«ملاكي اسكندرية» محاولة تطويرية ودعوة إلى الشك والارتياب

منصورة عبد الأمير

منذ البداية عملت المخرجة الشابة ساندرا نشأت على أن تصنع لنفسها اسمًا مميزاً في عالم الإخراج، الأمر الذي جعلها تدقق كثيراً في اختياراتها وتبتعد قدر الإمكان عن قاعدة «الجمهور عاوز كده»، وهي القاعدة التي اخترعها، على ما يبدو، بعض من أرادوا تحقيق أرباح تجارية بأي ثمن حتى لو جاء ذلك على حساب اضعاف أذواق الجماهير والسقوط بها الى هوة سحيقة، ليكون الناتج ما نراه اليوم من واقع الأفلام المصرية تحديداً. ساندرا لم تسع لتلبية رغبات الجمهور بالدرجة الأولى، بل أرادت تغيير أذواقهم تلك، إن كان صحيحاً وجودها. لهذا جاءت خياراتها مختلفة، أصابت في بعضها، وأخطأت في البعض الآخر، إلا أنها عموماً جعلت منها اسماً مميزاً يتوقع له كثيرون شأناً في عالم الإخراج، إن سارت الأمور كما ينبغي. ولأن ساندرا كانت منذ البداية بعيدة عن ذوق السينما التجارية، فليس بالغريب على من مثلها أن تتجه إلى إخراج فيلم مختلف، تماماً، وبعيد كل البعد، عن الموجة السائدة في سينما بلادها. هذه السينما التي تركز جهودها على تقديم أعمال كوميدية، يأتي معظمها «هايف» وخاليًا من أي مضمون، أو رومانسيًّا يحاول جاهداً وبابتذال تقليد أفلام الخمسينات والستينات، وهي التي جاءت في متناسبة على ما يبدو مع الروح السائدة في تلك الفترة. ساندرا جاءت هذه المرة بفيلم بوليسي هو «ملاكي اسكندرية»، وهو فيلم أبعد ما يكون عن الأفلام المصرية، نوعاً ومضموناً، والتي لا يملك صانعوها الجرأة الكافية لاقتحام عالم الأفلام البوليسية. هذه الأفلام التي تحتاج الى سيناريو دقيق ومحكم، والى مخرج متمكن قادر على أن يشد جمهوره ويثير أعصابهم ويقدم اليهم من الابهار والاثارة ما يكفي. هي مجازفة إذاً تخوضها ساندرا تراهن فيها على جمهورها واسمها، وعلى الوجوه التي تشاركها الفيلم، وكذلك على الأسماء الكبيرة التي وافقت على الظهور معها مثل خالد زكي وسامح الصريطي. نعم تجازف ساندرا وهي المعروفة بأفلامها الاجتماعية مثل «مبروك وبليل، حرامية كيه جي بي»، وهي هنا تستعين بأحد كتاب السيناريو الشباب الذي لم يسمع اسمه مسبقاً وهو محمد حفظي، وتختار وجوها شابة لم يعرف عنها القيام بأدوار مماثلة، أمثال أحمد عز الذي لم نره سوى في دور الشاب الوسيم وبطل الأعمال الرومانسية أو ما يطلق عليها بالأفلام الشبابية الخالية في العادة من أي مضمون. وهناك أيضاً غادة عادل وهي دائماً الجميلة «الدلوعة» ابنة الاسرة الثرية التي لم تتمكن من اثبات قدراتها التمثيلية في أي عمل قدمته، وكذلك نور الجميلة الرومانسية التي لم تستطع الحصول على أي دور مهم مسبقاً سوى دور حبيبة البطل. فيلم «ملاكي اسكندرية» تبدو قصته مسروقة منذ الوهلة الأولى من أحد الأفلام الأميركية، إذ إن كثيراً من هذه الأفلام تناقش «الثيمة» ذاتها، التي تركز على قدرة أحدهم على خداع القانون والاحتيال عليه، نذكر منها Body of Evidence. الذي تمكنت فيه مادونا من خداع محاميها ليبرئها من جرائم قتل أزواجها، وهي الجرائم التي ارتكبتها مع سبق الاصرار والترصد. «ملاكي اسكندرية» وإن لم يكن اقتباساً مباشراً أو تقليدا صريحا إلا أن جميع وقائعه وتفاصيله، بل وأساليب الاخراج والتصوير فيه تبدو كأنها مقاطع من أحد أفلام الاثارة الأميركية. على رغم ذلك يبدو الفيلم مميزاً منذ بداياته وتبدو خطوة اخراجه خطوة أقرب ما يمكن أن يقال عنها انها تجديدية وتطويرية في السينما المصرية وقادرة على أن تأخذها بعيداً عن أفلام الكوميديا والأفلام الرومانسية الطاغية على إنتاجها. تبدأ وقائع الفيلم بجريمة قتل يروح ضحيتها حسين، وهو أحد رجال الأعمال الذي يقوم بدوره خالد زكي، تتهم زوجته سحر (غادة عادل) بقتله فتقوم بتوكيل محام كبير للدفاع عنها «سامح الصريطي». يرفض المحامي قضيتها فلتجأ إلى محام آخر يدعى أدهم (أحمد عز) يعمل في المكتب نفسه. يتحمس أدهم لقضيتها ويقرر الدفاع عنها وإن كلفه ذلك الاستقالة من عمله في المكتب. يبدأ المحامي الشاب في البحث عن القاتل الحقيقي، لتقوده الخيوط إلى معتز (محمد رجب) ابن رجل الأعمال الذي كان على خلاف دائم مع والده. يحاول أدهم التقرب من رشا شقيقة معتز، كما يضع سكرتيرة القتيل ليلى (نور) في دائرة الاتهام. ينجح أدهم فعلاً في إثبات براءة موكلته، ويتزوجها بعد أن ارتبط بها عاطفياً لكن مفاجأة أخرى تكون له بالمرصاد. يمتع الفيلم مشاهديه مع محاولات أدهم لجمع القرائن والأدلة التي تكفي لإثبات براءة موكلته ولإدانة غيرها، وهي محاولات تشرك المشاهد في عمليات ذهنية قلّ أن توليها السينما المصرية أي اهتمام. كذلك يحوي الفيلم عدداً من لقطات «الاكشن» المثيرة والمعمولة بشكل جيد نسبياً والتي تشبه الى حد بعيد كثيراً من لقطات الاثارة في الأفلام الأميركية كالمطاردة بين أحمد عز وأحد المشكوك فيهم والتي يتم جزء منها فوق عربات القطار. ومن المشاهد الجميلة في الفيلم نهايته التي يفاجأ فيها البطل والجمهور جميعهم بخداع الزوجة له، وهو اكتشاف جاء متأخرا، وخصوصاً بعد أن أصبحت هذه المرأة زوجة له وأمًّا لابنته. لكن انهاء الفيلم بهذه الطريقة جاء على ما يبدو كمحاولة (حتى لو صدق الاتهام باقتباسها) تأتي في إطار محاولات الفيلم السابقة لدمج المشاهد في عملية ذهنية ممتعة سعياً وراء اكتشاف القاتل. إلا أنه في هذه المرة يحاول اشراكنا في هذه العملية عن طريق صدمة ذهنية يخبرنا فيها أن لا خير مطلق ولا شر مطلق، وانه لا يمكن اعطاء ثقة مطلقة لأحد… وان هناك دائماً مجال للشك والارتياب في أي أحد وفي أي أمر.

العدد 1234 – الأحد 22 يناير 2006م الموافق 22 ذي الحجة 1426هـ

 

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s