عودة المسيح وحروب بين الخير والشر

منصورة عبد الأمير

لم ينته الجدل المثار حول آخر أفلام المخرج النيوزلندي اندرو آدمسون، وفي واقع الأمر أولها، حتى الآن. هذا الجدل بدأ مع بدايات العمل على مشروع الفيلم، ومنذ أن ابرم آدمسون اتفاقه (المتردد) مع شركتي ديزني ووالدين ميديا لتحويل قصة الكاتب الايرلندي سي اس لويس «يوميات نارنيا، الأسد، الساحرة، والدولاب» The Chronicles of Narnia, the Lion, the Witch and the Wardrobe، إلى فيلم أطفال سينمائي. تردد آدمسون جاء بناء على خبرته المتواضعة في تقديم أفلام روائية بممثلين (حقيقيين) وهو الذي اعتاد اخراج أفلام الانيمي الكارتونية، لكن الشركة المنتجة ولقناعتها بموهبته الفذة التي مكنته من أن يتحفنا ويسعد الأطفال برائعة شركة دريم ووركس الشهيرة Shrek بجزئيه الأول والثاني، أصرت على أن يقوم هو من دون سواه بتقديم قصة متميزة أخرى، وفيلم أريد له منذ البداية أن يكون خلفا لثلاثية بيتر جاكسون Lord of the Rings (سيد الخواتم)، وجديرا بتحقيق الهدف ذاته في خلق حضور نيوزلندي بارز على الساحة السينمائية العالمية. بمجرد الموافقة قام آدمسون نفسه بتحويل الرواية الى نص سينمائي، ليشرع بعدها في تصوير عمله، ولتتسرب الأنباء للنقاد والصحافيين الذين بدأوا جدلهم الذي كانت قضيته الأساس ايجاد أوجه التشابه والاختلاف بين فيلم آدمسون هذا، وثلاثية «سيد الخواتم». دافع آدمسون عن فيلمه، وحاول حتى نجح في إقناع الجميع بأنه لا تشابه بين الفيلمين سوى في بعض الشكليات التي لا علاقة لها بموضوع كل فيلم وأهدافه، موضحا أن عمله يستعرض قصة تدور وقائعها في عالم واقعي، أما فيلم جاكسون فينقل وقائع تجري في عالم خيالي أسماه بالأرض الوسطى. وأخيرا جاء الفيلم المنتظر، وكان فعلاً عملاً مختلفاً متميزاً، مناسباً لجمهور أصغر سنا من أولئك الذين حاول جاكسون اجتذابهم. مناظر الفيلم مبهجة، مجرياته مثيرة ومؤثرة يقوم بها أبطال مختلفون سنا وحجما عن حملة الخاتم والمدافعين عنه، وهذا ما جعل العمل أقرب الى قلوب الأطفال. تستعرض القصة جزءا من صراع أبدي تدور رحاه في مملكة نارنيا وهي مملكة خيالية، لكنها على رغم ذلك توجد على سطح الأرض، لا في بطنها كممالك جاكسون. هذا الصراع يدور كما هو الحال في «سيد الخواتم» بين قوى الخير والشر، لا من أجل السيطرة على خاتم، بل لاسترجاع حكم نارنيا، مملكة الحب والخير والجمال. منذ البداية نرى جوديس، الساحرة الشريرة، مسيطرة على عرش نارنيا التي تعيش بسبب لعنة جوديس شتاء قارسا منذ 100 عام. لا نعرف كيف تمكنت من أن تهزم الحاكم الفعلي للمملكة وهو الأسد أسلان، فاستولت على عرشه، وهو الأقوى والأشد هيبة منها والذي لا يهزم ولا يموت، لكننا نعلم جيدا أن أسلان يترصد لها، وأنه ينتظر الوقت المناسب والموعد المنتظر الذي يأتي فيه اثنان من ابناء آدم واثنتان من بنات حواء، ليخوض الى جانبهم معركة شرسة يقضي فيها على جوديس ويطرد الشر الى غير رجعة من مملكة نارنيا. يصل الأطفال الأربعة إلى أرض نارنيا من خلف خزانة ملابس، وإذ كانوا منهمكين في احدى ألعاب الاختباء التي يعشقونها، ويصلون هذه المملكة واحدا بعد الآخر، ليلتقوا بعض سكانها الأشرار منهم والأخيار. الصغيرة لوسي (جورجي هنلي) تلتقي في أول زيارة لها تومينوس (جيمس ماكفوي)، الذي يشبه آلهة الحقول والغابات في الأساطير الرومانية، ليعطيها بعض المعلومات عن أرض نارنيا، ولتتسبب الصغيرة لوسي من غير قصد في إيذائه عبر وشاية بلهاء يقوم بها شقيقها أيدموند (سكندر كينيز) من أجل قطعة حلوى تركية، بعدها يلتقي ايدموند الساحرة والقزم المصاحب لها على الدوام ليقنعاه بضرورة احضار باقي اشقائه مقابل غرف مليئة بالحلوى ذاتها. ثم يلتقي الجميع بحيوانات ناطقة، وعمالقة كبيرة، ومخلوقات السنتور (نصفها إنسان ونصفها الآخر حصان)، وكثير كثير من المخلوقات التي ينحاز بعضها للأسد أسلان بينما تجند الساحرة جوديس كثيراً منها وتوقعها تحت سيطرتها. تطورات القصة ونهايتها تتم بحسب التوقعات، فلا جديد في أن تحل جميع المشكلات ويتغلب الأخيار على كل الصعوبات وتتصاعد الحوادث لتصل الى ذروتها حين يلتقي معسكر الخير ومعسكر الشر في أرض محايدة هي أقرب لأرض الخير. طبعاً ينتصر الخير ويموت الشر وليس هذا هو الجديد، لكن ما يميز الفيلم هو تلك الاسقاطات السياسية والايحاءات والرموز الدينية الكثيرة التي يمتلئ بها، وهي رموز أنكر المخرج وجودها في بعض المشاهد، أو التعمد في تضمينها في مشاهد أخرى. سبب نكرانه ذاك ليس واضحا ولا منطقيا ولا مبرر له، إذ ليس مستغربا على ثاني أضخم عمل نيوزلندي وهو الذي يأتي بعد واحد من أكثر الأعمال السينمائية امتلاء بالرموز الدينية والسياسية، وأقصد هنا «سيد الخواتم»، أن يحمل الكم ذاته من الاشارات والتلميحات وان يمارس عملية الاسقاط والترميز ذاتها، كذلك لا يخفى على أحد أن كاتب القصة سي اس لويس هو في واقع الأمر كاتب تكاد لا تخلو أي من رواياته وأعماله من تأثيرات لخلفيته الدينية، وهو الذي يشتهر كذلك بكتاباته الكثيرة المدافعة عن العقائد المسيحية والمروجة لها. محاولات الانكار من المخرج قد تنجح مع بعض الرموز المبهمة، لكنها تضيع سدى أمام تلك الرموز الواضحة منها كالأسد أسلان، الذي بدا من الواضح ما تحمله قصته والشخصية التي يمثلها من اشارات لشخصية المسيح، فهذا الأسد القوي الشجاع الذي ينتظر وصول أبناء آدم وحواء ليخلص نارنيا من الشرور والآثام، يضحي بنفسه من أجل أحد أبناء آدم، ويقتل في هيئة تشبه الصلب على يد الشريرة جوديس. وليس ذلك فحسب بل إنه يعود من الموت لينقذ العالم، ولينقض على جوديس وهي تكاد تفتك ببيتر أكبر أبناء آدم والأمل في انقاذ نارنيا. إلى جانب ذلك، نشاهد الطير الأبابيل التي تهاجم جيش نارنيا وترمي الجنود بالحجارة فتفرق صفوفهم، أثناء معركة (مناخية) إن أمكن وصفها بذلك بين حكم نارنيا الثلجي وعهد أسلان الربيعي الأخضر، القصة ككل تمتلئ بكثير من التعاليم المسيحية التي تدعو الى التوبة والانعتاق من الخطيئة والتسامح ونشر الحب والتضحية من أجل الآخرين. وهي قصة رمزية تعبر عما يجري في العالم اليوم، وتحمل نبوءة عودة المسيح التي تبشر بها الأديان الثلاثة. على أية حال، وبعيدا عن كل الرموز والاسقاطات التي قد نختلف في تفسيرها أو حتى الايمان بوجودها، إلا أننا أمام فيلم يدعو الى التسامح والحب، ويبرز دور الارادة القوية والعزيمة الصادقة في هزيمة مصاعب الحياة ومواجهة المخاطر والشرور

العدد 1230 – الأربعاء 18 يناير 2006م الموافق 18 ذي الحجة 1426هـ

 

 

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s