“بيتر بان”: طفولة محتجزة… “وباري” بريء من التلميحات الشاذة

منصورة عبدالأمير

في نهاية العام 2003 تم عرض نسخة جديدة من فيلم بيتر بان تناولت الجانب الأسود في النيفرلاند، لكن القصة الأصلية التي كتبها جي ام باري هي قصة رائعة عن ولد لا يكبر، بدأت بلقاء حدث صدفة في أحد منتزهات لندن.

فيلم Peter Pan الذي عرض في الولايات المتحدة، والذي بلغت كلفته 100 مليون دولار أميركي، كان حلما حاولت منتجة الفيلم ليزا فيشر تحقيقه طيلة 25 عاما، مع فرانسيس فورد كوبولا أولا ثم مع شركة باراماونت، لكنها لم تتمكن من انجازه الا مع شركة يونيفرسال ليخرجه ويساهم في كتابة نصه بي جيه هوغان.

أكملت قصة بيتر بان عامها المئة في العام الماضي، وكانت قدمت للمرة الأولى على المسرح في 27 ديسمبر / كانون الأول 1904 ، وأثارت حينها الكثير من الآراء المتناقضة لعل أهمها ما يتعلق بتجاوزات كاتبها الداروينية الواردة في بعض خيالاته كتلك التي وردت في عبارات مثل “عندما يضحك طفل للمرة الأولى في حياته، تنقسم ضحكته لآلاف الضحكات التي تتقافز لتولد منها الجنيات”، كذلك عتبر البعض تصوراته وخيالاته المتعلقة بالطفولة وخصوصا تلك التي تدور حول اكتشافه لنيفرلاند، أوهاما وخيالات مقززة!

آخرون وجدوا في باري مصورا دقيقا لعالم الأطفال، يقدم صورة تمتزج فيها معاني البراءة بالتجربة والخبرة، والطفولة بالنضج، بينما لم يجد البعض الآخر في القصة سوى حكاية خيالية تمتلئ بالمرح والكثير من الايماءات.

في العام 1953 انتقلت القصة للمرة الأولى من المسرح لتصبح أحد أفلام شركة ديزني الكارتونية ظهر فيها بيتر على أنه عفريت ساخر “وليس ولدا حقيقيا” يرتدي ملابس خضراء غريبة، ويظهر معه شرير مرعب هو القبطان هوك، في فيلم يمتلئ بالكثير من الأغاني المرحة.

بعدها قدمت الكثير من الأفلام، منها فيلم Peter Pan الذي قدم في العام 2003 الذي كان من بطولة جيرمي سمتر، جيسون اسحق، وراشيل وود، بينما كان الاخراج وكتابة السيناريو لبي جيه هوغان، وهو يحاول في هذه النسخة أن يعثر على النقاط السوداء في قصة باري، وقد نجح فعلا في تقديم عمل رائع ساحر يسوده الكثير من الشر، لكنه أخفق بشدة حين أضاف بعض المشاهد التي تحمل ايحاءات جنسية أو على الأقل غير مناسبة للأطفال، كاضافة شخصية العمة ميليسانت “لين ريدغريف” التي نشاهدها وهي تتفحص ويندي ونرى امرأة شابة تخرج من أسفل بطنها. وفي مشهد آخر نجد ويندي وهي تشرح لمدرستها سبب قيامها برسم نفسها وهي مستلقية على السرير بينما يستلقي مجموعة من الصغار فوق جسدها! هذا عدا عن الفكرة التي تناقش طوال الفيلم عن امتلاك ويندي قبلة ذات مفعول سحري فهي تمنح الآخرين قوة وتمكنهم من عمل العواصف وهز الأرض.

كذلك، فإن علاقة التودد التي تربطها ببيتر بان “جيرمي سمتر” هي عاصفة من النظرات ذات المغزى والابتسامات الداعية الى أمور لا تخفى على أي من المشاهدين، أما علاقتها مع القبطان هوك “وهو الممثل نفسه الذي يلعب دور والدها” فهي مزيج من العداء والاغراء. وليس ذلك فحسب بل ان الاشارات الخبيثة تنتشر في جميع أجزاء الفيلم، فالحوريات بدين كبنات ليل فيتناميات منهمكات في دفع الفتاة البريئة في أمور يجب ألا تعرف عنها الكثير. وفي بعض الأحيان يبدو وكأن الفيلم لا يعرض قصة صبي لا يكبر بل يتناول حال الاحباط الجنسي الذي تعيشه فتيات بالغات!.

هوغان جعل من بيتر بان شخصا شريرا يقتل الناس ويقطع أطرافهم، بل ويعامل صديقته الجنية “تينكر بيل” كلعبة يطردها حين يكون متضايقا، وعلى عكس الأولاد في سن الثانية عشرة فان بيتر لا يحمل أي شفقة تجاه الآخرين ولا يهتم بحاجاتهم الا حين يرغب في رواية احدى قصصه عليهم، وهو من الناحية العاطفية مريض نفسيا وبالتعبير الفرويدي فانه يحمل غريزة لا شعورية هائلة وفائضا من الطاقات الفطرية والرغبات الأساسية “باستثناء الرغبات الجنسية”.

مخرج مثل هوغان يجعل محبي قصة بيتربان يتراجعون عن كل آرائهم في هذه القصة وعن كل اعجابهم بها، فهي حكاية تمتلئ بالعقد الفرويدية، تتضح مثلا في علاقة ويندي مع والدها السيد دارلنغ، وهو شخص ضعيف وجبان لكنها تتصوره رجلا خطرا ومؤذيا ومثيرا وقائدا يعتمد عليه، له شكل مرعب وأطراف ملتفة. علاقتها به تمثل أكبر تعبير عن عقدة الكترا الشهيرة التي تسبب انجذابا جنسيا بين البنت ووالدها، وتخلق لديها رغبة لقتل والدتها، وهي التي تجعلها تعوض إخوتها الصغار والصبية الضائعين عن وجود الأم في حياتهم.

كذلك كان الأمر بالنسبة إلى هوغان. أما بالنسبة إلى جيمس ماثيو باري كاتب القصة الأصلية، فإن الأمر لا يتعلق بحكاية عن بيتربان وتنكربيل، بل ان هذا الطفل السابع “من بين 8 أطفال” لوالدته الخياطة، والذي انتهى به الأمر لأن يحمل لقب البارون وألقابا شرفية أخرى، عانى الكثير من آلام الفراق والبعد منذ سنوات حياته الأولى ومنذ كان في السادسة من عمره تحديدا، إذ توفي شقيقه الذي كان يبلغ حينها الثانية عشرة من عمره. درس في جامعة ادنبره وانضم الى صحيفة “نوتنغهام” كاتبا رئيسيا ثم بدأ كتابة مقالاته عن الحياة في سكوتلندا، بعدها كتب مجموعة من الروايات التي حققت شهرة ونجاحا كبيرين ما جعله أشبه الكتاب ببرنارد شو.

في العام ،1897 التقى باري 3 أطفال يلعبون في حديقة كينسنغتون بلندن وهم جورج وجاك والصغير بيتر، وهم أبناء المحامي آرثر لولين دايفس وزوجته سلفيا، ابنة الروائي جورج دو مارير “صاحب روايةTrilby “. دخل باري حياة العائلة عن طريق جورج الذي كان حينها في الخامسة من عمره، وأقام صداقة مع جميع أفرادها، ثم بدأ في قص حكايته على جورج وجاك “الذي كان حينها في الرابعة من عمره” وكانت حكاياته تدور حول شقيقهما الأصغر بيتر الذي كان رضيعا حينها، وكيف كان يطير في حديقة كينسنغتون ويجمع الأطفال الموتى الذين يقعون من عرباتهم من دون أن يلاحظهم أحد.

لأربعين عاما بعدها، أصبح باري معشوق الأسرة، وأصبح قريبا للأطفال، ومع وصول الطفلين الرابع والخامس، تم دمجهما في دراما بيتربان. في الأثناء، بدأت شخصية بيتربان ترسم في مخيلته، فجاءت روايتاه Sentimental Tommy وتتمتها في العام 1900 Tommy and Grizel لتتحدثان عن فتى صغير لا يكبر أبدا. وعند ما ظهر بيتر بان أخيرا، في رواية Little White Bird في العام ،1902 كان شخصية شريرة وولدا يستطيع الطيران ويأخذ الأطفال الموتى الى سماء مخصصة لهم.

هكذا وجد بيتربان وهكذا كتبت قصته، فكيف أتت كل الايحاءات الجنسية إذن، وكيف أصبحت مغامرات هؤلاء الصبية مليئة بالتلميحات الفرويدية؟

يقول اندرو بيركين مؤلف كتاب “جي ام باري والصبية الضائعون” وكاتب السيناريو الشهير، الذي قام بدراسة 500 ملاحظة كتبها باري في مسودات مختلفة لقصة بيتربان “بداية كان بيتر بان طفلا، ولكنه بعد ذلك قضى الصيف مع اخوته في منطقة بلاك ليك، إذ كان يلعب على أساس أنه شخص ينجو من الغرق ويصل الى جزيرة صغيرة تمتلئ بالقراصنة، ويكون الرجل الشرير هو رجل أسود يدعى القبطان سوارثي ووردت اليه حينها فكرة جعل بيتر أكبر سنا، وان يكون هو الشرير في المسرحية”.

ويواصل بيركين “لم تكن شخصية القبطان هوك موجودة في النسخ الأولى للقصة، وكانت كل من ويندي وبيتر شريرين، لكن بيري احتاج إلى ما يضفي جوا من البهجة على قصته، فقام بكتابة مشاهد اضافية استعار بعض أفكارها من ألعاب الأطفال، ومن هنا ظهرت شخصية القبطان هوك”.

ويشير بيركين الى ان بيتربان بالنسبة إلى باري هو شقيقه المتوفى الذي لم يتجاوز عامه الثاني عشر، الذي يحلق حاملا سيفه، وقد أنقذه من القبر، كما أبعده عن عالم البلوغ وجعله يعيش مغامرة أبدية، كما يعلق بيركين بأن الوحدة هي أكثر ما يمكن ملاحظته في رواية باري التي كتبها في العام 1928 في الوقت الذي كان اثنان من الصبية توفيا بينما كبر الباقون.

قصة بيتربان الأصلية بريئة من اية تلميحات جنسية، وأسطورة مقنعة حققت أمنيتين من اكثر امنيات مؤلفها امتلاء بالعاطفة وهما تقديم شقيقه المتوفى بحيث تبقى الطفولة حية الى الأبد، والأمنية الثانية هي رغبته في ان تبقى خيالاته مع أبناء لولين دايفس الى الأبد، حتى عندما كبروا وأصبحوا شبابا يافعين، أو قتلوا في الحرب، أو كما حدث لمايكل أقربهم الى قلبه، الذي غرق في البحيرة حين كان في العشرين من عمره. عاطفة باري الأبوية وغريزته التي دفعته إلى رعاية الصبية وحمايتهم أنتجت شخصية القبطان هوك الغامضة، والتي كانت بارعة وخطيرة، لكنها تهزم دائما أمام الفتي الشبح الذي لا يكبر عن اثني عشر عاما.

ومن وراء ذلك، يظهر حب باري للأسرة، وللأطفال الذين لم يستطع أن ينجبهم، وللولد الذي لم يولد وللشقيق الذي لا يموت، وتظهر فوق كل ذلك تجربة الفقد تلك التي لم يتعاف منها والتي جاء بيتر بان ليملأها، في إحدى أمسيات الصيف في حديقة كينسنغتون في غرب مدينة لندن

العدد 968 – الأحد 01 مايو 2005م الموافق 22 ربيع الاول 1426هـ

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s