“حالة حب”: دراما شبابية تقترح الفن مفتاحا للخلاص

منصورة عبدالأمير 

ما الذي يمكن توقعه من فيلم عربي يأتي تحت اسم “حالة حب” ويحمل ملصقه صورا لبعض الفنانين والفنانات الشباب؟ بالتأكيد فيلم رومانسي يذكر بأفلام الراحل عبدالحليم حافظ، وخصوصا إذا علمنا أن البطل الرئيسي كما يوحي به الملصق هو هاني سلامة الذي يعتبره كثيرون فتى الشاشة الوسيم ذا الأحاسيس المرهفة الذي يتهافت عليه عدد من مخرجي الأفلام الرومانسية، وربما اعتقد البعض ان الفيلم غنائي استعراضي، بسبب وجود المطرب الشاب تامر حسني، لكن هل تصح كل توقعاتنا؟ قطعا لا ففيلم “حالة حب” الذي يقدمه للسينما المخرج سعد هنداوي، فيلم يقدم قصة لا علاقة لها بأي من توقعاتنا، بل يطرح دراما إنسانية من تأليف أحمد عبدالفتاح تتناول بحساسية مرهفة بعضا من مشكلات شباب هذا العصر، تحديدا تلك المتعلقة بأحلام الهجرة للبحث عن حياة أفضل في أوروبا وأميركا، والهروب من واقع بلادهم المر.

والفيلم في طرحه ذاك يتناول القضية بشيء من التفصيل ملقيا في وجه المشاهد بالكثير من الأسئلة التي يقدم لبعضها إجابات مباشرة أو أخرى تمتلئ بالتلميحات، بينما يكتفي بإثارة أسئلة أخرى من دون أية محاولة للإجابة عليها. كاتب قصة الفيلم يتساءل عما يمكن أن يدفع بعض الشباب بعيدا عن حضن الوطن ليحلموا بالهجرة والاغتراب؟ وكيف هو واقع الغربة الذي ينتظرهم خصوصا في ظل الظروف والأوضاع السياسية الراهنة؟ ثم يستفسر بمرارة عبر بعض تفاصيل القصة عن “أيهما أرحم غربة الجسد عن الوطن والأحباب أم غربة النفس والروح في داخل الوطن”، وخلال عرضه لواقع الغربة والحالمين بها يطرح أسئلة لا يقدم لها إجابات واضحة عمن يتآمر على شبابنا، وأي أيد عابثة تقتل أحلامهم وتستغلها، ولمن نوجه اللوم، وكيف هو الخروج من مأزق غربة الشباب؟

أسئلة عبدالفتاح كثيرة وعلامات استفهامه عدة كما بدت بعض إشاراته وتلميحاته على شيء من الخطورة، وإجاباته كانت تتوالى واضحة حينا أو مكتفية بالرموز حينا آخر، لكن لعل أوضحها ذاك الذي تعلق باقتراحه للخروج من مأزق الشباب إذ اعتبر الفن وسيلة للتقريب الثقافي بين شباب العالم وبين الشباب من مختلف الثقافات والطبقات حتى في داخل المجتمع الواحد، بل واعتبرها وسيلة للتنفيس عن القهر المكبوت بسبب الفقر والحرمان بكل أشكالهما مادية كانت أم نفسية وعاطفية.

قصته تبدأ بحياة أسرة بسيطة يفككها حلم ربها بالهجرة من أجل حياة أفضل ومستقبل واعد أكثر رفاهية وأكثر حفاظا على كرامته، ومنذ البداية نجد الاختلاف قائما ونجد من يعارض الفكرة ومن يتحمس لها، الأب يصر على قراره ويسافر حتى وان كلفه ذلك تقسيم أسرته إلى أسرتين، إذ يسافر هو إلى فرنسا مصطحبا أحد ابنيه، بينما يبقى الابن الآخر الأصغر سنا مع والدته في مصر. تمر السنون ويكبر الابناء ويجد المغترب منهما “هاني سلامة” رغبة عارمة في العودة إلى أصوله، رغبة لم تنبعث من فشل ألم به في المهجر، لكنها جاءت كنتيجة طبيعية لشعور الغربة الذي ظل يلازمه على رغم ما حقق من نجاحات في الخارج وعلى رغم ما قد يعتريه من صعوبات إن هو عاد إلى حضن الوطن، وهو شعور لازمه منذ البداية، تناساه فترة من الزمن لكنه ظل قائما لدى أصحاب الأرض البعيدة، الذين ظلوا يعتبرونه ضيفا وفي أحيان كثيرة… غير مرغوب فيه. يعود الغريب الى دياره حاملا معه أشواقه وانكساراته العاطفية التي خلقتها الغربة التي لا ترحم في نفسه والتي تؤكد صديقته “هند صبري” قسوتها مرارا وتكرارا على مدى عدة مشاهد في الفيلم، صارخة به أن لا أحد سيكترث له أن أصابه أي مكروه، وهو ما يؤكده مشهد سيارات الإسعاف التي تحمل جثة صديقه بعد أن تزكم رائحتها أنوف الجيران فيكتشف موته بعد أيام.

في مصر يواجه سلامة واقعا آخر، وغربة أخرى يعيشها الشباب، لعلها غربة عن الوطن سببها الحرمان من أبسط متطلبات الحياة الكريمة، أو أنها غربة عن الذات لا تمكنهم من اختيار أفضل السبل لتحقيق ما يريدون، أو التمييز بين من يمكن أن يمد لهم يد العون والمساعدة ومن يسعى إلى تدميرهم وإحالة حياتهم مرارة وضياعا.

عدا عن ذلك، يواجه القادم الجديد عددا من الصدامات مع شقيقه “تامر حسني” يسببها اختلاف نظرتهما لكثير من القضايا والأمور، وهو الاختلاف الحاصل كنتيجة طبيعية لاختلاف الثقافتين اللتين نشآ فيها.

قصة الفيلم هادفة إلى حد كبير، السيناريو الخاص به وحوراته جيدة لولا المبالغة في تضمينها كثيرا من التلميحات لعدد لا يحصى به من القضايا الشبابية، الأمر الذي يشتت انتباه المتفرج ويبعده عن القضية المحورية التي يناقشها الفيلم، كما انه “أي السيناريو” يشكو من ضعف قدرته على الاقناع في بعض المشاهد لكنه عموما وفقا في نقل واقع معين.

الإخراج بدت فيه علامات نضج كبيرة، تقني على الأقل، وبدا كما لو أن السينما المصرية استوعبت أخيرا ما يجري من حولها في العالم وعرفت بعضا من فنيات الإخراج التي يمكنها أن تحدد مدى نجاح الفيلم من فشله.

أما من ناحية التمثيل، فيمكنني القول انه يمكن اعتبار الفيلم أحد الأفلام النادرة في السينما المصرية لما تمتع به من أداء عفوي تلقائي خلا من أي تصنع أو تكلف في أي من مشاهده، حزينة كانت ومؤلمة أم مبهجة سارة، لم تكن هناك المبالغات المعتادة في السينما المصرية، الدموع حقيقية والحزن والألم بديا من خلال تقلص عضلات وجوه الممثلين، وقرأناه في أعين بعضهم، لكننا لم نشهد شلالات من الدموع ولم نسمع أية تأوهات حزينة وحوارات دامعة، لم يأخذنا المخرج في مشاهد يبلغ فيها الحزن ذروته، بل انه كان يعلم متى يتوقف وأين ينهي مشاهده.

الممثلون كذلك تألقوا، تأتي على رأسهم مها أبوعوف في دور الأم، والتي بدأنا نراها كثيرا في السنوات الأخيرة، وهي التي تحمل ملامح مميزة تجمع فيها بين جمال ناعم، لم تخفه أيادي الزمن، ووجه ينطق حنانا وأمومة، يجعلها مناسبة لأدوار الأم المحبة، التي تتمزق ألما وقلقا على ضياع الأسرة وتشتتها.

تامر حسني يلفت الانظار بقدرته على التمثيل بصدق، وعلى أن يعيش جميع الأدوار من دون مبالغة، لم يغضب كثيرا ولم يحب كثيرا ولم يحزن ولم يبك بتصنع، وأخيرا… لم يغني كثيرا وهذا هو أهم ما في الفيلم، وإلا لاختفت القضية المحورية وسط زحام أغانيه وإشاراتها الرومانسية ولوجدنا أنفسنا أمام فيلم استعراضي سيكون تركيزه الأساسي بكل تأكيد على قصة الحب التي جمعته مع “زينه”.

هاني سلامة بدا أداؤه مقنعا خصوصا وانه في دوره هذا تخلص من صورة الولد الشقي الذي تموت البنات في حبه، فهو هنا شاب ناضج ناجح عمليا يناقش قضية شبابية بالغة الأهمية حتى وان كان ذلك بسيناريو لم يكن على درجة كبيرة من العمق والاقناع.

الفيلم عموما جيد وإن أزعجني عدم قدرة كاتبه على التخلص من الرومانسية المبالغ فيها التي تعج بها الأعمال المصرية، لكنه على أية حال يبشر بمستقبل أفضل للسينما المصرية خصوصا إذا تم الابتعاد عن كل الثيمات المعتادة التي لا تقدم لمشاهدها أي فائدة تذكر

العدد 1041 – الأربعاء 13 يوليو 2005م الموافق 06 جمادى الآخرة 1426هـ

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s