قصة بحريني تطوع للذهاب الى التسونامي “1-2” الخاجة: ذكريات لا تنسى عن “دوني” وخيط فاصل بين الحياة والموت

منصورة عبدالأمير 

لحظات صعبة مر بها “دوني”، توجب عليه أن يختار فيها بين والدته وجدته، فيداه النحيلتان لا تقويان على رفع المرأتين معا إلى حيث النجاة من الطوفان القادم، ولذلك كان على هذا الفتى الإندونيسي الذي لم يتجاوز العاشرة من عمره أن يقرر وأن يختار، ولأنه تعلم منذ نعومة أظفاره أن الأولوية لكبار السن دائما، كان عليه أن يفلت قبضته من كف والدته وأن يشهد بأم عينيه أمواج التسونامي العاتية وهي تبتلعها من دون رحمة.

تلك هي حكاية دوني الذي كان يقطن مع والديه وجدته في كوخ صغير يقع على شاطئ بإحدى قرى ميلابو واحدة من مدن مقاطعة اتشيه الواقعة بجزيرة سومطرة الإندونيسية، إذ انطلق التسونامي في ديسمبر/ كانون الأول الماضي ليهاجم عددا من دول جنوب شرق آسيا.

وهذه الحكاية ليست سوى واحدة من آلاف الحكايات التي تغص بها ذاكرة أولئك الذين شهدوا غضب الموج وجبروته، إندونيسيين كانوا أم أيا من الشعوب الأخرى التي طالتها الكارثة. ولعل ما يميز إندونيسيا هي حقيقة كونها أكثر الدول تضررا بكارثة القرن، فمركز الطوفان انطلق من أراضيها، وهي الدولة الأفقر بين جميع الدول المتضررة، وهي كذلك الأقل حصولا على الرعاية والاهتمام على الأقل من قبل وسائل الإعلام العالمية، التي وإن وجدت فإن عدسات مصوريها لم ولن تتمكن من التقاط حكايا الإندونيسيين تلك واستيضاح معالمها، فهي لا تبرز إلا لمن يقترب من مركز الصورة ويلامس الجرح بنفسه.

عبدالصمد رضا الخاجة مواطن بحريني، أبت الذكريات الطبية التي قضاها في إندونيسيا قبل أعوام مضت إلا أن تطارده، وأزعجه تجاهل وسائل الإعلام العالمية لحقيقة الدمار الواقع في هذه الدولة الفقيرة، وتركز تغطياتها ومعوناتها على دول أخرى هي في واقع الأمر أوفر حظا من إندونيسيا.

الخاجة خاض تجربة هي أشبه ما تكون برحلة روحية انقلبت فيها لديه كل المفاهيم وتبدلت كل الصور… آلمته المشاهد المروعة التي عرضتها الشاشات للضحايا قتلى كانوا أم ثكالى وجعلته ينحني خجلا ويعزم على تحويل وجهته من كوبا إذ قرر قضاء إجازته السنوية إلى إندونيسيا، وإلى اتشيه تحديدا ليقدم ما يمكنه من عون ومساعدة لهؤلاء المحرومين الذين أتت كارثة “تسونامي” لتجرعهم المزيد من غصات الفقر والحرمان. “الوسط” التقت الخاجة ليحدثنا عن حقائق شهدها بأم عينه، عن جروح تلمسها بيديه، عن لحظات مريرة لن تمحى من ذاكرته، وعن بعض أكثر قرى إندونيسيا المحرومة حرمانا، فكان اللقاء الآتي:

بداية ما الذي جعلك تقرر السفر إلى إندونيسيا بدلا من التفكير بإرسال معونات أو تبرعات مالية؟

– سافرت إلى إندونيسيا مسبقا، ولي فيها ذكريات طيبة، ولذلك فأنا أشعر بمسئوليتي تجاه أبنائها، كما انني وبمتابعتي للأخبار لاحظت انه على رغم حقيقة انطلاق “تسونامي” من إندونيسيا، فانه تم تجاهل ما حدث هناك من قبل وسائل الإعلام، وكان التركيز على دول أخرى، إما لأنها مليئة بالسياح الأجانب، أو لأية أسباب أخرى كأن يكون رعايا الدولة المقيمون بالخارج من الأثرياء، فيرسلو معونات كافية كما حدث في سريلانكا، بعدها لاحظت كيف تم إقحام السياسة في الأمر وتم التركيز على حركات المتمردين الإندونيسيين بدلا من التحدث عن معاناة الإندونيسيين ومصائبهم.

ويضيف الخاجة “مشكلة تسونامي” حدثت في 26 ديسمبر/ كانون الأول، لكن المساعدات لم تصل إلا ابتداء من 7 يناير/ كانون الثاني، في الدول الأخرى وصلت الأطعمة والمياه في اليوم الثاني أو الثالث للكارثة، لكن في بعض مناطق إندونيسيا النائية تطلب الأمر 12 إلى 14 يوما لتصل المساعدات، وكان هذا وقتا طويلا.

كيف كانت الرحلة إلى إندونيسيا وكيف تم التحاقك بفريق الإغاثة هناك؟

– كنت أعلم منذ البداية أن مهمتي لن تكون سهلة على الإطلاق، خصوصا لكوني لا أنتمي لأية جهة أو منظمة حكومية كانت أم أهلية، وكنت أدرك أيضا أن وصولي إلى منطقة انطلاق “تسونامي” بإندونيسيا ستكون أشبه بالمعجزة نظرا إلى وقوعها في المناطق التي يسيطر عليها المتمردون هناك. سافرت مع زوجتي إلى جاكرتا ومنها إلى “ميدان” رابع أكبر مدن إندونيسيا، وهناك بدأنا البحث عن بعثات الأمم المتحدة، لنلتقي أحد مسئولي فرق الإغاثة التابعة لها، وللأسف لم يكن الانضمام لفرق الأمم المتحدة أمرا ممكنا بسبب عدم انتمائنا لأية جهة تذكر. هكذا أصبح أملنا الوحيد هو العمل مع فرق الإغاثة الإندونيسية وبدأنا فعلا البحث عن أحد هذه الفرق حتى وصلنا إلى مجموعة كانت تطلق على نفسها “ايبو بيدولي”، تغير بعد ذلك إلى “ايبو فور اتشي”، وهي تتكون من فريق من الأطباء والمعالجين النفسيين الذين يعملون بشكل تطوعي والمدربين للعمل في مثل هذه البعثات الطبية، وهي بعثات تتميز عن سواها بتمكنها من الوصول إلى المناطق النائية التي لا تتمكن الفرق الدولية من الوصول إليها بسبب وجود الجماعات المسلحة، وكانت هذه الفرق تذهب الناس ثم يعودون بتقييم لحجم الضرر وحجم المساعدات التي تحتاجها هذه المناطق.

ما نوع المساعدة التي تمكنت من تقديمها للفريق؟

– تركزت مساعدتي في تقديم الإعانات المالية، كما ساعدت في إعداد خطة استراتيجية لتوثيق عمل الفريق، ووجدت فعلا أن هذا الفريق وهو معروف من قبل المنظمات الدولية يقوم بالكثير من الأمور التي لا توثق، ولأن المجموعة كانت بحاجة إلى دعم مالي من هذه المنظمات، كان لابد أن يعرف الآخرون ما تقوم به ومن هنا جاءت أهمية عملي معهم، ولعمل ذلك كان لابد أن أتبع خطواتهم وأن أرافقهم في رحلتهم عبر الأراضي المتضررة. تمكنا أيضا بفضل التبرعات التي جمعناها من الأهل والأصدقاء قبل سفرنا من استئجار سيارة لمدة ثلاث شهور لاستخدامها كعيادة متنقلة إضافة إلى نظام تبريد لتخزين اللقاحات والأدوية، هذا عدا المساعدة في جميع النشاطات وعمليات الإغاثة اليومية. ويواصل الخاجة “إضافة إلى ذلك كنا نحضر اجتماعات فرق الإغاثة الدولية وهي اجتماعات مفتوحة للجميع ويتم فيها مناقشة التطورات الجديدة في أوضاع المناطق المنكوبة، كنا نحضر هذه الاجتماعات ثم نعود لفريق “إيبو” بآخر المعلومات”.

ميلابو… وخط فاصل بين الحياة والموت

كيف تمكنتم من الوصول إلى المناطق المنكوبة، وما الذي حدث هناك؟

– للوصول إلى هذه المناطق توجب علينا قيادة سيارة غطيت نوافذها بورق “الرايبون”، انطلقت بنا في رحلة استمرت سبعة عشر ساعة، ومررنا بالكثير من نقاط التفتيش العسكرية لنصل أخيرا إلى عاصمة مقاطعة اتشي “باندا اتشي”، وهي مدينة ساحلية دمر “تسونامي” نصفها، إذ أبادت الأمواج ما يصل إلى كيلومتر واحد من الجزء الساحلي من المدينة.

بعدها انطلقنا من باندا اتشي لنصل إلى المدينة الثانية في اتشي وهي ميلابو التي تبعد 100 كيلومتر عن باندا اتشي، وميلابو حصلت على أقل المعونات والمساعدات بسبب صعوبة الوصول إليها من قبل فرق الأمم المتحدة، ولذلك قرر الفريق الإندونيسي الاتجاه إليها ، بدلا من البقاء في باندا اتش التي تمتليء بالكثير من فرق الإغاثة.

وصلنا ميلابو في ساعات الفجر الأولى، وكان أول ما لاحظناه هو الظلام الدامس الذي يحيط بالمنطقة بسبب عدم وجود أي تيار كهربائي، كان هناك الكثير من الدمار، والكثير من البيوت التي كانت مدمرة جزئيا، وعشرات الآلاف من الخيام البيضاء، بعض هذه الخيام رأيناه قريبا من بعض المنازل المدمرة جزئيا، إذ إن أصحاب هذه المنازل يستخدمونها للنوم ليلا لأن منازلهم غير آمنة، في ذلك الوقت كان الدمار واضحا لكنه ليس كبيرا، وبعد تجوالنا في المنطقة لمدة ربع ساعة وصلنا فجأة إلى طريق مستو ورأينا الكثير من المنازل المضاءة وكان هذا هو الجزء الذي لم يدمر من ميلابو، وهو الجزء الذي كان يقع خلف خط فاصل بين المنطقة المدمرة بالكامل والمنطقة التي لم يمسها “تسونامي”، المنظر كان مروعا، فالمنطقتان لا تفصلهما سوى بضعة أقدام لكن شتان بين المشاعر التي تساورك في كل منطقة، ففي إحداها تشعر أن الحياة طبيعية، لكن في المنطقة الأخرى يساورك إحساس غريب وتشعر بالألم والغضب والحزن وترى معاناة الناس وحرمانهم وآلامهم وهو شعور غريب، على أية حال، هذا الخط الفاصل شاهدناه في معظم المناطق التي زرناها.

لم يتبق سوى الدمار

لعل الصدمة التي أصابت الخاجة أثناء تجواله الأولي لم تكن سوى جزء بسيط مما لحق به من ألم وحزن شديدين بعد انجلاء الظلام ووضوح معالم الكارثة، يقول الخاجة: “في الخامسة صباحا واجهتني أكبر صدمة في حياتي، إذ فتحت عيني لأرى الصورة بوضوح ولأشاهد ما اعتقدت أني رأيته قبل ساعات قصار”.

ويصمت الخاجة قليلا لترتسم على وجهه علامات ألم وحزن شديدين، لكنه يواصل بصوت أشبه إلى الهمس “كان كل شيء مدمر، لم يكن هناك أي شيء، لا شيء على الإطلاق، لقد رأيت منظرا لا يخلفه أي زلزال، الزلازل تترك بعض بقايا المنازل أو منازل شبه مدمرة، لكن الميناء هنا والذي كان حجمه يصل إلى نصف حجم المدينة كان مدمرا كاملا، وحين أقول مدمرا فإنني أعني أنني رأيت على بعد كيلومتر واحد من البحر، بارجة كبيرة كانت في منتصف الطريق، ومئات من السفن الضخمة في وسط المدينة “…” أنا أتحدث عن أربعين يوما بعد المأساة، والمنطقة تم تنظيفها بشكل أولي، لقد رأيت سفنا وقوارب خشبية يصل ارتفاعها إلى 40 أو 50 قدما في منتصف الطريق”. ويبدو الخاجة وكأنه يرسم صورة حية لما رأى، إذ ترتسم على وجهه مزيد من علامات الألم ويواصل “كنت أعتقد سابقا أن هذه المنازل مبنية من الأخشاب، لكنني وجدت أن معظمها من الأسمنت الصلب لكنها تدمرت كاملة والشيء الوحيد الذي يرشدك إلى مكانها هو ما تبقى من أساساتها “…” كل شيء مدمر… الميناء، مراكز الشرطة، المساجد، المدارس، كل شيء… كل شيء، تقود السيارة ولا ترى سوى الدمار وحيوانات شاردة من منازلها بعد أن فقدت مالكها وأماكن سكنها، وحين تغادر المدينة وتزور القرى الخارجية ترى دمارا أكبر لأن المياه كانت قوية جدا فأزالت ما يصل ارتفاعه إلى المتر أو المتر ونصف من التربة، ولأن الماء مالح فقد تسرب إلى عمق مترين إلى ثلاثة أمتار داخل التربة وهو الأمر الذي قضى على الزراعة في تلك المنطقة ويحتاج الأمر إلى سنوات كثيرة لتسترجع التربة حالتها الأولى. الجزء المحزن هو رؤية الناس الذين يعيشون في الخيام في موسم المطر والمطر يهطل من دون توقف والناس يعيشون في الطين تقريبا، وينامون في الطين، هذا عدا عن أنهم فقدوا أسرهم بجميع أو معظم أفرادها وفقدوا منازلهم والآن عليهم أن يعيشوا في هذه الأوضاع لسنوات قد تصل إلى ثلاث أو لأربع سنوات

العدد 912 – الأحد 06 مارس 2005م الموافق 25 محرم 1426هـ

 

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s