفع ظلماً عن أحباب الله.

هذه القصة المؤثرة ما كانت لتكون كذلك لولا قوة عرض المخرج محمد جناحي، فجناحي نجح أولاً في اختيار ممثليه، كما انه استطاع تقديم القصة بعيداً عن أية مبالغات أو توريطات عاطفية، تسيل دمع المشاهد وتحرق فؤاده من دون ان تعمل منطق العقل وميزانه. أحسن جناحي في ذلك فلسنا بحاجة إلى الدموع هنا، بل نحن في أمس الحاجة إلى أن تستحث هممنا، وذلك تماماً هو ما حدث، فنحن لم نبك حين تألمنا، لم تنزل دموعنا حزناً على حسين، لكننا خرجنا بألم لانزال نستشعره بين الضلوع، أوليس ذلك ما يستحث الهمم، أقصد آلام القلب وهمومه، لا دموع العين ونشيجها التي يزول أثرها بزوال السبب.

الممثلون ايضاً كان لهم دور كبير في إنجاح العمل، وعلى رأس هؤلاء يأتي مصطفى رشيد الذي أضفى بدوره الكوميدي الساخر نكهة مميزة على الفيلم، ورشيد غني عن التعريف بإمكاناته الأدائية الرائعة وقدراته على تقمص جميع الشخصيات وإتقانها مهما بلغت صعوبتها. هذه المرة يستحق رشيد تحية تقدير لجرأته في تقديم هذا الدور وقدرته على تأديته بصدقية عجيبة، نعم رشيد ظهر في شخصية شاب من المثليين، وقدم أداء لا يمكن انتقاد أي تفصيل من تفاصيله، ظهر في صورة متكاملة أداء وشكلاً ولغةً، لا أعرف فعلاً إلى من نرجع الفضل في هذا النجاح، رشيد، المخرج، الفنيين العاملين جميعاً بمن في ذلك فنيو المكياج ومصممو الأزياء والملابس.

يتميز في هذا العمل أيضاً ابراهيم خلفان في أدائه دور الأب السكير القاسي، الذي يملأ الطمع نفسه ويعمي عينيه لنراه يفرّط في فلذة كبده من أجل حفنة من الدنانير، ومثل رشيد تماماً فإن خلفان يظهر في صورة متكاملة، أداء ومظهراً، ومرة اخرى الشكر لطاقم العمل جميعاً.

جميع طاقم العمل الآخرين كانوا رائعين، نذكر منهم فضيلة المبشر في دور الزوجة التي تتوق إلى الحصول على ابن، والتي تلجأ إلى حسين لاشباع عاطفة الأمومة لديها، ولا ننسى زياد خليفة في دور حسين، فهذا الصغير الذي لا أظنه يتجاوز عامه الرابع عشر يبهرنا بأداء رائع في أول ظهور له على الشاشة، هذا عدا عن ملامح وجهه البريئة التي ساهمت بشكل كبير في إحداث الأثر المطلوب لدى المشاهد.

العمل ككل جيد ويستحق المشاهدة على رغم بعض النواقص التي لم تؤثر في رأيي على جودة الفيلم، ولا أظن ذلك بذي أهمية كبيرة إن قسناه برسالة الفيلم وبالأثر الذي يحدثه في نفوس مشاهديه.

طفولة أخرى

تأليف: راشد الجودر

إخراج: محمد جناحي

بطولة: إبراهيم خلفان، يوسف بوهلول، مصطفى رشيد، فضيلة المبشر، وزياد زيمان

العدد 730 – الأحد 05 سبتمبر 2004م الموافق 20 رجب 1425هـ

 

في فيلم Catwoman القطط المصرية تدعو النساء إلى التحرر من كل القيود

منصورة عبدالأمير 

large_oAVEECLiXA1PvQU7thuppOFbJHd

لا أعرف من أين أتت جداتنا بكل تلك القصص المثيرة عن القطط ودهائها، ولا أدري لماذا كان هذا الكائن اللطيف رمزاً للشر، ولماذا يتهم دوماً من قبل الجدات بتلبس شياطين الجن فيه، لكنني أعرف، وبحسب هذه القصص، إن القطة السوداء ليست سوى مارد من الجن، وإنها حين تنظر شزرا فإنها في الواقع توجه لك تهديدات خطيرة، وعليك كل ما عليك حينها أن تحكم قبضة قدميك على نعلك وتجري راكضاً، والنعل طبعاً كان هو «الزنوبة» الشهير.

أذكرها تلك الأيام وأذكر القطط السوداء الشريرة، والبيضاء الخالصة البياض التي يجب الحذر كل الحذر منها فهي إناث الجنيات، أما القطط ذات العيون المختلفة الألوان فهي قطعاً أحد زعماء الجن، وحذار حذار أن يختلي بك أحدهم في «زرنوق» أو أمام إحدى «السمادات»، لأنك حينها ستتمنى لو لم تلدك أمك مما تراه من رعب وفزع هائلين.

لا أدري حقاً سر هذه الخرافات، لكن على ما يبدو فجداتنا لسن الوحيدات المتهمات في هذه الجناية الكبرى بل إن سائر الشعوب لديها من الخرافات ما يشيب له الرأس بشأن هذا الكائن الجميل اللطيف الساحر بنظراته «الدلوعة».

ترغبون في سماع المزيد من الترهات القططية؟، إذاً عليكم مشاهدة فيلم Catwoman الذي بدأ عرضه صباح هذا اليوم في دور العرض التابعة لشركة البحرين للسينما. هذا الفيلم القططي يتحدث عن القوة العظمى للقطط، ويخص بحديثه القطط السيامية ذات الأصول المصرية، وهي القطط التي يرجع الفيلم أصولها لقطط المعابد الفرعونية، ولا أدري من أين أتت هذه المعلومة، أمن كتب التاريخ الفرعوني أم من مخيلة كتّاب النص؟ تقول الأسطورة ذات المصدر المجهول أن هذه القطط كانت تحرس المعابد وكانت تتمتع بقوة هائلة وبقدرات خارقة وإن الأجيال اللاحقة من هذه السلالة تتوارث هذه القدرات والطاقات، وإن قطة من هذه القطط العجيبة هي ما أنتجت هذه القصة التي لا أجد لها وصفاً آخر سوى أنها مغرقة في الخيال حتى الثمالة.

القصة باختصار تدور عن القدرات الهائلة لهذه القطط والشبه الكبير بينها وبين الـ … نساء! نعم النساء في كل زمان ومكان، أي أنا وأنت، وهي وهن، وجميع بنات حواء، ويتم إيصال هذه الفكرة من خلال قصة بايشنس فيليبس (هالي بيري) مصممة الإعلانات في إحدى الشركات التي تقوم بتصنيع مستحضرات التجميل، وهي فتاة «مستضعفة» إن شاء لنا تسميتها كذلك، تبذل قصارى جهدها في العمل لكنها في نهاية المطاف تتلقى الإهانات من مدير المؤسسة جورج هداير (لامبرت ويلسون) بين الحين والآخر لتقديمها تصاميم إعلانية لا ترضي ذوقه ولا تتناسب مع طموحات شركته، ولأنها ترتدي ملابس رثة، ولأنها ولأنها، ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد بل أن حظها السيئ يأخذها في إحدى المرات الى الشركة ليتسرب إلى مسامعها سر خطير بخصوص المنتج الجديد للشركة، إذ تعرف فيليبس ان المستحضر الجديد مصمم بطريق تجعل أمر التوقف عن استخدامه مستحيل ويصبح الأمر شبيه بالإدمان، فالمنتج يعطي الحسناوات بشرة خالية من التجاعيد، متجددة الشباب، لكنهن ما ان يتوقفن عن استخدامه حتى تصاب بشراتهن بتشوهات وتشققات وحروق تبقى شاهدة على خطورة المستحضر. هذا السر الخطير كان من الممكن ان يقضي على مستقبل الشركة لكنه بدلاً من ذلك يضع نهاية لحياة فيليبس. لكن مهلاً، لا يمكن ان تنتهي حياة بطل الفيلم أو بطلته بعد 5 دقائق من بداية العرض، كيف يمكن التصرف إذاً، حسناً الآن جاء دور قطط المعابد المصرية، ونحن هنا نتحدث عن واحدة منها وهي القطة ميدنايت، التي تظهر في حياة فيليبس قبل موتها، وتختبرها فتنجح في الاختبار، ولذلك تقرر ان تهبها حياة أخرى، ولأنها قطة ذات قدرات غير محدودة (فراعنة، مش أي كلام!) فإنها تصل إلى حيث جثة فيليبس وتنفخ فيها الروح من جديد!

هكذا تعود الفتاة الضعيفة الفوضوية ذات الملابس الرثة، لنجد أنفسنا أمام امرأة أخرى بارعة الجمال، ساحرة المظهر، وذات قدرات جسدية شبيهة بتلك التي تملكها سواها من قطط المعابد المصرية، إذ نراها تقفز كالقطط وتنام على الرفوف وتحت السرير، وتلتهم علب التونة ووجبة السوشي بشهية قطة جائعة، وتقرر طبعاً أن تنتقم ممن قتلها، فنراها وهي تتحول من فتاة في النهار إلى المرأة القطة في المساء، لتتسلق الجدران وتكشف الفساد، وتحارب الأشرار، بقفزاتها الرقمية البارعة، وبدلتها الجلدية المكشوفة «على الآخر».

تواجه الكثير من المتاعب وتبدو وكأنها في حيرة بين عالمي الخير والشر، فقد ترتكب بعض الحماقات لكنها تسارع بالاعتذار في اليوم التالي، وأخيراً تجد نفسها خلف القضبان لجريمتي قتل لا علاقة لها بهما بل وتعرف جيداً من ارتكبهما، لكنها لا تستطيع اثبات ذلك وجميع الأدلة «الواهية» تتجمع ضدها.

طبعاً ينتهي الفيلم بعد مئة دقيقة من بدئه بتحرير المرأة القطة من سجنها واكتشاف الجناة الحقيقيين وكشف السر الخطير للمؤسسة وزوال الشر بموت صاحب الشركة وزوجته لوريل هداير (شارون ستون).

تنتهي القصة وتتركنا بخيبة أمل وإحباط كبيرين بسبب ضحالة نصها وغباء كتابه، فالفيلم لا يوضح لنا مثلاً ما تعانيه بايشنس وهي نصف امرأة ونصف قطة، لا نعرف عنها سوى أنها سريعة الحركة، شديدة اللياقة، أما ما تعانيه وكيف تشعر تجاه المحقق الذي كان تعرف عليها قبل موتها ووقع في حبها منذ «الانقاذ الأول»، فلا نعرف عنه شيئاً، هل يمكن أن تنفصل القطة عن الأنثى في داخلها في حين إن الشخصيات تتداخل ظاهرياً فتؤثر على حركات جسدها، وعلى ميولها للطعام، بل وعلى علاقتها ببعض الحيوانات الأخرى، نشعر فعلاً بحيرة أمام هذه المرأة فهي قطة في جسد امرأة، أم امرأة بنزعات قططية؟!

كذلك لم يوفق كتاب النص في طرح الأدلة التي تتجمع ضد فيليبس، ولا نعرف ان كان الآخرون يحبون هذه المرأة أم لا، هل هي شريرة، أم تحارب الشر، أم هي الاثنان معاً، ولماذا يجب أن تكون كذلك، ألكونها امرأة، أم بسبب القطة التي تسكنها؟ وكل ذلك قد يمر بسلام حتى نأتي للتحقيقات الواهية التي تلصق تهمة قتل مدير الشركة بفيليبس، بسبب الخدوش القططية التي يمتلئ بها جسده، لكن ألا توجد اختبارات طبية، ألا توجد فحوص تثبت ان كانت هذه الخدوش بفعل قطتنا الحسناء، أم أن ذكاء المحققين وتطورات اختباراتهم تظهر فقط في مطابقة آثار شفاه فيليبس على كأس من منزلها، مع تلك الموجودة على وجه المحقق!

كثيرة هي النواقص النصية لكن ما عمل على اخفائها وسترها كان قدرة المخرج الفرنسي بيتوف على عمل وتركيب اللقطات التي تظهر رشاقة بيري، وبراعة ستون القتالية، طبعاً اللقطات جميعها معمولة بتقنية رقمية حديثة جداً برع فيها المخرج، لكن على رغم جودتها إلا أن عدم قدرتنا على رؤية وجه بيري في معظمها شكل اخفاقاً كبيراً وأضعف من تأثيرها على المشاهد. كذلك اساء المخرج لبيري حين أغفل قدراتها الأدائية الرائعة وركز على اظهار مفاتنها الجسدية، إذ لم يكن هناك داع لأن ترتدي هذه القطة ملابس جلدية تكشف مفاتنها كما ظهر في الفيلم.

من ناحية الأداء تبدو بيري رشيقة بشكل كبير وتتمتع بلياقة بدنية تحسد عليها، وأجادت تقديم دور الموظفة الضعيفة المهملة، وكذلك دور القطة الشرسة، أم شارون ستون فكانت «رخامية» بشكل لا يوصف، رخامية البشرة بحسب ما تكرره في بعض المشاهد بسبب منتجات شركتها، ورخامية الأداء البارد القاتل، ورخامية الجسد فهي قوية للغاية بارعة القتال، لسبب غير معروف، وتبدو وكأنها الوحيدة التي لا يمكن أن تهزمها بيري ببساطة، عموماً ربما كان هذا من باب إن النساء يجدن التعامل مع بعضهن!

باقي الممثلين بدوا كشخصيات أحد أفلام الرعب، وخصوصاً لامبرت ويلسون الذي أدى دور مدير الشركة جورج هداير المغرور والمتعالي بشكل لا يوصف، لا أعرف لماذا بدا لي وجهه شبيهاً بوجه ممثلي أفلام الرعب إلى حد كبير!

الفيلم عموماً ليس سيئاً، ولعل أهم فكرة أراد المخرج وكتّابها إيصالها كانت موجهة للنساء، إذ إن المرأة بحسب هذا الفيلم يجب أن تكون كالقطة، مطيعة لكن عدوانية، وناعمة لكن شرسة، عليها ألا تخضع لأحد وأن تتحدى كل القوانين وأن تستمع لرغباتها أولاً وأخيراً، عليها أن تكون حرة، لأن الحرية قوة. لا أعرف أية حرية يقصد بها هنا، لا إشارة من أية نوع لهذه الحرية، حرية الجسد، أم حرية الروح؟ لم يكن الأمر واضحاً.

الفيلم كما ذكرت ليس سيئاً لكن إذا كنت شاهدت الجزء الثاني من سبايدر مان، فلا تتوقع أمراً مشابهاً في هذا الفيلم!

Catwoman (2004)

فيلم حركة، مغامرات، جرائم، عصابات ومدة العرض: ساعة وخمس وأربعون دقيقة. وهو من تمثيل: هالي بيري، شارون ستون، بينجامين برات، لامبرت ويلسون، اليكس بورستين ومن إخراج: جان كريستوف كومار (بيتوف)

العدد 726 – الأربعاء 01 سبتمبر 2004م الموافق 16 رجب 1425هـ