هاري بوتر يخلط المفاهيم ويشوش عقول الصغار

منصورة عبدالأمير

أعلم جيدا أن مقالا كالذي أكتبه في عمودي هذا قد يغضب نسبة لا بأس بها من قراء هذه الصفحة، معجبي “هاري بوتر” على الأقل. وخصوصا إذا علمنا أن قراء صفحة سينما هم في العادة ممن يتقبلون فكرة الانفتاح على الثقافات الأخرى بل ربما اكتساب بعض مما تدعو إليه. وطبعا فإن أي هجوم أو نقد لأية رواية أو فيلم حقق من الشهرة والأرباح والصيت والسمعة كما فعل “هاري بوتر” بجميع أجزاء رواياته وأفلامه، يعد مغامرة غير محسوبة وتهورا وجرأة زائدة عن الحد. بكل تأكيد لن أتحدث عن مؤامرة متعددة الأطراف، تديرها جهات مجهولة وتنفذها جي كيه رولينغ. لن أقول ذلك طبعا، هي ليست مؤامرة صهيونية ولا غيرها. لكن لنقف وقفة تأمل أمام ما يحدث… ما الذي يحدث أساسا؟ لماذا تقام الدنيا من أجل إطلاق جزء جديد من رواية؟ وكالات الأنباء تنقل مسبقا نية الكاتبة تأليف جزء جديد، ثم تعلن موعد اطلاق روايتها، وتقوم الدنيا ولا تقعد. فعلا تقوم الدنيا، ملايين النسخ تباع حول العالم، تحدث حال استنفار لدى المكتبات، الكل سهران ولا أحد يريد أن تفوته الدقائق الأولى لإطلاق الكتاب. حفل توقيع الكتاب اسطوري، وسعيد الحظ من يتم اختياره لحضور الحفل، وادنبره، موقع الحفل، تبقى يقظة وتبدو بأبهى حلة، فقط لتوقع رولينغ جزءا جديد من روايتها التي لا تنتهي والتي حمدت الله مليون مرة على أنها ستكون من سبعة أجزاء فقط!.

هناك كتاب كثر، ومبدعون أكثر، وروايات تطرح في أسواق العالم، لكن رولينغ تغزو العالم وتصبح أحد مشاهيره لأنها ببساطة تحدث أطفالنا عن عالم السحر والسحرة. كثيرون منكم سيسألون عما قد يكون المانع من أن نواكب العالم فيما يحدث ونلهث كما يلهثون ونقرأ ما يقرأون ونقدم لأطفالنا ما يقدمون هم لأطفالهم. لكني أسأل كم هي نسبة البالغين منا، وأقصد المسئولين عن تربية النشء، ممن اطلعوا على الكتاب وعرفوا ما تقدمه رولينغ في كتابها هذا؟ شخصيا لم أفعل ذلك وأحمد الله مرة أخرى على ان ابنتي لم تحب الرواية.

أرجو ألا يساء فهمي فلا اعتراض لدي على رولينغ ولا رواياتها ولا أفلامها، لكني أنقل اليكم ما قرأت ولكم الحكم سيداتي سادتي الكرام. معلوم طبعا أن رولينغ لا تقدم كثيرا من الفائدة لا لأبنائنا ولا لأبناء غيرنا، ومهما تغنى محبوها بأنها تدعو الى قيم فاضلة وتعلم الأطفال الشجاعة وحب الحياة وما إلى ذلك فلا تصدقوا. مرة أخرى أرجو ألا أتهم بايماني بنظرية المؤامرة، فكلامي هذا لا يتضمن أي اتهام لرولينغ بتخطيطها لتدمير أطفالنا!

الاعتراضات التي أنقلها جاءت من الغرب، ومن أوروبا تحديدا، مصدر أحدها البابا جوزيف راتزينغر، وريث بابا الفاتيكان الراحل. اعتراض البابا جاء في صورة رسالة بعثها ردا على خطاب كانت ناقدة ألمانية تدعى غابرييل كوبي قد بعثته له. الناقدة أرسلت مع الخطاب نسخة من كتابها Harry Potter: Good or Evil الذي جاء اعتراضا على اساءة رولينغ البالغة إلى النشء الجديد، وهي التي تسببت، كما ترى الناقدة، في تشويه علاقة الأطفال بالله منذ بداياتها. البابا طبعا أيد كلام الناقدة على رغم أن الصحافة العالمية أدعت موافقة الفاتيكان على كل ما جاء في رواية جي كيه رولينغ وذلك خلال مؤتمر صحافي اقامه الفاتيكان بمناسبة اطلاق الجزء السادس من الرواية قبل أيام قلائل. نقطة الالتقاء بين البابا والناقدة جاءت في رؤية كوبي التي تقول: “ان الرواية تفسد نفوس النشء الجديد وتشوه ادراكهم لمفهومي الخير والشر وبالتالي تسيء لعلاقتهم مع الله وهي في مهدها”. ولم يكتف البابا بذلك بل انه بعث برسالة أخرى الى كوبي يعلمها من خلالها عدم ممانعته نشر رسالته الأولى المؤيدة لجدلها حول الرواية، مشيدا بجهودها من أجل محاربة مثل هذه المخاطر التي تتشرب بها نفوس الأطفال في مراحل مبكرة ما يزيد صعوبة تصحيحها مستقبلا. وكوبي ليست وحيدة بل ان هناك عددا من النقاد والمهتمين بأدب الأطفال ممن اعتبروا الرواية تحديا جديدا للتربية الروحية للنشئ الجديد!

كوبي اتهمت الكاتبة بتدمير الثقاقة المسيحية التي طالما حاربت السحرة والمشعوذين، وها هي رولينغ تأتي الآن لتمجد السحرة وتحقر كل من هو غير ساحر! اما مدرسة هوغوارتز لتعليم السحر والشعوذة، مسرح وقائع الرواية، فهي – كما ترى كوبي – مكان للعنف والرعب، لتبادل الشتائم وللشعوذة، ومكان تنتشر فيه ايديولوجيات عنصرية. اضافة الى ذلك ترسخ الكاتبة مفاهيم قرابين الدماء، واستحواذ الشيطان على الانسان وتملكه لروحه وليس أدل على ذلك من استحواذ فولديمور رمز الشر على نفس هاري بوتر في الجزء الخامس من الكتاب.

وتواصل كوبي اعتراضاتها على رولينغ التي تشوش عقول الأطفال وتتلاعب بعواطفهم من خلال حوادث القصة وتفاصيلها ليصبحوا غير قادرين على التمييز بين الخير والشر. وليس ذلك فحسب بل انها تقنعهم – في بعض الأحيان – بأن الغاية تبرر الوسيلة حتى وان كانت الغاية شريرة للغاية! كذلك فانها تعتبر كل الروحيات والغيبيات أمورا شيطانية، تنتمي إلى عالم الشر ولذلك ينبغي محاربتها، كما ان كل الرموز السماوية هي أمور ينبغي تجنبها وتحقيرها.

هكذا ترى كوبي ان العالم الذي تدور فيه وقائع الرواية هو عالم يسوده الشر وينتصر فيه ولا مهرب لأفراده سوى باللجوء هم أنفسهم الى عالم الشر والظلام، وكوبي تختم كتابها بمناشدة لمنع تداول هذه الرواية في المدارس وهي التي تدعو إلى نبذ الإله وتسخر من كل المبادئ الدينية المسيحية واليهودية.

هو عالم شرير إذا وهم أطفال سيئون، وهاري لا يمكن أن يكون مثالا لأطفالنا أو مراهقينا، هذا ما تريد كوبي وآخرون قوله. وانه عالم عصابات وعنف وقتال لا ينتهي، لا يتعلم الأطفال منه سوى كيف يرتبطون بـ “شلل” تحارب ما يفترض ان يكون شرا بوسائل شريرة لاجئين إلى عالم من الخيال والسحر والشعوذة، وهذا ما يقوله بعض من استطلعت آراءهم من الآباء هنا في البحرين.

أين نحن من الحقيقة، هل هي حرب ضد نجاح رولينغ، أم انها حقائق يجب أن نلتفت اليها؟

ما العمل إذا؟ هل نقاطع الرواية ونلجأ إلى عالم المثاليات، الذي لا يناسب عالم أطفال اليوم أم ان المطلوب هو قرب أكثر وانفتاح أكبر من الآباء. انفتاح لا يعني المسارعة لشراء الرواية ليلة صدورها، بل مشاركة أكبر لأبنائنا في عالمهم، وتصحيح ما قد تسيء رولينغ نقله من مفاهيم الخير والفضيلة

العدد 1052 – الأحد 24 يوليو 2005م الموافق 17 جمادى الآخرة 1426هـ

 

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s