عرض في نادي البحرين للسينما: شاب طموح… وفتاة تقتلها الإعاقة… وفلسفلة مختلفة في فيلم شياما بارساد

منصورة عبدالأمير 

كعادته في تقديم كل ما هو جاد وهادف من الأعمال السينمائية والفنية، انفرد نادي البحرين للسينما في الاسبوع الماضي بعرض مميز للفيلم الثالث من اعمال المخرج الهندي الشاب شيا مابارساد، تم بحضور مخرجه وطاقم العمل من مصورين وفنيين وذلك في يوم السبت 3 ديسمبر / كانون الأول الجاري بقاعة نادي البحرين للسينما بالجفير. الفيلم الذي انتج في العام 2004 وقدم تحت اسم Akale (عن بعد) مأخوذ من مسرحية كلاسيكية شهيرة ألفها الكاتب الأميركي الشهير تينسي ويليامز تحت اسم (The Glass Menagerie) أقفاص زجاجية. هذه المسرحية التي كتبت قبل ما يصل الى 80 عاماً من الآن جاءت لتناقش تأثيرات انهيار الاقتصاد الأميركي في عشرينات القرن الماضي على أوضاع كثير من الأسر الأميركية آنذاك، ولتلقي الضوء على بعض ارهاصات تلك الفترة وتأثيراتها على المجتمع الأميركي بشكل عام، وذلك من خلال قصة أسرة تتكون من أم وابنها الشاب وابنتها المعوقة، ووالد يهجر الأسرة إلى حيث لا يعلم أحد بوجوده. بارساد اقتبس العمل المسرحي، ليبني عليه عمله السينمائي الثالث، محدثاً بعض التغييرات في تفاصيل القصة الرئيسية ليتمكن من تطبيقها على واقع بعض الأسر الهندية، تلك الأنجلو هندية منها على وجه التحديد، في سبعينات القرن الماضي. أبطال قصته الثلاثة هم مارغريت ايفانز وابنها نيل وشقيقته روز، الذين كانوا يتقاسمون منزلاً ساحلياً رثاً يقع في احدى مناطق الهند التي بدت نائية. نيل هو شاب غير مستقر في حياته يحلم بأن يصبح كاتباً أو شاعراً، لكن طموحاته الكبيرة تلك لا تتناسب مع واقعه الذي يفرض عليه العمل ككاتب في أحد المخازن ليعيل أسرته بعد أن هجرها الأب الى غير رجعة. أما شقيقته روز، الفتاة الحساسة المنطوية على نفسها بسبب اعاقة بإحدى قدميها، فتجد صعوبة كبيرة في أن تنخرط مع المجتمع، بل إنها تترك الكلية التي أودعتها إياها والدتها لتدربها على إتقان العمل المكتبي وتفضل البقاء في المنزل. وعلى رغم كل الغموض الذي يحيط بالفتاة والتي يبدو منطقياً لو تم التركيز على شخصيتها كما هو الحال مع شقيقها، فإن مشكلات نيل تبدو هي القضية المركزية والمشكلة الأساسة التي تدور حولها مجريات الفيلم. نيل يعيش صراعاً مراً بين رغبته في تحقيق حلمه ومسئوليته برعاية أسرته، وهو صراع تزيد من حدته ثرثرة والدته التي تأبى إلا أن تذكره على الدوام بوالده الذي ترك الأسرة، بل وتعبر له في كل مناسبة عن استيائها من بعض طباعه وتصرفاته التي تذكرها بالأب الغائب. ونيل الذي يروي لنا منذ بدايات الفيلم جزءاً من قصة عائلته، يبدو وكأنه يريد لنا أن نشاهد الحوادث من زاويته، وأن نقنع بتحليلاته هو للشخصيات، وأن نقتبس فلسفته في الحكم على كل شخصيات القصة وعلى كل حوادثها. فلسفته الغريبة التي تبدو قاتمة متشائمة، تبدو وكأنها ما يريد لنا المخرج أن نقتبسه، وأن نأخذ به، أولم تصدر من لسان نيل الذي يبدو أكثر الشخصيات واقعية ومنطقية، نيل يرى أنه لا يمكن بأي حال من الأحوال نسيان الآلام التي يعيشها الفرد أو محو آثارها من حياتنا. وليس ذلك فحسب بل إنه يقدم دعوة مبطنة الى اتخاذ اللامبالاة شعاراً وطريقاً لنعيش الحياة بأفضل ما يمكن. وليقنعنا نيل فإنه يعود بنا الى مرحلة في عمر الأسرة ليروي لنا كيف كان الجميع، هو ووالدته وشقيقته، يرفضون واقعهم المزري، ويحاولون العيش في عالم خيالي ساحر، تختلف بواباته من واحد لآخر، فالأم تجد في ماضيها الجميل أفضل عزاء لحاضرها، كيف لا، أولم تكن يوماً هي تلك الفتاة الجميلة التي يتنافس شباب الحي لخطبتها، جميعهم، بكل طبقاتهم، وبكل مستوياتهم الاجتماعية؟. ألم ترفضهم جميعاً وتفضل والد نيل، هذا الزوج الذي أبى إلا أن يشرك الخمرة في زواجهما ثم يفضل الهروب والبحر الذي أخذه بعيداً عن عالمها وعالم أبنائها، نيل هو الآخر يسير على خطى والده ليفرط في الشراب، وليتردد باستمرار على مشاهدة الأفلام السينمائية التي يرى فيها دنيا أحلامه والتي تأخذه بعيدا عن أي واقع يحيط به. أما روز فتشغل نفسها في صناعة دمى زجاجية غاية في الجمال، لا تعيش من خلالها أحلامها وحسب، بل تنفس أيضاً فيها عن بعض عقدها. وتوشك أحلام الأسرة أن تتحقق يوماً، حين يدخل فرد رابع إلى حياتها، هو زميل لنيل في العمل، أحضره ليتعرف الى شقيقته، وليتزوجها إن حصل اتفاق. زيارته تحدث الكثير في حياة هذه الأسرة التي علا مشاعر أفرادها الملل واليأس من أي اشراقة أمل وقتلها روتين حياة مملة وقاسية. هذا الصديق يدخل بصيصا من النور وشيئا من السعادة والأمل، وبريق ابتسامة بدخوله لمنزل الأسرة في احدى الليالي الممطرة، لكنه يأخذه معه حين يغادر ليقتل أي أمل في نفوس أفرادها بحياة أفضل، وليطفئ ابتسامة ما كادت أن ترتسم على ثغر روز، وهي من سماها الوردة الزرقاء، لأنها كما يقول تحمل جمالاً يختلف عن جمال أي وردة آخرى. اقتباس بارساد من مسرحية تينسي وإن لم يكن موفقاً الى حد بعيد، إلا أنه مكنه من تصوير كثير من المشاعر الإنسانية الهشة ليقدم عملاً رائعاً استحق بجدارة كل الجوائز والتكريمات التي حصل عليها والتي تنوعت بين أفضل فيلم روائي، وأفضل اخراج، وأفضل تمثيل نسائي ورجالي. وحين أقول ان الاقتباس لم يك موفقاً فإن ذلك لقناعة بأنه لا يمكن دائماً تحويل النصوص المسرحية إلى أعمال سينمائية من دون المساس ببعض تفاصيل العمل، التي قد تكون مهمة وأساسية في النص. هي تفاصيل قد لا يعيرها الناقل أهمية في حين أنها قد تكون النواة الأساس لخلق الصلة بين المتفرجين والعمل ولنقل الصورة كاملة إلى أذهانهم. فلماذا تنقل مسرحية تعبر عن حياة المجتمع الأميركي في عشرينات القرن الماضي، لتصور حياة جزء من المجتمع الهندي بعد 50 عاماً على الأقل؟ صحيح أنه يمكن دائما التحايل على النص الأصلي، لكن ذلك طبعاً يعني نزع عناصر تمثل روح العمل، إذ يمكن تفهم ما حدث في مجتمع العشرينات في أميركا، لكن ما الذي يتحدث عنه بارساد، ما الذي حدث في مجتمع الميالام الذي يقدم بارساد صورة عنه في السبعينات، والذي صرح أثناء لقائه المذكور أعلاه، بأنه كما هي أفلامه الأخرى يعبر عن ثقافة مجتمع المليالام الذي أتى منه بارساد نفسه. هل هو حدث تاريخي يتوجب على الجميع معرفته، في داخل المجتمع الهندي أو خارجه، ولجاهلي هذا التاريخ ألا يستحق الأمر اشارات اكبر وتفصيل أكثر، أم يفترض بجميع المتفرجين أن يكونوا على دراية بتفاصيل تاريخ كل الشعوب، وعلى رغم تأكيده أن كل أعماله مأخوذة من أدب المليالام، فإنه يزعم أن اقتباسه لهذه القصة الأميركية جاء لقناعة منه بوجود مجتمع معزول في الهند مشابه لذلك الذي تحدث عنه تينسي في أميركا العشرينات، هو مجتمع الاسر الانجلو هندية الذي يصفه بأنه «مجتمع معزول، أفراده شديدو الحساسية، ويتمسكون بتقاليد خاصة بهم» والمسرحية كما يقول باراساد يمكن أن تشير الى أي فترة زمنية وتطبق على أي مجتمع آخر وليس فقط المجتمع الأميركي، كما ان «من يفهم طبيعة الناس في المجتمع الهندي سيرى مدى تناسب القصة مع هذا المجتمع» بارساد أشار الى أنه اطلع على المسرحية أثناء دراسته في بداية الثمانينات، ليقدمها على المسرح أولاً لكن اعجابه الشديد بها والذي ظل باقياً حتى بعد 20 عاماً جعله يقرر تحويلها الى عمل سينمائي. أحبها، كما يشير، لأنها تعبر عن كثير من المشاعر والأحاسيس الهشة والضعيفة التي قد يحاول كثيرون منا إخفائها، لكنها، بحسب بارساد، تشكل أساساً لقصص يجب أن تروى على الدوام وان تكرر مرة بعد أخرى. وعلى رغم ان عمل بارساد هذا، لم يصل، بحسب ما أشار اليه مخرجه، الى كثير من المشاهدين، في حين حصل على إشادات عدة وتكريمات كثيرة، إلا أن بارساد تمكن من خلاله أن ينقل فلسفته الخاصة المأخوذة من ثقافة مجتمعه وهي فلسفة تحمل سحراً خاصاً بشأن موقف اللامبالاة الذي يدعو بارساد لاتخاذه لنسيان كل الآلام والأحزان. فاللامبالاة «هي الدرع الذي نتحصن به في وجه الألم والتعاسة». لكنه يعود بعدها في مشاهد أخرى ليناقض دعوته تلك بدعوة أخرى يدعو فيها الى التمسك بالذكريات «التي تحمل الحقيقة دائماً» والماضي الذي يصفه بمرساة «تشدنا إلى الوراء» ولذلك فإن علينا دائماً أن «نتحرر من ماضينا لنعيش حاضرنا»، روعة العمل تكمن أيضاً في قدرة مخرجه على تقديم مشاهد تمتزج فيها الظرافة بالأسى، يصورها بخلفيات مظلمة تسمع من ورائها زخات مطر ثقيل لا يتوقف، ودوي رياح عاصفة لا تهدأ، أولم يكن ذلك كفيلاً بتجسيد مشاعر الفقد والخسارة التي تعيشها الأسرة منذ البداية حتى نهاية الفيلم. أخيرا فإن مشاهدة العمل تمثل تجربة مختلفة ومميزة تحمل سحراً من نوع خاص وتأخذ مشاهدها الى عالم مختلف في سحره وغموضه، لكنه يظل غير وقاقعي وان لم يشأ بارساد ذلك

العدد 1195 – الأربعاء 14 ديسمبر 2005م الموافق 13 ذي القعدة 1426هـ

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s