شاهد عيان على آثار “تسونامي” “2-2” الخاجة: جروح غائرة وذكريات مريرة… والإعانات المالية هي الأفضل

منصورة عبدالأمير 

عبدالصمد الخاجة، مواطن بحريني آلمته مناظر ضحايا كارثة التسونامي التي ضربت عددا من دول جنوب شرق آسيا محيلة بعض مناطقها حطاما، فأبت نفسه الا التطوع للمشاركة في عمليات الإغاثة التي تقوم بها مختلف الفرق المحلية والعالمية. سافر في شهر فبراير/ شباط الماضي إلى منطقة اتشيه مركز انطلاق التسونامي، وهي منطقة تقع بجزيرة سومطرة الإندونيسية.

“الوسط” انفردت بحوار مع الخاجة، تحدث في جزئه الأول عن حجم الدمار الذي شاهده وعن نوع المساعدات التي تمكن من تقديمها لفريق “ايبو” الاندونيسي الذي انضم إليه الخاجة مع زوجته أثناء وجودهما هناك. في هذا الجزء الثاني والأخير من الحوار يواصل الخاجة الحديث عن مشاهداته وعن نوع المساعدات التي يحتاجها المنكوبون.

وقرى أخرى هجرت

ماذا عن تأثيرات التسونامي الأخرى على الناس؟

– في إحدى المناطق التي زرناها وهي قرية تشلانغ التي تبعد عن ميلابو مسافة 30 – 40 دقيقة بالسيارة، لكن لأن الطرق كانت مدمرة استخدمنا عبارة للذهاب، واستغرقت رحلتنا سبع ساعات، وهناك وجدنا المنطقة مدمرة بالكامل، الشيء الوحيد الذي تبقى منها هو برج اتصالات ولم يتبق منه سوى بعض أنابيب التوصيلات الكهربائية، كل المنازل تدمرت وكذلك الأشجار، الأحياء مازالوا يعيشون في أعالي الجبال، على رغم أن فرق الأمم المتحدة نصبت لهم مخيمات في موقع القرية الأصلي، إلا إن الأهالي يرفضون النزول بسبب الخوف الذي لايزال يتملكهم من حدوث كارثة أخرى، كما أن حقيقة امتلاء مياه البحر بأجساد الموتى من أبناء قريتهم وهي الأجساد التي ترتطم بأقدامهم كلما حاولوا النزول للماء، هذا عدا عن طفو الكثير من هذه الأجساد على سطح الماء، كل ذلك جعلهم يقررون هجرة قريتهم واللجوء إلى أعالي الجبال.

من الأمور الأخرى التي تسبب فيها التسونامي هو أن هذه القرى جميعها قرى صيادين، ما يعني أنهم يعتمدون على الصيد وطعامهم يأتي من البحر أساسا، وما حدث الآن هو أنه لا صيد لديهم لأن القوارب جميعها دمرت، كما أن الناس لا يرغبون في تناول السمك لأنهم يعتقدون أن هذه الأسماك تغذت على بقايا الموتى.

ونفوس مثقلة بذكريات موجعة

ما أهم المشكلات التي يواجهها الإندونيسيون الآن؟

– أهم ما يواجهه الجميع هناك، خصوصا الأطفال هو عدم القدرة على نسيان ما حصل وبدء حياة جديدة، خصوصا أولئك الذين شهدوا موت ذويهم مثل دوني، الذي لايزال مثل الكثير غيره يحمل شعورا بالذنب كونه لم يتمكن من إنقاذ والدته، بل إنه يعتقد أيضا أنه تسبب في فقدان والده لعقله، إذ إن الأب الذي كان في رحلة صيد وقت وقوع الكارثة، عاد إلى المنزل ليحاول إنقاذ أفراد أسرته، لكنه وحالما علم بوفاة زوجته أصيب بصدمة أفقدته صوابه.

وإلى جانب ذلك فإن مرارة الفقد التي مروا بها جعلتهم في خوف دائم من فقد المزيد، جميعهم فقدوا أحبتهم ولذلك فإنهم حين يلتقون بأشخاص مثلنا يغادرونهم بعد أسبوعين، فإن هذا يمثل فقدا آخر بالنسبة إليهم، وفي كل مرة يغادرهم فيها أحد فرق الإغاثة تتجدد معاناة الفقد لديهم.

لا أعتقد أن نفوس هؤلاء الناس ستتعافى، كما أن آثار الصدمة لن تزول منها، هذا عدا أن بانتظارهم معاناة أخرى ستبدأ حين يشرعون في بناء حياتهم من جديد وحين تغادر فرق الإغاثة.

شائعات لا أساس لها من الصحة

ماذا عن الشائعات التي ترددت بشأن قيام بعض الدول بعمليات تبشير بالمسيحية؟

– هذه احد الأمور التي سمعتها قبل زيارتي لإندونيسيا لكنني حين كنت هناك لاحظت أن الجمعيات المسيحية تعمل كشركات أكثر من كونها جمعيات دينية، مثال على ذلك تجمع الكنائس النرويجية “NCA” التي كان هدفها العناية بنظافة المياه، والتي كانت عبارة عن فريق من المختصين وأحضروا معهم سياراتهم الخاصة وخيامهم التي كانت جميعها تحمل شعارا خاصا لهذا المشروع ولا تستخدم شعار الصليب على الإطلاق، كما أن الأشخاص الذين يأتون ليسوا قساوسة أو وعاظا دينيين، بل اختصاصيين في المهمة التي تسعى المؤسسة لتنفيذها.

الفرق المسيحية لم تكن تصطحب أي مبشرين وجميعها تعتمد على مترجمين إندونيسيين مسلمين مفوضين من قبل الحكومة الإندونيسية للقيام بهذه المهمة، وهذا ما جعلني أتأكد من عدم وجود أية عمليات تبشيرية، إذ لا يمكن أن تكون الحكومة الإندونيسية مشاركة في هذا الأمر بأي شكل من الأشكال، ثم هنالك الجمعية المسيحية الكاثوليكية المبتعثة من قبل الفاتيكان التي كانت توزع الأدوية مع سجادات الصلاة.

ماذا عن الشائعات الأخرى بوجود شخص حذر الناس من حدوث هذا الطوفان؟

– الشائعات لا أول لها ولا آخر، كثيرون هناك من ادعوا توقعهم لما حدث، البعض أيضا قالوا إن هذا غضب من الله وهذا الحديث تكرر كثيرا، وهذا أمر لا يمكن مناقشته، الأمر الوحيد الذي أستطيع قوله هو إنني تحدثت مع أحد الأطباء النفسانيين الذين يعالجون الأطفال الموجودين في هذه المناطق في الفرقة التي تعاونت معها واسمها دكتور توتي، فأخبرتني أنها ومن خلال حديثها مع الجميع سواء أكانوا صغارا أم كبارا، تبين لها انهم جميعا يعتقدون إن هذا غضب من الله وهو مجرد إنذار سيتبعه غضب أكبر إن لم يعودوا إلى الله، وتقول الطبيبة إنها لا تناقش صحة هذا الكلام من خطأه بقدر ما تهتم بمعالجة آثار ما حصل، وهي ترى عموما أن الإيمان بأي أمر شيء جيد.

مساعدات مالية لحياة جديدة

ما أكثر ما يحتاج إليه الإندونيسيون الآن وأي أنواع التبرعات هي الأفضل؟

– ليس هناك نقص في الأطعمة الأساسية، مثل: الأرز، الخضراوات، الماء والسكر، وفي هذه المرحلة لا يوجد نقص في الأدوية أو في الأطباء، لأن جميع الدول ترسل أطباءها ومعظم المنظمات ترسل الأدوية، كما أن الناس يعيشون على السواحل ويمكن الوصول إليهم بسهولة برا وبحرا ولكن لاتزال هناك المئات من الجزر الصغيرة والقرى النائية التي يتم اكتشافها بين وقت لآخر، وهي جزر لا يمكن الوصول إليها بسهولة ولا يعرف أحد عن مصير ساكنيها.

في هذه المرحلة، ليست هناك حاجة للملابس مثلا، إذ يجب ألا ننسى أن هذه المنطقة حارة جدا والناس ليسوا بحاجة سوى لما يستر عوراتهم، لكن ما يحتاجونه فعلا هو مساعدتهم في أن يقفوا على أقدامهم مرة أخرى وأن يبدأوا حياتهم من جديد، هم بحاجة لمبالغ مالية صغيرة تمكنهم من بدء مشروعات جديدة.

ويواصل “كل شيء الآن متوافر لهم، فهم يحصلون على ثلاث وجبات يوميا، لكن ليس لديهم قوارب ليعودوا بها إلى العمل، وفي شهري مارس/ آذار وابريل/ نيسان المقبلين، ستبدأ المشكلة حين تبدأ فرق الإغاثة في مغادرة المنطقة شيئا فشيئا، ويجب حينها على هؤلاء الأشخاص أن يعملوا على إطعام أنفسهم وتوفير ما يلزمهم “…” الحكومة الإندونيسية لديها برنامج طموح جدا للإعمار، لكن بحسب تصريحات المسئولين، فإن الحكومة لن تتمكن من إتمام إعمار هذه المناطق قبل حلول العام ،2009 ولغاية ذلك الوقت سيظل هؤلاء الأفراد في الخيام ما لم يساعدهم أحد للوقوف على أرجلهم من جديد”.

من أين تصل المساعدات الموجودة حاليا؟

– من كثير من دول العالم، وجميع هذه الدول تلجأ إلى الأمم المتحدة التي أنشأت قسما يعنى بالدول المتضررة فقط، وأحد هذه الأقسام كان يركز على الوضع في إندونيسيا، ومن الدول العربية التي قدمت مساعدات كبيرة كانت سلطنة عمان، التي وصلت تبرعاتها عبر جمعية عمان الخيرية إضافة إلى مبلغ كبير من الحكومة العمانية، وبدأت عمان مشوار التبرعات من سريلانكا، إذ قدمت الأدوية والأغذية وبعض الأجهزة الأساسية للطبخ ومعدات المنزل ومنها إلى الفلبين ثم إندونيسيا إلى منطقة اتشي، ومن هناك كانوا سيتجهون إلى تايلند، وأحضروا معهم إلى إندونيسيا 500 طن من الأغذية وطن أدوية وخمسين قاربا مجهزة بكامل معدات الصيد وسيارتي إسعاف، كما أنهم وعدوا الحكومة الإندونيسية بأن يعودوا بعد ثلاثة أشهر ويعملوا على بناء قرية أو مدينة تتسع لأربعة آلاف شخص”.

الخاجة عاد مثقلا بالذكريات الحزينة، وجزيرة اتشي الاندونيسية ستظل تندب ضحاياها، أما أبناؤها فسيجدون أمامهم مهمة أخرى لعلها تنسيهم مناظر الموت والدمار، إذ إن عليهم أن يبدأوا في بناء ما دمره التسونامي ليعيشوا من جديد.

اندونيسيا لاتزال تحتاج إلى ما يعينها على النهوض، والخاجة لايزال يعمل على جمع التبرعات ليرسلها إلى فريق “ايبوفوراتشي” ليواصل الفريق مختلف أعمال الإغاثة والإعانات الطبية لمنكوبي الكارثة، وكما يؤكد الخاجة “الإعانات المالية هي الأفضل”

العدد 915 – الأربعاء 09 مارس 2005م الموافق 28 محرم 1426هـ

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s