“المعاق مو عاجز” أولى صرخاتها: تجربة مسرحية فريدة…أبطالها عاجزون جسديا لكنهم مبدعون

الوسط – منصورة عبدالأمير 

على وجوههم ترتسم ملامح القوة والاصرار ومن بين ثناياهم تنطلق كلمات التحدي والانتصار، ضحكوا في وجه قدرهم العابس فأحالوا واقعهم عالما من التألق والنجاح، اقتلعوا كل الأبواب والسدود وكسروا كل اعاقاتهم الجسدية ليحققوا ما قد لا نجد له مثيلا في دنيا كثيرين.

ثلة من شباب “لهم احتياجات خاصة” آمنوا أن “المعوق” من يكسل عن اتيان الصعاب وتحقيق المراد، لا من تنقصه قدرة جسدية قد يتراجع أثرها في بعض مضامير الحياة، لم تنقصهم الثقة بقدراتهم وامكاناتهم لكنهم كانوا بحاجة إلى يد تمسك زمام المبادرة وتنطلق بهم الى عوالم رحبة وفضاءات واسعة تتجاوز حدود اللاممكن في قاموس وضع للفئة التي ينتمون إليها، على أسس غير واضحة، على الأقل من وجهة نظر ذوي الاحتياجات الخاصة أنفسهم. يستحقون ان نسميهم بأسمائهم واحدا واحدا… هم ناصر مكي، علي حسن، راضي العلي، حسين يوسف، وهم مجموعة من ذوي الاحتياجات الخاصة، وهو جابر حبيل، عضو بمركز السنابس الثقافي وفرقة العروج المسرحية التابعة للمركز، وهو أيضا من أخذ مجموعة الشباب هؤلاء إلى حيث يمكنهم التعبير بكل حرية وانطلاق، وشفافية وصدق… إلى المسرح هذا الفضاء الرحب المعطاء ليطلقوا من خلاله ومن على خشبته كل كلمات الالم المخنوقة وصرخات مكبوتة تنبض بعتب على دنيا قاسية حرمت اصحابها من نعم يتمتع بها آخرون ليقولوا للعالم كله “المعاق مو عاجز”. كان ذلك شعارهم الأول، وعنوان أول أعمالهم المسرحية التي قدموها خلال احتفال اليوم العالمي للأصم، في عرض يطمح حبيل لجعله نواة “مسرح المعوقين” وهو مسرح على رغم إيمانه بطاقاته وامكاناته وضمان استمراريته، فإنه لايزال يحمل أسئلة كثيرة عن جدية الجهات الرسمية في نظرتها له، وعن مدى استعداد هذه الجهات لاحتضان هذه المبادرة الجديدة من نوعها في البحرين.

دنيا الغرباء

“الوسط” حاورت حبيل ومجموعة الطاقات التمثيلية الواعدة التي أطلقها منذ شهرين من الآن على خشبة مسرح مركز بنك البحرين والكويت للتأهيل بمدينة عيسى وذلك خلال المهرجان الترفيهي السابع للمعوقين الذي أقيم في 1 مايو/ ايار تزامنا مع احتفالات اليوم العالمي للأصم.

بداية ظهور الفكرة كانت بعد عمل مسرحي قدمته فرقة العروج “وهو واحد من أهم طاقاتها ووجوهها”، وجاء عملها ذاك تحت اسم “دنيا الغرباء” وتناول معاناة المعوقين بشكل مفصل، حبيل تساءل حينها ان كان يمكن تقديم العمل ذاته بممثلين يمتلكون اعاقة حقيقية، وعن امكان تحقيق طموح طالما حلم بتحقيقه ألا وهو حلم إنشاء مسرح لذوي الاحتياجات الخاصة، يقول حبيل “قمت بعمل بحث ميداني وعملت مسحا للاعاقات الموجودة في البحرين ثم حاولت التعرف على أية محاولات مسرحية سابقة لهذه الفئة وفعلا علمت أن جمعية الصداقة للمكفوفين قدمت في العام الماضي مسرحية “سيدة القرار” بمشاركة مجموعة من المنتسبين للمركز وجميعهم من المكفوفين “…” التقيت بعدها ببعض هؤلاء المشاركين وهم ناصر وعلي وراضي وحسين، وعرضت عليهم مشروعي المسرحي الجديد فوجدت منهم استجابة رائعة وان عبروا عن تحفظهم على فكرة إنشاء مسرح خاص بهم لعدم قناعتهم بجدية الجهات الرسمية في التعامل معه”.

ويواصل حبيل “أول ما فعلته بعد ضمان وجود المشاركين، هو انني قمت بتقديم رسالة إلى وزيرة الشئون الاجتماعية ضمنتها طلبا بدعم هذا العمل كما طرحت عبر الرسالة نفسها اقتراح إنشاء مسرح للمعوقين، وذلك لإيماني بأن مثل هذا التحرك الجديد من نوعه يجب أن يأتي تحت مظلة جهة رسمية وهي وزارة الشئون الاجتماعية ليحصل على حقه من الدعم والتشجيع والتطوير”.

الوزارة تستجيب… لكن لا تتحرك

وعن موقف الوزارة من هذه التجربة الجديدة الكفيلة ببث نوع جديد من الوعي بين الناس، يفيد حبيل “استجابة الوزارة كانت أسرع ما توقعت إذ تم تحويل طلبي إلى مدير الرعاية الاجتماعية سلمان درباس الذي استدعاني للقائه لنتفق أولا على مشهد مسرحي نقدمه خلال المهرجان السابع للمعوقين، وفعلا وضعنا معا مشهدا تمثيليا قدمته مجموعة من ذوي الاحتياجات الخاصة تحت عنوان “المعاق مو عاجز”.

ولم يتوقف الأمر عند ذلك بل ان حماس المسئولين بدا واضحا لمشروع إنشاء مسرح للمعوقين، يقول حبيل “المسئولون أبدوا استعدادهم لفكرة المسرح المتخصص وتعهدوا بتقديم كل ما يمكنهم من دعم مادي ومعنوي، كما ان الوزيرة نفسها أبدت اهتماما شديدا بالموضوع”.

الوزارة من جانبها أكدت استعدادها لدعم المشروع، وبدا حماس مسئولهيا واضحا على لسان درباس الذي أكد في اتصال هاتفي مع “الوسط” أن “الوزارة تعمل الآن على تهيئة الأجواء العامة للمسرحيات الخاصة بذوي الاحتياجات الخاصة”.

لكن حبيل وعلى رغم امتنانه لذلك فإنه يطمح الآن وبعد مرور الشهرين أن يلمس تحركا فعليا من الوزارة لوضع أولى لبنات مسرح المعوقين وليس الاكتفاء بدعم الأعمال الفردية التي تعرض بين الحين والآخر، فالفرقة التي ينوي تأسيسها – والتي بدأت فعلا أول أعمالها لم تكتسب لحد الآن صفة رسمية تسهل على أعضاءها الوصول الى مصادر المعلومات والجهات الرسمية المختلفة، يقول حبيل “هذا الأمر يقلل قدرتي على توسيع عمل الفرقة وعلى زيادة عدد أعضاءها من ذوي الاحتياجات الخاصة إذ إن كثيرا من الجهات لا تستجيب لأي من مبادراتي لأنني ببساطة لا أحمل صفة رسمية ولست ممثلا لأية جهة حكومية، مؤكدا أنه حاول ربط علاقة مع بعض هذه الجهات “لكن تبين لي أن ذلك لا يمكن أن يتم الا من خلال وزارة الشئون الاجتماعية”، ويضيف “نحن بحاجة الى تشكيل فريق ذو علاقة ترأسه الوزارة ويتحمل مسئولية القيام بهذا المشروع”.

عن ذلك يعلق درباس “سيتم الترتيب لاحقا وبعد تأسيس الفرقة، مع الجهات الحكومية المعنية وتحديدا وزارة الاعلام لتدعم فعاليات الفرقة بالإعلان عنها وتوعية الجماهير بأهميتها، هذا عدا عن توسيع قاعدة هذه الأعمال بالتعاون مع بعض المسارح المتخصصة لضمان جذب المزيد من العناصر الفاعلة التي يمكنها أن تسهم في إنجاح هذا المشروع وتطويره”.

ويضيف “لن نترك حبيل لوحده، بل إننا سنشكل فريق عمل يملك صفة رسمية، حبيل هو صاحب القلم فيه وأنا كممثل عن الوزارة صاحب التوجيه الاداري “…” حبيل سيكون معنا وسنكون معه في كل الخطوات المقبلة”.

الصبر… وصفة سحرية

لم تقتصر الصعوبات التي واجهت حبيل على ما ذكر أعلاه، لكن كانت هناك صعوبة أكبر تتمثل في التعامل مع ذوي الاحتياجات الخاصة والقدرة على توجيههم على المسرح، وهو يعلق على هذا الامر بقوله “العملية تتطلب صبرا كبيرا، الصبر هو الوصفة السحرية، فقد واجهت صعوبة كبيرة في ضبط حركات الممثلين على الخشبة، ما اضطرني في بعض المرات الى الإمساك ببعضهم بعضا وخصوصا المكفوفين منهم وتوجيههم لشرح الحركة المطلوبة”.

ويضيف “بالنسبة إلى الصم استخدمت لغة الاشارات للتعامل معهم ولايصال الارشادات المطلوبة وان كنت لا أجيد هذه اللغة”. أما عن مدى تعاطي فئة ذوي الاحتياجات الخاصة أنفسهم مع العمل، جمهورا كانوا أم مشاركين، فيؤكد حبيل أنه كان هناك اقبال كبير منهم على مشاهدة عرض “المعاق مو عاجز” كما إن كثيرين منهم تفاعلوا بشكل كبير، لدرجة أن أحدهم تطوع للمشاركة في العمل في وقت عرضه على رغم كونه يحمل اعاقة جسدية كبيرة تمنعه من التحرك بسهولة.

ويضيف حبيل “بعض الحضور من ذوي الاحتياجات الخاصة ابدوا ارتياحا كبيرا لدى مغادرتهم قاعة المسرحية وان كانوا غير قادرين على التعبير بالكلمات الا ان نظراتهم كانت كفيلة بذلك”، أما عن تعاطيهم بالمشاركة فهو أمر لا يستطيع حبيل ان يحسمه حاليا “إذ انني لم أتمكن حتى من معرفة العدد الحقيقي لذوي الاحتياجات الخاصة في البحرين، وهو أمر صعب للغاية كما ذكرت سابقا بسبب عدم امتلاكي أية صفة رسمية”.

وللأبطال… رأي

لكن كيف ينظر ذوو الاحتياجات الخاصة للأمر، وماذا يعني وجود مسرح متخصص بهم؟

– يناشد حسين الوزيرة بفتح الأبواب أمام مسرح المعوقين الذي سيثبت للآخرين أن “المعاق مو عاجز” وهو أمر كفيل بإعادة الثقة للمعوق، وبتغيير نظرة المجتمع الدونية لهذه الفئة” أما ناصر فيرى أن العمل الأخير يستحق دعما إعلاميا كبيرا إذ إنه “كان صرخة أخبرنا الجميع من خلالها أن المعوق قادر على القيام بالكثير من الأمور حتى التمثيل المسرحي “…” في العادة تتم الاستعانة بالأسوياء ليقدموا دور المعوق، لكن ما حدث هذه المرة انتصار لذوي الاحتياجات الخاصة”، في حين يرى علي ان وجود مسرح للمعوق هو انطلاقة لامكانات ومواهب هذا الانسان، وان جود هذا المسرح مهم للمعوق وللمجتمع الذي سيتقبل حينها فكرة قدرة المعوق على القيام بذات الاعمال التي يقوم بها الانسان الذي لا يعاني من أية اعاقة، كما انه سيشعر المعوق بانه قادر على القيام بأمور مهمة ويخلق متعة في حياته ويفتح له أبوابا أخرى لمجالات كثيرة في الحياة.

أما عن طموحاتهم وآمالهم فيما يتعلق بهذا المسرح فان حسين يتمنى تقديم المشهد في دول مجاورة والمشاركة في أعمال خليجية مشتركة تغير الواقع الخليجي وتسهم في حل كثير من المشكلات، في حين يعترض علي على اقتصار عرض أعمالهم المسرحية على مراكز المعوقين ويتمنى ان يتمكنوا من تقديم تلك الأعمال على مختلف خشبات المسارح وذلك لضمان الحصول على جمهور متنوع من المعوقين وغيرهم، والمساهمة في حل مختلف مشكلات المجتمع. أما راضي الذي لم يكن يتفاعل مع أي عمل مسرحي سابقا، لكنه هذه المرة ومن خلال بعض الحركات التي تضمنها عمل “المعاق مو عاجز” وجد ان الكثير من الصم الذين يعرفهم تأثروا بالعمل وكانوا يضحكون تفاعلا مع بعض المشاهد

“الوسط” حمست الجمهور

أما عن تعاطي الجمهور مع المشروع فيقول حبيل “الخبر الذي نشرته “الوسط” عن العمل المسرحي كان كفيلا بلفت انتباه الكثيرين لأهمية مسرح المعوقين كما كان له دور كبير في تعاطي الناس مع المشروع والترويج له، ووجدت اهتماما بالغا لدى كثيرين ورغبة صادقة لمعرفة المزيد من التفاصيل”.

أما عن تعاطي الناس مع هذه الفئة بشكل عام فيقول حبيل “هناك تعاطف كبير ولكن هناك شبه قناعة بان ذوي الاحتياجات الخاصة غير قادرين على العطاء كالآخرين، وهذا الأمر لا يمكن اثبات عكسه الا اذا قدمنا دليلا عمليا، كما ان البعض يجادلون بانه اذا كان الانسان السليم لم يستطع أن يقدم مسرحا جيدا، فكيف يمكن لأصحاب الاعاقة ان يفعلوا ذلك”.

ويواصل “آخرون ممن يرفضون فكرة الأعمال المسرحية وكل ما يصاحبها من مؤثرات صوتية كالموسيقى أو ما شابه من حركات ايقاعية، اتهموني بالعزف على وتر عاطفي واستغلال المعوقين لتقبل فكرة المسرح”.

فهل يمكن توظيف هذه الأعمال لتغيير الصورة النمطية لهذه الفئة وليتقبل المجتمع ذوي الاحتياجات الخاصة؟

– يرى حبيل أن ذلك بكل تأكيد سيساهم بشكل كبير في هذا الأمر “فالجمهور يتقبل القضية إذا طرحت على لسان الشخص الذي يعاني منها، كما إن الناس تحترم الشخص المتميز، وذوو الاحتياجات الخاصة الذين يكسرون عجزهم الجسدي ويقفون على المسرح بكل ما له من رهبة يحصلون على احترام الناس”.

مسرح بالمعوقين أم للمعوقين

أما بخصوص الموضوعات التي سيتم تناولها على خشبة هذا المسرح، وإن كانت تناقش قضايا ذوي الاحتياجات الخاصة أم إنها ستكون موضوعات عامة، يجيب حبيل “ستتم مناقشة جميع القضايا، لكن التركيز في البداية سيتركز على قضايا هذه الفئة لنحصل على التجاوب المطلوب مع المشروع من أصحاب الفئة المعنية أنفسهم”.

ويتفق راضي وحسين وناصر مع حبيل في ضرورة التفات مسرح المعوقين لمختلف هموم وقضايا المجتمع، في حين يؤكد علي ان الاولوية يجب ان تعطى لهموم المعوقين أولا، فهو يرى ان هذا المسرح للمعوقين أولا ثم بالمعوقين.

حبيل لايزال ينتظر تحركات الوزارة الفعلية، وهو في أثناء ذلك يبدو وكأنه اعد العدة كاملة مع مجموعته الصغيرة التي يؤمل أن يؤدي تحرك الوزارة الى زيادة عدد أعضائها، والى تفعيل نشاطها. فريقه المسرحي الصغير لايزال أيضا ينظر بعين ملؤها الأمل للمسئولين في الوزارة ولانزال جميعا ننتظر معهم تحرك وزارة الشئون الاجتماعية لوضع لبنة مبادرة هي الأولى من نوعها في المنطقة وهي كفيلة بأن تثبت للعالم بأكمله أن “المعاق مو عاجز”. هي تجربة فريدة إذا، ليس بحرينيا فحسب بل على مستوى دول أخرى، تجربة تحمل من الالق والإنسانية والتفرد ما يجعلنا نطالب الجميع بدعمها، لنكن نحن في “الوسط” أول من يتصدى للأمر ويحمل شرف هذه الدعوة… فلنعمل سوية حكومة ومؤسسات مجتمع مدني وفنانين وأفرادا على إعادة البسمة إلى شفاه تحاول الأقدار انتزاعها منها، ولنحاول لعلنا نؤسس لما يتخطى حدود العطف الانساني المباشر ليخلق اتجاها مسرحيا فريدا قد يؤرخ لانعطافة مهمة في تاريخ البحرين شعبا ومسرحا… لنحاول فهنالك امور كثيرة تستحق المحاولة لعل الانسان البحريني هو اولى اولوياتها

العدد 1025 – الإثنين 27 يونيو 2005م الموافق 20 جمادى الأولى 1426هـ

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s