سبيلبيرغ ومواطن «كراكوزي» يكشفان الوجه الآخر لأميركا

الوسط – منصورة عبدالأمير 

51MJtVC7wlL._SY300_

منذ عدة أعوام، تحديداً في العام 2001 مع عرض الجزء الأول من فيلم الأطفال الكرتوني الشهير Shrek، الذي انحنت له رؤوس كثير من النقاد، بدا لي وكأن هناك معركة خفية تخوضها الشركة المنتجة «دريم ووركس» ضد جهة ما، لكنني حقيقة لم اكن قادرة على تحديد الجهة المقابلة في هذه المعركة، ولغاية الآن وبعد مرور سنوات، وبعد تأكدي من ان تصوراتي ليست أوهاماً فيما يتعلق بهذه الحرب، وخصوصاً مع عرض الجزء الثاني من الفيلم نفسه Shrek 2، فإنني مازلت غير قادرة على تحديد خصم دريم ووركس. لربما كانت ديزني الشركة الأم، التي أُسست دريم ووركس في الأساس لمنافستها، ويكفي ان نعرف ان الرئيس الأسبق لديزني جيفري كاتزنبيرغ، هو أحد مؤسسي هذه الشركة لنتصور العلاقة بين الشركتين. مشاهدة الجزء الثاني هذا ايضاً دفعتني لأن أتصور أن الحرب تكون موجهة ضد هوليوود، الأم الحاضنة، وربما ضد ثقافة بأكملها هي الثقافة الهوليوودية أو حتى الأميركية بشكل عام.

مهما يكن من امر فقد تأكدت شكوكي أخيراً وأصبح الأمر ليس مجرد تصورات بل انني واثقة ان دريم ووركس غاضبة جداً من أحد ما «في أميركا!»، الفضل طبعاً يعود لاخر ما شاهدت من أفلام هذه الشركة وهو فيلم The Terminal الذي تبدأ شركة البحرين للسينما عرضه في دور العرض التابعة لها ابتداءاً من صباح هذا اليوم.

هذا الفيلم الذي يعتبر أحد اخر انتاجات الشركة للعام الحالي يتناول بأسلوب شيق ومثير قصة قد يكون البعض منا عاش تفاصيلها بطريقة أو بأخرى، أو لربما تابعنا تطوراتها بين الحين والآخر، والقصة التي أعني هي ما يمكن أن نطلق عليه القصة الحلم، التي تحولت الى حلم بفضل شركة الأحلام.

نعم هو عالم متكامل من الأحلام، صنعته دريم ووركس عبر مختلف أفلامها وهي الأن تحققه عبر هذا الفيلم للمشاهدين ولصاحب القصة. وصاحب القصة هو مهران كريمي ناصري، الايراني الذي احتجز في مطار تشارلز ديغول بفرنسا 10 أعوام طوال قبل أن يمنح اقامة دائمة على الاراضي الفرنسية. ناصري وصل الى فرنسا في العام 1988 بتذكرة تنتهي به في لندن، لكن من غير اي اوراق رسمية تثبت هويته، مدعياً سرقتها منه في أحد أنفاق باريس. رفضته سلطات مطار لندن واعادته على الطائرة نفسها الى باريس، والى مطار تشارلز ديغول بأم عينه، وهناك بقي حبيس جدران المطار الزجاجية لسنوات وسنوات معتمداً على كوبونات الطعام التي كان موظفوا المطار يتصدقون بها عليه، متخذا من أحد كراسي قاعة المغادرة سريراً له، حتى جاء الحكم في قضيته أخيراً في العام 1999.

لا أظن ناصري كان يعلم حين أقدم على ما أقدم عليه في العام 1988 أن معاناته تلك ستعود عليه بعد 15 عاماً بربع مليون دولار أميركي بل وتجعل قصته تتردد هنا وهناك على يد شركة دريم ووركس ذاتها.

دريم ووركس اشترت القصة وقدمتها لنا بتصرف كبير إذ تحول الايراني ناصري الى الكراكوزي فيكتور نافورسكي (توم هانكس)، نسبة الى كراكوزيا، وهي دولة يفترض ان تكون احدى دول شرق اوروبا، لكنني على اية حال لا أظن بوجودها في الواقع. يسافر فيكتور الى الولايات المتحدة رغبة منه في تحقيق وعد كان قد قطعه لوالده قبل وفاته، وتتصادف لحظة وصوله مع اعلان حدوث انقلاب في بلاده يطيح برئيسها وحكومته، وهو الأمر الذي يترتب عليه الغاء وجود دولته من الخريطة، وبحسب تعبير الفيلم يصبح فيكتور «غير مقبول» بحسب قوانين الهجرة والجوازات الأميركية، فهو رجل بلا دولة، لا يمكن قبول وجوده على الأراضي الأميركية، ولا يمكن اعادته الى دولة لا تحمل اية صفة رسمية بل ويغلق المتمردون حدودها في وجه القاصدين. هكذا يجد فيكتور نفسه في ورطة لا تستوعبها قوانين الهجرة والجوازات الاميركية ويؤول الحكم فيها لضابط المطار المسئول ديكسون (ستانلي توشي) الذي يقرر احتجاز فيكتور في المطار حتى يتغير الحال، والحال هنا هو حال كراكوزيا، التي تمر بحال طوارئ لا تبدو لها في الأفق اية نهاية. فيكتور الذي تعاني انجليزيته من كساح شديد، ويمتلئ جيبه بأوراق نقدية لم يعد لها قيمة في اي مكان بسقوط كراكوزيا، لا يستوعب الموقف الذي يمر به، ولا يحاول مسئولو المطار وموظفوه استيعاب ظروفه، بل يلقى به في وسط قاعة الترانزيت مع بعض من كوبونات الطعام التي يفقدها قبل ان يتمكن من استخدام اي منها. تطول فترة اقامة فيكتور في قاعة المطار لشهور عدة وتحدث خلالها الكثير من المواقف الكوميدية المضحكة التي تحمل في طياتها كماً كبيراً من السخرية والانتقاد اللاذع لسياسات أميركا التي تتناقض بشكل سافر مع ما تدعيه من رفعها لمبادئ احترام حقوق الانسان والحفاظ على انسانيته ففيكتور بحسب قوانين المطار لم يعد له وجود فليس هناك مكان يدعى كراكوزيا يمكن الانتساب إليه، ولا دولة الحريات يمكنها ان تستوعبه، ومطبقي القوانين لا يحملون اي نوع من التعاطف مع فيكتور بل يعتبرونه قضية يودون الخلاص منها باتباع القانون او سواه.

التعاطف والشعور الانساني الذي لا يجده فيكتور لدى موظفي الجمارك، يحصل عليه من الموظفين في قاعة الترانزيت، إذ يعقد الكثير من الصداقات مع غوبتا (كومار بلانتوشي)، منظف أرضية المطار الذي يجد متعته في التفرج على مرتادي المطار وهم يتزحلقون على الأرضية المبللة نتيجة عدم اكتراثهم بالمثلث الأصفر التحذيري الذي يضعه هو بنفسه حول الأرضيات المبللة. وكذلك مع انريكوا، الموظف في قسم الأطعمة، الذي يساعده فيكتور في الزواج من احدى موظفات المطار (زوي سالدانا) التي أحبها لفترة طويلة من دون ان يكون قادراً على البوح بذلك لها، لكن مساعي فيكتور وجهوده التي كان يقوم بها في مقابل وجبة شهية من انريكو، عملت على التوفيق بين القلبين وزواج الاثنين.

والى جانب كل أولئك يتعرف فيكتور على المضيفة الجوية ايميلي (كاثرين زيتا جونز) التي يقع في حبها لكنها تفضل البقاء مع صديقها المتزوج بدلاً من ذلك، لايمانها بأن ذلك ما هو مقدر لها رغم ما حملته هي الأخرى لفيكتور من مشاعر.

تنتهي قصة فيكتور بفشل الانقلاب في بلاده وعودة الأمور الى حالها الطبيعية، وبحصوله على تصريح بدخول الأراضي الأميركية لمدة يوم واحد يمكنه من الوفاء بوعده لوالده المتوفي.

يحمل هذا الفيلم من خلال كل مشاهده وحوادثه وعباراته كماً كبيراً من الاحساس بالآخرين ونظرة مختلفة للواقع الأميركي، بدت ساخرة بشكل كبير لكنها نقلت صورة مغايرة لما نألفه، فكاتبا السيناريو جيف ناثانسون وساشا غيرفاسي عملا على انتقاد السياسات الأميركية التي لا تراعي إنسانية الآخرين وتتعامل مع البشر (غير الأميركين) بأساليب لا تحمل اي نوع من الانسانية، وليس أدل على ذلك من المشهد الذي يقبض فيه مسئولو المطار على أحد مسافري الترانزيت ويطلبون مصادرة بعض علب الدواء التي كان سافر خصيصاً لاحضارها من كندا لعلاج والده المحتضر. ولأن القوانين لا تعرف الانسانية، فإنه وبحسبها يجب مصادرة هذا الدواء لعدم حمل المسافر للأوراق الرسمية اللازمة لترخيص ما يحمله، وبحسبها أيضاً ان على الفتى ووالده ان يذهبا الى الجحيم، ولتبقى القوانين الأميركية البلهاء.

كاتبا السيناريو والنص على رغم كل ما طرحاه من ثغرات واجحافات في هذه القوانين لا يوجهان اللوم على مطبقيها ومنفذيها فهم أولاً وأخيراً ليسوا سوى موظفين يفترض بهم أداء واجبهم على أكمل وجه ولذلك فإن المشاهد لا يكره ديكسون «الضابط المسئول» ولا يحمل ضده اي تحامل لكنه في الوقت ذاته لا يحمل له اي مشاعر حسنة. كذلك نجح الكاتبان في نقل صورة واقعية عن المجتمع الأميركي المتكون من أعراق وجنسيات لا حصر لها، والذي يستطيع افراده التعايش مع بعضهم بشكل يفوق الوصف بل ويمكن لهذا المجتمع المختلط تقبل اي فرد يود الانخراط فيه من أية جنسية أو عرق كان. ولعل ما ساعد على ابراز روعة النص والحوارات وذكاء كاتبيه في اختيار العبارات اللاذعة التي اضفت جواً كوميديا ساخراً على الفيلم، هو أداء الممثلين وعلى رأسهم توم هانكس في دور فيكتور نافورسكي، وتوم كما عهدناه يتألق دائماً في مثل هذه الأدوار الكوميدية الساخرة التي تنقل صورة لاذعة للواقع، والى جانب توم تبرز كاثرين زيتا جونز في دور المضيفة ايميلي، وجونز تقدم أداءاً مقنعاً وتضفي بجمالها ورقتها جواً محبباً على الفيلم يخفف من حدة الانتقادات الموجهة من خلال مختلف مشاهد الفيلم، بل ويقوي من فكرة امكان التمازج والتجانس بين مختلف الأعراق في المجتمع الأميركي وقبولها للبعض الآخر.

ولا يتوقف الأمر على أداء هانكس وجونز بل ان جميع الممثلين برعوا في أداء أدوارهم وتقمص شخصياتهم بطريقة رائعة، وربما يعود الفضل في ذلك للمخرج الرائع ستيفن سبيلبيرغ ، هذا المتألق دائماً على رغم ما قد تكرهه من بعض أفلامه المناصرة لبني جلدته اليهود بشكل مبالغ فيه!

هذا الفيلم إذن يتشكل من حوارات رائعة ذكية، اداء صادق، اخراج مميز، شركة تعرف كيف تقتنص الحكايات والطرائف المميزة. كل ذلك خلق فيلماً يستحق المسارعة لمشاهدته بل واقتنائه ان امكن، على رغم ما يمتلئ به من وجوه يهودية.

The Terminal 4002

تمثيل: توم هانكس، كاثرين زيتا جونز، تشي ماكبرايد، ستانلي توشي، دييغو لونا، زوي سالدانا، مايكل نوري

اخراج: ستيفن سبيلبيرغ

كتابة النص: جيف ناثانسون، ساشا غيرفاسي

العدد 761 – الأربعاء 06 أكتوبر 2004م الموافق 21 شعبان 1425هـ

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s