في أول أعماله السينمائية يوسفي يواجه “عزرائيل” ويقدم إبداعا إيرانيا آخر

منصورة عبدالأمير

هل يتفق معي قارئي الكريم في أن السينما الإيرانية تخطو خطوات واسعة لتقدم أعمالا يمكن اعتبارها من أرقى ما تقدمه صناعة السينما في العالم، إن لم يكن بتقنياتها فبإبداع مخرجيها وبعمق أفكار كتابها وتلقائية أداء ممثليها وقدرتهم الرائعة على تقمص أية شخصية، وليس أدل على ذلك من الأفكار الرائعة التي تبهرنا بها في عدد من أفلامها، أفكار قد يخطر بعضها على البال، وقد يبقيك بعضها الآخر مشدوها تتساءل عن أي نوع من المس أصاب مؤلفوها ومبتكروها، وإلا فكيف يمكن لأحدهم أن يستثمر فكرة الموت بكل ما لها من رهبة في النفس البشرية ليقدم لنا عملا كوميديا ساخرا وراقيا، لا يعتمد الإسفاف في القول أو الفعل لإضحاك المشاهد ولإسالة دموعه ضحكا، بل يلجأ الى فكرة بسيطة ليتناولها بطريقة هي أكثر ما يميز السينما الايرانية، وهي طريقة تعتمد التلقائية في كل تفاصيلها، والبساطة في تقديمها، والعمق في محتواها.

محسن أمير يوسفي هو أحد أولئك المبدعين المجانين، وهو الذي ابهرنا في أول أعماله الاخراجية بتناوله لفكرة الموت في كوميديا سوداء قدمها تحت اسم “خوب آطاق – حلم مرير”، تناول فيها بأسلوب رائع وممتع بعض طقوس الموت التقليدية، بحسب ما هو متبع، على الأقل، لدى الشيعة في ايران، ولدى سكان قرية خمين شهر، وهي مسرح قصة يوسفي.

يتتبع يوسفي هذه الطقوس من خلال قصة اسفنديار، الرجل العجوز الذي قضى الجزء الأكبر من حياته في اعداد الموتى بدءا من تغسيلهم حتى تكفينهم وانزالهم القبر، وهو إذ قضى ما يقرب من اربعين عاما في هذه المهنة، فانه يبدو غير مكترث على الإطلاق ويبدو وكأنه من بين الأشخاص القلائل الذين لا يثير الموت في نفوسهم أي رهبة أو خوف، بل ويبدو وكأنه قد عقد مع ملاك الموت “عزرائيل” اتفاقا طويل الأمد خلق بينهما علاقة من نوع خاص، هي أقرب الى علاقة الزمالة الطويلة في العمل، وذلك طبعا كما يراها اسفنديار نفسه وكما يعبر عنها في أحد مشاهد الفيلم التي نراه فيها يتوسل عزرائيل بألا يتسبب في اهانته بقبض روحه في مكان غير مناسب، كالحمام العمومي مثلا، وأن يراعي العشرة الطويلة بينهما.

واسفنديار رجل مكافح أسس من مهنة تغسيل الأموات نشاطا خاصا به يعيش منه ويوظف آخرون فيه، يبلغ عددهم على الأقل ثلاثة أشخاص، هم حفار القبور، والشخص الذي يقوم بحرق ممتلكات الميت، وامرأة تتكفل بتجهيز الموتى من النساء. ولا تبدو علاقة هؤلاء الأشخاص برئيسهم في العمل وهو اسفنديار قائمة على الحب والمودة، بل انهم دائمي التذمر يشعرون وكأن العجوز يبخسهم حقهم ليعيش هو منعما بينما يقتاتون هم على فتاته.

تتغير الأمور حين يصاب اسفنديار بوعكة صحية أثناء دفنه احدى الجثث، لتتحول اللامبالاة بالموت الى فوبيا تجعل فكرة الموت تستحوذ عليه وتقض مضاجعه، إذ يعيش العجوز حالا من الترقب والانتظار، ظنا منه بأن الوعكة الصحية المفاجئة تلك لم تكن سوى انذار من عزرائيل، وانه لن ينتظر حتى ينتصر عليه ملاك الموت، ويجعله موقع سخرية من الآخرين الذين كانوا يجدونه شخصا ذا سلطة من نوع خاص، لكنهم ان شعروا ضعفه للحظة واحدة فقد كل هيبته واحترامه.

ولا تتوقف تدهور أحوال اسفنديار عند ذلك، بل تتطور الأمور ليجد الموت بانتظاره عند كل منعطف، وليجد نفسه مجبرا على أن يتحول الى شخص آخر يكفر عن كل ذنوبه بإعطاء الآخرين حقوقهم ويحاول التخلص من آثار الماضي وتعويضهم عما ألحقه بهم من أذى في الماضي. وخلال ذلك كله يبدو اسفنديار وكأنه يعيش أوضاعا صعبة فهو مرتعب، متهالك نفسيا، مجهد عصبيا، الأمر الذي يدفعه لمزيد من البحث والتأمل في فكرة الموت، لنرى مشاهد كوميدية رائعة، عرضها يوسفي بتقنية اخراجية مميزة مزج فيها بين الجانب التوثيقي والجانب الدرامي الكوميدي، وذلك من خلال شاشة تلفزيون منزله التي كان يشاهد فيها في أشد لحظات رعبه بعضا من الأفلام التي تعرض مختلف طرق تجهيز الموتى عبر التاريخ وفي أجزاء مختلفة من العالم، ثم تعرض برامج أخرى يلتقي مقدموها خلالها بالناس في شوارع مدن ايران ليستعرضوا آراءهم حول الموت وتعدد وجهات نظرهم بخصوصه.

شاشة التلفزيون تلك تلاحق اسفنديار وتبدل قنواتها بشكل اتوماتيكي، مرعبة العجوز، مزعجة اياه بصور الموت المختلفة، لتذكره دائما بما ينتظره، وهي ليست الوحيدة في ذلك، بل انه يعيش رعبا هائلا حين يعود الى منزله ليلا وحين تراوده بعض الأحلام والرؤى التي يلتقي فيها مع عزرائيل ومع الموت وجها لوجه، ولا يتركه الآخرون في حاله بل يصرون على ازعاجه ليلا بطرقهم باب داره ليتكامل جو الرعب والهلع.

خلال أجواء الرعب تلك، تضحكنا رؤى اسفنديار وتأملاته وحواراته الذاتية وتأخذنا الى عالم من التأملات حول الفكرة، كما تدهشنا قدرته الرائعة على تقديم هذا الدور، خصوصا حين نعلم أن اسفنديار أو عباس اسفندياري ليس ممثلا محترفا ولا حتى هاو، لكنه رجل يقدم واقعه على الشاشة في قصة جاءت من محض خيال مخرجها محسن يوسفي. وليس اسفندياري وحده من يقدم واقعه هنا، بل ان جميع الممثلين يجسدون دورهم الحقيقي في الحياة، نحن هنا إذا أمام مجموعة من القرويين المبدعين الذين تعاونوا مع يوسفي في تقديم فيلم يتحدث عن واقع رهيب بطريقة خيالية رائعة!

الفيلم الذي عرض للمرة الأولى في العام 2004 في عدد من المهرجانات، كان أولها مهرجان تيسالونيكي باليونان وحصل على جائزة المهرجان الكبرى، اعتمد على موازنة لم تتجاوز 1500 دولار، وذلك بحسب شهادة المخرج نفسه وخلال مؤتمر صحافي عقده يوسفي بعد عرض فيلمه مباشرة بمهرجان دبي السينمائي الذي أقيم في الفترة من 6 إلى 11 ديسمبر/ كانون الأول. على رغم ذلك تميز الفيلم بين جميع الأفلام التي عرضت خلال مهرجان دبي والتي شكلت باقة من أفضل أفلام العام 2004 في جميع دول العالم، واستطاع استقطاب كثير من المشاهدين سواء من محبي السينما الايرانية أو من سواهم. فيلم محسن يوسفي تحفة فنية تستحق الاشادة بها والسعي للبحث عن نسخة منها.

بطاقة الفيلم

– خوب آطاق “حلم مرير”

– التصنيف: كوميدي/ دراما

– اخراج: محسن امير يوسفي

– تمثيل: عباس اسفندياري، ياد الله انباري، ديلبار غسري، محسن رحيمي، صفر علي صفري

العدد 1024 – الأحد 26 يونيو 2005م الموافق 19 جمادى الأولى 1426هـ

 

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s