في “أمير الحرب” أندرو نيكول يقود حملة عالمية من أجل الإنسانية

 

منصورة عبدالأمير

قائمة أعماله لا تحوي الكثير من الأفلام، بل إن عددها لا يتجاوز أربعة، لكن اندرو نيكول قدم لسينما هوليوود عددا من الأفلام الجيدة التي تأتي دائما لتقدم رسائل هادفة ولتنقل وجهات نظر نيكول السياسية والاجتماعية. في أولها Gattaca تحدث عن الروح البشرية، واستعرض بعض خفاياها من خلال قصة رجل يعاني من اختلال جيني لكنه رغم ذلك يحلم بالسفر الى الفضاء. بعدها ناقش فكرة مجنونة قدمها “المجنون” جيم كاري بطل فيلمه الثاني The Truman”اخص الذي يصاب بصدمة حين يكتشف ان تفاصيل حياته بالكامل ليست سوى برنامج تلفزيوني. لا أعلم حقا إن كان مبتكرو برنامج الأخ الأكبر أخذوا الفكرة من فيلم نيكول، الذي جاء بعدها في ثالث أفلامه ليصمم ممثلة رقمية وبطلة “ديجيتالية” لفيلم S1m0ne تبهر الجميع وتصبح حديث الشارع. أفكاره مجنونة تحمل من الايحاءات وتنقل من الرسائل ما تعجز عنه كثير من أفلام هوليوود. وليس ذلك وحسب بل إن أعمال هذا المخرج والمنتج والمؤلف النيوزيلندي، على رغم قلتها، تحوي أسماء لكبار نجوم هوليوود أمثال آل باتشينو ووينونا رايدر في S1m0ne، أوما ثورمان وجود لو في Gattaca، جيم كاري فيThe Truman اخص وأخيرا نيكولاس كيدج، في رابع أعمال نيكول وأحدثها Lord of War. أعمال نيكول جميعها تقدم أفكارا جديدة ذات مضامين عالية، لكن لعل الأخير جاء ليقدم رسالة أشد بلاغة وأعظم أثرا من سواها، وكيف لا وهي تمس البشرية جمعاء. هي رسالة ما كانت هوليوود لتقدمها بأي حال من الأحوال لما تحويه من نقد لاذع وصريح ومباشر لبعض سياسات البيت الأبيض، وكيف لها ذلك، وهي وواشنطن توأمان لا ينفصلان يكمل كل منهما سياسات الآخر، ويوفران غطاءا لتجاوزات بعضهما وانتهاكاتهما على المستويين المحلي والعالمي. نيكول كتب فيلمه الأخير Lord of War، وأخرجه وساهم في إنتاجه، ليقدم من خلاله رسالة نقد لاذعة ومؤثرة لتجارة السلاح في أميركا، أو لما أشار لكونه تجارة الموت، وذلك عبر فيلم درامي ساخر يمتلئ بكثير من الكوميديا السوداء. هذا الفيلم بقدر ما يسخر من كل ما يحدث في العالم اليوم إلا إنه يطلق صرخة عالية في وجه تجار الموت، ويدعو الى الوقوف في وجوههم بسن قوانين أكثر صرامة، وبالسعي وراءهم وتعقبهم. يبدأ الفيلم بمونتاج جميل ومؤثر يتتبع المخرج من خلاله رحلة “رصاصة” من وقت التركيب حتى التجميع ومن ثم التصدير حتى انطلاقها من فوهة مسدس غادر واستقرارها في دماغ فتى صغير. هي بداية تنقل الكثير وتحدد وجهة الفيلم منذ دقائقه الأولى وتنقل رسالته بأبلغ ما يمكن. بعدها ينقلنا المخرج لنتتبع قصة يوري أورلوف “نيكولاس كيدج” تاجر السلاح، وهو الأميركي من أصل اوكراني والذي نشاهده منذ بداياته ومنذ أن كان مع والديه وشقيقه الأصغر فيتالي “جارد ليتو”، بحيث ينشغل هو ببيع وتوزيع الأسلحة على العصابات الموجودة في المنطقة التي يعيش فيها. ومن تلك العصابات الصغيرة تتوسع نشاطاته لتصل به أخيرا الى القارة الأفريقية والى ليبيريا بالتحديد، إذ يرتبط مع ديكتاتور عاشق للدماء هو اندريه بابتسيت الأب “ايمون والكر” وهو مسئول كبير في الجيش الليبيري يتمكن من السيطرة على الحكم في بلاده بإزهاق كثير من الأرواح مستخدما الأسلحة التي يزوده بها يوري. يوري وعلى رغم معرفته تماما بما يفعل وبما يتسبب فيه من موت ودمار للبشرية، خصوصا بعد أن توسعت أعماله وطالت جميع البشر عبر القارات، إلا أنه يملك روحا شريرة مكنته من أن ينام قرير العين رغم كل ما يتسبب فيه من مآس. وليست الروح التي تسكنه هي ما جعلته الرجل المناسب لهذا العمل فقط، بل إن مكره الشديد وقدرته على التحايل على القانون وجرأته في الاقدام على ايذاء الآخرين، هي بعض من الامكانات التي يحملها والتي جعلته الأفضل لهذا العمل. يستمر يوري في أذاه ذاك، ويقنع شقيقه فيتالي بالاشتراك معه ليكونا إخوة في السلاح، كما هما شقيقان في الواقع. لكن فيتالي يتوقف عن نشاطه بعد إدمانه تعاطي الهيروين، وهو ما يضطره لقضاء أوقات طويله في إحدى مصحات علاج المدمنين تأخذه بعيدا عن شرور أخيه. يوري وبسبب ما يمتلكه من دهاء وخبث يتمكن من أن يصل الى واحدة من أشهر ملكات الجمال التي كان يحلم بها منذ صغره وهي آفا فاونتين التي تقوم بدورها الجميلة بريديجيت مويناهان. يتزوج منها بعد مكيدة يدبرها لها، ويرتبطان دون أن تعلم شيئا عن واقع أعماله ونشاطاته، ومن دون أن تكشف أيا من أكاذيبه. بعدها وبدلا من أن يوجه تركيزه لأسرته يظل يتابع أخبار مصائب الشعوب، ممنيا نفسه بما يمكن أن يجنيه من ثروات من دماء ضحايا أية حرب أو فتنه تندلع هنا أو هناك. إذ نراه في أحد المشاهد يتابع أخبار انهيار الاتحاد السوفياتي بشغف وتركيز شديدين يمنعانه عن الاستماع لأخبار أول خطوات صغيره التي تزفها إليه زوجته ووالداه. وبدلا من أن يقبل الصغير ويسعد لحاله، نراه يوجه قبلاته لشاشة التلفزيون والى وجه ميخائيل غورباتشوف الذي كان حينها يعلن نبأ إنهيار بلاده والعثور على مخازن سرية للأسلحة، وهو ما يعني مكاسب مادية لا تحصى ليوري، وصفقات سرية بائسة يقتات من ورائها على دماء الشعوب. يقع يوري في قبضة العدالة لكنه حينها يفجر قنبلة لضابط الانتربول “ايثان هاوك” الذي يقبض عليه ويتولى التحقيق معه، إذ يخبره أن اعتقاله لن يطول وان سيتمكن من الإفلات بكل بساطة لأن رؤوس كبرى تسنده وتدعم نشاطاته. بل إنه يضيف أن رئيس الولايات المتحدة الأميركية هو في واقع الأمر المصدر الأكبر لهذه الأسلحة والمسئول الأكبر عن موت الشعوب ودمارها. فعلا يفلت يوري من قبضة العدالة بتوصية من مسئول كبير يمتلئ كتفه بكثير من الشارات والنجوم، ويخرج ليواصل نشاطه في تزويد أسلحة الدمار. يخسر كل شئ بعد أن يقتل شقيقه في سييراليون وبينما كان يتفاوض لبيع ما سيغتال أنفاس مجموعة من اللاجئين في أحد المخيمات. وأخيرا يتبرأ منه والداه، وتهجره زوجته حاملة صغيرهما الى حيث لا يعلم. أعظم نقاط قوة الفيلم هي الاختيار الموفق للممثل نيكولاس كيدج الذي أدى شخصية يوري الذي كان متمكنا من الشخصية بشكل كبير ومقنعا في أدائه، لدرجة يصعب معها تصور أي ممثل آخر في الدور نفسه، وحقيقة لا أعرف أيهما جاء أولا يوري أم نيكولاس. على أية حال فإذا صدقت ظنوني وكان مبتكرو “الأخ الأكبر أهل Brother” الذي اقتبسناه في العالم العربي تحت اسم ستار اكاديمي، أخذوا فكرته من فيلم The Truman Shaw، فهل يمكن أن يحمل فيلم Lord of War التأثير ذاته، وهل يمكن أن يحرك بعض الجهات لعلها تشكل نوعا من الضغط الذي قد يغير شيئا من سياسات واشنطن أو هوليوود، على أضعف الإيمان؟ ربما يحدث ذلك، ولعل الحملة التي اطلقتها منظمة العفو الدولية، فرع البحرين، والمتزامنة مع موعد عرض الفيلم في البحرين والتي تدعمها شركة البحرين للسينما، وهي واحدة من أوائل الحملات بهذا الصدد، وانطلقت في 07 دولة، داعية الى الحد من الكلفة البشرية المترتبة على سوء استخدام الأسلحة. هي حملة تستحق الدعم منا جميعا من أجل البشرية ومن أجل مسح دموع بعض ضحايا الطمع واللامبالاة الأميركيين

العدد 1192 – الأحد 11 ديسمبر 2005م الموافق 10 ذي القعدة 1426هـ

 

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s