الآنيمي الياباني في البحرين ثقافة كارتونية جديدة لاتستهدف الأطفال

الرفاع الشرقي – منصورة عبدالأمير 

محتواها يمتلئ بكثير من العنف، وبجرعات لا بأس بها من الإثارة الجنسية. دراغون بول زي Dragon Ball Z أشهرها، والأميرة مصاصة الدماء Vampire Princess آخرها. بداياتها، هنا في البحرين، قد تعود إلى سبعينات القرن الماضي نستحضرها بأسماء شهيرة لعل أهمها “مغامرات السندباد البحري” التي أمتعت الصغار والكبار على حد سواء، وشكلت بدايات أفلام الكارتون الناطقة بالعربية، بعد ان لم تكن هناك سوى أسماء مثل البحار باباي، وسكوبيدوو وغيرها من أفلام كارتون السبعينات الناطقة بالانجليزية. مع ثمانينات القرن العشرين ظهرت أسماء أخرى نذكر منها ساسوكي، عدنان ولينا، جورجي، ليدي ليدي، ريمي، وغيرها من أفلام الكارتون اليابانية التي لم نكن نتعرف على أصولها في ذلك الحين الا عبر حروف يابانية تظهر في نهاية كل حلقة. استمر الحال كذلك حتى بداية التسعينات لتتوقف اليابان عن تصدير أي أفلام أنيمي فجأة، ولنظل نعيش على ذكرى افلامها الأولى الممتلئة بكثير من معاني الحب والإنسانية.

اليوم وبعد أن يخمد بركانها لسنوات تعود أفلام الانيمي اليابانية “أو المانغا كما يطلق عليها البعض خطأ” ببداية أقوى وانطلاقة أكبر. تعود مع بدايات هذا القرن لترسخ مفاهيم جديدة ولتبني قيما مختلفة ولتؤسس لعوالم جديدة في التسلية والمتعة. إذ بعد أن كانت مصدرا لتسلية الصغار عبر أفلام كارتونية كبرت معها أجيال السبعينات والثمانينات ولايزال كثيرون منا يعشقون ذكراها. هذه الأفلام تصبح الآن مصدرا لتسلية أكبر تستهدف المراهقين والشباب أولا وقد تقدم للصغار شيئا من الفتات لعل أشهرها دراغون بول زي، غوندوم وينغGandum Wing ، والديجيمون والبوكيمون على رأس القائمة طبعا.

تعود أفلام الانيمي لتقدم الجديد في محتواها، ولتؤسس لثقافة وعوالم جديدة معظم قاطنيها من الشباب، فتيانا وفتيات. عوالم تستوجب على من يود دخولها ان يألف لغتها ويعرف كل مصطلحاتها ويعيش أجواءها ويواكب آخر تطوراتها ومستجداتها. عشاقها كثيرون ومدمنوها في ازدياد مستمر، ومحبوها في طلب دائم للمزيد، والاقبال عليها اكبر مما قد يتصوره البعض. حاولت “الوسط” من خلال التقرير التالي معرفة المزيد عن عالم الانيمي الياباني البحريني، بداياته، تطوره، أنواعه، وأخيرا القاء الضوء على عالم محبيه في البحرين.

لم يتطلب الأمر أكثر من زيارة خاطفة إلى أحد محلات بيع وتأجير هذه الأفلام وهي قليلة في البحرين، زيارة لم تدم أكثر من ساعة ونصف الساعة، لكنها قدمت الكثير عن عالم الانيمي الياباني.

خلال ساعة ونصف دخل المحل ما يصل الى عشرة أشخاص لم يطلب جميعهم سوى أفلام الانيمي، ولم يتجه جميعهم الا الى الزاوية التي تحمل اسم “المانغا” في أعلاها، وتساءلت ما الذي يجري، هل هذه هي بداية النهاية لهوليوود؟ هل نحن على مشارف غزو ثقافي يأتي هذه المرة من اليابان؟ وهل يعني ذلك أننا وخلال عشرة من الأعوام سنغير وجهة أحاديثنا السينمائية وسيبدأ حديث جديد يدور جله حول مخاطر استيراد الثقافة اليابانية وتأثيرها على عقول النشئ وما الى ذلك؟

يضحك أشرف بائع المحل، وكأنه استمع لحواري مع نفسي، ولا أعرف ان كان ذلك بسبب الدهشة التي بدت على وجهي، لكنه يبادرني بالقول “الطلب على هذه الأفلام كبير جدا، لدرجة أن 50 في المئة من زبائن المحل يأتون خصيصا لها، بينما تشمل الـ 50 في المئة الأخرى جميع أنواع الأفلام وتصنيفاتها أميركية كانت أو غير ذلك”.

50 في المئة من زوار المحل؟

امعانا في ادهاشي يضيف أشرف “نعم، هذا صحيح، ونحن نتحدث عن شباب وشابات تتفاوت أعمارهم بين 16 و ،35 هذا عدا عن الجمهور الأصغر سنا الذي يتركز طلبه على فيلم دراغون بول زي”.

هذه الأفلام تلقى شعبية ورواجا كبيرين ليس في البحرين فقط، بل في جميع أنحاء العالم بشكل قد يفوق شعبيتها في داخل اليابان نفسها. بدأ دخولها البحرين في العام 2001 ومنذ البداية كان الاقبال عليها كبيرا، يقول اشرف “نحضر هذه الأفلام من أميركا بمعدل 10 – 15 فيلما في الاسبوع وقد نتسلم طلبيات أكبر في بعض الحالات كما حدث في الاسبوع الماضي إذ تسلمت 36 فيلما في دفعة واحدة” معزيا هذا الاستيراد الكبير للطلب المتزايد من قبل زبائن المحل من محبي أفلام الانيمي، الذين يسعون دائما للحصول على المزيد والجديد من الأفلام.

الشونين والشويو… وأفلام أخرى

بدأت صناعة أفلام الانيمي في اليابان في مطلع القرن الماضي بسيطة في أفكارها وفنونها وأساليبها لكنها معبرة بشكل كبير عن عشق الياباني لهذا الفن. هذه الصناعة سرعان ما تطورت بشكل مذهل خلال العقود الأخيرة من القرن العشرين لتصبح اليابان الأولى في مجال أفلام الرسوم المتحركة أو الانيمي الياباني كما يطلق عليها. بعض هذه الأفلام موجه للأطفال والمراهقين لكن الكثير منها ينتج لجمهور أكبر سنا، بل ان هناك ما ينتج خصيصا لرجال الأعمال.

يمكن تصنيف أفلام الانيمي الى كوميدية، ورومانسية، وحركة، ودرامية، وتقع هذه التصنيفات تحت نوعين من الافلام احدهما موجه للأولاد وهو الشونين shounen، التي تركز على مشاهد العنف وتحاول البعد قدر الامكان عن الانفعالات والعواطف ومن أشهر أمثلتها شبح في الصدفة Ghost in the Shell, والساموراي اكس Samurai X وسبريغان Spriggan. وتمتلئ الشونين بقدر كبير من الاثارة بسبب الشخصيات النسائية فيها التي تشبه الباربي على الدوام والتي ترسم بملابس مكشوفة. أما عن الايماءات التي تقوم بها الشخصيات فتكون دائما عنيفة مثل رسم الفم الكبير في حال الصراخ أو تساقط العرق.

أما أفلام الشويو shoujo الموجهة للفتيات فتختلف في أسلوب عرضها، إذ تمتلئ بالكثير من الإشارات العاطفية بدءا من احمرار الوجنتين الى التقطيب، الى انفجار الرأس أو انتفاخ العروق. وقد ظهر هذا النوع في نهاية الخمسينات على أيدي بعض رواد الانيمي من أمثال تيزوكا أوسامو مبتكر مانغا الأولاد “شونين”.

وكانت أفلام الشويو الأولى تركز على قصص الحب والخيال والدراما وعلى رسم شخصيات بوجوه جميلة، لاعتقاد العاملين فيها ان ذلك ما يجذب الفتيات. واليوم لاتزال هذه الأفلام تركز على العواطف والعلاقات والمشاعر بدلا من مواقف الحركة، لكن بأساليب وكليشيهات مختلفة ومميزة. هناك القليل من القبح في الشويو، لكن معظم الأشياء تصور على انها رائعة الجمال، حتى الموضوعات المثيرة للجدل مثل سفاح القربى، والعلاقات الجنسية، وعلاقات المثليين. لا يتم الالتفات بشكل كبير للتفاصيل الصغيرة مثل ملابس الشخصيات وتسريحة شعرهم كما في الشونين، وان كان هناك تركيز كبير على العين التي تعد أبرز ملامح بطلات الشويو فهي دائما كبيرة وجميلة وانثوية. أهم أنواع الشويو هي النوع الرومانسي والنوع الدرامي، لكن هناك أنواع أخرى مثل الخيال العلمي والاثارة والرعب، وتعد الأخيرة منها أكثرها شعبية وانتشارا. ومن أشهر أفلام الشويو ذات الشعبية العالية في البحرين فوشيغي يوغي Fushigi Yuugi وناروتو Naruto ومن فضلك يا أستاذ Please Teacher .

شغف الشباب أسبابه متشابهة

عودة الى أشرف فان الأفلام التي يقبل عليها الجمهور البحريني، شباب وشابات “تتنوع بين أفلام الحركة والساموراي التي تحوي كثيرا من العنف والاثارة، وكذلك أفلام المغامرات والأفلام العاطفية الدرامية، بينما يقع جزء كبير منها ضمن افلام الرعب والاثارة”.

ويضيف “يقبل الفتيان في الغالب على أفلام الحركة والعنف التي تتناول قصص بطولية يتحقق فيها الخير عبر قيام البطل بكثير من المغامرات التي تستوجب استخدامه كثيرا من العنف، ويحبون بشكل خاص أفلام الساموراي. أما الفتيات فتقبلن على أفلام الكوميديا الرومانسية وقصص الرعب ومصاصات الدماء”.

يقول عبدالله البالغ من العمر 19 عاما وهو أحد محبي الانيمي الذي التقيناه خلال الزيارة ذاتها “قبل اكتشافي وجود هذا المحل، كنت اقوم بانزال الكثير من افلام الانيمي هذه التي اعشقها من مواقعها على الانترنت… أما الآن فأنا أستعير 3 أفلام انيمي يوميا”.

وحول ما يشده لهذه الأفلام يقول عبدالله “أحب هذه الأفلام بشكل كبير وأفضلها على كل أفلام هوليوود المعروضة في دور السينما، لأنها تحوي الكثير من مشاهد الأكشن والحركة التي تصور بتفصيل أكبر وبطريقة أفضل”.

أما يوسف الذي لم يتجاوز 19 من عمره، والذي يعتبره أشرف أحد مصادر المعلومات لمعرفة آخر المستجدات في عالم أفلام الانيمي، وهو الذي بدا ذا باع وخبرة في هذا المجال فيقول “بدأت مع هذه الأفلام منذ العام 2000 وتمتعني مشاهدتها كثيرا بسبب ما تحويه من مؤثرات خاصة لا يمكن تضمينها في الأفلام العادية”.

ويضيف يوسف “العنف الذي تحتويه هذه الأفلام جرعته كبيرة ففي بعض الأفلام هناك مشاهد تفصيلية للكيفية التي يموت بها بعض الأشخاص كأن تتفجر خلايا جسده شيئا فشيئا إذ يمكنك أن ترى على الشاشة كل تفاصيل الانفجارات التي تحدث في جسده بدءا من اطرافه وصولا الى دماغه، وهي تفاصيل لا يمكن ابدا تضمينها في الأفلام العادية”.

أما جمال “34 عاما” وهو كما يقول أشرف أكثر زبائن المحل ادمانا على مشاهدة هذه الأفلام فيقول “اشاهد في العادة فيلمين في اليوم، لكنها تصل الى أربعة افلام في يوم الاجازة”.

أما عن بداياته في عالم الانيمي فيقول جمال “بدأت قبل سنوات طويلة، منذ صغري وحين كنت مغرما بأفلام مثل عدنان ولينا” وحول انواع الانيمي التي يحبها يضيف “أفضل افلام الاثارة والكوميديا بشكل خاص، لكني احب جميع الانواع الاخرى” وعن اسباب عشقه لهذه الأفلام يعلق جمال “فيها تفصيل أكثر لجميع المشاهد، كما ان جميع موضوعاتها جديدة على عكس افلام هوليوود التي تتكرر موضوعاتها باستمرار”.

ونيلة تعشق التعبيرات

لا يقتصر الأمر على الشباب، فللشابات أيضا جولاتهن في عالم الانيمي هذا، تقول نيلة “20 عاما” “نعم أحب افلام الانيمي بشكل كبير واتابعها باستمرار، وقد بدأ حبي لها منذ ان كنت في العاشرة من عمري” وتضيف “اشاهد كل انواع الانيمي وقد كان آخر فيلم شاهدته هو الساموراي تشامبلو Samurai Champloeau”.

أما أكثر ما يعجب نيلة في هذه الأفلام فهو “قصصها المشوقة، وتعبيرات وجوه شخصياتها التي قد تنتقل إلى مشاعر المتفرج الشخصية، أنا أجدها أكثر دقة وتعبيرا من تلك التي تظهر على وجوه الشخصيات الواقعية”.

وأخيرا تقول نيلة إنها ليست الفتاة الوحيدة التي تتابع أفلام الانيمي بهذا الشغف، بل ان كثيرات من صديقاتها ممن هن في العمر نفسه يحملن الشغف والحب ذاته. أما أشرف فيؤكد أن عبدالله، وجمال، ويوسف، ونيلة ليسوا الوحيدين في ذلك بل ان لديه قائمة طويلة من حجوزات محبي هذه الأفلام وعشاقها لما يستجد من أفلام لم تصل بعد ليد أشرف.

ولا يتوقف ذلك الشغف على التسابق لاقتناء آخر افلام الانيمي بل بدأت حديثا موضة تجميع مجلات تحوي قصص المانغا التي تقتبس منها الأفلام والتي تحوي في بعض فصولها دروسا لتعليم كيفية رسم شخصيات الأفلام. هذه المجلات موجودة على بعض رفوف المحل نفسه وهي كما اسطوانات الدي في دي تلقى الرواج ذاته وتملك الشعبية نفسها. واقتناء المجلات يعني كذلك الحصول على بوسترات لشخصيات الانيمي المفضلة ويعني تقليد هذه الشخصيات في لبسها وفي تسريحات شعرها بل وفي الوشم الذي تضعه على جسدها.

محبو الانيمي قرروا في العام الماضي افتتاح منتداهم الخاص http:”leenmanga.com ليتبادلوا عبره آخر أخبار المانغا والانيمي وليتعرفوا على كل ما يستجد في هذا العالم.

ثقافة لا بديل لها

هو غزو ثقافي كارتوني إذن، يأتي هذه المرة من اليابان، وهي ثقافة لن نستطيع رفضها وإدارة الرؤوس عنها في ظل غياب بديل لها. بديل لا يطلب ان يكون بجودة ومستوى ما تقدمه اليابان بل قد ترضينا بدايات على هذا الطريق.

لكننا وفي ظل انشغال فضائياتنا وكتابنا ومخرجينا بالترويج لثقافات سينمائية مهترئة لا نملك الا ان نقبل هذا الواقع، وان نتعايش معه، نأخذ منه ما يناسبنا، بدلا من أن نترك الحبل على الغارب لمن يتقمص هذا الواقع من شبابنا ويعيشه ثقافة شبابية جديدة

العدد 1080 – الأحد 21 أغسطس 2005م الموافق 16 رجب 1426هـ

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s