راي تشارلز: آلام وآمال وهزيمة لكل الجروح والعقبات

منصورة عبد الأمير

من منا لم يشاهد فيلما يتحدث عن سيرة أحد المشاهير وكيف صعد وسطع نجمه في سماء الفن ممثلا كان أم مغنيا أم ربما استعراضيا، وسواء كنا من محبي الأفلام العربية أم الأجنبية فسنجد مخزونا كبيرا من تلك الأفلام، لعل أقربها الى ذاكرتي الآن تلك التي كانت تروي قصة صعود عبدالحليم حافظ، لا أذكر اسما لأي منها، لكنني واثقة ان معظم قرائي يعرف عما أتحدث. جميع تلك الأفلام التي تعرض سير الفنانين الذاتية، المغنين منهم خصوصا، سواء أكانت مبنية على قصص لفنانين حقيقيين، أم تلك الخيالية التي تتحدث عن شخصيات وهمية لا وجود لها لكنها على أية حال، تنقل جانبا من واقع هذه الفئة من الناس وتعرض رحلات كفاحهم وتحملهم مختلف الصعوبات والمشاق من أجل تحقيق حلمهم.

لعل آخر ما شاهدت من هذه النوعية من الأفلام كان فيلم المخرج الأميركي تايلر هاكفورد Ray الذي يأخذنا في رحلة تمتد لما يزيد على الثلاثة عقود مع واحد من أشهر موسيقيي أميركا هو راي روبنسون تشارلز، أسطورة الموسيقى الشعبية ومدرسة لمختلف فنونها. هذا الفيلم الذي يعرض السيرة الذاتية لملك موسيقى البلوز والغوسبل وكثير من أنواع الموسيقى الشعبية الأميركية، هو فيلم قد يجد الكثيرون صعوبة في حبه أو التفاعل معه، وليس ذلك لنقص في براعة هاكفورد وهو من أخرج عددا من الأفلام الجيدة مثل الفيلم الدرامي “Proof of Life” في العام 2000 الذي قدم فيه ميغ رايان في قالب جاد مختلف تماما عما هو مألوف من أدوارها الكوميدية، وفيلم “When We Were Kings” في العام 1996 الذي شكل علامة بارزة في التاريخ الفني لهذا المخرج، وهو هنا بفيلمه الأخير الذي عرض منذ شهور عدة بدور العرض في جميع أنحاء العالم يقدم تحفة فنية ويبرع في استعراض حياة راي تشارلز الذي قد يمثل لجيل شباب الخمسينات والستينات والسبعينات علامة بارزة واسما يحمل ايقاعا خاصا تطرب له نفوس محبي هذه الفنون، لكنه قد لا يشد كثيرين ممن لا يكون لألحان راي صدى في نفوسهم، وخصوصا أولئك الذين ينتمون إلى أجيال أصغر سنا، أو ممن لا يتابعون عالم الموسيقى والأغاني.

على رغم كل ذلك، لا يمكن لأي مشاهد سواء أكان محبا لأنواع الموسيقى المختلفة التي تغني بها تشارلز أو للمغني نفسه أم غير مكترث بكل ذلك، لا يمكن له الا ان يجزم بروعة أسلوب هاكفورد في تقديم سيرة هذا المغني بطريقة مزج فيها بين مختلف أغانيه وبعض تفاصيل حياته التي ربما أراد محبوه أن يعرفوها، ليكون الناتج دراما تصنعها الأغنيات أو لعله العكس، حوادث هذه الدراما قد لا تمت للواقع بصلة لكنه على أية حال وضعها بطريقة مبتكرة تحمل الكثير من الابداع وتشد اشخاصا لا يحوي قاموسهم أيا من اسماء مغنيي أميركا المعاصرين أو القدامى، كمشهد العراك الذي يجمع راي بمارجي هنريكس احدى فتيات الكورال في فرقة راي الذي تنطلق فيه احدى اغنيات راي الشهيرة على لسان البطلين اثناء عراكهما وكأنها جاءت معبرة عن لسان حال الاثنين وهي اغنية Hit the Road Jack. هذا المشهد ليس واقعيا طبعا بل جاء من خيال كاتبي السيناريو تايلر هاكفورد “المخرج نفسه” ومؤلف الكتاب جيمس وايت الذي أخذت منه قصة الفيلم، لكنه بالتأكيد نقل لمحات من شخصية هذا الفنان وربما تفصيلا من تفاصيل حياته.

الفيلم عموما يبدو كاسطوانة تعرض بعضا من أفضل اغنيات راي بطريقة مبتكرة، وهو الى جانب ذلك ينقل فكرة عامة هي السائدة في جميع هذه النوعية من الأفلام مفادها ان طريق النجومية محفوف بالاشواك والمصاعب وانه على رغم ذلك لا وجود لكلمة مستحيل في قاموسها، فالنجوم لم يأتوا جميعا من عائلات ثرية وأسر فنية مرموقة، بل قد يكون أولئك الذين جاءوا من خلفية أسرية فقيرة وممن حملت نفوسهم الكثير من المعاناة أكثر تألقا وأغزر عطاء من سواهم. راي مثلا “جيمي فوكس” جاء من أسرة فقيرة تعيش على أطراف ولاية فلوريدا الأميركية، تعرض لصدمتين نفسيتين عرضهما المخرج بتقنية الفلاش باك، وهما صدمتان تسببتا في إيذاء الفتى بشكل كبير وتركتا بصماتهما على كل تفاصيل حياته المستقبلية، الأولى هي صدمة فقده لشقيقه الأصغر الذي مات غرقا أمام ناظريه، في حين لم يحرك راي ابن السابعة ساكنا أو على الأقل كما عاتبته والدته بعدها “لم يصرخ بها لتحضر مسرعة”، أما الصدمة الثانية فقد كانت صدمة فقده لبصره اثر اصابته بمرض في عينيه، وما صاحب ذلك من آلام نفسية ومن متاعب وصعوبات جسدية في تنقلاته وفي ممارساته لشئون حياته اليومية.

ولا يكتفي القدر بذلك بل نجد هذا الفتى اليتيم الأعمى الذي لم تهدأ في نفسه لوعة فقد أخيه، وردود أفعال والدته الشديدة تجاهه، يخرج من أزمة ليقع في أخرى، والمخرج يكشف لنا كل ذلك غير متحفظ على أي سر في حياة راي كعرضه لقصة إدمانه الهيروين وحبه للنساء وتأثير كل ذلك على حياته الزوجية وعلى علاقته بأبنائه، لكن راي يصمد في وجه كل تلك المحن ويعاند الأقدار ليخرج من معركته معها منتصرا حين يحقق نجوميته ليصبح علما في عالم الموسيقى وكنزا وطنيا وعلامة بارزة في تاريخ بلاده.

فيلم راي Ray أولا وأخيرا هو قصة كفاح وسعي وتحد للصعاب، قصة انتصار على الفقر والحرمان، قصة هزيمة للألم والجروح، قصة أسطورة أميركية هي أسطورة راي روبنسون تشارلز

العدد 964 – الأربعاء 27 أبريل 2005م الموافق 18 ربيع الاول 1426هـ

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s