هاني فوزي في “بحب السيما” دعوة إلى كسر التابوهات وحب الله لا الخوف منه

منصورة عبدالأمير 

لكي نرغب في القرب، يجب أن نحب أولا، أما أن نطمع في رضى من لا نحب فذلك ما لا يقبله العقل ولا يرتضيه المنطق، قد يكون الخوف دافعنا في إرضاء من لا ترتضيهم قلوبنا وتجنب سخطهم لكننا بكل تأكيد لن نسعى إلى التقرب منهم وسنفر بجلودنا من كل ما يذكرنا بهم. مبدأ من أبسط مبادئ التعامل مع البشر، فكيف هو الحال بين البشر والإله، أيظن أحد أن العبد سيسعى لرضا الرب إن لم يكن يحمل حبا وامتنانا له تعالى؟ محال أن يكون ذلك، وعلاقتنا مع الله تعالى لم ولن تكون قائمة على الخوف أولا، هو الحب والرغبة في القرب، والخوف أن وجد فهو كخوف الحبيب من إغضاب حبيبه لئلا تخدش العلاقة التي تجمعهما، أما أن تكون أسس تلك العلاقة قائمة على مفاهيم العذاب والنار وجهنم وشي الوجوه ومنكر ونكير وعذاب القبر وضغطته فهذا ما لا يمكن قبوله، وما هكذا أرادها الله أن تكون وليس من أجل ذلك أنزل أديانه على أنبيائه، فهذا الإله الذي يقول عن نفسه الرحمن الرحيم، هو أرحم على الإنسان من والديه وهو أقرب إلى قلبه من أي محبوب.

لا يشاء الله أن تنشأ نفوسنا على الخوف بل هو الحب أولا وهو القيمة العليا التي نولد حاملين لها، ولذلك وجب أن تكون أساس العلاقة مع الخالق، هي علاقة حب وطمع في القرب لا خوف وفزع من العقاب، ولأنها كذلك خلقت الأديان لتسهل حياة البشر ولتشكل ديادنا وأسسا تصوغ حياتهم وتسهل أمورهم لا أن تعقدها وتحشرهم في زوايا ما أنزل الله بها من سلطان.

والطريق إلى الله ليس واحدا يصوغه أولى الأمر لكن هناك طرقا شتى وسبلا متفرقة تقودنا جميعها إليه تعالى، وهي طرق لا تحيطها النيران والعقارب والحيات، لكنها تمتلئ ورودا ورياحين، نعم تحمل الورود أشواكا لكنها تنشر عطرا أخاذا هو عطر محبة الله.

فلسفة العلاقة مع الخالق وما يجب أن تكون عليه لننعم بحياة أفضل، هي فلسفة تزداد بها قناعة بمشاهدة فيلم المخرج أسامة فوزي الأخير “بحب السيما”، وهو الفيلم الذي أثار ضجة كبيرة إبان عرضه منذ ثلاثة أعوام، لكنه وما أن خرج للنور أخيرا حتى احتضنه مهرجان دبي السينمائي الأخير الذي أقيم في الفترة 6 – 12 ديسمبر/ كانون الأول الماضي كخير ممثل للسينما المصرية، إذ اعتبره كثير من النقاد والمراقبين أفضل انتاجات السينما المصرية للعام 2004 كما كشف الاستفتاء الذي أجرته صحيفة “الأهرام” العربية عن حصول هذا الفيلم على 2854 صوتا من مجموع 3000 شخص شملهم الاستفتاء المذكور، وهي أعلى نسبة يحصل عليها أي فيلم آخر من أفلام العام ،2004 كما انه حصل على لقب أحسن فيلم وحصل مخرجه أسامة فوزي على لقب أحسن مخرج، بينما اعتبر كاتبه هاني فوزي أفضل كاتب سيناريو كما حمل بطله محمود حميدة لقب أفضل تمثيل رجالي أما ليلى علوي فكانت أفضل من قدمت دورا نسائيا.

الفيلم كذلك وبشهادة النقاد أبرز موهبة الطفل يوسف عثمان وقدم وجها جديدا واعدا للسينما المصرية لعله يذكرنا بالطفلة المعجزة فيروز الصغيرة، التي يتفق الكثيرون على عدم إنجاب السينما المصرية من هو في مثل نجوميتها وبراعتها.

يتناول هذا الفيلم السيرة الذاتية لمؤلفه هاني فوزي مع بعض التصرف، وذلك من خلال استعراض قصة أسرة مسيحية تعيش في مصر في الستينات من القرن الماضي، بطلها الأب عدلي “محمود حميدة” رمز التسلط وممارس القمع في الأسرة، الذي تبدأ أولى بوادر ضغوطه تلك من خلال رفضه ذهاب ابنه نعيم “يوسف عثمان” لمشاهدة الأفلام في السينما، إذ انه يعتبرها من المحرمات وينظر إلى العاملين فيها على أنهم شياطين الجحيم، كما يؤكد أن جميع من يظهرون في الأفلام التي تعرضها من ممثلين وممثلات هم أشرار فاسدون مصيرهم نار جهنم وعذاب الله.

ولا يكتفي منير المسيحي الأرثوذكسي المتشدد بذلك بل انه يمنع زوجته البروتستانتية المتحررة نعمات “ليلى علوي” من ممارسة هوايتها المفضلة ويجبرها على العمل كناظرة مدرسة خانقا كل رغباتها الإنسانية بحجة الحرمة الدينية، ويطول تشدده ذاك أدق تفاصيل حياتهما الزوجية لنرى الزوجة في أحد المشاهد تستجدي الحب من زوجها وهو يرى في ذلك عملا لا يليق بشخص متدين مثله لم يغضب الله طيلة حياته.

هذا الفيلم الرومانسي الاجتماعي الذي بقي حبيس العلب لثلاثة أعوام يناقش قضية التشدد الديني ويرفض القمع الاجتماعي والسياسي والديني من خلال سيناريو محبوك ببراعة وذكاء من قبل كاتب عاش تجربة القمع بكل أشكالها ويعرف جيدا ما يريد أن يقول من دون أي تطاول على أي دين أو ملة. وعلى رغم كل ما طال الفيلم من اتهامات رجال الدين الأقباط بالاساءة للمسيحية فإن الفيلم لا يتعرض لأي دين، ولا يعتبر التطرف حصرا على أية ملة بل انه يرى فيه أمرا عاما يمكن أن يوجد في كل المجتمعات بمختلف توجهاتها الدينية والاجتماعية. الفيلم باختصار يناقش واقع أفراد المجتمع في ظل التشدد والتزمت الديني، ابتداء بالطفل نعيم وانتهاء بالأب نفسه وهو رمز التسلط ومصدره، فالطفل يهرب من هذا الواقع المتزمت بالتحايل على الآخرين والكذب عليهم وابتزازهم لنيل ما يريد فهو يراقب عن بعد علاقة خالته “منة شلبي” مع حبيبها ويضبطها متلبسة في برج الكنيسة لكنه لا يقرر أخبار الآخرين بالأمر بل يفضل استغلالها وحبيبها وابتزازهما وخصوصا فيما يتعلق بالذهاب إلى السينما ومشاهدة آخر الأفلام. الأم كذلك تتحايل على واقعها الذي يكبت كل طاقاتها ومشاعرها بالضعف والاستسلام تارة وبالتمرد والاعتداء على حرمة العلاقة الزوجية وانتهاكها تارة أخرى، فهي تسمح لأبنائها بممارسة كل ما يحبون في غياب الأب، كما انها تمارس هوايتها المفضلة في الرسم ليلا حين تتسلل خلسة إلى غرفة الجلوس لتقضي ساعات مع لوحاتها، وينتهي بها الأمر لأن توشك على خيانة زوجها!

ولعل بطلة الفيلم لم تبد شاذة في تمردها عن محتوى الفيلم عموما، إذ ان مؤلفه وفي محاولة منه لإيصال رسالته السامية النبيلة التي تناقش العلاقة مع الله، لم يتمكن من أن لا يتمرد على كثير من التابوهات التي تسيطر على حياتنا بل انه حاول كسرها بجرأة لم تعهدها السينما المصرية، فهو هنا يكسر حاجز الأسلاك الشائكة المحيطة بما هو ديني لا يمس، ثم ينتقل ليلمح إلى قضية قد تبدو سياسية فهو يعلن على لسان البطل أن عبدالناصر الذي مجدته السينما المصرية على الدوام، لم يكن سوى شخص أجبر الشعب على قبول الاشتراكية كنظام، وان أيا من أبناء الشعب لم يتمكن من الاختيار بحرية!

ويبدو كاتب القصة على حق في طرحه لبعض وجهات نظره المتمردة تلك، فنحن على أية حال بحاجة إلى أمثاله من المتمردين لنتخلص من بعض إرثنا الذي لا يمت لأي دين أو ملة، ثم نضفي عليه بطريقة ما صبغات دينية أو اجتماعية أو غير ذلك لنعطيه نوعا من القداسة. وعلى رغم ذلك يبدو فوزي مبالغا في تمرده ذاك وفي محاولاته لكسر بعض التابوهات التي تظل مجتمعاتنا محقة في وضعها وفي التمسك بها بل وتلمس آثارها الايجابية جيلا بعد جيل، كتلك الأعراف التي تدعو إلى المحافظة على القيم والأخلاق والحشمة والحياء، نعم نرغب في أن نتخلص من بعض ما يمنع مسيرتنا من مبالغات في هذه الأعراف لكن الحشمة والتزام الأخلاق هما أمور لا يختلف عليها اثنان في أي مجتمع وتحت أي دين.

على رغم بعض تلك السلبيات، فإن الفيلم عموما يقدم رسالة راقية ويرسم صورة جديدة للسينما تؤكد رسالتها التوعوية ودورها التنويري في المجتمع، فنحن هنا أمام عمل يناقش قضية فلسفية دينية، وهو كذلك يطرح إشكالات سياسية وأخرى اجتماعية تمس جانبا كبيرا من حياتنا لكننا نرفض مواجهتها والاعتراف بوجودها.

أحد العوامل التي أسهمت في نجاح الفيلم هو أداء ممثليه وخصوصا الطفل الرائع يوسف عثمان الذي يملأ المشاهد شوقا لأيام الطفولة وسنوات الشقاوة بتعليقاته الذكية الشقية التي وإن بالغ الفيلم في عرضها إلا انها جاءت لتخدم القصة وهدفها ورسالتها.

ليلى علوي تتألق كأم، ومحمود حميدة المتألق دائما يبرع في تصوير شخصية الأب المتسلط الذي ينقلب على عقبيه في نهاية الفيلم ليقدم صورة أخرى مغايرة للرجل المتدين، وإلى جانب ذلك هناك الإخراج الرائع لأسامة فوزي الذي قدم هذا الفيلم في إطار رومانسي اجتماعي لا يخلو من بعض الفكاهة التي تأتي على لسان الطفل، كما انه “أي المخرج” استطاع ان يخلق نموذجا مصغرا من حياة الستينات بكل تفاصيلها.

فيلم “بحب السيما” يبشر بمستقبل واعد للسينما المصرية ويجيب عن أسئلة وشكوك كثيرة طالما أحاطت بمخرجي هذا البلد وكتاب نصوصه متهمة إياهم بالتسبب في أزمة أو ما يشبهها في سينما هذا البلد. هذا الفيلم وإن كان البعض يشبهه بالفيلم الإيطالي الشهير “سينما باراديسو” ويتهم كاتبه باقتباس الفكرة العامة منه، إلا انه عمل مبدع راق يفتح أبوابا جديدة لسينما طالما ظلت حكرا على ما تفه من الأمور والقضايا

 

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s