في آخر أعماله «طفولة أخرى» جناحي يميط اللثام عن واقع آخر للطفولة

الوسط – منصورة عبدالأمير 

maxresdefault.jpg

يقول أحد علماء الرياضيات إن الصُّدف في واقع الأمر لا تحدث صدفة، وإنها ليست سوى نتائج لترتيبات وحسابات قد تكون من صنع البشر، أو إنها في غالبية الأحيان تأتي بارادة أكبر من إرادتنا، وهو يحاول أن يثبت ذلك الأمر بطريقة رياضية لم أتمكن من فهمها لكنني على أية حال آمنت بكلامه، بل وامتثلته ليلة أمس لحظة إعادتي كتابة هذا المقال الذي كنت أدخلت نسخة سابقة منه لتنشر صباح هذا اليوم لكن ما حدث أجبرني على كتابة مقال آخر.

فما حدث، لم يكن يمسني أنا وحسب، بل انني واثقة بأن جميع قرائي تألموا كما تألمت في اليومين الماضيين، وأعلم تماماً ان الكثيرين مروا بما مررت به من حال انفعال وحزن بالغين لسماع أنباء مذبحة اوسيتيا التي راح ضحيتها مئات الأطفال.

أما ما علاقة كل ذلك بالصدفة، فالأمر يتصل بدعوة تلقيتها قبل أيام لحضور عرض لفيلم تلفزيوني جديد بنادي البحرين للسينما جاء تحت عنوان: «طفولة أخرى»، وحقيقة بدا لي الأمر صدفة في بداياته أن يتزامن عرض هذا الفيلم الذي يتناول جانباً من جوانب معاناة الأطفال، مع جريمة اوسيتيا ضد الطفولة والبراءة، لكن والحال كذلك فان ايماني بأنه لا وجود للصدفة يدفعني إلى الاعتقاد بأن هذا التزامن ليس سوى رسالة لعلها إلهية تنذر هذا المجتمع أو ذاك بالهوة السحيقة التي يوشك أن يقع فيها ان هو تساهل بحقوق الأطفال وتغافل عن أي انتهاكات تطولهم.

هي ليست صدفة لأن المأساة عالمية، والمعاناة شاملة لا تقتصر على أطفال دون سواهم… نعم، شتان بين الحالين (أوسيتيا وطفولة أخرى) لكن النتيجة واحدة، براءة تقتل، وابتسامات طاهرة توأد، وقلوب غضة تخنق فيها الفرحة، وعيون عذبة تطفأ منها أنوار الحياة.

هو سيل جارف من المشاعر غمرني لليال كثيرة، ما عدت أجد سبيلاً لضبط مجراه أطلقته صور ومشاهد اخترقت أعماق قلبي ولفتت انتباهي إلى واقع نعيشه لكننا ننساه أو نتناساه، جاءت ضمن عمل درامي قدمه المخرج البحريني محمد جناحي تحت عنوان: «طفولة أخرى»، عمل لم يتعمد مخرجه ترك مشاهده في حال من الانفعال التي أمر بها، إذ إنه يقدم من خلاله صورة من واقع مجتمعنا البحريني نشهد بعض حالاتها هنا وهناك، لكن يبدو كأن تأثيرها حين تجمع وتقدم على شاشة واحدة يصبح أشد ألماً وأوقع أثراً على النفس، أتراها الكاميرا التي تستكشف أدق تفاصيل المعاناة وتعري كل الآلام التي يحاول اصحابها اخفاءها، ام انها روعة الأداء والإخراج، ام انه ما تلا ذلك من أخبار فجيعة أوسيتيا بأطفالها؟!

قد يكون هذا أو ذاك لكن الفيلم على أية حال يترك مشاهده في مواجهة مع الضمير، ويحمّله مسئولية كبرى ما عاد يمكن ادارة الرؤوس عنها تجاهلاً وإهمالاً.

فيلم جناحي الذي كتب قصته راشد الجودر يتحدث عن حسين (زياد خليفة) الصبي الصغير الذي لا تبدو لآلامه حدود، إذ فقد هذا الفتى والدته وجدته، وهما على ما يبدو مصدر الحنان الوحيد في حياته، ورحلتا لتتركاه بين أنياب والد سكير (إبراهيم خلفان) لا تعرف الرحمة طريقاً إلى قلبه، يعيش على راتب تقاعده الذي يبدو كأنه لا يسمن ولا يغني من جوع لأسباب لعل أهمها ان الوالد يفضل قضاء لياليه ثملاً مع زجاجاته، تاركاً صغيره يصارع الحياة وحيداً، محروماً من أبسط الاحتياجات البشرية مجبراً على أن يعمل «شيال» في سوق الخضراوات، يستعطف المتسوقين لحمل أشيائهم منتظراً ما تجود به نفوسهم عليه، ولأنه صغير السن فإنه يجد صعوبة في التكيف مع ظروف هذا العمل التي يأتي على رأسها «الشيالين» الأكبر منه سناً الذين يرفضون منافسته اياهم.

ولا يكتفي الأب بذلك بل إنه يمعن في إيذاء هذا الابن والقسوة عليه وحرمانه حين يرفض عرضاً يتلقاه من أحمد (يوسف بوهلول) الذي تجمعه الأقدار مع حسين، لتحرك في نفسه ونفس زوجته نوال (فضيلة المبشر) مشاعر طالما حلموا بها منذ بدايات زواجهما، لكن الارادة الالهية لم تشأ ذلك. يعرض الزوجان أن يعيش معهما حسين، وأن يكفيا والده مؤونة حمله، لكن الوالد يرفض وبشدة ويهدد بأخذهما إلى الشرطة ان لم يعيدا إليه ابنه، فيغلق بذلك باباً من أبواب السعادة في وجه هذا الصبي البائس، الذي يبدو وكأن مشواره مع التعاسة لا نهاية له.

يلتقي حسين بعد ذلك بكلب ضال (نعرف فيما بعد ان اسمه جوني) وتنشأ بين الاثنين صداقة ومحبة منذ اللحظات الأولى، ويبدو أن الكلب يظهر في حياة الصبي ليكون ملاكه الحارس الذي يحميه من كثير من شرور الطريق وأبنائه.

وفي الاثناء يبدو أن للكلب من يطالب به، فصاحبه سمير (مصطفى رشيد) يكاد يفقد عقله بحثاً عن كلبه المدلل (جوني)، ويسارع لوضع إعلان في الصحف يعلن فيه مكافأة نقدية لمن يساعد في العثور عليه. وسمير هو شاب مترف في الغنج والدلال، وهو أحد المثليين الذين أصبح وجودهم تقليعة جديدة يدلل بها البعض على ما يقتنعون به من أفكار غربية هي في نظرهم قمة التمدن ورمز الحياة الراقية.

إعلان سمير يقوده إلى حسين ووالده لاسترجاع جوني، لكن يبدو أن العملية ليست بالسهولة التي تصورها سمير ووالد حسين، فجوني ارتبط مع حسين بعلاقة محبة وود، ولا يمكن للاثنين أن ينفصلا، بل وتفشل جميع محاولات سمير في إرجاع جوني الذي يفضل حب وبراءة حسين على عز ودلال سمير.

تتعقد الأمور لنجد أنفسنا أمام مشهد من أجمل مشاهد الفيلم وأقواها تأثيراً بل وربما يمكنني إرجاع سبب ثورتي العاطفية إليه وهو المشهد الأخير الذي نرى فيه سمير الذي تعب من ملاحقة جوني، يعقد صفقة مع والد حسين ينتقل الفتى بموجبها إلى منزل سمير كمرافق يسلي الكلب، في مقابل مبلغ من المال لم يتجاوز بعد الأخذ والرد خمسة وخمسين ديناراً تسلم بيد الوالد في نهاية كل شهر. وتتم الصفقة فيبيع الأب ابنه لسمير (المثلي ذي العلاقات الشائنة) ليقتل بصفقته تلك آخر ذرة من ذرات الانسانية في نفسه وليقطع آخر صلة له بعالم الآباء، وليوجه إلى فتاه طعنة تتكفل بقتل ما تبقى في نفس هذا الصغير من أية رغبة في الحياة.

ينتهي الفيلم ليتركنا بمرارة لا تطيب منها النفس وخصوصاً مع تكرار الألم بسماع مزيد من الجرائم ضد الطفولة هنا وهناك، وتؤكدها صور واقعية نشهدها حيثما ندير رؤوسنا، فهذا الأب القاسي الذي يملأ الجشع نفسه ليس بشخصية تعيش في خيال كاتب القصة راشد الجودر بل انها تعيش بيننا، تختلف صورها وأشكالها، لكنها موجودة على أية حال، نعرفها جميعاً ونشاهد جرائمها بأم أعيننا من دون أن نحرك ساكناً أو نرفع ظلماً عن أحباب الله.

هذه القصة المؤثرة ما كانت لتكون كذلك لولا قوة عرض المخرج محمد جناحي، فجناحي نجح أولاً في اختيار ممثليه، كما انه استطاع تقديم القصة بعيداً عن أية مبالغات أو توريطات عاطفية، تسيل دمع المشاهد وتحرق فؤاده من دون ان تعمل منطق العقل وميزانه. أحسن جناحي في ذلك فلسنا بحاجة إلى الدموع هنا، بل نحن في أمس الحاجة إلى أن تستحث هممنا، وذلك تماماً هو ما حدث، فنحن لم نبك حين تألمنا، لم تنزل دموعنا حزناً على حسين، لكننا خرجنا بألم لانزال نستشعره بين الضلوع، أوليس ذلك ما يستحث الهمم، أقصد آلام القلب وهمومه، لا دموع العين ونشيجها التي يزول أثرها بزوال السبب.

الممثلون ايضاً كان لهم دور كبير في إنجاح العمل، وعلى رأس هؤلاء يأتي مصطفى رشيد الذي أضفى بدوره الكوميدي الساخر نكهة مميزة على الفيلم، ورشيد غني عن التعريف بإمكاناته الأدائية الرائعة وقدراته على تقمص جميع الشخصيات وإتقانها مهما بلغت صعوبتها. هذه المرة يستحق رشيد تحية تقدير لجرأته في تقديم هذا الدور وقدرته على تأديته بصدقية عجيبة، نعم رشيد ظهر في شخصية شاب من المثليين، وقدم أداء لا يمكن انتقاد أي تفصيل من تفاصيله، ظهر في صورة متكاملة أداء وشكلاً ولغةً، لا أعرف فعلاً إلى من نرجع الفضل في هذا النجاح، رشيد، المخرج، الفنيين العاملين جميعاً بمن في ذلك فنيو المكياج ومصممو الأزياء والملابس.

يتميز في هذا العمل أيضاً ابراهيم خلفان في أدائه دور الأب السكير القاسي، الذي يملأ الطمع نفسه ويعمي عينيه لنراه يفرّط في فلذة كبده من أجل حفنة من الدنانير، ومثل رشيد تماماً فإن خلفان يظهر في صورة متكاملة، أداء ومظهراً، ومرة اخرى الشكر لطاقم العمل جميعاً.

جميع طاقم العمل الآخرين كانوا رائعين، نذكر منهم فضيلة المبشر في دور الزوجة التي تتوق إلى الحصول على ابن، والتي تلجأ إلى حسين لاشباع عاطفة الأمومة لديها، ولا ننسى زياد خليفة في دور حسين، فهذا الصغير الذي لا أظنه يتجاوز عامه الرابع عشر يبهرنا بأداء رائع في أول ظهور له على الشاشة، هذا عدا عن ملامح وجهه البريئة التي ساهمت بشكل كبير في إحداث الأثر المطلوب لدى المشاهد.

العمل ككل جيد ويستحق المشاهدة على رغم بعض النواقص التي لم تؤثر في رأيي على جودة الفيلم، ولا أظن ذلك بذي أهمية كبيرة إن قسناه برسالة الفيلم وبالأثر الذي يحدثه في نفوس مشاهديه.

طفولة أخرى

تأليف: راشد الجودر

إخراج: محمد جناحي

بطولة: إبراهيم خلفان، يوسف بوهلول، مصطفى رشيد، فضيلة المبشر، وزياد زيمان

العدد 730 – الأحد 05 سبتمبر 2004م الموافق 20 رجب 1425هـ

 

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s