الروح الضائعة يناقش الاستهلاك المفرط وفقدان الهوية

منصورة عبدالأمير

كيف نفقد هوياتنا، ولماذا. .. هل نفقدها حين تضيع منا الأسماء والوجوه، وحين نبتعد عن أصولنا، حينها ننسى من نكون في عوالم قد لا نمت لها بصلة لنجد أنفسنا في طرق لا عودة منها. أم اننا نفقدها حين تشدنا ماديات الحياة المجنونة من أعناقنا كالبهائم لتحولنا إلى شبه آلات لا تعي من أمرها شيئا أو الى مخلوقات لا تعرف سوى ملء بطونها والعيش في عالم استهلاكي لا يعرف لافراطه أي حدود. بعبارة أخرى هل هو استهلاكنا الجشع وانغماسنا المفرط في بناء ثروات يستمتع بها آخرون، أو تنازلنا عن بعض ما يميزنا، هو ما يأخذنا لتلك الهوة السحيقة التي نغفل فيها عن اسمائنا لنعجز بعدها عن ايجاد طريق العودة إلى حيث يجب أن نكون؟ أم إنه الانغماس في ثقافة أخرى هو ما تسحق هوياتنا. المخرج الياباني هاياو ميازاكي له رأي مميز بشأن موضوع الهوية الشائك هذا وهو أحد الموضوعات التي ركز عليها في فيلمه الانيمي الذي قدمه قبل عامين من الآن تحت عنوان الروح التائهة Spirited Away، وهو الفيلم الذي حاز على اشادات النقاد ولقي قبول واستحسان المشاهدين سواء داخل اليابان أو خارجها. كما حصل على أوسكار أفضل أفلام الانيمي في ذلك العام بالاضافة إلى لقب أفضل فيلم انيمي ياباني على الاطلاق. واللقب الأخير هذا يعني الكثير في بلد تزدهر فيها صناعة أفلام الانيمي لتجعلها سباقة في هذا المجال حتى على دول مثل أميركا التي تعتمد على تطور الصناعة الرقمية في تقديم أفلام كارتونية تبهر الأبصار وتسحر العقول لتقدم ما يفترض ان يكون أفضل أفلام الانيمي في العالم. الفيلم وان اعترض البعض على وصفه بالانيمي البسيط نظرا إلى استفادة مخرجه المفرطة من تقنية هوليوود الرقمية ذاتها، الا انه وبحق فيلم يفوق في مقاييسه كل أفلام الانيمي والكارتون الرقمية وغير الرقمية الأميركية وغيرها. ثيمته الاساس تستعرض جزءا من واقع الاقتصاد الياباني من خلال قصة اسطورية خيالية رائعة، بطلتها شيهيرو فتاة التاسعة التي تضل الطريق مع والديها في احدى الغابات اليابانية ليجدوا أنفسهم في احد المنتزهات المهجورة. يدفع الوالدين الفضول للتجول في ما وجدوه منتزها رائعا وفي ما وصفه الأب بأنه أحد المنتزهات الكثيرة التي كانت تشيد في بداية التسعينات في اليابان في فترة الازدهار الاقتصادي، والتي أدى الضعف الاقتصادي الى اغلاق الكثير منها وهجرانها. ولا يتوقف فضول الوالدين عند التجول في المنتزه وحسب بل يدفعهما إلى الاستجابة لرائحة طعام شهية تجذبهما لأحد المطاعم المهجورة هناك. هنا ينفصلان عن ابنتهما التي يسوؤها شرههما فتترك المطعم محاولة استكشاف المنتزه لكنها حين تعود تفاجأ بتحول والديها إلى خنزيرين قذرين قبيحي المنظر. تجد شيهيرو نفسها وحيدة في هذا المنتزه المهجور نهارا والمليء بالأشباح والجن والأرواح ليلا، كما تجد أمامها مهمة شاقة ملقاة على عاتقها ألا وهي مسئولية فك السحر الذي أصاب والديها وانقاذهما من ان يتحولا الى وجبة لحم مشوي تسمتع بها الأشباح. ولفك السحر عليها أن تحمي نفسها أولا من أن تلقى المصير ذاته ولا يمكنها ذلك ما لم تجد لنفسها عملا في الحمام العمومي الذي تملكه ساحرة شريرة متسلطة على رقاب الجميع تدعى يوبابا. والعمل لدى يوبابا ليس سهلا كما يبدو، فهذه الشريرة التي تشغل وقتها في القيام بجولات مكوكية تستطلع فيها آفاق المنتزه، أو عد الأموال التي تربحها من الحمام العمومي، تبدو لئيمة الى أبعد الحدود إذ تحاول حرمان الفتاة من أية فرصة للعمل لكنها لسبب ما لا تستطيع رفض طلبها. رغم ذلك وبسبب اصرار الفتاة تضطر الساحرة لتوقيع عد مع الفتاة تسلبها بموجبه اسمها وتعطيها اس آخر، أقل شأنا، هو “سين” مشترطة ان تنس الفتاة اسمها الحقيقي، ضايته استعبادها طوال حياتها. تقاوم الفتاة كل محاولات الساحرة لجعل اليأس يدب في قلبها وتصمم على مواصلة طريقها حتى يأتي اليوم الذي تتمكن فيه من انقاذ والديها والعودة الى حياتهم الأولى. وتتمكن في أوقات ما، على رغم محاصرة الجميع لها وعدم رغبتهم في وجودها من أن تثبت قدرتها على ان تحقق ما لم يتمكن آخرون من تحقيقه، كأن تحتمل رائحة مخلوق غريب ذي رائحة كريهة وتحصل منه على قدر ليس بيسير من المال، أو أن تقف بشجاعة وصلابة في وجه يوبابا حتى تنجح في الحصول على موافقتها للعمل معها. لا تبدو الأمور وكأنها تسير على ما يرام طول الوقت لشيهيرو، إذ إنها وبسبب جهلها بأنواع المخلوقات التي تعيش في هذا المنتزه تسمح لوحش يدعى عديم الوجه بالدخول الى الحمام، معتقدة أنه أحد الزبائن الراغبين في الاستفادة من خدمات يوبابا وخلطاتها العشبية المفيدة وانه سنعدق على الجميع كثير من المال عكس توقعات شيهيرو يبدأ، الوحش في التهام العاملين في الحمام ويبدو وكأنه لن يشبع الا اذا التهم شيهيرو نفسها أو سين كما يطلق عليها جميع العاملين. لكن شيهيرو تتمكن بفضل شجاعتها من تخليص الجميع من هذا الوحش وقيادته الى الخارج ثم ترويضه، كما تتمكن من انقاذ صديق لها يدعى هاكو، كان أول من أخذ بيدها وقدم لها المساعدة في أرض الأشباح تلك. أخيرا تتمكن من تخليص والديها وفك السحر الذي اصابهما والعودة مرة أخرى الى سيارة العائلة التي كانوا قد تركوها أمام البوابة الخارجية للمنتزه. الفيلم وان بدت قصته في بادئ الأمر أحد تلك القصص المألوفة في أفلام الكارتون اليابانية، الا انه يحمل الكثير من الاشارات والتلميحات ولعل اهم ما يود مناقشته هو استعراضه واقع الاقتصاد الياباني في فترة سنوات مضت. بعض تلك الاشارات بدا واضحا ومفهوما لأمثالي ممن لا يعرفون الكثير عن واقع هذه البلاد، لكن بعضها الآخر بقي مبهما لا معنى له. منذ البداية يحارب الفيلم الاستهلاك المفرط ويصور المبالغين في الاستهلاك كالخنازير الذين لا يعون من أمرهم شيئا، بعدها يشير الى السعي الأعمي وراء تحصيل المال كاللعنة التي تجعل اقتصاد البلاد الذي ترمز اليه الساحرة هنا، مستعبدا للبشر الذين يقضون اوقاتهم في العمل أو النوم. بعض الاشارات التي لم تبدو لي واضحة هي تلك التي تتعلق بطفل يوبابا ، وهو طفل بدين تنياول كميات ضخمة من الطعام، يتضخم حجمه بشكل جنوني كلما تناول المزيد. تشتري له والدته يشاء من الألعاب والهدايا وهو نقطة ضعفها الوحيدة، لكنه لا يحمل الشر الذي تحمله هي في قلبها، بل ويحاول التأثير عليها بشكل ايجابي في أحد المشاهد. الفيلم يشير ايضا إلى أهمية الآلهة في حياتنا، فآلهة النهر المتمثلة في الفتى هاكو، هي من أضاءت الطريق للفتاة وساعدتها حتى النهاية بل وانقذها من الغرف حين كانت طفلة. أما هاكو “رمز الالهة” الذي اسرته الساحرة، فقد نسي اسمه، نسي ايضا من يكون لأن شيهيرو وكثير من الناس نسوا واجوده حين تقرر أن يردم وكل حمله عمارات سكنية. فيلم الروح التائهة Spirited Away يستوجب ان يملك مشاهده خلفية بسيطة ربما، عن بلد انتاجه “اليابان”. لم اتمكن من استيعاب كل اشاراته لكنه فيلم رائع يستحق المشاهدة والاقتناء ويمثلئ بالكثير من الوسائل البيئية الدينية وربما ومعلومات هامة عن التاريخ الياباني المعاصر

العدد 1153 – الأربعاء 02 نوفمبر 2005م الموافق 30 رمضان 1426هـ

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s