من قتل العقاد ؟! الإرهاب الغادر أم تخاذل الحكومات العربية

منصورة عبدالأمير 

ظل يحارب عقدين من الزمان عله يحرك نخوة أمة المليار، وعساه يتمكن من إقناع احد اثريائها بتمويل فيلمه الذي لم تشأ الأقدار أن يرى النور أبدا. “صلاح الدين” كان اسم الفيلم الملحمي التاريخي الذي يروي قصة القائد المسلم صلاح الدين الأيوبي محرر القدس من الاحتلال الأوروبي الصليبي في القرن الثاني عشر الميلادي. العام 1980 شهد ولادة الفكرة ، و25 عاما هي عمر الحلم التاريخي الذي لم يجد مصطفى العقاد أمرا مشرفا في عالمنا العربي سواه ليحمله، وهو الذي قال عن سبب رغبته الملحة في تحويله إلى فيلم بأنه “لا يوجد حاليا شيء مشرف في العالم العربي سوى التاريخ الذي يجب أن نرتكز عليه لمواجهة حملات التشويه ضد الإسلام”، مشددا على ضرورة تثقيف العرب والغرب واطلاعهم على مناقب التاريخ الاسلامي وحضارته الغنية بالعزة والكرامة والعلوم والإنسانية. العقاد أكد أن حرصه على تقديم الفيلم “ينطلق من مشكلة موجودة، تحديدا بالنسبة إلى قضية القدس “…” وأنا عندما أقدمه الآن أقدم رجلا منا بشهامته ونبله وأخلاقه التي يعرفها عنه الغرب أكثر مما نعرفها نحن. إن سيرة صلاح الدين هي الإسقاط المعاصر للحوادث التي تجري على الساحة اليوم، وفي زمنه كانت فلسطين كما هي عليه الآن، لكن هو جاء و”نظف” ووحد وغزا أخلاقيا “…” إنني أريد تقديم صلاح الدين لتثبيت عروبة القدس”. قبل عامين من الآن وتحديدا في ديسمبر/ كانون الأول ،2003 وبعد أن أعيته الحيل وحين أكمل حلمه بـ “صلاح الدين” عامه ،23 عقد المخرج السينمائي العالمي الأميركي من أصل سوري مصطفى العقاد عزمه على تصوير فيلمه الحلم من أمواله الخاصة، غير محتاج الى أموال أية حكومة أو ثري عربي. الحديث عن فيلم صلاح الدين، وعن كل الصخب المحيط به، لم يكن جديدا لأي من الصحافيين والاعلاميين الذين حضروا المؤتمر الصحافي المذكور، إذ إنهم جميعا سمعوا قصة الفيلم الحلم وعلموا أنباء الخذلان العربي للعقاد. جميعهم كما العقاد علموا أن أموال العرب لا تكدس لتحيي مآثر تاريخ أمتهم وتراثها، بل لتصب على كل ما هو سقط من القول والفعل و… المتاع. والعقاد لم يشأ اخفاء الحقيقة عن أحد، بل تحدث بها صراحة مرارا وتكرارا، تحدث عن رفض الحكومات العربية جمعاء لمشروعه، وتحدث عن مساومات “قذرة” كان أبطالها أثرياء عرب، أبوا إلا أن يعبروا عن حيوانيتهم المفرطة حتى عبر مشروع مقدس كهذا الفيلم الملحمي. لم يخف الحقيقة حين صرح لـ “إسلام أون لاين.نت” في عام انعقاد مؤتمره الأخير بأن أميرا عربيا عرض عليه أن يمول مشروع فيلم “صلاح الدين الأيوبي” نظير إقامته لعلاقة خاصة جدا مع بطلة الفيلم التي ستكون نجمة عالمية اختارها هو، مضيفا أن نظاما سياسيا عربيا ألمح إلى إمكان تمويله للمشروع في مقابل أن يقوم العقاد بإخراج فيلم عن رأس هذا الرفض. ورفض العقاد كل العروض القذرة، واحتقر كل محاولات خلط الأوراق، فأعلن اصراره على أن يمول الفيلم من أمواله الخاصة بعيدا عن أية مساومات سواء كان مصدرها حكومات نرجسية، أم أثرياء موحولون في القذارة. في الأردن أكد عزمه على تحقيق الفيلم الحلم، وهي التي اختارها موقعا لتصوير فيلمه غير عارف أنها ستقتله، تماما كما قتل العرب حلمه، بعد أقل من عامين من اعلانه ذاك، وستحيل جسده النابض حبا للأمة العربية المسلمة، ورأسه المليء عبقرية وتوقدا، إلى أشلاء ممزقة وإلى بقايا عبقرية خالدة. نعم كانت الأردن موعدا مع الموت كما أرادها هو، موعدا مع الحياة من جديد بأفلامه الرائعة. وكانت يد الارهاب هذه المرة هي التي شاءت ان تخنق كلماته وتقتل ما تبقى من عبقريته التي شرعت كل الحكومات العربية وكل أثرياء العرب في قتلها منذ عقود، وهو الذي حاول جاهدا أن يغير الصورة العالمية للعرب لكي لا يتهم أي منهم بالارهاب. اليوم يموت العقاد عن 68 عاما في أحد مستشفيات العاصمة الأردنية متأثرا بجروح أصيب بها في أحد التفجيرات التي استهدفت فندق حياة غراند إذ كان يقيم الى جانب فندقين آخرين بعمان يوم الأربعاء الماضي. وكان العقاد وصل إلى الأردن لحضور حفل زفاف كان مقررا إقامته يوم الجمعة المقبل في العقبة، وكان في بهو الفندق يستقبل ابنته ريما التي وصلت من بيروت لحضور الحفل ذاته. التفجيرات جاءت بيد ارهاب عربي، والارهاب ليس جديدا على العقاد فبقدر ما حاول أن يمحوه من قاموس العرب، فإنه ظل ملتصقا بهم ملاحقا للعقاد طوال حياته فتارة يواجهه في صورة قامعي الأفكار، وقاتلي الابداع، وتارة أخرى في صورة انتحاريين جبناء تلبسوا بلباس الاسلام، الدين الذي ظل العقاد يدافع عنه طوال حياته ونذر عمره مصححا صورته في أذهان الآخرين. في المؤتمر ذاته “قبل عامين” دعا العقاد العرب جميعا الى زيادة مساهمتهم في الإعلام “باعتباره أحد المنابر المهمة في توضيح صورتهم الإيجابية، وخصوصا أن الإعلام الصهيوني متغلغل في الولايات المتحدة وأوروبا ويعمل على استغلال المفاهيم الخاطئة والمشوهة عن الإسلام”، وقال: “إن الإعلام العربي يمكن أن يستخدم أداة للتأثير على الشعب الأميركي بسهولة إذا تسلح بالامكانات والخبرات والتقنيات؛ فهو أهم وسيلة للتواصل الجماهيري”. لم تثر هذه التصريحات أي استغراب لدى مستمعيه حينها، ولن تفعل ذلك لمن يعرفون العقاد، وهو الذي قدم لتراثنا العربي الاسلامي عددا من الروائع التي ستظل خالدة مهما عملت أجهزة الاعلام العربية على اخفائها، إذ تستمر في منع عرضها على رغم مرور أكثر من عقدين على انتاجها كفيلم “الرسالة” الذي لايزال قرار منع عرضه ساريا في مصر وسورية. وعلى رغم تأكيدات مسئولي الرقابة في مصر أن أسباب المنع “اجرائية”، جاءت من الأزهر الذي وافق على سيناريو الفيلم لكنه اعترض على عرضه بسبب عدم قيام العقاد بعرض الفيلم على علمائه، الا ان التبريرات الواهية لا تنفي حقيقة ان العرب جميعا قتلوا العقاد قبل أن يموت بعقود. و”الرسالة” ليس هو الفيلم الوحيد الذي يضيء ملف العقاد، فبمجرد أن يذكر اسمه يقفز الى الذهن فيلم “أسد الصحراء” الذي قدمه العقاد في 1980 ليعرض من خلاله احدى الصفحات المنيرة في تاريخنا العربي من خلال قصة عمر المختار قائد الثورة المسلحة ضد الاستعمار الايطالي في ليبيا. هكذا وبعد “عمر المختار” حلم العقاد بـ “صلاح الدين” لكنه لم يتمكن من تحقيق حلمه، وخلال الفترة ذاتها ظل يحمل آمالا كبيرة وتراوده أحلام أخرى عبر عنها خلال لقائه المذكور أعلاه “مع شبكة اسلام نت في ديسمبر 2003” بدءا بـ “وامعتصماه” الذي راودته فكرته أثناء حرب البوسنة، الى فيلم آخر يتناول قضية القدس، الى ثالث عن محمد شامل؛ الشيشاني الذي حارب الروس القياصرة، وأخيرا مشروع عن الأندلس عن “صبيحة الأندلسية”.. المرأة التي حكمت الأندلس. العقاد كان تحدث خلال اللقاء ذاته عن سيناريو جديد، يلقي الضوء على الثقافة الإسلامية، وتقوم قصته على وثيقة تاريخية نشرتها صحيفة “صنداي تايمز” البريطانية عن وفد أرسله ملك إنجلترا “جون الثالث” في العام 1213م إلى الخليفة الإسلامي في قرطبة، يقترح فيها أن تكون بلاده تحت حماية الخليفة وأن تعتنق الإسلام، وأن تدفع إنجلترا جزية إلى الخليفة. لكن جواب الأخير كان: “إن ملكا يقبل أن يبيع شعبه ومملكته لا يستحق حمايتنا”. العقاد صرح بأن العمل “سيتم بأيدي كتاب أجانب؛ فالعنصر الأجنبي مهم ليكون التأثير أقوى، ولكي تصل رسالتنا؛ فعندما تنقل الرسالة من الغربي إلى الغربي يكون صداها أعلى”. العقاد أعلن أيضا سيناريوا عنوانه “ثلج فوق صدور ساخنة”، كتبه المخرج مدكور ثابت، وقد قال عنه “كلما مر يوم اكتشفت أهمية هذا العمل الذي استشرف العديد من القضايا الحساسة، ودفعني إلى إعادة النظر في شخصيات عديدة تدعي الإخلاص، وثبت فيما بعد أنها لم تكن كذلك”. ويضيف “هذا السيناريو تمنيت إخراجه، لكن خشيت ألا أستطيع تقديمه بالشكل الذي يليق به؛ فهو يتناول قضايا محلية، وهناك مخرجون أقدر مني على تنفيذه؛ لأنني لا أعرف كيف أخاطب الجمهور العربي، أضف إلى ذلك أن مؤلفه مخرج وأستاذ للإخراج!” العقاد ترك مشروعاته التاريخية في العام 1978 مجبرا ليتجه إلى إنتاج سلسلة أفلام الرعب “هالوين” التي وصل عددها الى ،9 وهي أفلام أثبتت نجاحا كبيرا واجتذبت نسبة عالية من المشاهدين في الولايات المتحدة. والعقاد لا يخفي سبب اتجاهه لاخراج أفلام الرعب، إذ إنه وكما يقول يؤمن تماما بما قاله معمر القذافي: “في الحاجة تكمن الحرية”، مؤكدا أنه لو كان محتاجا لفقد حريته ولاضطر إلى أن يقدم تنازلات ليعيش هو وأسرته. مات العقاد ولم يتمكن من أن يقدم صفحة جديدة من صفحات تراث الأمة العربية الاسلامية، مات وفي نيته الدفاع عن قتلته وهو الذي قال انه يريد تقديم صلاح الدين لأنه “أنسب شخصية نقدمها الآن إلى الغرب لتتحدث باسمنا أو بالنيابة عنا؛ لأن الغرب والأميركان يتحدثون عن الإرهاب الديني، وما دام الأمر كذلك فإنني أريد أن أقول لهم: وهل هناك أكثر من الحروب الصليبية التي كانت مثالا للإرهاب الديني التي لم نجد على رغم حدوثها من يتهم المسيحية بالإرهاب؟”. مات العقاد وتركنا حائرين في معرفة قاتليه، هل هي الخيانة والتخاذل العربيين اللذين وأدا أحلامه وطموحاته، أم هي يد الإرهاب التي طالما حاول العقاد تخليص قتلته منها؟!”

العدد 1164 – الأحد 13 نوفمبر 2005م الموافق 11 شوال 1426هـ

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s