طفلة ومعلمها يقتحمان عالم الظلام في Black

 

منصورة عبدالامير

 

 

عالمها كان ظلاما دامسا، أضاءه هو بإشارات من يديه طبعها على كفيها وذراعيها، إذ لم يجد وسيلة غير تلك لايصالها الى عقلها. فتح للنور طريقا في حياتها، وعلمها كيف تصمد وتثابر وتتحدى ما هو أكثر من الصعاب لا لتتفوق… بل لتعيش فقط!

تلك باختصار هي الفكرة الرئيسية في حكاية ميشيل ومعلمها ساهاي، وهي الفكرة التي اعتمدها المخرج أساسا لفيلمه الذي أعطاه أسما مميزا هو Black وهو اسم يشترك مع ملصق الفيلم في تقديم ايحاء للمشاهد بأنه أمام فيلم حركة، عصابات، اثارة، مغامرات، وكل ما يندرج تحت هذه النوعية من الأفلام، لكنه ببساطة ليس هذا أو ذاك بل هو فيلم يحكي قصة انسانية رائعة، تمتزج فيها الدموع ببسمات الانتصار، وتتقاطع فيها خطوط الخيبة مع النجاح، يتناول كاتبها من خلالها قصة فتاة شاءت الأقدار أن تنتزع منها كل قدرة على الاتصال مع العالم لتصبح عاجزة عن أن ترى أو أن تسمع أو أن تتخاطب مع من حولها. في سن العامين تبدأ معاناتها ومعاناة أسرتها تلك، وتبدأ ميشيل حياتها في عالم أسود لا نور فيه ولا أمل، لا أصوات مبشرة ولا حتى قدرة على التعبير عن أي ألم تستشعره تلك الصغيرة.

يبدأ الفيلم بالمشهد الذي تصعق فيه الأم لمعرفتها ما حل بابنتها، لنبدأ بعدها مسيرة شاقة في عالم الظلام مع تلك الصغيرة التي تكبد والديها وأسرتها الأمرين جراء إعاقتها تلك، فهذه الصغيرة التي لا تتصل مع العالم الخارجي عبر أية قناة غير قادرة على حماية نفسها، وليس الأمر كذلك وحسب بل ان عزلتها تلك وعدم قدرة الأسرة على تهذيب طباعها حتى تبدو للمشاهد وكأنها حيوان بري غير مروض، تجعلها مصدر خطر للأسرة إذ تتسبب في حرق جزء من منزل الأسرة مرة، وتوشك ايذاء شقيقتها الصغرى في مرة أخرى، الى جانب كثير من الحوادث المزعجة حينا والمؤلمة حينا آخر التي تتسبب فيها ميشيل.

والطفلة خلال كل ذلك لا تعي شيئا، أو لعل ذلك ما اعتقده والداها، والدتها التي لم تجد سوى الدموع سبيلا للتخفيف مما يعتصر في قلبها، وليس سوى كف حانية تربت بها على خد في محاولة منها لتعويضها عن كثير مما لم تحصل عليه، أما الأب فيبدو متألما لكن بشكل مختلف إذ إنه يقسو على ميشل حينا وتسيل دموعه حينا آخر شفقة على حال هذه الطفلة المبتلاة.

يظل حال الأسرة كذلك حتى تسوق لهم الأقدار معلما للصم والبكم هو برديب ساهاي الذي دفعته معاناته الشخصية أو لعلها معاناة شقيقة له أفقدتها الاعاقة اياه، لأن ينذر نفسه لعالم الصم والبكم، وليصر على مواصلة دربه مع ميشيل على رغم كل الاعاقات والمصاعب وعلى رغم استحالة الأمر مؤمنا ان لا شيء مستحيل وانه يجب أن يكسر كل الحواجز مع هذه الفتاة العاجزة بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

هكذا تبدأ رحلة ميشيل نحو النور يستعرضها معنا مخرج الفيلم سانجاي الليلا بانسالي بكثير من التفصيل الذي نستشعر من خلاله صعوبة هذه الرحلة وحلاوة تجاوز العقبات فيها ولذة الانتصار على الظلام في نهايتها، ولنرى كيف تمكن هذا المعلم القوي الارادة من أن يصنع انسانا آخر من ميشيل، ليحولها الى حاولت ان ترد له جميله ذاك في نهاية الفيلم.

قصة فيلم Black مؤثرة بكل ما تحمله الكلمات من معان، ساعد على ابراز قوتها سيناريو قوي كتبه ل من بارغاس كاباديا وباواني اير، وأداء مؤثر قدمه اميتاب باتشان في دور المعلم، وباتشان غني عن التعريف ليس لمحبي الأفلام الهندية فقط بل حتى لأشخاص مثلي تعد مشاهدة هذا الفيلم تجربة شبه جديدة بالنسبة إليهم، جديدة على المستوى الشخصي إذ إنني لا أذكر عدد سنوات عمري حين شاهدت آخر فيلم هندي، لكنها بالتأكيد لم تتجاوز الثامنة، وجديدة أيضا على مستوى الأفلام الهندية التي ما اعتدنا منها هذه الروعة والعمق والواقعية في الأفكار والقصص، والتلقائية في الأداء.

وعودة الى الأداء تتألق الطفلة ايشا كابور في دور الطفلة الصغيرة، مشعثة الشعر، غائرة النظرات، بفمها الفاغر على الدوام ومنظرها الذي يبعث الشفقة بقدر ما يثير الاشمئزاز. الدور حقيقة أصعب من أن تتمكن طفلة في مثل عمر ايشا لا أظنها تتجاوز الاثني عشر عاما، في أن تقدمه بهذه البراعة التي تسيل لها دموعنا في جميع المشاهد.

راني ماكرجي أيضا بدت مميزة الى حد كبير في دور ميشيل الشابة، فقد أشعرت المشاهد أنه أمام شابة تعاني من اعاقة حقيقية، أداؤها تجاوز ما اعتدنا عليه من كثير من الممثلين سواء في السينما الهندية أو سواها، نحن لسنا أمام شابة مغمضة العينين، مائلة الرأس، تتلمس الطريق بعصاها، بل ان ماكرجي عملت على أن تتحرى الدقة في أدائها ذاك وان تهتم بجميع تفاصيل هذا الجسد شبه العاجز، لتتجاوز كل المألوف من الحركات و ليصل الأمر الى الكيفية التي تسير بها مباعدة بين قدميها محنية ظهرها بعض الشيء، ماكرجي تمكنت فعلا من اقناعنا بعجزها السمعي البصري الكلامي.

إخراجيا كان الفيلم مميزا أيضا، تمكن مخرجه من أن ينقل ببراعة بعض الآلام التي تعتصر نفس ميشيل عبر بعض المشاهد، واستطاع ان يجسد تسلل النور الى عقلها، بل وتمكن أيضا من ان يقدم إيحاء بخيبات الأمل التي اصابتها نتيجة بعض الاخفاقات في حياتها وذلك عبر تلاعبه بالاضاءة في بعض هذه المشاهد.

موسيقى الفيلم لم تكن رائعة وحسب، بل انها من ذلك النوع الذي يظل يرافقك أياما تتردد خلالها المعزوفة في عقلك، هي موسيقى رائعة أبدعها أمين نارين وزوهاد خان، وقد جاءت متناسبة وملائمة للتفاصيل الانسانية التي يحفل بها الفيلم.

الفيلم بشكل عام مميز ليس على مستوى السينما الهندية فقط، كما انه قطعا يشكل علامة بارزة يمكن أن تعزز موقع السينما الهندية عالميا، وتغير الفكرة المعتادة عن أفلام هذه السينما

العدد 1027 – الأربعاء 29 يونيو 2005م الموافق 22 جمادى الأولى 1426هـ

 

“المعاق مو عاجز” أولى صرخاتها: تجربة مسرحية فريدة…أبطالها عاجزون جسديا لكنهم مبدعون

الوسط – منصورة عبدالأمير 

على وجوههم ترتسم ملامح القوة والاصرار ومن بين ثناياهم تنطلق كلمات التحدي والانتصار، ضحكوا في وجه قدرهم العابس فأحالوا واقعهم عالما من التألق والنجاح، اقتلعوا كل الأبواب والسدود وكسروا كل اعاقاتهم الجسدية ليحققوا ما قد لا نجد له مثيلا في دنيا كثيرين.

ثلة من شباب “لهم احتياجات خاصة” آمنوا أن “المعوق” من يكسل عن اتيان الصعاب وتحقيق المراد، لا من تنقصه قدرة جسدية قد يتراجع أثرها في بعض مضامير الحياة، لم تنقصهم الثقة بقدراتهم وامكاناتهم لكنهم كانوا بحاجة إلى يد تمسك زمام المبادرة وتنطلق بهم الى عوالم رحبة وفضاءات واسعة تتجاوز حدود اللاممكن في قاموس وضع للفئة التي ينتمون إليها، على أسس غير واضحة، على الأقل من وجهة نظر ذوي الاحتياجات الخاصة أنفسهم. يستحقون ان نسميهم بأسمائهم واحدا واحدا… هم ناصر مكي، علي حسن، راضي العلي، حسين يوسف، وهم مجموعة من ذوي الاحتياجات الخاصة، وهو جابر حبيل، عضو بمركز السنابس الثقافي وفرقة العروج المسرحية التابعة للمركز، وهو أيضا من أخذ مجموعة الشباب هؤلاء إلى حيث يمكنهم التعبير بكل حرية وانطلاق، وشفافية وصدق… إلى المسرح هذا الفضاء الرحب المعطاء ليطلقوا من خلاله ومن على خشبته كل كلمات الالم المخنوقة وصرخات مكبوتة تنبض بعتب على دنيا قاسية حرمت اصحابها من نعم يتمتع بها آخرون ليقولوا للعالم كله “المعاق مو عاجز”. كان ذلك شعارهم الأول، وعنوان أول أعمالهم المسرحية التي قدموها خلال احتفال اليوم العالمي للأصم، في عرض يطمح حبيل لجعله نواة “مسرح المعوقين” وهو مسرح على رغم إيمانه بطاقاته وامكاناته وضمان استمراريته، فإنه لايزال يحمل أسئلة كثيرة عن جدية الجهات الرسمية في نظرتها له، وعن مدى استعداد هذه الجهات لاحتضان هذه المبادرة الجديدة من نوعها في البحرين.

دنيا الغرباء

“الوسط” حاورت حبيل ومجموعة الطاقات التمثيلية الواعدة التي أطلقها منذ شهرين من الآن على خشبة مسرح مركز بنك البحرين والكويت للتأهيل بمدينة عيسى وذلك خلال المهرجان الترفيهي السابع للمعوقين الذي أقيم في 1 مايو/ ايار تزامنا مع احتفالات اليوم العالمي للأصم.

بداية ظهور الفكرة كانت بعد عمل مسرحي قدمته فرقة العروج “وهو واحد من أهم طاقاتها ووجوهها”، وجاء عملها ذاك تحت اسم “دنيا الغرباء” وتناول معاناة المعوقين بشكل مفصل، حبيل تساءل حينها ان كان يمكن تقديم العمل ذاته بممثلين يمتلكون اعاقة حقيقية، وعن امكان تحقيق طموح طالما حلم بتحقيقه ألا وهو حلم إنشاء مسرح لذوي الاحتياجات الخاصة، يقول حبيل “قمت بعمل بحث ميداني وعملت مسحا للاعاقات الموجودة في البحرين ثم حاولت التعرف على أية محاولات مسرحية سابقة لهذه الفئة وفعلا علمت أن جمعية الصداقة للمكفوفين قدمت في العام الماضي مسرحية “سيدة القرار” بمشاركة مجموعة من المنتسبين للمركز وجميعهم من المكفوفين “…” التقيت بعدها ببعض هؤلاء المشاركين وهم ناصر وعلي وراضي وحسين، وعرضت عليهم مشروعي المسرحي الجديد فوجدت منهم استجابة رائعة وان عبروا عن تحفظهم على فكرة إنشاء مسرح خاص بهم لعدم قناعتهم بجدية الجهات الرسمية في التعامل معه”.

ويواصل حبيل “أول ما فعلته بعد ضمان وجود المشاركين، هو انني قمت بتقديم رسالة إلى وزيرة الشئون الاجتماعية ضمنتها طلبا بدعم هذا العمل كما طرحت عبر الرسالة نفسها اقتراح إنشاء مسرح للمعوقين، وذلك لإيماني بأن مثل هذا التحرك الجديد من نوعه يجب أن يأتي تحت مظلة جهة رسمية وهي وزارة الشئون الاجتماعية ليحصل على حقه من الدعم والتشجيع والتطوير”.

الوزارة تستجيب… لكن لا تتحرك

وعن موقف الوزارة من هذه التجربة الجديدة الكفيلة ببث نوع جديد من الوعي بين الناس، يفيد حبيل “استجابة الوزارة كانت أسرع ما توقعت إذ تم تحويل طلبي إلى مدير الرعاية الاجتماعية سلمان درباس الذي استدعاني للقائه لنتفق أولا على مشهد مسرحي نقدمه خلال المهرجان السابع للمعوقين، وفعلا وضعنا معا مشهدا تمثيليا قدمته مجموعة من ذوي الاحتياجات الخاصة تحت عنوان “المعاق مو عاجز”.

ولم يتوقف الأمر عند ذلك بل ان حماس المسئولين بدا واضحا لمشروع إنشاء مسرح للمعوقين، يقول حبيل “المسئولون أبدوا استعدادهم لفكرة المسرح المتخصص وتعهدوا بتقديم كل ما يمكنهم من دعم مادي ومعنوي، كما ان الوزيرة نفسها أبدت اهتماما شديدا بالموضوع”.

الوزارة من جانبها أكدت استعدادها لدعم المشروع، وبدا حماس مسئولهيا واضحا على لسان درباس الذي أكد في اتصال هاتفي مع “الوسط” أن “الوزارة تعمل الآن على تهيئة الأجواء العامة للمسرحيات الخاصة بذوي الاحتياجات الخاصة”.

لكن حبيل وعلى رغم امتنانه لذلك فإنه يطمح الآن وبعد مرور الشهرين أن يلمس تحركا فعليا من الوزارة لوضع أولى لبنات مسرح المعوقين وليس الاكتفاء بدعم الأعمال الفردية التي تعرض بين الحين والآخر، فالفرقة التي ينوي تأسيسها – والتي بدأت فعلا أول أعمالها لم تكتسب لحد الآن صفة رسمية تسهل على أعضاءها الوصول الى مصادر المعلومات والجهات الرسمية المختلفة، يقول حبيل “هذا الأمر يقلل قدرتي على توسيع عمل الفرقة وعلى زيادة عدد أعضاءها من ذوي الاحتياجات الخاصة إذ إن كثيرا من الجهات لا تستجيب لأي من مبادراتي لأنني ببساطة لا أحمل صفة رسمية ولست ممثلا لأية جهة حكومية، مؤكدا أنه حاول ربط علاقة مع بعض هذه الجهات “لكن تبين لي أن ذلك لا يمكن أن يتم الا من خلال وزارة الشئون الاجتماعية”، ويضيف “نحن بحاجة الى تشكيل فريق ذو علاقة ترأسه الوزارة ويتحمل مسئولية القيام بهذا المشروع”.

عن ذلك يعلق درباس “سيتم الترتيب لاحقا وبعد تأسيس الفرقة، مع الجهات الحكومية المعنية وتحديدا وزارة الاعلام لتدعم فعاليات الفرقة بالإعلان عنها وتوعية الجماهير بأهميتها، هذا عدا عن توسيع قاعدة هذه الأعمال بالتعاون مع بعض المسارح المتخصصة لضمان جذب المزيد من العناصر الفاعلة التي يمكنها أن تسهم في إنجاح هذا المشروع وتطويره”.

ويضيف “لن نترك حبيل لوحده، بل إننا سنشكل فريق عمل يملك صفة رسمية، حبيل هو صاحب القلم فيه وأنا كممثل عن الوزارة صاحب التوجيه الاداري “…” حبيل سيكون معنا وسنكون معه في كل الخطوات المقبلة”.

الصبر… وصفة سحرية

لم تقتصر الصعوبات التي واجهت حبيل على ما ذكر أعلاه، لكن كانت هناك صعوبة أكبر تتمثل في التعامل مع ذوي الاحتياجات الخاصة والقدرة على توجيههم على المسرح، وهو يعلق على هذا الامر بقوله “العملية تتطلب صبرا كبيرا، الصبر هو الوصفة السحرية، فقد واجهت صعوبة كبيرة في ضبط حركات الممثلين على الخشبة، ما اضطرني في بعض المرات الى الإمساك ببعضهم بعضا وخصوصا المكفوفين منهم وتوجيههم لشرح الحركة المطلوبة”.

ويضيف “بالنسبة إلى الصم استخدمت لغة الاشارات للتعامل معهم ولايصال الارشادات المطلوبة وان كنت لا أجيد هذه اللغة”. أما عن مدى تعاطي فئة ذوي الاحتياجات الخاصة أنفسهم مع العمل، جمهورا كانوا أم مشاركين، فيؤكد حبيل أنه كان هناك اقبال كبير منهم على مشاهدة عرض “المعاق مو عاجز” كما إن كثيرين منهم تفاعلوا بشكل كبير، لدرجة أن أحدهم تطوع للمشاركة في العمل في وقت عرضه على رغم كونه يحمل اعاقة جسدية كبيرة تمنعه من التحرك بسهولة.

ويضيف حبيل “بعض الحضور من ذوي الاحتياجات الخاصة ابدوا ارتياحا كبيرا لدى مغادرتهم قاعة المسرحية وان كانوا غير قادرين على التعبير بالكلمات الا ان نظراتهم كانت كفيلة بذلك”، أما عن تعاطيهم بالمشاركة فهو أمر لا يستطيع حبيل ان يحسمه حاليا “إذ انني لم أتمكن حتى من معرفة العدد الحقيقي لذوي الاحتياجات الخاصة في البحرين، وهو أمر صعب للغاية كما ذكرت سابقا بسبب عدم امتلاكي أية صفة رسمية”.

وللأبطال… رأي

لكن كيف ينظر ذوو الاحتياجات الخاصة للأمر، وماذا يعني وجود مسرح متخصص بهم؟

– يناشد حسين الوزيرة بفتح الأبواب أمام مسرح المعوقين الذي سيثبت للآخرين أن “المعاق مو عاجز” وهو أمر كفيل بإعادة الثقة للمعوق، وبتغيير نظرة المجتمع الدونية لهذه الفئة” أما ناصر فيرى أن العمل الأخير يستحق دعما إعلاميا كبيرا إذ إنه “كان صرخة أخبرنا الجميع من خلالها أن المعوق قادر على القيام بالكثير من الأمور حتى التمثيل المسرحي “…” في العادة تتم الاستعانة بالأسوياء ليقدموا دور المعوق، لكن ما حدث هذه المرة انتصار لذوي الاحتياجات الخاصة”، في حين يرى علي ان وجود مسرح للمعوق هو انطلاقة لامكانات ومواهب هذا الانسان، وان جود هذا المسرح مهم للمعوق وللمجتمع الذي سيتقبل حينها فكرة قدرة المعوق على القيام بذات الاعمال التي يقوم بها الانسان الذي لا يعاني من أية اعاقة، كما انه سيشعر المعوق بانه قادر على القيام بأمور مهمة ويخلق متعة في حياته ويفتح له أبوابا أخرى لمجالات كثيرة في الحياة.

أما عن طموحاتهم وآمالهم فيما يتعلق بهذا المسرح فان حسين يتمنى تقديم المشهد في دول مجاورة والمشاركة في أعمال خليجية مشتركة تغير الواقع الخليجي وتسهم في حل كثير من المشكلات، في حين يعترض علي على اقتصار عرض أعمالهم المسرحية على مراكز المعوقين ويتمنى ان يتمكنوا من تقديم تلك الأعمال على مختلف خشبات المسارح وذلك لضمان الحصول على جمهور متنوع من المعوقين وغيرهم، والمساهمة في حل مختلف مشكلات المجتمع. أما راضي الذي لم يكن يتفاعل مع أي عمل مسرحي سابقا، لكنه هذه المرة ومن خلال بعض الحركات التي تضمنها عمل “المعاق مو عاجز” وجد ان الكثير من الصم الذين يعرفهم تأثروا بالعمل وكانوا يضحكون تفاعلا مع بعض المشاهد

“الوسط” حمست الجمهور

أما عن تعاطي الجمهور مع المشروع فيقول حبيل “الخبر الذي نشرته “الوسط” عن العمل المسرحي كان كفيلا بلفت انتباه الكثيرين لأهمية مسرح المعوقين كما كان له دور كبير في تعاطي الناس مع المشروع والترويج له، ووجدت اهتماما بالغا لدى كثيرين ورغبة صادقة لمعرفة المزيد من التفاصيل”.

أما عن تعاطي الناس مع هذه الفئة بشكل عام فيقول حبيل “هناك تعاطف كبير ولكن هناك شبه قناعة بان ذوي الاحتياجات الخاصة غير قادرين على العطاء كالآخرين، وهذا الأمر لا يمكن اثبات عكسه الا اذا قدمنا دليلا عمليا، كما ان البعض يجادلون بانه اذا كان الانسان السليم لم يستطع أن يقدم مسرحا جيدا، فكيف يمكن لأصحاب الاعاقة ان يفعلوا ذلك”.

ويواصل “آخرون ممن يرفضون فكرة الأعمال المسرحية وكل ما يصاحبها من مؤثرات صوتية كالموسيقى أو ما شابه من حركات ايقاعية، اتهموني بالعزف على وتر عاطفي واستغلال المعوقين لتقبل فكرة المسرح”.

فهل يمكن توظيف هذه الأعمال لتغيير الصورة النمطية لهذه الفئة وليتقبل المجتمع ذوي الاحتياجات الخاصة؟

– يرى حبيل أن ذلك بكل تأكيد سيساهم بشكل كبير في هذا الأمر “فالجمهور يتقبل القضية إذا طرحت على لسان الشخص الذي يعاني منها، كما إن الناس تحترم الشخص المتميز، وذوو الاحتياجات الخاصة الذين يكسرون عجزهم الجسدي ويقفون على المسرح بكل ما له من رهبة يحصلون على احترام الناس”.

مسرح بالمعوقين أم للمعوقين

أما بخصوص الموضوعات التي سيتم تناولها على خشبة هذا المسرح، وإن كانت تناقش قضايا ذوي الاحتياجات الخاصة أم إنها ستكون موضوعات عامة، يجيب حبيل “ستتم مناقشة جميع القضايا، لكن التركيز في البداية سيتركز على قضايا هذه الفئة لنحصل على التجاوب المطلوب مع المشروع من أصحاب الفئة المعنية أنفسهم”.

ويتفق راضي وحسين وناصر مع حبيل في ضرورة التفات مسرح المعوقين لمختلف هموم وقضايا المجتمع، في حين يؤكد علي ان الاولوية يجب ان تعطى لهموم المعوقين أولا، فهو يرى ان هذا المسرح للمعوقين أولا ثم بالمعوقين.

حبيل لايزال ينتظر تحركات الوزارة الفعلية، وهو في أثناء ذلك يبدو وكأنه اعد العدة كاملة مع مجموعته الصغيرة التي يؤمل أن يؤدي تحرك الوزارة الى زيادة عدد أعضائها، والى تفعيل نشاطها. فريقه المسرحي الصغير لايزال أيضا ينظر بعين ملؤها الأمل للمسئولين في الوزارة ولانزال جميعا ننتظر معهم تحرك وزارة الشئون الاجتماعية لوضع لبنة مبادرة هي الأولى من نوعها في المنطقة وهي كفيلة بأن تثبت للعالم بأكمله أن “المعاق مو عاجز”. هي تجربة فريدة إذا، ليس بحرينيا فحسب بل على مستوى دول أخرى، تجربة تحمل من الالق والإنسانية والتفرد ما يجعلنا نطالب الجميع بدعمها، لنكن نحن في “الوسط” أول من يتصدى للأمر ويحمل شرف هذه الدعوة… فلنعمل سوية حكومة ومؤسسات مجتمع مدني وفنانين وأفرادا على إعادة البسمة إلى شفاه تحاول الأقدار انتزاعها منها، ولنحاول لعلنا نؤسس لما يتخطى حدود العطف الانساني المباشر ليخلق اتجاها مسرحيا فريدا قد يؤرخ لانعطافة مهمة في تاريخ البحرين شعبا ومسرحا… لنحاول فهنالك امور كثيرة تستحق المحاولة لعل الانسان البحريني هو اولى اولوياتها

العدد 1025 – الإثنين 27 يونيو 2005م الموافق 20 جمادى الأولى 1426هـ

في أول أعماله السينمائية يوسفي يواجه “عزرائيل” ويقدم إبداعا إيرانيا آخر

منصورة عبدالأمير

هل يتفق معي قارئي الكريم في أن السينما الإيرانية تخطو خطوات واسعة لتقدم أعمالا يمكن اعتبارها من أرقى ما تقدمه صناعة السينما في العالم، إن لم يكن بتقنياتها فبإبداع مخرجيها وبعمق أفكار كتابها وتلقائية أداء ممثليها وقدرتهم الرائعة على تقمص أية شخصية، وليس أدل على ذلك من الأفكار الرائعة التي تبهرنا بها في عدد من أفلامها، أفكار قد يخطر بعضها على البال، وقد يبقيك بعضها الآخر مشدوها تتساءل عن أي نوع من المس أصاب مؤلفوها ومبتكروها، وإلا فكيف يمكن لأحدهم أن يستثمر فكرة الموت بكل ما لها من رهبة في النفس البشرية ليقدم لنا عملا كوميديا ساخرا وراقيا، لا يعتمد الإسفاف في القول أو الفعل لإضحاك المشاهد ولإسالة دموعه ضحكا، بل يلجأ الى فكرة بسيطة ليتناولها بطريقة هي أكثر ما يميز السينما الايرانية، وهي طريقة تعتمد التلقائية في كل تفاصيلها، والبساطة في تقديمها، والعمق في محتواها.

محسن أمير يوسفي هو أحد أولئك المبدعين المجانين، وهو الذي ابهرنا في أول أعماله الاخراجية بتناوله لفكرة الموت في كوميديا سوداء قدمها تحت اسم “خوب آطاق – حلم مرير”، تناول فيها بأسلوب رائع وممتع بعض طقوس الموت التقليدية، بحسب ما هو متبع، على الأقل، لدى الشيعة في ايران، ولدى سكان قرية خمين شهر، وهي مسرح قصة يوسفي.

يتتبع يوسفي هذه الطقوس من خلال قصة اسفنديار، الرجل العجوز الذي قضى الجزء الأكبر من حياته في اعداد الموتى بدءا من تغسيلهم حتى تكفينهم وانزالهم القبر، وهو إذ قضى ما يقرب من اربعين عاما في هذه المهنة، فانه يبدو غير مكترث على الإطلاق ويبدو وكأنه من بين الأشخاص القلائل الذين لا يثير الموت في نفوسهم أي رهبة أو خوف، بل ويبدو وكأنه قد عقد مع ملاك الموت “عزرائيل” اتفاقا طويل الأمد خلق بينهما علاقة من نوع خاص، هي أقرب الى علاقة الزمالة الطويلة في العمل، وذلك طبعا كما يراها اسفنديار نفسه وكما يعبر عنها في أحد مشاهد الفيلم التي نراه فيها يتوسل عزرائيل بألا يتسبب في اهانته بقبض روحه في مكان غير مناسب، كالحمام العمومي مثلا، وأن يراعي العشرة الطويلة بينهما.

واسفنديار رجل مكافح أسس من مهنة تغسيل الأموات نشاطا خاصا به يعيش منه ويوظف آخرون فيه، يبلغ عددهم على الأقل ثلاثة أشخاص، هم حفار القبور، والشخص الذي يقوم بحرق ممتلكات الميت، وامرأة تتكفل بتجهيز الموتى من النساء. ولا تبدو علاقة هؤلاء الأشخاص برئيسهم في العمل وهو اسفنديار قائمة على الحب والمودة، بل انهم دائمي التذمر يشعرون وكأن العجوز يبخسهم حقهم ليعيش هو منعما بينما يقتاتون هم على فتاته.

تتغير الأمور حين يصاب اسفنديار بوعكة صحية أثناء دفنه احدى الجثث، لتتحول اللامبالاة بالموت الى فوبيا تجعل فكرة الموت تستحوذ عليه وتقض مضاجعه، إذ يعيش العجوز حالا من الترقب والانتظار، ظنا منه بأن الوعكة الصحية المفاجئة تلك لم تكن سوى انذار من عزرائيل، وانه لن ينتظر حتى ينتصر عليه ملاك الموت، ويجعله موقع سخرية من الآخرين الذين كانوا يجدونه شخصا ذا سلطة من نوع خاص، لكنهم ان شعروا ضعفه للحظة واحدة فقد كل هيبته واحترامه.

ولا تتوقف تدهور أحوال اسفنديار عند ذلك، بل تتطور الأمور ليجد الموت بانتظاره عند كل منعطف، وليجد نفسه مجبرا على أن يتحول الى شخص آخر يكفر عن كل ذنوبه بإعطاء الآخرين حقوقهم ويحاول التخلص من آثار الماضي وتعويضهم عما ألحقه بهم من أذى في الماضي. وخلال ذلك كله يبدو اسفنديار وكأنه يعيش أوضاعا صعبة فهو مرتعب، متهالك نفسيا، مجهد عصبيا، الأمر الذي يدفعه لمزيد من البحث والتأمل في فكرة الموت، لنرى مشاهد كوميدية رائعة، عرضها يوسفي بتقنية اخراجية مميزة مزج فيها بين الجانب التوثيقي والجانب الدرامي الكوميدي، وذلك من خلال شاشة تلفزيون منزله التي كان يشاهد فيها في أشد لحظات رعبه بعضا من الأفلام التي تعرض مختلف طرق تجهيز الموتى عبر التاريخ وفي أجزاء مختلفة من العالم، ثم تعرض برامج أخرى يلتقي مقدموها خلالها بالناس في شوارع مدن ايران ليستعرضوا آراءهم حول الموت وتعدد وجهات نظرهم بخصوصه.

شاشة التلفزيون تلك تلاحق اسفنديار وتبدل قنواتها بشكل اتوماتيكي، مرعبة العجوز، مزعجة اياه بصور الموت المختلفة، لتذكره دائما بما ينتظره، وهي ليست الوحيدة في ذلك، بل انه يعيش رعبا هائلا حين يعود الى منزله ليلا وحين تراوده بعض الأحلام والرؤى التي يلتقي فيها مع عزرائيل ومع الموت وجها لوجه، ولا يتركه الآخرون في حاله بل يصرون على ازعاجه ليلا بطرقهم باب داره ليتكامل جو الرعب والهلع.

خلال أجواء الرعب تلك، تضحكنا رؤى اسفنديار وتأملاته وحواراته الذاتية وتأخذنا الى عالم من التأملات حول الفكرة، كما تدهشنا قدرته الرائعة على تقديم هذا الدور، خصوصا حين نعلم أن اسفنديار أو عباس اسفندياري ليس ممثلا محترفا ولا حتى هاو، لكنه رجل يقدم واقعه على الشاشة في قصة جاءت من محض خيال مخرجها محسن يوسفي. وليس اسفندياري وحده من يقدم واقعه هنا، بل ان جميع الممثلين يجسدون دورهم الحقيقي في الحياة، نحن هنا إذا أمام مجموعة من القرويين المبدعين الذين تعاونوا مع يوسفي في تقديم فيلم يتحدث عن واقع رهيب بطريقة خيالية رائعة!

الفيلم الذي عرض للمرة الأولى في العام 2004 في عدد من المهرجانات، كان أولها مهرجان تيسالونيكي باليونان وحصل على جائزة المهرجان الكبرى، اعتمد على موازنة لم تتجاوز 1500 دولار، وذلك بحسب شهادة المخرج نفسه وخلال مؤتمر صحافي عقده يوسفي بعد عرض فيلمه مباشرة بمهرجان دبي السينمائي الذي أقيم في الفترة من 6 إلى 11 ديسمبر/ كانون الأول. على رغم ذلك تميز الفيلم بين جميع الأفلام التي عرضت خلال مهرجان دبي والتي شكلت باقة من أفضل أفلام العام 2004 في جميع دول العالم، واستطاع استقطاب كثير من المشاهدين سواء من محبي السينما الايرانية أو من سواهم. فيلم محسن يوسفي تحفة فنية تستحق الاشادة بها والسعي للبحث عن نسخة منها.

بطاقة الفيلم

– خوب آطاق “حلم مرير”

– التصنيف: كوميدي/ دراما

– اخراج: محسن امير يوسفي

– تمثيل: عباس اسفندياري، ياد الله انباري، ديلبار غسري، محسن رحيمي، صفر علي صفري

العدد 1024 – الأحد 26 يونيو 2005م الموافق 19 جمادى الأولى 1426هـ

 

رعب في أميتفيل: ليس رعبا ولا دراما. .. ولا أي شيء آخر

منصورة عبدالأمير

كل شيء ممكن في أميركا، وإلا فلماذا كان هناك حلم أميركي، حلم يدور معظمه بالثراء السريع، الا ان تحقيق المستحيلات وسابع المستحيلات تظل هي الفكرة عموما وراء هذا المفهوم. والمستحيلات كثيرة يمكن أن تكون كل شيء وأي شيء… أي شيء، حتى استثمار جريمة بشعة راح ضحيتها ستة أفراد من اسرة واحدة، قتلوا غدرا على يد ابن الاسرة الشاب الذي تملكته – حسبما يقول – روح شريرة، وأصمت آذانه أصوات شيطانية دفعته لارتكاب جريمته. حدث ذلك في العام 1974 في منزل عائلة دفيو الواقع بمنطقة اميتفيل في نيويورك حين اقدم روني دفيو البالغ من العمر 23 عاما على اطلاق النار على والديه وشقيقيه وشقيقتيه في الثالثة من فجر أحد أيام شهر نوفمبر/ تشرين الثاني وحينما كان الجميع يغطون في نوم عميق، وبعدها بعام واحد كان هناك حادث آخر في المنزل نفسه ولعائلة أخرى هي عائلة لوتز، لكنه هذه المرة لم يودي بحياة أفرادها بل انه دفعهم لترك الجمل بما حمل والهرب من المنزل نفاذا بجلودهم.

ما الذي حدث بالضبط؟ روني قتل جميع أفراد عائلته، أنكر في بادئ الأمر لكنه اعترف لاحقا بجريمته النكراء مرجعا أسبابها للروح الشيطانية التي تقمصته حينها والتي لم يكن قادرا على مقاومتها وتجاهل أصواتها، أغلق ملف الجريمة بعدها وحصل روني على ستة احكام بالسجن المؤبد، وهو لايزال سجينا حتى هذا اليوم.

اعترافات روني وادعاءاته الشيطانية خلقت ضجة كبرى وأحدثت بلبلة بين الجميع، وبات الحدث محل نقاش وتحليل، كثيرون صدقوا أقواله وآمنوا بوجود روح ولربما أرواح تجول المنزل هي ما أثرت على ساكنيه، لكن جورج لوتز لم يكن أحد هؤلاء بل آمن أن “المنازل لا تقتل أصحابها” بل إن “البشر هم من يقتلون بعضهم”، وقرر شراء المنزل الذي عرض للبيع بمبلغ زهيد.

ما حدث بعدها كان هو محور فيلم “رعب في أميتفيل The Amityville Horror” الذي يمثل اعادة لفيلم قدم تحت الاسم نفسه وعرض في العام 1979 عارضا تفاصيل ما حدث لجورج واسرته في ذلك المنزل، وقد كان من تمثيل جيمس برولين ومارغوت كيدر ومن اخراج ستيوارت روزينبيرغ. اليوم يقوم المخرج اندرو دوغلاس لأسباب غير واضحة بتقديم العمل ذاته مع ريان رونالدز في دور جورج لوتز ومليسا جورج في دور زوجته كاثي، مستعرضا الحوادث والتفاصيل نفسها التي عرضت في نسخة العام 1979 وهي حوادث مأخوذة من رواية جي انسون التي كانت مبنية على قصص يزعم انسون نقلها مباشرة من لسان ضحايا المنزل، روني وجورج، على اعتبار ان روني دافيو كان ضحية أيضا.

بطل الفيلم ريان رونالدز له رأي بشأن إعادة تقديم الفيلم فهو يعتقد ان موضوع الفيلم يستحق ان يعاد تقديمه مرة أخرى خصوصا مع مخرج مثل دوغلاس، كما ان رونالدز يرى أن الفيلم يلتزم أكثر بتفاصيل رواية انسون من النسخة الأولى، كما ان هذه النسخة تغوص في الجانب النفسي لجورج بشكل أكبر، هذا عدا عن الاستفادة من التطور التقني الكبير في مجال صناعة أفلام الرعب.

إذن وبحسب رونالدز، علينا أن نتوقع فيلما مرعبا يفضل تجنب مشاهدته مساء، وهو ما لا يتفق معه فيه النقاد الذين يرون أن هذا الفيلم ليس مرعبا بقدر نسخته الأولى وانه لا يختلف عن سابقه الا في وجوه ممثليه، أعتقد وبعيدا عن الاثنين أعتقد أن الفيلم لا يقدم أي جديد في مجال أفلام الرعب، بل يمكن القول إنه فيلم… ليس مرعبا على الاطلاق ولا علاقة له بأفلام الرعب، وهو أيضا ليس… مثيرا للأعصاب، بصراحة كنت قد أعددت العدة قبيل ذهابي لمشاهدته، اصطحبت صديقاتي وجلسنا في منتصف صالة العرض، وتأكدنا من امتلائها بالمشاهدين بحثا عن دعم معنوي في حال الاصطدام بأي مشهد غير طبيعي محتمل الارهاب، لكن المفاجأة أو لعلها الصدمة كانت أنه لم يكن هناك فيلم، كانت هناك قصة لا تحمل أي جديد، سواء على المستوى الدرامي أو على مستوى تقنيات أفلام الرعب، والقصة تعرض باختصار ما يجري لعائلة لوتز بعيد انتقالها الى المنزل المقصود، وكيف قضت 28 يوما يفترض به أن تكون مليئة بالرعب الذي تعود أسبابه الى الاتصال بين أفراد الاسرة والأرواح التي تسكن المنزل الطيبة منها والشريرة، فالفتاة الصغيرة تشيلسي تتخاطب مع شخص مجهول وحين تسألها والدتها عن الأمر تخبرها أن لها صديقة جديدة تدعى جودي، نعرف فيما بعد انها ابنة عائلة دافيو التي راحت ضحية حادث القتل المشئوم، وجودي أو روح جودي لها قدرة رائعة على التخاطب مع تشيلسي واقناعها بالذهاب معها الى السماء لتلتقي بوالدها المتوفى منذ زمن والذي تفتقده تشيلسي بشدة.

من ناحية أخرى يتصل جورج مع الروح الشيطانية التي تقطن المنزل وهي روح قس شرير عاش منذ قرون بعيدة في المنزل نفسه الذي كان في الأساس ديرا بني في القرن السابع عشر، وارتكب فيه جرائم وحشية بحق الهنود الحمر، وهم أيضا “أقصد الهنود الحمر” مازالت أرواحهم تعيش في المنزل وتزعج قاطنيه. الروح تزعج جورج في بادئ الأمر ثم تصيبه بالكوابيس وتجعله يتصرف تصرفات غريبة وغير مفهومة ويبدو فاقدا لاتزانه ولقدرته على التواصل، وأخيرا تبعث في رأسه أصوات مفزعة تأمره بقتل أفراد الاسرة، تماما كما فعل روني.

طبعا تنفذ العائلة بجلدها وتهرب قبل أن يحدث أي مكروه لأي من أفرادها حتى جورج يتم انقاذه ويهرب الجميع تاركين كل أشيائهم في المنزل من غير نية بالعودة لاحقا لأخذ ممتلكاتهم.

لا أعرف أية صدقية وأي التزام يتحدث عنهما بطل الفيلم حين ادعى ان هذه النسخة أكثر التزاما بتفاصيل رواية انسون، واذا كان ذلك صحيحا فلا أدرى أية صدقية تحمل هذه الرواية التي لا تتطابق مع ما جاء في أقوال جورج لوتز نفسه والتي يمكن الاطلاع عليها من خلال مواقع كثيرة، فالحوادث هنا تحمل تفاصيل كثيرة لم يتحدث عنها جورج ولا علاقة لها بحقيقة ما حصل في ذلك المنزل، إذ إنه وبحسب أقوال جورج كانت هناك أمور غير مفهومة، وكانت الأسرة تسمع أصوات خطوات غريبة، وترى في كل صباح سائلا غريبا أخضر اللون ينزل على الجدران ومن فتحات الأبواب، هذا عدا عما يحدث لباب المنزل الرئيسي الذي يفتح على مصراعيه في كل ليلة بينما يغط جميع أفراد الاسرة في نوم عميق، الا ان جورج لم يتحدث عن قبو سري، أو روح جودي التي تخاطب الصغيرة، أو ما عدا ذلك من ترهات وحركات مبتذلة جاء بها المخرج، وأقول مبتذلة لأنها مكررة وتقليدية ولا تفعل أثرا في أي مشاهد.

فيلم “رعب في اميتفيل” ليس فيلما مرعبا، كما انه ليس جيدا ولا سيئا، هو فيلم جاء ليستثمر مأساة يبلغ عمرها ثلاثة عقود، وليقنع الجمهور ببراءة روني، ربما في محاولة لاقناع القضاء الأميركي بالافراج عنه، الفيلم باختصار لا يقدم أي جديد وهو مضيعة للوقت والجهد ولأموال هوليوود.

العدد 1020 – الأربعاء 22 يونيو 2005م الموافق 15 جمادى الأولى 1426هـ

نادي الانتحار رعب حقيقي وإثارة واقعية وشاشة تسبح في الدماء

منصورة عبدالأمير 

أفلام الرعب بكل ما تحويه من صور مفزعه وأصوات توجف القلب ومشاهد تثير الأعصاب، لا يمكنها أن تكون أكثر رعبا من تلك الأفلام التي تأتي لتناقش بعض التفاصيل المرعبة التي يمتلئ بها الواقع من حولنا والتي قد نحاول بشكل أو بآخر التغاضي عنها وتجاهلها. أفلام الرعب لا تقدم واقعا، بل قصصا هي أقرب الى الخيال حتى وإن نسبها كتابها ومخرجوها لقصصا حقيقية وواقعية، أما أفلام الواقع المرعب فهي تلك التي تترك الأعصاب مشدودة والنفوس ممزقة حسرة وألما على واقع مشوه قبيح، وهي التي تظل حبيسة في الذاكرة مسببة الرعب ذاته والألم عينه والمرارة نفسها.

الفيلم الياباني نادي الانتحار The Suicide هو أحد تلك الأفلام التي تنقل جزءا من واقع مرير قد لا نعيشه هنا، لكن يعاني منه بشر آخرون، يبدأه مخرجه سيون سونو بداية مفزعة تسبب رعبا لا يمكن أن تنتجه أية تقنيات أفلام الرعب الأخرى، وهي بداية أثارت ضجة لم تنته حتى وقت كتابة هذا المقال. يبدأ الفيلم بمشهد نرى فيه 54 من طالبات مدرسة ثانوية، أنهين للتو يوما دراسيا طويلا وانطلقن في مرح وسعادة بالغتين ليلجن قاعة انتظار احد القطارات، وهن يرددن بعض أغاني المدرسة التي تمتلئ فرحا وتفيض حيوية وحبا للحياة، منتشيات يقطعن الطريق، لا يكترث لوجودهن أحد، سعيدات مندفعات لقدر لم يعلمه أحد الحاضرين سواء ممن كانوا في قاعة الانتظار أو ممن يجلسون وراء الشاشات… يصلن الى الخط الأصفر الذي يمنع تجاوزه ويقفن في صف واحد متكاتفات تتشبث كل منهن بكف الأخرى، وسعادة غامرة ترتسم على وجوههن، وابتسامات تظل ترفرف على وجوههن على رغم ما يحدث بعدها بثوان معدودة حين تقفزن في وجه القطار ببهجة غامرة لتتطاير أشلاؤهن وكتبهن وكل ما تبقى منهن ولتغرق الشاشة بعدها في بركة من الدماء يظل وهجها طاغيا على جميع المشاهد وتظل حرارتها حاضرة حتى النهاية، وتظل أصداء ضحكات الفتيات تتردد في ذاكرة المشاهد كلما استحضر أيا من تفاصيل الفيلم.

هذا المشهد وبقدر ما يحمله من بشاعة ورعب، بقدر ما يثيره من علامات استفهام وقلق بشأن حياة المجتمع الياباني وحال السأم والاحباط التي يعيشها أفراده، فانتحار الطالبات هذا ليس سوى جزء من سلسلة من حوادث الانتحار التي لا تتوقف طوال مدة عرض الفيلم، والتي تتواصل بشكل مرعب إذ لا يكتفي سونو الذي كتب الفيلم واخرجه بمشهده ذاك بل انه يمعن في تعذيبنا وتوتير اعصابنا حين يستعرض المزيد من عمليات الانتحار الجماعي وحين يستدرجنا في قصة خيالية يناقش من خلالها واحدة من أهم القضايا التي يعاني منها المجتمع الياباني، ألا وهي مشكلة الانتحار، والتي يبالغ في استعراضها لا لشيء الا ليستشعر المشاهد حجم المعضلة وفداحة الخطب، وهي وإن جاءت من محض خياله الا انها ليست بعيدة عن واقع يمتلئ أسى بسبب حوادث الانتحار التي تتزايد أعدادها بشكل مرعب.

افتتاحية سونو المرعبة إذا لم تكن سوى البداية “بحسب قصته” لسلسلة من عمليات الانتحار الجماعي التي تعم البلاد والتي تستهدف الشباب اليافع ابتداء من طلبة المدارس المراهقين وصولا لممرضتين بدتا راضيتين قانعتين تمتلئ نفساهما هدوءا وهن مقبلات على الموت، تلقي احداهن بنفسها من نافذة الطابق العلوي بأحد المستشفيات أمام نظر حارس الأمن مودعة إياه بقولها “أراك لاحقا”، ويقسم الحارس أنها لم تكن منزعجة أو حزينة على الاطلاق.

ومن الممرضتين الى شابة تكاد اذنها تتمزق نتيجة اصطدام جسد صديقها بها، إذ يلقي بنفسه من شرفة شقتهما، ومن هناك لحادث آخر في مدرسة ثانوية، ولآخر ولآخر حتى نجد أنفسنا وسط نفق مظلم يسير بنا سونو خلاله وسط أشلاء الموتى مالئا أنوفنا برائحة دمائهم، صاما آذاننا بأصوات تهشم عظامهم وتفتت أجسادهم، كاشفا واقعا طالما أديرت عنه الرؤوس وتكتمت على وجوده الألسن، طارحا وجهة نظره فيما يمكن أن يكون السبب وراء تزايد تلك الظواهر بذلك الشكل الجنوني.

سونو يطرح تساؤلاته على لسان محقق يدعى كورودا يحاول هو الآخر مع باقي أفراد فرقته التوصل الى الحقيقة التي لا تبدو سهلة على الاطلاق، والتي يبدو سونو وكورودا وجميع ممثلي الفيلم حائرين بشأنها لا يستطيعون الاجابة عمن يقف وراء ظاهرة الانتحار، وعما يمكن أن تشير اليه حقائب تحوي شريطا ملفوفا من الجلد البشري أخذ من عدة أشخاص، يجده المحققون بعد أية عملية انتحار جماعية. هل هي طقوس انتحارية، أم إنها ثقافة البوب التي تروج لها أغاني فرقة ديسرت وهي فرقة لفتيات تتراوح أعمارهن بين العاشرة والثالثة عشرة، وهي أغنيات تمجد الموت وتدعو اليه مصورة اياه بالوسيلة الأسرع للسعاة الباقية والراحة الخالدة وللقاء لا ينتهي مع الأحبة بل وللاتحاد مع الذات والشعور برضى لا مثيل له، وهي أغنيات تلقى رواجا كبيرا بين مراهقي اليابان “بحسب الفيلم”.

أهو البوب إذا أم إنها مؤامرة على المجتمع الياباني تأتي سلاسل الانتحار كأحد مؤشراتها، أم إنها الثقافة اليابانية التي تمجد العنف والموت وترسخ مفاهيم الراحة الأبدية والتوحد مع الذات، وهل هناك في الأساس سلاسل انتحار أم لا، هل هناك عمليات انتحار منظمة، وهل توجد جهة مسئولة عن ذلك أم إنها عمليات عشوائية تحدث هنا وهناك لأسباب قد يبدو معظمها تافها غير ذي أهمية.

ولا يكتفي سونو بطرح تساؤلاته تلك بل انه يمعن في تشويشنا وزيادة حيرتنا، إذ يتركنا بمزيد من الأسئلة الناتجة من بعض تفاصيل فيلمه، فما الذي يريده من وراء عرضه هذا، أهو نقد اجتماعي ام انها قصة بوليسية ذات حبكة معقدة، أهي كل ذلك أم إنها لا شيء من ذلك، ولماذا تمتد ظاهرة الانتحار لجيل آخر وهو جيل المحقق نفسه الذي تجاوز الأربعين من عمره، ثم ما علاقة العصابة التي تختطف الفتاة التي تهوى قرصنة الانترنت، والتي تكون أول من يثير قضية تنظيم سلاسل الانتحار لدى المحققين.

لا يمتعنا فيلم سونو لكنه ينجح في إثبات أن الواقع حولنا أشد مرارة ورعبا من أي حيل سخيفة تافهة يقوم بها مخرجو أفلام الرعب باستخدام تقنيات كمبيوترية، لكن فيلمه الفائز بجائزتي لجنة التحكيم وجائزة أخرى من مهرجان فانتازيا في العام 2001 هو فيلم يستحق المشاهدة لمن يحتملون مشاهده المرعبة

العدد 1017 – الأحد 19 يونيو 2005م الموافق 12 جمادى الأولى 1426هـ

“اغتيال ريتشارد نيكسون”: بين ومولر يحذران قتلة الأحلام من ثورة المحبطين

الوسط – منصورة عبدالأمير 

يأخذنا المخرج نيلز مولر في فيلم “اغتيال ريتشارد نيكسون” the assassination of richard Nixon الى جانب اخر من الصورة المشرقة للمجتمع الأميركي وللحلم الأميركي وذلك من خلال استعراض قصة حقيقية حدثت في العام 1974 بطلها هو صاموئيل بايك، موظف المبيعات الوحيد الذي تخلى عنه الجميع والمصاب بحال شديدة من الاكتئاب والاحباط الذي تعب من الكذب على الزبائن والخداع. لا يتمكن من الحصول على قرض حكومي كما يتخلى عنه أفراد عائلته.

لا يرغب سام سوى في ان يجتمع مع عائلته من جديد وان يعيش حياة مادية مكتفية لكن واقع الحياة انذاك والوضع الاقتصادي المزري الذي تسببت فيه حرب فيتنام وهي حرب خاضها الرئيس نيكسون مغامرا ببلاده في وضع مشابه لما فعل جورج بوش في حربه الأخيرة ضد العراق، هذا عدا عن تورط نيكسون في فضيحة ووترغيت التي قضت على ما تبقى من أحلام الأميركيين في الحياة التي تتناسب مع الحلم الأميركي.

تطارده صور نيكسون وكلماته في كل مكان، وهو الذي يعتبره سام أكبر موظف مبيعات، استطاع ان يقدم من الوعود ما ضلل به شعبه وأعماهم عن كل فساده وتجاوزاته، يعثر سام إذن على سبب مشكلاته وصعوباته الحياتية وسبب هموم كل الأميركان، نيكسون، الرأس الأكبر في النظام الرأسمالي الأميركي الذي يجده سام سببا في كل ما يعيشه من احباطات ولذلك يقرر الانتقام منه ويخطط لعملية اغتياله.

الشخصيات الرئيسية

شون بين “سام بايك”

اصبح هذا الممثل الأميركي الحاصل على جائزة الأوسكار واحدا من أهم رموز صناعة السينما الأميركية خلال عقدين من الزمان، تم ترشيحه للأوسكار ثلاث مرات لكنه فاز أخيرا بجائزة أفضل ممثل عن دوره في فيلم المخرج كلينت أيستوود النهر الغامض MYSTIC RIVER.

كان أول ظهور له في العام 1981 مع فيلم TAPSللمخرج هارولد بيكر، لكنه أثبت جدارته في ثاني أعمالهFAST TIMES AT RIDGEMONT HIGH مع المخرجة ايمي هيكر لينغ.

وصل عدد الأفلام التي شارك فيها كممثل إلى 30 فيلما معظمها من الأفلام الأميركية المتميزة التي تأتي برسالة هادفة وتستعرض الكثير من الأوضاع الاجتماعية والسياسية، وقد فاز عن أدائه فيها بكثير من الجوائز من معظم مهرجانات الأفلام العالمية. له أفلام أخرى مميزة كمخرج آخرها المشاركة الأميركية في فيلم 11؛01“09 وقد حصل على جائزة السيزار الفرنسية، كما حصل على إشادة النقاد الفرنسيين. آخر أعماله فيلم المترجمة THE INTERPRETER الذي ظهر فيه الى جانب نيكول كيدمان، كما انه سوف يبدأ قريبا تصوير فيلم ALL THE KINGصS MEN مع المخرج ستيفن زيلاين وسيشاركه بطولته الممثل الانجليزي جود لو.

دون شيدل “بوني”

منذ ترشيحه لجائزة نقاد لوس انجليس لأفضل ممثل عن دوره المميز الى جانب دينزل واشنطن في فيلم DEVIL IN A BLUE DRESS, بدأ شيدل في تقديم أروع ما لديه من قدرات ادائية وتمثيلية سواء على المسرح أو على الشاشة.

ظهر في الكثير من الأفلام المهمة التي رشحت لجوائز الاوسكار منها فيلم OCEAN ELEVEN وفيلمTRAFFIC، وظهر في الكثير من الأفلام الى جانب نجوم كبار أمثال جوليا روبرتس وتومي لي جونس وجون ترافولتا، كما ان ملامحه المميزة أهلته للظهور في أفلام مثل THINGS BEHIND THE SUN للمخرجة اليسون انديرز الذي أكسبه ترشيحا لجائزة ايمي، وآخر أعماله هي ظهورة في فيلم، THE UNITED STATES OF IRELAND الى جانب كيفن سبايسي “الذي يخرج الفيلم ايضا” وريان غوزلينغ.

كما انه يعد حاليا لأول فيلم من اخراجه وهو مأخوذ من رواية ايلمور ليونارد .TISHOMINGO BLUES

نعومي واتس “ماري بايك”

حصلت واتس على أول ترشيح للأوسكار عن دورها في فيلم المخرج المكسيكي اليخاندرو غونزاليز ايناريتو 21 GRAMS الذي ظهرت فيه الى جانب شون بين وبينيسيو ديل تورو، وهو الدور الذي أكسبها الكثير من الجوائز كأفضل ممثلة منها جائزة نقاد لوس انجليس وجائزة نقاد أفلام جنوب أميركا وغير ها من الجوائز

حصلت على جائزة مهرجان كان في العام 2001 لأدائها في الدراما المثيرة للجدل MULHOLLAND DRIVE كما حصلت على جوائز أخرى عن الدور نفسه.

بطاقة الفيلم

اخراج: نيلز مولر

كتابة النص: كيفن كينيدي، نيلز مولر

التصنيف: دراما

تمثيل: شون بين، نعومي واتس، دون شيدل، جاك ثومبسون، براد ويليام هانكي، مايكل وينكوت

مدة العرض: 95 دقيقة

يمكن الحصول على نسخة من الفيلم من محلات الرؤية لليزر هاتف: 1759542

العدد 1006 – الأربعاء 08 يونيو 2005م الموافق 01 جمادى الأولى 1426هـ

اغتيال ريتشارد نيسكون… وكل قتلة الأحلام

منصورة عبد الأمير

دائما يعيد التاريخ نفسه، وكثيرا ما يكرر القاء دروسه ليبث من خلالها رسائل واشارات مباشرة وغير مباشرة عسى أن يكون هناك من يتعظ ومن يأخذ منه دروسا وعبر. .. وللتاريخ جنوده ورسله، عرفوا ذلك أم جهلوه وقبلوه أم رفضوه، وجنود التاريخ ليسوا بشرا بمواصفات خاصة بل نحن أنفسنا، أنا وأنت والآخرون من حولنا، نحن الذين نكرر أخطاء من سبقونا أو نطورها وفي أحوال نادرة نستجمع شيئا من ذاكرتنا فنتنفاداها، ونحن أيضا من نكون عبرا للآخرين من حولنا.

شون بين، الممثل الأميركي المعارض لسياسات حكومة بلاده على الدوام، والذي سببت له اراؤه الجريئة تجاه تلك السياسات غضب البيت الأبيض وبالتالي تجاهل هوليوود وتنكرها لبعض ابداعاته. بين، هذا الرجل المبدع عاد إلينا منذ شهور قليلة في زي أحد جنود التاريخ، ليقدم لنا رائعة أخرى من روائعه في فيلم من اخراج نيلز مولر في ثاني تجاربه الاخراجية، جاء تحت اسم اغتيال ريتشارد نيكسون The Assassination of Richard Nixon.

عنوان الفيلم الذي يوهم القارئ بفيلم يناقش جزء من حياة الرئيس الأميركي الاسبق ريتشارد نيكسون، لا يتعرض لحياة هذا الرئيس الذي لم يغتل كما يحاول الفيلم ان يقنعنا من خلال عنوانه، لكنه يستعرض جزءا من حياة مواطن أميركي عادي ادى انهيار مفهومه للحلم الأميركي وسقوط حلمه الخاص به أمام عينيه لأن يخلق منه مواطنا آخر، من نوع خاص، مواطن محبط يعيش على هامش الحياة يرفضه الجميع فيقرر الانتقام لكن على طريقته الخاصة.

الفيلم مبني على قصة حقيقية حدثت في العام 1974 بطلها هو سام بايك أو صاموئيل بايك “شون بين” وهو موظف مبيعات في احدى شركات الأثاث يعجز عن البقاء في وظيفته لعدم تمكنه من تسويق بضاعته لقناعته التامة بإن عمله ذاك ما هو إلا كذب على الزبائن وضحك على ذقونهم، وهكذا يرفض العمل ويفشل فيه كما كان قد فشل مسبقا في حياته الزوجية مع زوجته وأم أولاده الثلاثة ماري “نعومي واتس”. ماري تنفصل عنه أولا ثم تصله من المحكمة أوراق الطلاق منها، على رغم انه كان يعيش على أمل العودة إليها، وخصوصا انها تركته لأنه لم يكن يستطيع الانفاق على الاسرة وكان يترك كل عمل يلتحق به، وها هو الآن يقبل العمل في المبيعات ويمارس الكذب على الزبائن، من أجل العودة اليها فقط، لكنها ترفض ذلك وتفضل رجلا آخر. ترفضه ماري وهو من أحبها وأرادها حتى النهاية، ويرفضه أطفاله بل ولا يستجيبون له حين يطلب التقاط صورا لهم في أحد المشاهد.

يترك عمله بعد خلاف مع مديره سببه مبادئه المثالية التي لا تتناسب وواقع الحياة من حوله، يغادر على أمل الحصول على قرض كان قد تقدم لأحد البنوك بطلبه، رغبة منه في ان يكون له نشاطه الخاص مع صديقه بوني “دون شيدل”، لكن المصرف يرفض قرضه، فيجزم أن لذلك الرفض أسباب عنصرية مردها كون صديقه من أصول إفريقية. بعدها يرفضه شقيقه الثري غوليوس “مايكل وينكوت” لأنه حاول سرقة شحنه اطارات منه في حين يرى انه اقترض الشحنة تلك ويعد بانه كان سيعيدها في يوم ما، ثم لا يحاول العودة الى صديقه بوني الذي كان سام قد ورطه في قضية السرقة تلك وتسبب في سجنه لولا تدخل شقيقه غوليوس. وليس ذلك فحسب بل انه يحاول الانضمام الى حزب النمور السوداء”The Black Panthers” لكنهم يرفضونه على رغم ما تبرع منه من مبلغ مالي لا بأس به من أجل الحزب. هكذا إذن يرفضه الجميع ليجد نفسه وحيدا بلا عمل ولا زوجة ولا أولاد ولا حتى ما تبقى من عائلته، ويبدو وكأن كلب العائلة الوحيد هو من أصبح يتودد اليه حين يزور المنزل خلسة بينما تكون ماري وأبناؤها في الخارج. يبدو سام وكأنه يبحث عن أسباب إخفاقه وفشل جميع علاقاته فلا يجد سوى المال… المال. المال الذي دمر كل شيء من حوله، دمر زواجه، دمر علاقاته الأبوية، وعلاقاته مع شقيقه، دمر صداقته، و… دمر بلاده. نعم هكذا نظر سام للأمر وهكذا رأى الأمور، فالمال هو ما دمر بلاده وهو ما جعل رئيس بلاده آنذاك يكذب على شعبه ويعدهم وعودا لا تتحقق ثم يتورط في فضيحة كبرى هي فضيحة ووترغيت التي ظلت أميركا تدفع ثمنها غاليا لسنوات بعد ذلك، والذي انتخب لدورة رئاسية أخرى على رغم كذب وعوده وعلى رغم فساده وسرقته التي تمت في وضح النهار لحلم أبناء شعبه. تتضح الصورة إذا لسام، ينكسون هو سبب اخفاقاته، هو من قتل حلمه وحلم جميع الأميركيين بحياة فاضلة هانئة، هو إذن من دمر “الحلم الأميركي” الذي جاء كأحد الأسس التي بنت المجتمع الأميركي الحديث.

وجد سام سبب فشله إذا، وسبب احباطه وعثر أخيرا على من أغلق كل أبواب الأمل في وجهه ومن أطفأ أنوار السعادة في عينيه، وهو غاضب الآن ولا بد له أن ينفس عن هذا الغضب وان يخرجه من بين ضلوعه. موت نيكسون إذا والتخلص منه هو ما سيطفئ الثورة في نفسه وهو ما سيهدئ من روعه وهو أيضا ما قد يعيد شيئا من الأمل الى نفسه ويخلصه من الاحباط الذي يخنقه. ذاك ما أراده سام وذاك ما خطط لفعله، حين قرر اختطاف طائرة ركاب وتوجيهها لتحط على سقف البيت الأبيض ثم تدميرها هناك حتى يموت نيكسون ويموت معه عدد من الأبرياء فمن شاء لهم القدر ان يكونو على متن تلك الرحلة أو داخل البيت الأبيض.

هكذا أراد سام وهذا ما صرح به في شريطه الذي سجل فيه كل معاناته وكل أسباب قيامه بما قام به، ثم بعث به الى أحد رواد الموسيقى الكلاسيكية آنذاك هو ليونارد بيرنستاين، لا لاتفاق مسبق بينهما ولا لمعرفة من الآخر به، فقط لما كان سام يكنه من اعجاب لموسيقى ذلك الرجل.

ينتهي الفيلم ليتركنا بانطباع آخر يختلف عن ذاك الذي بدأنا به يعود سببه للأداء الراقي لشون بين المتميز دائما والذي تمكن بحدة أدائه وبعمق انفعالاته من أن ينقل حال الاحباط التي عاشها سام بايك في تلك الفترة وهو احباط اجتماعي سياسي قد يجد له مكانا في أية بقعة في العالم اليوم أو في وقت آخر، وليس ذلك فحسب بل ان بين تمكن بقدرته الكبيرة على نقل الحال النفسية المزرية التي يعيشها بطل القصة في أن يخلق لدينا حالا كبيرا من التعاطف مع سام على رغم ما قام به في نهاية الفيلم من عمل لا يمكن ان يوصف الا بانه ارهابي اجرامي آثم.

فشلت خطة سام وقتل كما قتلت احلامه لكن أسألته وغضبه على قتلة أحلام الأميركيين ستظل قائمة، إن لم يكن في عقول الأميركان أنفسهم ففي عقول كثيرين آخرين، على الأقل ممن سيشاهدون هذا الفيلم، فالأحلام لم تمت في قلوب وعقول الأميركان فقط بل اننا جميعا نصرخ مع سام ونتساءل عن “من يقتل أحلامنا”

العدد 1006 – الأربعاء 08 يونيو 2005م الموافق 01 جمادى الأولى 1426هـ

 

“مملكة الجنة” …عودة جريئة لسكوت… ورسالة تقول: “القدس للجميع، فاتركوها بسلام”

الوسط – منصورة عبدالأمير 

كثير من النقاد لم يعجبهم الفيلم الأخير لمخرج الأعمال الملحمية المبدع ريدلي سكوت الذي قدمه تحت اسم مملكة الجنة Kingdom of Heaven، وأكثر منهم من وجد في مادة الفيلم إساءة بالغة للمسلمين أو للمسيحيين، بل ان النقاد والصحافيين “الغربيين خصوصا” صدعوا رؤوسنا قبل عرض الفيلم بأسئلتهم عما يمكن أن يثيره هذا الفيلم لدى المسلمين، وظننا جميعا أن سكوت سيفجر قنبلة تمتلئ عنصرية وكرها وإهانة للإسلام والمسلمين، الأمر الذي جعل كثيرين منا يعيشون حال توتر وترقب انتظارا للفيلم حتى فعلت سينما الدانة خيرا حين لم تتأخر في عمل ذلك في موعد إنزاله نفسه في صالات العرض الأميركية والأوربية.

الآن وبعد مشاهدته يمكنني القول أن الفيلم يستحق كل الجدل الذي أثير حوله، ولكني أؤكد أن معظم ما قيل لم يكن يعبر عن حقيقة الفيلم أو الرسالة المقصود إيصالها من وراء هذه القصة التي يعود سكوت من خلالها بعد توقف عامين في قالب اعتاده المشاهد منه عبر أفلام مثل Black Hawk Down و Gladiator وإن كان الفرق بين هذين الفيلمين كبيرا فالأول هو فيلم إثارة سياسي يضع يده على بعض حساسيات المجتمع الأميركي، والثاني يقدم دراما تاريخية تمتلئ إثارة وتشويقا، ولكنهما في النهاية يصبان في قالب واحد هو قالب أفلام الإثارة التي تناقش قضايا تثير حساسية البعض ويجبن كثيرون عن طرحها أو التصدي لها.

سكوت يعود ليناقش من خلال فيلمه الجديد “مملكة الجنة” واحدة من أشد القضايا حساسية على المستوى العالمي، مستعرضا بجرأة لم يسبقه إليها أحد الخلفية التاريخية للصراع الإسلامي المسيحي على القدس، وهو صراع أزلي لايزال يقسم العالمين المسيحي والإسلامي، ويفرق – كما يشير المخرج – بين أتباع الديانات الثلاث.

وليضع سكوت يده على هذه القضية يستعرض قصة باليان “أورلاندو بلوم”، الشاب الفرنسي الذي يعمل حدادا والذي يأخذه قدره إلى القدس”أورشليم” ليجعل منه قائد جيوشها، وليضعه القدر نفسه في موقف يقرر فيه تسليم القدس طوعا لصلاح الدين الأيوبي قائد جيوش المسلمين.

باليان يقدم القدس هدية للجيش المسلم مفضلا المحافظة على أرواح أهلها، وإن كان الثمن تشريدهم في بقاع الأرض وتركهم “الجمل بما حمل” لصلاح الدين وجنوده، وهو بذلك حقق انتصارا معنويا إلى حد ما على من أجبر لأن يكون خصمه وأقصد بذلك صلاح الدين “الفنان السوري غسان مسعود”، فالأخير أراد اقتحام المدينة مهما كلفه الأمر، فقط للدفاع عن قوافل حجاج المسلمين الذين يقتلون على أيدي كارهي السلام ومحبي الفتنة والدمار، أما باليان الشاب الصغير ذو الخبرة القليلة فقد ارتأى أن يكون بطلا من نوع مختلف حين رفض حربا لم تكن حربه وأبى الدفاع عن إهانة لم تقدم له بل وجهت لمن هم ليسوا موجودين بين الحضور، وذلك كما جاء في مشهد الخطبة التي ألقاها على أهالي المدينة قبيل المعركة.

رفض باليان الحرب ووافق صلاح الدين على الصلح وإنهاء حرب لم تكن من أجل هيبة أي دين كما أراد المخرج أن يقول وكما وضع ذلك على لسان أبطاله، فالحرب لم يكن لها سوى هدف واحد هو الرغبة في النفوذ وفي إرضاء الاطماع البشرية ليس إلا، أما وصفها بالحرب المقدسة فهو ما أراد سكوت نفيه بطريقة مباشرة أو بغير ذلك.

سكوت أراد أن يقول من خلال فيلمه ان صلاح الدين الأيوبي لم يكن راغبا في الحرب، وكذلك لم يكن خصومه، وان المعسكرين “المسلم والمسيحي” لم يرغبا في إراقة الدماء وانهما أرادا الحياة ورفضا الموت، ولكن المتطرفين على الجانبين هم من أرادوا ذلك، وهم من رغبوا في حرق الأخضر واليابس من أجل اطماع لا علاقة لها بأية نزعات أو ميول دينية بل برغبات بشرية شيطانية. وسكوت لا يكتفي بذلك بل يؤكد أن صلاح الدين كان قائدا شديد المراس، حكيما، محنكا، و… مغرورا إلى حد ما، أما خصمه قائد جيوش القدس باليان فقد كان قليل الخبرة شديد الحنكة، شجاعا، متواضعا، ومقاتلا شرسا، دافع عن القدس وبعدها عقد مع صلاح الدين اتفاقا سلم من خلاله المدينة للمسلمين ثم تركها وشرد أهلها في بقاع الأرض… حفاظا على الأرواح البشرية.

وعلى رغم مشاهد القتل والدمار التي ينقلها الفيلم والتي أحدثها جيش المسلمين في المدينة وأهلها، يؤكد سكوت أن صلاح الدين لم يخطئ، وكذلك لم يكن باليان، كان الاثنان على حق في كل ردود أفعالهما، وكانت كل قراراتهما سليمة تتسم بالحكمة. لم يكن جدنا الأكبر صلاح الدين عدوا لملك القدس المسيحي أو لقائد جيوشه المسيحي أيضا أو لشعبه من المسيح أو اليهود، ولكنه كره كل من سولت لهم أنفسهم قتل الأبرياء وترويعهم من العرب والمسلمين، وفي المقابل لم يكن باليان قائد جيوش القدس يحمل أي عداء أو كراهية تجاه العرب والمسلمين. كلا القائدين قدم الكثير وتنازل عما هو أكثر… من أجل إنسان تلك الأرض، وكلاهما قاتل حتى النهاية لتعيش الإنسانية وليبقى الصفاء والحب، وكلاهما ساوم من أجل القدس للوصول الى أفضل تسوية ممكنة.

عودة سكوت جريئة، وخطوته ذكية وغير مسبوقة، وفيلمه وإن حوى بعض الأخطاء التفصيلية الصغيرة في بعض مشاهد الصلاة مثلا، فإن ما يحسب له هو أنه أول مخرج هوليوودي يطرح صورة العربي المسلم طرحا مختلفا بعيدا عن الصورة الهمجية المشوهة التي اعتاد عليها جمهور هوليوود. كذلك فإن تفكير هذا المخرج الانجليزي كان صائبا حين ابتعد عن كل ما هو مثير للحساسيات الدينية، مرجعا أسباب الحروب الصليبية إلى اطماع بعض المتطرفين من الجانبين، مقدما صورة البطل المسيحي على أنه شاب لم تأخذه إلى القدس دوافع دينية بل الرغبة في حياة جديدة بعيدة عن دياره التي يعيش فيها الناس آنذاك “القرن الثاني عشر بعد الميلاد، تحديدا العام 4811” ظروفا معيشية قاسية كما فقد فيها أعز أحبابه هما ابنه، وزوجته، التي ارتكب من أجلها جريمة قتل راح ضحيتها رجل دين فصل رأس الزوجة عن جسدها بعد إقدامها على الانتحار لمقتل ابنها، إيمانا منه بأنها مطرودة من رحمة الله. باليان في وسط هذه الظلمة كان مقتنعا إلى حد كبير بأنه هو الآخر غير قريب من الله ومطرود من رحمته، ولذلك هاجر إلى القدس من أجل حياة جديدة في أرض تمتلئ بالفرص، وذلك امتثالا منه لنصيحة والده السير غودفري “ليام نيسون”، قائد جيوش الملك الذي عاد للتو من إحدى حروبه في الشرق الأوسط باحثا عن ابنه غير الشرعي “باليان” مقدما حياته ثمنا للدفاع عن هذا الابن.

وليس ذلك فحسب بل إن سكوت ضمن حواراته بعض العبارات التي تبدو مأخوذة بشكل مباشر من كثير من عبارات وردت على لسان بعض المتطرفين، كعبارة قتل الكفار التي تعد طريقا إلى السماء، والتي جاءت في الفيلم على لسان بعض المتشددين من المسيحيين.

هي رسالة إذا أراد سكوت إيصالها، رسالة تصلح لكل العصور ما دام أساسها وهو النزاع على القدس باق ولا تبدو له في الأفق نهاية وليس أدل على ذلك من آخر مشهد في الفيلم وهو ذلك الذي يظهر فيه الملك الانجليزي تشارترد قلب الأسد باحثا عن باليان طالبا منه المشاركة في حربه ضد المسلمين لاستعادة القدس في حرب لم ولن تنتهي. سكوت أراد أن يقول “وبحيادية غير متوقعة من هوليوود، وإن لم تكن كاملة، إلا أنها في رأيي أقصى ما يمكن تقديمه اليوم” أراد أن يقول: لا تلقوا اللوم على الأديان، اتركوها جانبا، فاطماع الجانبين هي السبب، احقنوا دماء البشر مسلمين كانوا أم مسيحيين أم يهودا، واتركوا القدس بسلام

العدد 999 – الأربعاء 01 يونيو 2005م الموافق 23 ربيع الثاني 1426هـ