نادي الانتحار رعب حقيقي وإثارة واقعية وشاشة تسبح في الدماء

منصورة عبدالأمير 

أفلام الرعب بكل ما تحويه من صور مفزعه وأصوات توجف القلب ومشاهد تثير الأعصاب، لا يمكنها أن تكون أكثر رعبا من تلك الأفلام التي تأتي لتناقش بعض التفاصيل المرعبة التي يمتلئ بها الواقع من حولنا والتي قد نحاول بشكل أو بآخر التغاضي عنها وتجاهلها. أفلام الرعب لا تقدم واقعا، بل قصصا هي أقرب الى الخيال حتى وإن نسبها كتابها ومخرجوها لقصصا حقيقية وواقعية، أما أفلام الواقع المرعب فهي تلك التي تترك الأعصاب مشدودة والنفوس ممزقة حسرة وألما على واقع مشوه قبيح، وهي التي تظل حبيسة في الذاكرة مسببة الرعب ذاته والألم عينه والمرارة نفسها.

الفيلم الياباني نادي الانتحار The Suicide هو أحد تلك الأفلام التي تنقل جزءا من واقع مرير قد لا نعيشه هنا، لكن يعاني منه بشر آخرون، يبدأه مخرجه سيون سونو بداية مفزعة تسبب رعبا لا يمكن أن تنتجه أية تقنيات أفلام الرعب الأخرى، وهي بداية أثارت ضجة لم تنته حتى وقت كتابة هذا المقال. يبدأ الفيلم بمشهد نرى فيه 54 من طالبات مدرسة ثانوية، أنهين للتو يوما دراسيا طويلا وانطلقن في مرح وسعادة بالغتين ليلجن قاعة انتظار احد القطارات، وهن يرددن بعض أغاني المدرسة التي تمتلئ فرحا وتفيض حيوية وحبا للحياة، منتشيات يقطعن الطريق، لا يكترث لوجودهن أحد، سعيدات مندفعات لقدر لم يعلمه أحد الحاضرين سواء ممن كانوا في قاعة الانتظار أو ممن يجلسون وراء الشاشات… يصلن الى الخط الأصفر الذي يمنع تجاوزه ويقفن في صف واحد متكاتفات تتشبث كل منهن بكف الأخرى، وسعادة غامرة ترتسم على وجوههن، وابتسامات تظل ترفرف على وجوههن على رغم ما يحدث بعدها بثوان معدودة حين تقفزن في وجه القطار ببهجة غامرة لتتطاير أشلاؤهن وكتبهن وكل ما تبقى منهن ولتغرق الشاشة بعدها في بركة من الدماء يظل وهجها طاغيا على جميع المشاهد وتظل حرارتها حاضرة حتى النهاية، وتظل أصداء ضحكات الفتيات تتردد في ذاكرة المشاهد كلما استحضر أيا من تفاصيل الفيلم.

هذا المشهد وبقدر ما يحمله من بشاعة ورعب، بقدر ما يثيره من علامات استفهام وقلق بشأن حياة المجتمع الياباني وحال السأم والاحباط التي يعيشها أفراده، فانتحار الطالبات هذا ليس سوى جزء من سلسلة من حوادث الانتحار التي لا تتوقف طوال مدة عرض الفيلم، والتي تتواصل بشكل مرعب إذ لا يكتفي سونو الذي كتب الفيلم واخرجه بمشهده ذاك بل انه يمعن في تعذيبنا وتوتير اعصابنا حين يستعرض المزيد من عمليات الانتحار الجماعي وحين يستدرجنا في قصة خيالية يناقش من خلالها واحدة من أهم القضايا التي يعاني منها المجتمع الياباني، ألا وهي مشكلة الانتحار، والتي يبالغ في استعراضها لا لشيء الا ليستشعر المشاهد حجم المعضلة وفداحة الخطب، وهي وإن جاءت من محض خياله الا انها ليست بعيدة عن واقع يمتلئ أسى بسبب حوادث الانتحار التي تتزايد أعدادها بشكل مرعب.

افتتاحية سونو المرعبة إذا لم تكن سوى البداية “بحسب قصته” لسلسلة من عمليات الانتحار الجماعي التي تعم البلاد والتي تستهدف الشباب اليافع ابتداء من طلبة المدارس المراهقين وصولا لممرضتين بدتا راضيتين قانعتين تمتلئ نفساهما هدوءا وهن مقبلات على الموت، تلقي احداهن بنفسها من نافذة الطابق العلوي بأحد المستشفيات أمام نظر حارس الأمن مودعة إياه بقولها “أراك لاحقا”، ويقسم الحارس أنها لم تكن منزعجة أو حزينة على الاطلاق.

ومن الممرضتين الى شابة تكاد اذنها تتمزق نتيجة اصطدام جسد صديقها بها، إذ يلقي بنفسه من شرفة شقتهما، ومن هناك لحادث آخر في مدرسة ثانوية، ولآخر ولآخر حتى نجد أنفسنا وسط نفق مظلم يسير بنا سونو خلاله وسط أشلاء الموتى مالئا أنوفنا برائحة دمائهم، صاما آذاننا بأصوات تهشم عظامهم وتفتت أجسادهم، كاشفا واقعا طالما أديرت عنه الرؤوس وتكتمت على وجوده الألسن، طارحا وجهة نظره فيما يمكن أن يكون السبب وراء تزايد تلك الظواهر بذلك الشكل الجنوني.

سونو يطرح تساؤلاته على لسان محقق يدعى كورودا يحاول هو الآخر مع باقي أفراد فرقته التوصل الى الحقيقة التي لا تبدو سهلة على الاطلاق، والتي يبدو سونو وكورودا وجميع ممثلي الفيلم حائرين بشأنها لا يستطيعون الاجابة عمن يقف وراء ظاهرة الانتحار، وعما يمكن أن تشير اليه حقائب تحوي شريطا ملفوفا من الجلد البشري أخذ من عدة أشخاص، يجده المحققون بعد أية عملية انتحار جماعية. هل هي طقوس انتحارية، أم إنها ثقافة البوب التي تروج لها أغاني فرقة ديسرت وهي فرقة لفتيات تتراوح أعمارهن بين العاشرة والثالثة عشرة، وهي أغنيات تمجد الموت وتدعو اليه مصورة اياه بالوسيلة الأسرع للسعاة الباقية والراحة الخالدة وللقاء لا ينتهي مع الأحبة بل وللاتحاد مع الذات والشعور برضى لا مثيل له، وهي أغنيات تلقى رواجا كبيرا بين مراهقي اليابان “بحسب الفيلم”.

أهو البوب إذا أم إنها مؤامرة على المجتمع الياباني تأتي سلاسل الانتحار كأحد مؤشراتها، أم إنها الثقافة اليابانية التي تمجد العنف والموت وترسخ مفاهيم الراحة الأبدية والتوحد مع الذات، وهل هناك في الأساس سلاسل انتحار أم لا، هل هناك عمليات انتحار منظمة، وهل توجد جهة مسئولة عن ذلك أم إنها عمليات عشوائية تحدث هنا وهناك لأسباب قد يبدو معظمها تافها غير ذي أهمية.

ولا يكتفي سونو بطرح تساؤلاته تلك بل انه يمعن في تشويشنا وزيادة حيرتنا، إذ يتركنا بمزيد من الأسئلة الناتجة من بعض تفاصيل فيلمه، فما الذي يريده من وراء عرضه هذا، أهو نقد اجتماعي ام انها قصة بوليسية ذات حبكة معقدة، أهي كل ذلك أم إنها لا شيء من ذلك، ولماذا تمتد ظاهرة الانتحار لجيل آخر وهو جيل المحقق نفسه الذي تجاوز الأربعين من عمره، ثم ما علاقة العصابة التي تختطف الفتاة التي تهوى قرصنة الانترنت، والتي تكون أول من يثير قضية تنظيم سلاسل الانتحار لدى المحققين.

لا يمتعنا فيلم سونو لكنه ينجح في إثبات أن الواقع حولنا أشد مرارة ورعبا من أي حيل سخيفة تافهة يقوم بها مخرجو أفلام الرعب باستخدام تقنيات كمبيوترية، لكن فيلمه الفائز بجائزتي لجنة التحكيم وجائزة أخرى من مهرجان فانتازيا في العام 2001 هو فيلم يستحق المشاهدة لمن يحتملون مشاهده المرعبة

العدد 1017 – الأحد 19 يونيو 2005م الموافق 12 جمادى الأولى 1426هـ

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s