حبكة رائعة ومخرج بارع… لا حاجة للنجوم  

منصورة عبد الأمير

لم تشدني أي من الأفلام التي عرضتها دور السينما أخيرا، ولذلك قررت اللجوء إلى محلات الـ “دي في دي” علني أجد فيها ما يمكن أن يثير الانتباه. فعلا كان هناك، اسم الفيلم يشد بالدرجة الأولى، ليس ملصقه، بل اسمه، The I Inside، ويمكن ترجمتها الى “أنا” من الداخل، أو “الأنا”. كلا الاسمين جذاب ويوحي بفيلم شديد الإثارة، يبدو كأحد تلك الأفلام التي تحوي قصص إثارة نفسية.

الفيلم ليس جديدا إذ أخرجه في العام 2003 الألماني رولاند سوسو ريشتر مخرج الكثير من الأفلام التلفزيونية الألمانية، ويعد هذا أول أفلامه الأميركية. أبطال الفيلم ليسوا نجوما، بالنسبة إلي جميعهم وجوه جديدة. بطل الفيلم رايان فيليب نراه حاليا في فيلم Crash الذي تعرضه سينما السيف، أما بطلته الكندية سارا بولي فقد شاركت أخيرا في فيلم “لا تطرق الباب” Dont Come Knocking الذي نال استحسان كثير من النقاد بعد عرضه في مهرجان “كان” الأخير.

الفكرة الأساسية في الفيلم تناقش قضية الاختيار، وكاتب السيناريو مايكل كوني الذي عددا من أفلام الاثارة النفسية مثل فيلم Identityالشهير الذي قام كوني بكتابة نصه، يطرح خلال مناقشته تلك عددا من الحقائق تتعلق بالاختيار وما يترتب عليه من نتائج قد تسعدنا وقد تجعلنا نذرف دموع الندم. الكاتب في استعراضه لبعض نتائج الاختيار الخاطئ يؤكد مرارا وتكرارا أن لا عودة إلى الماضي، واننا يجب ان نتحمل نتيجة خياراتنا الخاطئة، واننا لن نستطيع مهما حاولنا أن نعود إلى الوراء ونغير تلك الخيارات. هي لحظات حاسمة نقرر فيها مصائرنا ومصائر من نحب تعتمد على حسن اختيارنا والوجهة التي نتخذها.

قصة الفيلم على قدر كبير من الاثارة تبدأ في أحد المستشفيات مع سيمون كابل “ريان فيليب” الذي يستفيق مما بدا غيبوبة طويلة. نعرف بعد قليل انه تعرض لحادث سير، لكنه لا يتذكر الكثير عن ذلك الحادث ولا يستطيع استرجاع أي من حوادث حياته السابقة. يعرف اسمه وتاريخ ميلاده، واسم شقيقه ووالديه، لكنه يخطئ في حساب الوقت والزمان إذ يعتقد خطأ انه يمر بمحنته تلك في العام 2000 لكن طبيبه يخبره ان كل الحوادث تدور بعد ذلك بعامين أي في العام .2002 يخبره طبيبه ايضا ان قلبه توقف لدقيقتين لكن الأطباء تمكنوا من اعادة النبض اليه وانقاذه من موت محتم.

الساعات الأولى التي يستفيق فيها تبدو صعبة للغاية يواجه فيها عددا من الأشخاص منهم آنا “بيبر بيرابو” التي تدعي كونها زوجته وفتاة أخرى تبدو شديدة التأثر بما حدث له لكنه لا يعرف اسمها، وشقيقه الذي يدعى بيتر “روبرت شين ليونارد” والذي يعلم فيما بعد انه متوفى منذ عامين.

منذ البداية نرى حوادث الفيلم من خلال عيني البطل، ونتوه معه بين الحوادث كما يتوه عقله محاولا تذكر شيئ من تفاصيل حياته علها تقوده لمعرفة ما أخذه الى المستشفى وما أفقده إحساسه بالوقت. تظل ذاكرته تنتقل به بين العامين 2000 و،2002 وخلال تلك التنقلات يتمكن سيمون من استرجاع جزء كبير عن حياته وان كان كثير منه يمتزج بالأوهام والهلوسات.

أخيرا يعلم سيمون أنه تسبب من غير قصد في موت أخيه الوحيد بيتر، وانه كان على علاقة بخطيبته كلير “سارا بولي”، وانه تزوج آنا الطبيبة في المستشفى الذي ينزل فيه حاليا لأنها ابتزته حين علمت بجزء من حقيقة موت أخيه عن طريق المصادفة.

يعلم انه ابن عائلة ثرية وان حياته انتهت الى ما يشبه الجنون لأنه اخطأ الاختيار، لأنه فضل كلير على شقيقه، لأنه فضل خيانة شقيقه على رفض الفتاة التي كانت تحبه منذ البداية. أخطأ حين استسلم لابتزازات آنا وتزوجها خوفا من أن يفتضح أمره ويعرف الجميع حقيقة موت شقيقه.

وبعد أن يفهم لعبة عقله في التنقل بين فترتين زمنيتين، يبدو وكأنه يقرر أخيرا خوض غمار اللعبة والتحكم في تنقلات عقله الزمنية تلك. يعود الى ما قبل عامين ويحاول اصلاح خطأه فيرفض كلير ويحاول افهام شقيقه ان لا شيء حدث بينهما. ثم ينقل شقيقه الى المستشفى بعد مشاجرة تنشب بينهما بسبب الفتاة يوقع فيها خطأ شقيقه أرضا. وبدلا مما يحدث في واقع الأمر حين يحاول التخلص من جثة شقيقه، يأخذه الى المستشفى مباشرة محاولا انقاذه. ويحاول عبثا تفادي الحادث الذي يحدث في المرة الأولى والذي تتصادم فيه سيارته مع سيارة كلير وجهاؤ لوجه، لكنه يفشل في ذلك ويموت بيتر على رغم كل شيء.

يموت للحظات ويلتقي شقيقه بيتر ويحاول ان يقنعه برغبته في التراجع عن خياره الذي أفقده آخر من تبقى من عائلته، لكن بيتر يخبره ان الوقت قد فات وانه يجب أن ينسى الماضى وان يتحمل نتيجة خياره ذاك، وان لا مجال للعودة مهما حاول.

الفيلم شديد الاثارة والامتاع بفضل براعة مخرجه في شدنا الى القصة ومحاولة جعلنا جزءا منها بسبب اللقطات التي قدمها والتي تبدو وكأننا نراها من عين البطل. هذا عدا عن التجسيد الرائع لكل الأوهام والهلوسة التي يمتلئ بها عقل سيمون، والتي نشاهدها أما في صور غير واضحة أو متداخلة مع بعضها أو حتى لما قد يبدو في بداياته منظرا مخيفا لكن يتضح بعدها وحين تؤخذ اللقطة من زاوية مختلفة كونه أمرا عاديا، كمشهد الممرض الذي يحاول حقن سيمون بالابرة في غرفة الاشعة. إذ يبدو للفتى أنه شخص ملثم يحاول قتله وانه يختبئ خلف باب الغرفة.

مرة أخرى أكرر، لم نكن بحاجة لنجوم كبار لننشد للفيلم ولنعيش معه تلك اللحظات الرائعة، إذ يقال ان ستيفن دورف “بطل فيلم العام 2003 Cold Greek Manor ” كان مرشحا لدور سيمون، أما دور بيتر فقد كان من المفترض أن يقدمه كريستين سلاتر الذي قدم شخصية دانيال كليمنز في فيلم العام 2004 The Good Shepherd، في حين أسند دور كلير للجميلة جنيفر لوف هويت الشهيرة بعدد من الأعمال الرائعة، آخرها فيلم “اعترافات متسلقة اجتماعية مثيرة للشفقة” Confessions of a Sociopathic Social Climber

العدد 1083 – الأربعاء 24 أغسطس 2005م الموافق 19 رجب 1426هـ

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s