“بيت سيادي” في المحرق يفوز بجائزة عالمية مهندس لبناني يهوى التصوير أحب البحرين وعرض صورها في أميركا

القفول – منصورة عبدالأمير

منذ البدايات أسرته المحرق بسحرها، وشغف قلبه بمبانيها وبعبق التاريخ المتطاير من كل أزقتها وحواريها، ومنذ النظرة الأولى علم أنها مدينة لا يمكن نسيانها أو… الرحيل عنها. بداية لقائهما كانت مع مطلع التسعينات وخلال مهمة عمل بدأت في العام 1991 واستمرت حتى العام ،1993 لكن دلائل ققائمة شاهدة على ما تثيره هذه الجزيرة الرابضة بوداعة منذ سنين طويلة لا تعرف لها مياه الخليج عددا، في نفسه. هو كميل زكريا، مصور فوتوغرافي، وعين شاهدة على الجمال، وقلب خافق ينبض لكل أصالة وعراقة. مهندس لبناني يعمل بمحطة معالجة المياه بتوبلي، أخذته الأقدار إلى جزيرة المحرق يوما ليخط هناك أروع قصص الحب والهيام بجمال المعمار وروعة وأصالة التراث البحريني. شواهد حبه لم تكن سوى صور فوتوغرافية وكولاجات “صور مركبة” يضمنها زكريا كل أحاسيسه ومشاعره وكل تفاصيل قصص الحب التي يعيشها حال أن تقع عيناه على أي منظر. شارك ببعض هذه الشواهد في مسابقة لوسي وهي واحدة من أكبر المسابقات العالمية في مجال التصوير الفوتوغرافي، وصل عدد مشاركيها هذا العام إلى 17,000 مشارك جاءوا من 32 بلدا، تمكن زكريا من أن يتفوق على معظمهم ويحتل المركز الثالث بأحد دلائل عشقه، صورة لبيت سيادي ضمنها الكثير مما يعتلج في صدره تجاه المحرق.

المحرق وطرابلس… مدينتان بملامح واحدة

يقول زكريا “حين زرت المحرق للمرة الأولى شعرت وكأنني في مدينة طرابلس اللبنانية وفي منطقة الميناء على وجه التحديد إذ ترعرعت، ولذلك فأنا أحب المحرق بشكل كبير ومازلت كذلك على رغم التغير الكبير الذي طرأ عليها في السنوات الأخيرة”. ويضيف “استوقفتني امرأة مسنة بينما كنت أعمل باعتباره مهندسا مشرفا على مشروع المجاري في المحرق، وسألتني عما نقوم به، ثم بدأت في انتقاد الطريقة التي تغيرت بها الحياة بسرعة كبيرة وكيف تغيرت التقاليد ومدى تأثير ذلك على الأهالي”. ويواصل زكريا “بدأت السيدة تحكي ذكرياتها، وشعرت كما لو أنني أحكي مع والدتي وبدأت استرجع شريط ذكرياتي في طرابلس، وحينها شعرت بشوق عارم لبلدي، ووجدت في المحرق ما يمكن أن يطفئ أشواقي، فبدأت قصة حبي معها وطفقت أوثق مشاعري تلك بالتقاط مختلف الصور وعمل مختلف الكولاجات لأزقة هذه المدينة ومبانيها الجميلة”.

اللوسي أوارد

شارك زكريا في هذه المسابقة التي تقام بشكل سنوي في مدينة نيويورك وتنظمها كبرى الشركات الأميركية بـ 7 من الصور والكولاجات، ليفوز شاهد حبه للمحرق بجائزة في خانة المحترفين، ولتعتلي صورة بيت سيادي عتبة النجاح حاصدة المركز الثالث في هذه المنافسة الشرسة القوية التي يدخلها كل محترفي وهواة التصوير الفوتوغرافي في العالم، وهي مسابقة ما حلم زكريا بالفوز فيها كما يقول، كل ما أراده هو “أن أتعرف على مستواي مقارنة بمستوى أعمال كبار المصورين الفوتوغرافيين من المشاركين في المسابقة”.

كولاجات توثيقية

أما عن الأعمال الأخرى التي شارك بها زكريا فقد “ربحت 5 منها بجوائز شرفية، وهي مجموعة من الكولاجات “الصور المركبة” توثق حياة بعض الفنانين والمبدعين العرب الذين هاجروا إلى كندا”. يقول زكريا “أحد هذه الكولاجات تعطي فكرة عن فنان جزائري بربري، وهناك كولاج خاص بفنانة أرمنية تدعى ميرلا ابراهميان، تنقلت من بلد لآخر حتى استقرت أخيرا بمونتريال في كندا، وهي دائمة الحديث عن منزل كانت تحلم به حين كانت صغيرة وكان يمتلئ بالزهور لكنه تحول إلى كومة من الأحجار بعدها”.

في الحرب… كانت البدايات

لكن كيف كانت بدايات زكريا مع التصوير، ومتى بدأت؟ يقول زكريا “بدأت حين كنت طفلا مغرما بأفلام السينما وهو ما ولد في نفسي غراما وولعا بالتصوير، صقل بالدارسة بعد التحاقي بالجامعة الأميركية في بيروت لدراسة الهندسة، إذ كان تخصصي الفرعي في الفنون التشكيلية وفي قسم التصوير الفوتوغرافي”. كان ذلك في فترة الثمانينات وحين كانت الحرب اللبنانية في أوجها، حينها عاوده ولعه القديم ليجد نفسه من جديد أمام تفاصيل صغيرة في الحياة اليومية بدأ يسجلها بكاميرا لم تفارق يديه. سافر بعدها إلى أميركا ثم إلى اليونان، فتركيا، فلبنان، ثم البحرين، وبعدها كندا ليعود أخيرا إلى البحرين وليستقر فيها. يعلق زكريا “طوال هذه السنين لم تفارقني الكاميرا، أصبحت موثقة لحياتي ولكل ذكرياتي، أسجل من خلالها كل لحظات وتفاصيل حياتي”.

جمال عادي… ولغة عالمية

لكن ما هي اللقطة التي تشد زكريا وتلفت انتباهه، وما هو الجمال العادي الذي يتحدث عنه ؟ يجيب زكريا “تنقلاتي الكثيرة جعلتني أقدر الأمور العادية التي نراها كل يوم وأتذوق الجمال فيها، وأجد فيها متعة خصوصا كما إني اتنبه لتفاصيل صغيرة جدا قد لا تكون ملحوظة”. وعما إذا كان يقصد توجيه أية رسالة من وراء أعماله الفوتوغرافية يقول “رسالتي تختلف حسب المكان الذي أكون فيه ففي كندا كنت أعالج موضوعات الهجرة والهوية والانتماء، والتمازج الاجتماعي والامتزاج مع الثقافة الجديدة. أما الآن في البحرين فإن اهتمامي انتقل إلى تسجيل الحياة اليومية في هذه الجزيرة”.

صوري توثيقية… لها روح وجوهر

وعن طبيعة أعماله يقول زكريا “أعمالي كلها توثيق لحياتي وللرحلات التي قمت بها، أما موضوعاتها فتكون بحسب المكان الذي أكون فيه، وهناك مشروعات تأتي بفعل ما يلفت نظري”. ويضيف “أحب التوثيق في صوري، وأميل لالتقاط صور مباشرة، كما أحرص دائما على ألا أضمن حكمي في الصورة، وعلى ترك مسافة بيني وبين الهدف الذي أصوره مع مراعاة توضيح جوهر الصورة وروحها لكي يشعر المتفرج بما شعرت به حال التقاطها”. ويضيف “بعض الصور ليست مجرد لقطات تسجلها كاميرتي بل أعمال فنية تطلب إنجازها وقتا طويلا. وهذا ما يجعل قيمة الصورة أكبر خصوصا إذا احتوت فكرة معينة مدروسة ومطروحة بكل تفاصيلها وبدقة شديدة وموضحة للجمهور”. أما أهم العناصر التي يحرص زكريا على تضمينها صوره فهي “البراعة الفنية وان تحكي الصورة لغة عالمية، فالصورة قد تكون معبرة للغاية لكنها تتناول جانبا من ثقافة محلية قد لا يكون معروفا في الخارج ولا يفهمه الآخرون”.

رفقة طويلة مع الكاميرا

زكريا لا يمل الكاميرا ولا يمل صحبتها، تلازمه على الدوام لتوثق حكايا عشقه مع كل المناظر والصور. واليوم يجد نفسه أمام تنوع من المناظر والصور ويجد قصص حبه تتجاوز المحرق وتمتد لتشمل كل مناطق البحرين بدءا من المحرق وانتهاء بالزلاق والمشروع الذي يشرف عليه الآن يستوجب تنقله بين مختلف بساتين ومزارع البحرين ومختلف أزقتها وأحيائها، وهو ما يشكل فرصة عظيمة لموثق فوتوغرافي مثله، ولذلك نجد في ملفاته صورا لشارع الشيخ سلمان، وأخرى لمحطة السنابس، وثالثة لأحد مزارع القرى الغربية. زكريا يؤمن بأن للصور قوة ولغة علينا أن نستخدمها وأن نستثمر كل طاقاتها، أن نعمل على تطويرها من خلال فتح مدارس لتعليم التصوير الفوتوغرافي، وإقامة ورش تدريبية للهواة والمحترفين في هذا المجال. زكريا أخيرا هو نموذج لعاشق محب أبى إلا أن يوثق حبه ويخلده عبر مختلف الصور والكولاجات، ووجد في المحرق ضالته المنشودة التي تطفئ كل أشواقه وحبه للبنان وللجمال… العادي

العدد 1135 – السبت 15 أكتوبر 2005م الموافق 12 رمضان 1426هـ

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s