اغتيال ريتشارد نيسكون… وكل قتلة الأحلام

منصورة عبد الأمير

دائما يعيد التاريخ نفسه، وكثيرا ما يكرر القاء دروسه ليبث من خلالها رسائل واشارات مباشرة وغير مباشرة عسى أن يكون هناك من يتعظ ومن يأخذ منه دروسا وعبر. .. وللتاريخ جنوده ورسله، عرفوا ذلك أم جهلوه وقبلوه أم رفضوه، وجنود التاريخ ليسوا بشرا بمواصفات خاصة بل نحن أنفسنا، أنا وأنت والآخرون من حولنا، نحن الذين نكرر أخطاء من سبقونا أو نطورها وفي أحوال نادرة نستجمع شيئا من ذاكرتنا فنتنفاداها، ونحن أيضا من نكون عبرا للآخرين من حولنا.

شون بين، الممثل الأميركي المعارض لسياسات حكومة بلاده على الدوام، والذي سببت له اراؤه الجريئة تجاه تلك السياسات غضب البيت الأبيض وبالتالي تجاهل هوليوود وتنكرها لبعض ابداعاته. بين، هذا الرجل المبدع عاد إلينا منذ شهور قليلة في زي أحد جنود التاريخ، ليقدم لنا رائعة أخرى من روائعه في فيلم من اخراج نيلز مولر في ثاني تجاربه الاخراجية، جاء تحت اسم اغتيال ريتشارد نيكسون The Assassination of Richard Nixon.

عنوان الفيلم الذي يوهم القارئ بفيلم يناقش جزء من حياة الرئيس الأميركي الاسبق ريتشارد نيكسون، لا يتعرض لحياة هذا الرئيس الذي لم يغتل كما يحاول الفيلم ان يقنعنا من خلال عنوانه، لكنه يستعرض جزءا من حياة مواطن أميركي عادي ادى انهيار مفهومه للحلم الأميركي وسقوط حلمه الخاص به أمام عينيه لأن يخلق منه مواطنا آخر، من نوع خاص، مواطن محبط يعيش على هامش الحياة يرفضه الجميع فيقرر الانتقام لكن على طريقته الخاصة.

الفيلم مبني على قصة حقيقية حدثت في العام 1974 بطلها هو سام بايك أو صاموئيل بايك “شون بين” وهو موظف مبيعات في احدى شركات الأثاث يعجز عن البقاء في وظيفته لعدم تمكنه من تسويق بضاعته لقناعته التامة بإن عمله ذاك ما هو إلا كذب على الزبائن وضحك على ذقونهم، وهكذا يرفض العمل ويفشل فيه كما كان قد فشل مسبقا في حياته الزوجية مع زوجته وأم أولاده الثلاثة ماري “نعومي واتس”. ماري تنفصل عنه أولا ثم تصله من المحكمة أوراق الطلاق منها، على رغم انه كان يعيش على أمل العودة إليها، وخصوصا انها تركته لأنه لم يكن يستطيع الانفاق على الاسرة وكان يترك كل عمل يلتحق به، وها هو الآن يقبل العمل في المبيعات ويمارس الكذب على الزبائن، من أجل العودة اليها فقط، لكنها ترفض ذلك وتفضل رجلا آخر. ترفضه ماري وهو من أحبها وأرادها حتى النهاية، ويرفضه أطفاله بل ولا يستجيبون له حين يطلب التقاط صورا لهم في أحد المشاهد.

يترك عمله بعد خلاف مع مديره سببه مبادئه المثالية التي لا تتناسب وواقع الحياة من حوله، يغادر على أمل الحصول على قرض كان قد تقدم لأحد البنوك بطلبه، رغبة منه في ان يكون له نشاطه الخاص مع صديقه بوني “دون شيدل”، لكن المصرف يرفض قرضه، فيجزم أن لذلك الرفض أسباب عنصرية مردها كون صديقه من أصول إفريقية. بعدها يرفضه شقيقه الثري غوليوس “مايكل وينكوت” لأنه حاول سرقة شحنه اطارات منه في حين يرى انه اقترض الشحنة تلك ويعد بانه كان سيعيدها في يوم ما، ثم لا يحاول العودة الى صديقه بوني الذي كان سام قد ورطه في قضية السرقة تلك وتسبب في سجنه لولا تدخل شقيقه غوليوس. وليس ذلك فحسب بل انه يحاول الانضمام الى حزب النمور السوداء”The Black Panthers” لكنهم يرفضونه على رغم ما تبرع منه من مبلغ مالي لا بأس به من أجل الحزب. هكذا إذن يرفضه الجميع ليجد نفسه وحيدا بلا عمل ولا زوجة ولا أولاد ولا حتى ما تبقى من عائلته، ويبدو وكأن كلب العائلة الوحيد هو من أصبح يتودد اليه حين يزور المنزل خلسة بينما تكون ماري وأبناؤها في الخارج. يبدو سام وكأنه يبحث عن أسباب إخفاقه وفشل جميع علاقاته فلا يجد سوى المال… المال. المال الذي دمر كل شيء من حوله، دمر زواجه، دمر علاقاته الأبوية، وعلاقاته مع شقيقه، دمر صداقته، و… دمر بلاده. نعم هكذا نظر سام للأمر وهكذا رأى الأمور، فالمال هو ما دمر بلاده وهو ما جعل رئيس بلاده آنذاك يكذب على شعبه ويعدهم وعودا لا تتحقق ثم يتورط في فضيحة كبرى هي فضيحة ووترغيت التي ظلت أميركا تدفع ثمنها غاليا لسنوات بعد ذلك، والذي انتخب لدورة رئاسية أخرى على رغم كذب وعوده وعلى رغم فساده وسرقته التي تمت في وضح النهار لحلم أبناء شعبه. تتضح الصورة إذا لسام، ينكسون هو سبب اخفاقاته، هو من قتل حلمه وحلم جميع الأميركيين بحياة فاضلة هانئة، هو إذن من دمر “الحلم الأميركي” الذي جاء كأحد الأسس التي بنت المجتمع الأميركي الحديث.

وجد سام سبب فشله إذا، وسبب احباطه وعثر أخيرا على من أغلق كل أبواب الأمل في وجهه ومن أطفأ أنوار السعادة في عينيه، وهو غاضب الآن ولا بد له أن ينفس عن هذا الغضب وان يخرجه من بين ضلوعه. موت نيكسون إذا والتخلص منه هو ما سيطفئ الثورة في نفسه وهو ما سيهدئ من روعه وهو أيضا ما قد يعيد شيئا من الأمل الى نفسه ويخلصه من الاحباط الذي يخنقه. ذاك ما أراده سام وذاك ما خطط لفعله، حين قرر اختطاف طائرة ركاب وتوجيهها لتحط على سقف البيت الأبيض ثم تدميرها هناك حتى يموت نيكسون ويموت معه عدد من الأبرياء فمن شاء لهم القدر ان يكونو على متن تلك الرحلة أو داخل البيت الأبيض.

هكذا أراد سام وهذا ما صرح به في شريطه الذي سجل فيه كل معاناته وكل أسباب قيامه بما قام به، ثم بعث به الى أحد رواد الموسيقى الكلاسيكية آنذاك هو ليونارد بيرنستاين، لا لاتفاق مسبق بينهما ولا لمعرفة من الآخر به، فقط لما كان سام يكنه من اعجاب لموسيقى ذلك الرجل.

ينتهي الفيلم ليتركنا بانطباع آخر يختلف عن ذاك الذي بدأنا به يعود سببه للأداء الراقي لشون بين المتميز دائما والذي تمكن بحدة أدائه وبعمق انفعالاته من أن ينقل حال الاحباط التي عاشها سام بايك في تلك الفترة وهو احباط اجتماعي سياسي قد يجد له مكانا في أية بقعة في العالم اليوم أو في وقت آخر، وليس ذلك فحسب بل ان بين تمكن بقدرته الكبيرة على نقل الحال النفسية المزرية التي يعيشها بطل القصة في أن يخلق لدينا حالا كبيرا من التعاطف مع سام على رغم ما قام به في نهاية الفيلم من عمل لا يمكن ان يوصف الا بانه ارهابي اجرامي آثم.

فشلت خطة سام وقتل كما قتلت احلامه لكن أسألته وغضبه على قتلة أحلام الأميركيين ستظل قائمة، إن لم يكن في عقول الأميركان أنفسهم ففي عقول كثيرين آخرين، على الأقل ممن سيشاهدون هذا الفيلم، فالأحلام لم تمت في قلوب وعقول الأميركان فقط بل اننا جميعا نصرخ مع سام ونتساءل عن “من يقتل أحلامنا”

العدد 1006 – الأربعاء 08 يونيو 2005م الموافق 01 جمادى الأولى 1426هـ

 

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s