في حفل توزيع جوائز مهرجان منظمة العفو محاولة لتحقيق موازنة غير عادلة… وتجن أميركي جديد على شعب العراق

أمستردام – منصورة عبدالأمير 

قال مخرج الأفلام التوثيقية البريطاني ريكس بلومستين إن اليهود في جميع أنحاء العالم يجب ألا ينسوا ما تعرض له أسلافهم في بدايات القرن الماضي، وأن مآسي الهلوكوست يجب أن تحفر في الذاكرة وأن تظل باقية حية في أذهان الجميع مشددا على ضرورة توثيق تلك الذكريات بطريقة أو بأخرى عبر مختلف الأفلام والصور المرئية والمسموعة.

جاءت تأكيدات بلومستين تلك بعد تسلمة جائزة الجمهور من مهرجان منظمة العفو الدولية لأفلام حقوق الإنسان، والذي أقيمت الدورة الثامنة منه في مدينة امستردام الهولندية في الفترة من 8 إلى 12 مارس / آذار الجاري. وحصد بلومستين الجائزة عن فيلمه الذي عرضه المهرجان والذي يحمل اسم KZ (اختصارا للكلمة الألمانية Konzerntrationslager) التي تعني معسكرات الاعتقال، في اشارة إلى المعسكرات التي كان اليهود يحتجزون فيها قبل نقلهم إلى المحارق والأفران الغازية.

وكان فيلم بلومستين، الذي لم يبدو متميزاً سواء في قضيته أو في مستواه الفني، رشح لعدد من جوائز بعض المهرجانات العالمية لعل أشهرها جائزة أفضل الأفلام التوثيقية من مهرجان صندانس السينمائي.

وبحسب المخرج الذي تسلم جائزته في حفل صغير أقامته اللجنة المنظمة لمهرجان منظمة العفو الدولية مساء الأحد 12 مارس/ آذار، فإن الفيلم الذي يعد تصوراً على نحو كبير من الخصوصية لحوادث الهلوكوست، لا يقدم جديداً في هذا الشأن «فهو يصور ما تم تصويره في عشرات الأفلام، ويتحدث عما تم التحدث عنه عددا لا يحصى من المرات». لكن بلومستين وحسبما يرى يعيد تصوير فضائع لا يمكن تصورها ويتحدث عن مآس يصعب استرجاعها، لسبب مهم جداً وهو أن اليهود يجب ألا ينسوا ما حدث في الهلوكوست!

ولأن ذلك الحديث أصبح، كما يرى المخرج، أمراً مستلهكاً، فإنه لم يلجا في فيلمه هذا للاستعانة ببعض الصور الأرشيفية أو شهادات بعض الناجين من هذه المحارق، لكنه فضل بدلاً من ذلك أن يطرح القضية عبر فيلم وثائقي مختلف من نوعه، تم تصويره من موقع الحدث ومن داخل قرية نمسوية كانت شاهدة على احدى تلك المجازر. الذكريات المرة لليهود تستحضر هذه المرة على لسان دليل لمجموعة من طلبة الثانوية الذين يبدأون زيارتهم للقرية وهم يضحكون ويتبادلون الأحاديث لكن وجوههم سرعان ما يعلوها التجهم والشحوب حين يبدأ الدليل في سرد ذكريات القرية الحزينة.

شيئا فشيئا يأخذنا الفيلم إلى بعض معسكرات الاعتقال التي احتجز فيها يهود النمسا، مستعرضاً بشيء من التفصيل الاعتداءات التي كان يتعرضون لها في ذلك المكان منذ ما يصل الى 60 عاماً.

ولا يكتفي الفيلم باستعراض ذلك الماضي وبحسب بل إنه يربط الأجيال الجديدة بماضيها، فتصل ذروة الحوار فيه حين يتوجه الدليل للطلبة بسؤال عما إذا كان ما حدث هو أمر من الماضي الذي يجب نسيانه، فتأتي الاجابة واضحة وقوية على لسان الطلبة الذين يرون أنه «ليس أمراً من الماضي»، وإنه أمر لا يجب نسيانه أبدا.

من جانب آخر حصل فيلم Iraq in Fragments للأميركي جيمس لونغلي على الجائزة الذهبية للمهرجان، ولم يقل هذا الفيلم إثارة للجدل عن سابقه، إذ يكفي أن فوزه ليعادل الموازنة ربما، ولتبرر الجهة المنظمة للحفل اعطاءها الجائزة لفيلم بلومستين وهو الذي لم يحقق تميزاً من أي ناحية تذكر.

ويتناول لونغلي في فيلمه بشيء من التفصيل ما يزعم كونه حقيقة ما يجري في عراق اليوم، إذ يدعي استعراضه بشكل منصف ومتواز مختلف وجهة نظر العراقيين الذين شهدوا أهوال الحرب، وعاشوا مرارة الاحتلال والتوترات العرقية ولا يزالون كذلك.

ويطرح لونغلي تلك التفاصيل عبر ثلاث قصص يزعم أنها تنقل تفاصيل صغيرة يعيشها العراقيون العاديون في كل يوم. الأولى يرويها محمد هيثم، الصبي الذي لم يتجاوز 12 من عمره والذي نراه يعيش حياة قاسية في قلب بغداد القديمة. وتبدو شهادته المثيرة وكأنها كاشفة عن خوف لا ينتهي على سلامته في عالم يهدده المتمردون على القانون وتغزوه القنابل العنقودية. من خلال عينيه وعبر قصته أراد لونغلي أن ينقل لمشاهديه السخط الذي تمتلئ به نفوس العراقيين ضد الاحتلال، كما حاول أن ينقل صورة عن التوترات العرقية والطائفية بين الشيعة والسنة من جهة وبين العرب والاكراد من جهة أخرى.

في الجزء الثاني يتمادى لونغلي في تصويراته التي يتضح مدى اعتماده في استقائها من وسائل إعلام بلاده التي ترتأي طريقة جديدة لتضليل شعوب العالم، هذه المرة عبر أفلام تدعي الدفاع عن حقوق الإنسان. إذ يأخذنا بعدها لنعيش قصة حياة قائد شاب شيعي وعضو في حركة مقتدى الصدر الشيعية، بل ولربما بدا لبعض المشاهدين وكأنه مقتدى نفسه. لم نر الشاب لكننا سمعنا قصته على لسانه، ولم نعرف الهدف من كونه عضواً في جماعة مقتدى الصدر وليس مجرد شاب شيعي، لكننا شاهدنا رجال يوجهون البنادق والرشاشات لظهور مواطنين أبرياء طوال الطريق من الناصرية الى النجف في محاولة للـ «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر».

ولم يتوقف الأمر عند ذلك لكن هؤلاء القادة الشيعة يفعلون ما بوسعهم لتهميش قادة القبائل السنية من أي حوار وطني ويستفردون بالقرارات السياسية التي بدا في كثير من المشاهد وكأنها هي ما يحرق العراق. ولا يكتفون بذلك بل يخلقون تيارات معادية للأميركان في نفوس الجميع صغارا وكبارا وللاستدلال على ذلك تتداخل بعض خطب علماء الدين الشيعة مع مشاهد من بعض المآتم الحسينية وصور مختلفة لمراسم عزاء عراقية، مع شعارات «شيعية» معادية لأميركا .

في الجزء الثالث يأخذنا المخرج الأميركي لنستمع الى وجهة نظر الأكراد إذ تستمر الحياة محملة بالآمال والتطلعات بعد ابريل / نيسان 2003 وبعد سقوط النظام الذي تسبب لهم بالكثير من الرعب والهلع. وبحسب لونغلي فإن الأكراد لا يحملون الأمل بحياة جديدة للعراق وحسب بل إنهم أمل العراق الوحيد، فهم الشعب المسالم البسيط الذي عانى ظلم النظام الصدامي ولا يزال يعاني ظلم سنة وشيعة العراق.

اقتنص فيلم لونغلي جائزة المهرجان كما اقتنصت رصاصات جنود بلاده أمن وأمان العراق وأبنائه، وحصلت مزاعمه على استحسان وقبول مهرجان يرفع راية حقوق الإنسان، التي تقتضي طرح وجهة أصحاب الشأن على لسانهم لا لسان عدوهم ومحتل أراضيهم. لونغلي اخطأ بمزاعمه وجعل من نفسه خبيرا في الشأن العراقي وفي تفاصيل حياة أبنائه وهو الذي لم يزر العراق سوى شهور معدودات بعد سقوط نظام البعث في ابريل 2003. كيف تمكن لونغلي أن يطلق تعميمات واستنتاجات وتحليلات لمختلف طوائف مجتمع العراق. وكيف تجرأت البلاهة الأميركية لأن تخترق الحواجز وتصل بتضليلاتها الاعلامية الى قلب واحد من أعرق مهرجانات حقوق الانسان في العالم، على رغم قصر عمره، لكن لكونه ينظم من قبل جهة هي أبعد ما تكون عن الرغبة في تضليل الرأي العام وانتهاك حقوق اي من شعوب العالم

العدد 1293 – الأربعاء 22 مارس 2006م الموافق 21 صفر 1427هـ

في واحدة من أكبر دوراته … مهرجان منظمة العفو لأفلام حقوق الإنسان يحارب الجهل والتجاهل

أمستردام – منصورة عبدالأمير 

قال المخرج الجنوب إفريقي غافين هود إنه لم يكن يتوقع حصول فيلمه «تسوتسي» على أوسكار أفضل الأفلام الأجنبية خصوصاً مع استعانته بطاقم عمل من غير المتخصصين أو ذوي الخبرة في المجال الفني. وأكد هود أن بطل فيلمه الممثل الجنوب إفريقي بريسلي تشوينياغا الذي أثار إعجاب جميع مشاهدي الفيلم بأدائه الصادق والمؤثر ليس ممثلاً محترفاً وإنما طالب يهوى المسرح، وإنه (أي تشوييناغا) لم يتلق أي تدريب في هذا المجال.

جاءت تأكيدات هود تلك خلال حفل افتتاح الدورة الثامنة لمهرجان منظمة العفو الدولية لأفلام حقوق الإنسان الذي أقيم في العاصمة الهولندية أمستردام في الفترة 8 إلى 12 مارس/ آذار الجاري.

خلال الحفل ذاته أعلنت المنظمة عن إنشاء مؤسسة خاصة لدعم وتمويل مهرجان أفلام حقوق الإنسان يكون شعارها Movies That Matter. مقدمة الحفل وهي مذيعة مشهورة في التلفزيون الهولندي أكدت سعي هذه المؤسسة لنشر الوعي بمفاهيم وثقافة حقوق الإنسان من خلال عروض دائمة للأفلام تنوي اقامتها في جميع أنحاء العالم. وأضافت المذيعة عبر كلمة اللجنة المنظمة للمهرجان بأن هذه المؤسسة تتطلع للوصول لجميع المشاهدين ولقادة الرأي العام وصناع السياسات لاطلاعهم على قضايا وأوضاع حقوق الإنسان، خصوصاً في تلك الدول التي يدور بشأنها كثير من الجدل والنقاش في المسائل المتعلقة بقضايا حقوق الإنسان والكرامة الإنسانية.

ويأتي إنشاء هذه المؤسسة الجديدة بمبادرة من القسم المسئول عن إقامة مهرجان الأفلام في المنظمة الذي يدعمه فرع المنظمة بمدينة أمستردام إلى جانب بعض مؤسسات الدعم الثقافي مثل مؤسسة DOEN ومؤسسة Hivos – NCDO ومؤسسة VSB، وهي بعض أشهر مؤسسات الدعم للأنشطة الثقافية والتعليمية في هولندا.

دخول مؤسسة Movies that Matter على خط المهرجان، الذي يقام في ربيع كل عام وتستمر فعالياته 5 أيام متواصلة، أدى إلى تغييرات كبيرة في دورة هذا العام التي بدت بحسب شهادة الجميع ممن تسنى لهم حضور الدورة السابقة أكبر بكثير من كل الدورات السبع الماضية. التوسع بدا أولاً في امتداد فعاليات المهرجان ليشمل مدن هولندية أخرى من بينها مدينة لاهاي إحدى أهم مدن هولندا، كما تضمن دعوات لعدد من الضيوف من مختلف الفروع والمجموعات التابعة للمنظمة والمنتشرة في معظم دول العالم.

وكعادة المهرجان الذي أصبح منذ بدئه في العام 1995 منصة تنطلق من خلالها كل الانتاجات الفيلمية الملتزمة بقضايا حقوق الإنسان وشئون الكرامة الإنسانية، عرضت دورة هذا العام عدداً كبيراً من الأفلام الوثائقية والروائية التي تناقش قضايا وشئون حقوق الإنسان في جميع أنحاء العالم، بدءاً من العراق وتركيا وصولاً لروسيا والشيشان، كما تم التركيز فيها على قضايا وحقوق الإنسان في العراق بشكل أولي، والى مناقشة قضية الشيشان المنسية وما يجري فيها من انتهاكات صارخة لحقوق الإنسان، بالاضافة الى التطرق بشكل كبير ومفصل لانتهاكات حقوق النساء حول العالم.

فيلم الافتتاح Tsotsiجاء هو الآخر معبرا عن توجه منظمي المهرجان في التطرق إلى تلك القضايا التي تناساها الإعلام أو لربما مل الحديث عنها، إذ يناقش هذا الفيلم الذي رشح لجائزة الغولدن غلوب قبل نيله الأوسكار، بعضاً من قضايا الفقر وغياب القانون والعدالة الاجتماعية في جنوب إفريقيا وذلك من خلال تتبعه للتفاصيل التي يعيشها أحد أفراد العصابات في جنوب إفريقيا على مدى ستة أيام. هذا الشاب الذي نشأ محروما من أبسط الحقوق البشرية انتهى به المطاف لأن يصبح واحداً من أقسى أفراد العصابات وأشهرهم، ووضعته الأقدار في موقف اختبرت فيه بقايا الإنسانية في داخله حين تجبره الظروف على العناية بطفل رضيع اختطفه من دون قصد أثناء سطو مسلح على سيارة والدته بهدف سرقتها.

فيلم هود شكل مفاجأة للحضور، وكذلك كان لقاءه مع جمهوره بعد العرض مباشرة وحضور بطل فيلمه بريسلي تشوينياغا ذلك اللقاء.

أما المفاجأة التي لم تكتمل في الحفل فقد تمثلت في استضافة المهرجان للممثلة البريطانية والناشطة الحقوقية الشهيرة فينيسا ريدغريف التي كان مفترضا حضورها حفل الافتتاح كضيفة شرف لكنها وبسبب وعكة صحية ألمت بها لم تتمكن من الحضور. على رغم ذلك فقد قامت بتسجيل رسالة مصورة عرضت أثناء المهرجان اعتذرت فيها ريدغريف لتغيبها عن الحضور، موكلة ابنها مخرج الأفلام الوثائقية والناشط الحقوقي كارلو نيرو بقراءة خطابها المفترض القاءه في الحفل، الذي تحدث فيه عن الدور الذي تلعبة الأفلام في التأثير على السياسات الدولية والرأي العام. ويعرض المهرجان الفيلم التوثيقي روسيا، الشيشان/ أصوات معارضة Russia / Chechnya: Voices of Dissent الذي انتجه كارلو بالتعاون مع والدته ويتطرق فيه للانتهاكات الصارخة التي تجرى في شيشانيا والتي يكاد العالم بأسره أن يتناساها، مؤكداً عدم تحيزه لأي جهة كانت وتحميله مسئولية ما يحدث هناك للطرفين الروسي والشيشاني. يذكر أن ريدغريف كانت قد أرسلت الفيلم الذي عرضه المهرجان الى جميع أعضاء مجلس العموم ومجلس اللورادات البريطاني في محاولة منها لفتح أعينهم، لكنها قالت إنهم على ما يبدو يغمضون أعينهم عن هذه القضايا المؤلمة.

دورة هذا العام بدت مميزة، بحسب شهادات الكثيرين، حاولت فيها المؤسسة الداعمة توسيع نشاطاتها ومد جسور التواصل بينها وبين عدد من الأطراف سواء في داخل هولندا أو في جميع أنحاء العالم، سعياً منها لنشر وعي أكبر بمفاهيم حقوق الإنسان التي تكاد تضيع في بحور الجهل والتجاهل.

العدد 1293 – الأربعاء 22 مارس 2006م الموافق 21 صفر 1427هـ

في حفل توزيع جوائز مهرجان منظمة العفو محاولة لتحقيق موازنة غير عادلة… وتجن أميركي جديد على شعب العراق

أمستردام – منصورة عبدالأمير 

قال مخرج الأفلام التوثيقية البريطاني ريكس بلومستين إن اليهود في جميع أنحاء العالم يجب ألا ينسوا ما تعرض له أسلافهم في بدايات القرن الماضي، وأن مآسي الهلوكوست يجب أن تحفر في الذاكرة وأن تظل باقية حية في أذهان الجميع مشددا على ضرورة توثيق تلك الذكريات بطريقة أو بأخرى عبر مختلف الأفلام والصور المرئية والمسموعة.

جاءت تأكيدات بلومستين تلك بعد تسلمة جائزة الجمهور من مهرجان منظمة العفو الدولية لأفلام حقوق الإنسان، والذي أقيمت الدورة الثامنة منه في مدينة امستردام الهولندية في الفترة من 8 إلى 12 مارس / آذار الجاري. وحصد بلومستين الجائزة عن فيلمه الذي عرضه المهرجان والذي يحمل اسم KZ (اختصارا للكلمة الألمانية Konzerntrationslager) التي تعني معسكرات الاعتقال، في اشارة إلى المعسكرات التي كان اليهود يحتجزون فيها قبل نقلهم إلى المحارق والأفران الغازية.

وكان فيلم بلومستين، الذي لم يبدو متميزاً سواء في قضيته أو في مستواه الفني، رشح لعدد من جوائز بعض المهرجانات العالمية لعل أشهرها جائزة أفضل الأفلام التوثيقية من مهرجان صندانس السينمائي.

وبحسب المخرج الذي تسلم جائزته في حفل صغير أقامته اللجنة المنظمة لمهرجان منظمة العفو الدولية مساء الأحد 12 مارس/ آذار، فإن الفيلم الذي يعد تصوراً على نحو كبير من الخصوصية لحوادث الهلوكوست، لا يقدم جديداً في هذا الشأن «فهو يصور ما تم تصويره في عشرات الأفلام، ويتحدث عما تم التحدث عنه عددا لا يحصى من المرات». لكن بلومستين وحسبما يرى يعيد تصوير فضائع لا يمكن تصورها ويتحدث عن مآس يصعب استرجاعها، لسبب مهم جداً وهو أن اليهود يجب ألا ينسوا ما حدث في الهلوكوست!

ولأن ذلك الحديث أصبح، كما يرى المخرج، أمراً مستلهكاً، فإنه لم يلجا في فيلمه هذا للاستعانة ببعض الصور الأرشيفية أو شهادات بعض الناجين من هذه المحارق، لكنه فضل بدلاً من ذلك أن يطرح القضية عبر فيلم وثائقي مختلف من نوعه، تم تصويره من موقع الحدث ومن داخل قرية نمسوية كانت شاهدة على احدى تلك المجازر. الذكريات المرة لليهود تستحضر هذه المرة على لسان دليل لمجموعة من طلبة الثانوية الذين يبدأون زيارتهم للقرية وهم يضحكون ويتبادلون الأحاديث لكن وجوههم سرعان ما يعلوها التجهم والشحوب حين يبدأ الدليل في سرد ذكريات القرية الحزينة.

شيئا فشيئا يأخذنا الفيلم إلى بعض معسكرات الاعتقال التي احتجز فيها يهود النمسا، مستعرضاً بشيء من التفصيل الاعتداءات التي كان يتعرضون لها في ذلك المكان منذ ما يصل الى 60 عاماً.

ولا يكتفي الفيلم باستعراض ذلك الماضي وبحسب بل إنه يربط الأجيال الجديدة بماضيها، فتصل ذروة الحوار فيه حين يتوجه الدليل للطلبة بسؤال عما إذا كان ما حدث هو أمر من الماضي الذي يجب نسيانه، فتأتي الاجابة واضحة وقوية على لسان الطلبة الذين يرون أنه «ليس أمراً من الماضي»، وإنه أمر لا يجب نسيانه أبدا.

من جانب آخر حصل فيلم Iraq in Fragments للأميركي جيمس لونغلي على الجائزة الذهبية للمهرجان، ولم يقل هذا الفيلم إثارة للجدل عن سابقه، إذ يكفي أن فوزه ليعادل الموازنة ربما، ولتبرر الجهة المنظمة للحفل اعطاءها الجائزة لفيلم بلومستين وهو الذي لم يحقق تميزاً من أي ناحية تذكر.

ويتناول لونغلي في فيلمه بشيء من التفصيل ما يزعم كونه حقيقة ما يجري في عراق اليوم، إذ يدعي استعراضه بشكل منصف ومتواز مختلف وجهة نظر العراقيين الذين شهدوا أهوال الحرب، وعاشوا مرارة الاحتلال والتوترات العرقية ولا يزالون كذلك.

ويطرح لونغلي تلك التفاصيل عبر ثلاث قصص يزعم أنها تنقل تفاصيل صغيرة يعيشها العراقيون العاديون في كل يوم. الأولى يرويها محمد هيثم، الصبي الذي لم يتجاوز 12 من عمره والذي نراه يعيش حياة قاسية في قلب بغداد القديمة. وتبدو شهادته المثيرة وكأنها كاشفة عن خوف لا ينتهي على سلامته في عالم يهدده المتمردون على القانون وتغزوه القنابل العنقودية. من خلال عينيه وعبر قصته أراد لونغلي أن ينقل لمشاهديه السخط الذي تمتلئ به نفوس العراقيين ضد الاحتلال، كما حاول أن ينقل صورة عن التوترات العرقية والطائفية بين الشيعة والسنة من جهة وبين العرب والاكراد من جهة أخرى.

في الجزء الثاني يتمادى لونغلي في تصويراته التي يتضح مدى اعتماده في استقائها من وسائل إعلام بلاده التي ترتأي طريقة جديدة لتضليل شعوب العالم، هذه المرة عبر أفلام تدعي الدفاع عن حقوق الإنسان. إذ يأخذنا بعدها لنعيش قصة حياة قائد شاب شيعي وعضو في حركة مقتدى الصدر الشيعية، بل ولربما بدا لبعض المشاهدين وكأنه مقتدى نفسه. لم نر الشاب لكننا سمعنا قصته على لسانه، ولم نعرف الهدف من كونه عضواً في جماعة مقتدى الصدر وليس مجرد شاب شيعي، لكننا شاهدنا رجال يوجهون البنادق والرشاشات لظهور مواطنين أبرياء طوال الطريق من الناصرية الى النجف في محاولة للـ «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر».

ولم يتوقف الأمر عند ذلك لكن هؤلاء القادة الشيعة يفعلون ما بوسعهم لتهميش قادة القبائل السنية من أي حوار وطني ويستفردون بالقرارات السياسية التي بدا في كثير من المشاهد وكأنها هي ما يحرق العراق. ولا يكتفون بذلك بل يخلقون تيارات معادية للأميركان في نفوس الجميع صغارا وكبارا وللاستدلال على ذلك تتداخل بعض خطب علماء الدين الشيعة مع مشاهد من بعض المآتم الحسينية وصور مختلفة لمراسم عزاء عراقية، مع شعارات «شيعية» معادية لأميركا .

في الجزء الثالث يأخذنا المخرج الأميركي لنستمع الى وجهة نظر الأكراد إذ تستمر الحياة محملة بالآمال والتطلعات بعد ابريل / نيسان 2003 وبعد سقوط النظام الذي تسبب لهم بالكثير من الرعب والهلع. وبحسب لونغلي فإن الأكراد لا يحملون الأمل بحياة جديدة للعراق وحسب بل إنهم أمل العراق الوحيد، فهم الشعب المسالم البسيط الذي عانى ظلم النظام الصدامي ولا يزال يعاني ظلم سنة وشيعة العراق.

اقتنص فيلم لونغلي جائزة المهرجان كما اقتنصت رصاصات جنود بلاده أمن وأمان العراق وأبنائه، وحصلت مزاعمه على استحسان وقبول مهرجان يرفع راية حقوق الإنسان، التي تقتضي طرح وجهة أصحاب الشأن على لسانهم لا لسان عدوهم ومحتل أراضيهم. لونغلي اخطأ بمزاعمه وجعل من نفسه خبيرا في الشأن العراقي وفي تفاصيل حياة أبنائه وهو الذي لم يزر العراق سوى شهور معدودات بعد سقوط نظام البعث في ابريل 2003. كيف تمكن لونغلي أن يطلق تعميمات واستنتاجات وتحليلات لمختلف طوائف مجتمع العراق. وكيف تجرأت البلاهة الأميركية لأن تخترق الحواجز وتصل بتضليلاتها الاعلامية الى قلب واحد من أعرق مهرجانات حقوق الانسان في العالم، على رغم قصر عمره، لكن لكونه ينظم من قبل جهة هي أبعد ما تكون عن الرغبة في تضليل الرأي العام وانتهاك حقوق اي من شعوب العالم

العدد 1293 – الأربعاء 22 مارس 2006م الموافق 21 صفر 1427هـ

ضغوط مجتمعية وتشويهات نفسية وعالم عنف وعصابات

منصورة عبدالأمير  

جميع من يشاهد آخر أفلام المخرج والممثل ديفيد كرونينبيرغ A History of Violence، حتى محبوه، سيجدون أنفسهم مجبرين على الاعتراف بأن إنتاج المخرج أصبح متقلباً في الآونة الأخيرة. فبعد أن أثارت بعض صحف التابلويد البريطانية الكثير من الفوضى والجدل حول فيلمه Crash الذي عرض في العام 1997، وجد المخرج نفسه في موقف صعب، إذ لم يستطع بعدها أن يقدم على اختيار عمل آخر بسهولة يتجنب فيه كل الانتقادات والسخرية التي حصدها من وراء فيلمه ذاك. بعدها وفي العام 1999 قدم فيلم ZnetsiXe الذي يحمل فكرة جميلة وإن بدت غريبة نوعا ما، إلا أنه يترك لدى المتفرج انطباعاً غير حسن لتطرقه لمناقشة ما يسمى بالحقيقة الافتراضية بعد عقد من اكتشاف الجميع لها.

في العام 2002 قدم كورنينبيرغ فيلم Spider الذي بدا مبهماً وصعب الفهم بطريقة تثير أعصاب المشاهدين.

الآن وبعد توقف ثلاثة أعوام يعود بفيلم A History of Violence الذي يمثل عودة واثقة من مخرجه إلى نمط الأفلام المعتاد منه، مستعرضا خلاله قصة خيالية مأخوذة من كتاب كوميدي يبدو تأثر كاتبها بأفلام رعاة البقر واضحاً فيها بشدة، وفي الوقت ذاته تبدو مطعمة ببعض أفكار كورنينبيرغ المعتادة بشكل واضح لمن يعرفه.

قصة الفيلم تدور حول مالك مطعم صغير في إحدى المدن الصغيرة بولاية أنديانا يدعى توم ستال (يقوم بدوره فيغو مورتينسين) يعيش حياة هادئة مع زوجته وأطفاله. يتعرض لمجموعة من الاعتداءات من مختلف الأشخاص ما يحذو به لأن يتحول إلى شخص عنيف ينتقم لنفسه وأسرته، وأخيراً يتحول إلى بطل شعبي عند ما يطلق النار على اثنين من مرتدي القبعات ويرديهما قتيلين. ولكن بعد ان يصل كارل فوغاتي (اد هاريس) إلى المدينة، وهو على قناعة بأن توم عضو عصابات عنيف مدين ببعض المال لبعض الأفراد في فيلي، يبدأ العنف في الانتشار ليغمر أفراد عائلة توم أجمعين.

بحسب الظاهر فإن هذا الفيلم يحمل أكثر من مجرد شبه لفيلم Dogs Straw، الذي أخرجه سام بيكينباه، الذي يدور حول مواطن أميركي مسالم ينتقل مع زوجته إلى قرية انجليزية نائية وهناك يتعرض لكثير من المضايقات والاعتداءات المستمرة، الأمر الذي يدفعه الى مواجهة عنيفة مع الأهالي لحماية نفسه وزوجته.

في الفيلم الجديد يجبر توم ستال على أن يسلك سلوكاً عدائيا عند ما يتعرض هو وعائلته لتهديد أولاً من زوجين معتوهين من سكنة الجبال، ثم من قبل مجموعة من مرتدي القبعات من فيلي يتزعمهم اد هاريس.

لم يفعل كرونبيرغ الكثير ليخفي توجه القصة في الأصل لأن تكون قصة غرافيكية رسمت فيها الشخصيات والمواقع بطريقة قد لا تتناسب مع بعض المشاهد المتفجرة عنفاً، في حين كان يمكنه تغيير القصة أو على الأقل التواري خلف تفاصيلها وخلف بعض مشاهدها الملطخة بالدماء (والتي تدهشك بحسن صياغتها من قبل مخرج تتفوق أفكاره دائماً على مهاراته الفنية).

على العموم يمتلئ الفيلم بكثير من الأمور التي يشغل بها كرونبيرغ نفسه في العادة مثل كون العنف أمراً معدياً ينتقل مثل الفيروس في حياة مختلف الأسر، منتشراً ببطء من فرد لآخر في الأسرة، إذ ينتهي الأمر بابن ستال لأن يتسبب في نقل أحد الأشقياء إلى المستشفى. كذلك فإن توم يجد نفسه متورطاً في عملية تشويه نفسية داخلية مرعبة لا يملك القدرة على التحكم فيها، لكنها تحوله من رب أسرة مسالم الى قاتل محترف.

الفيلم يختبر ردود فعل مشاهديه تجاه العنف، ويحاول أن يمتعهم بالتفرج على بعض مشاهد العنف الواردة فيه، كما إن نهايته الغامضة المشوقة تعنى بمشاهديه بالدرجة الأولى ومن ثم شخصيات الفيلم

العدد 1286 – الأربعاء 15 مارس 2006م الموافق 14 صفر 1427هـ

جريء، ذكي و… بريطاني؟!: «مبادئ الرغبة» جرح لكبرياء البريطانيين وصفعة لكل المفسدين

منصورة عبدالأمير

في العادة لا تحوي الأفلام البريطانية الكثير من مشاهد العنف والإثارة، وإن حدث ذلك، فإنها على الغالبية لا تنتج أو تخرج بدقة وبراعة تشد المتفرج للمشاهدة. لكن فيلم «مبادئ الرغبة The Principles of Lust» للبريطانية بيني وولكوك يأتي كاستثناء مفاجئ ليكسر كل الكليشيهات وكل الأفكار النمطية عن هذه الأفلام.

ولا يعود السبب لما يحويه الفيلم من مشاهد عراك وحشي يتبادل فيها مجموعة من الصبية لكمات بالأيدي والأرجل، عدا عن مشاهد اثارة وابتذال صاخبة، وحسب، لكنه (أي الفيلم) بدا من وجهة نظر كثير من البريطانيين على درجة عالية من الوقاحة والتهور حين أشار في أحد مشاهده إلى الفيلسوف والروائي الفرنسي جورج باتيل. هذا الأمر جعل كثيراً من النقاد يجزمون بأن وولكوك، كاتبة نص الفيلم ومخرجته، تبحث عن المتاعب في أول أفلامها، وليس أدل على ذلك، كما يشير أحدهم، من ظهور علامات الاستياء والاستنكار التي بدت واضحة على وجوه جميع الحاضرين في المؤتمر الصحافي الذي عقدته المخرجة بعد العرض الافتتاحي لفيلمها مباشرة في مارس/ آذار 2004، إذ إن جميع البريطانيين، نقادا ومتابعين سينمائيين، لم يحتملوا ذكر اسم فيلسوف (فرنسي) في فيلم (بريطاني)، والجميع على علم بالمشاعر الجياشة بين الشعبين!

على رغم ذلك، وعلى رغم ما أثاره الفيلم حينها من جدل ونقاشات حادة بسبب كثير من مشاهده وإيحاءاته، إلا أنه تمكن من أن يصدم كثيراً من أفراد المجتمع البريطاني ويواجههم بصورة من واقعهم. الفيلم، اضافة الى ذلك، تمكن وبجرأة شديدة وغير مسبوقة، من أن يطرح الكثير من الاسئلة عن المجتمع، والغرائز، وانحرافات الأفراد، صغاراً وكباراً.

وقائعه صورت في مدينة شيفيليد البريطانية، وهو مبني على رواية لتيم كوك، بطله هو بول (أليك بالدوين) وهو أيضاً راوي القصة، وهو رجل بوهيمي طموح، يكافح لكتابة رواية ولكنه لا يجد في حياته ما يلهمه. وكما هو الحال في كثير من الأفلام، يحالف البطل الحظ حين يقع له حادث سيارة، وهي طريقة تقليدية ومكررة ومعروفة يستخدمها المخرجون لضمان استمرارية قصص أفلامهم.

يلتقي البطل من وراء هذا الحادث بببيلي (مارك وارين)، الذي نراه في المرة الأولى عبر الزجاج الأمامي لسيارة بول وهو مقلوب رأسا على عقب، يكيل الشتائم والسباب، للسائق الأرعن الذي صدمه، وهو بول طبعاً.

سرعان ما يرتبطان بصداقة، يصبح فيها لبيلي تأثير كبير على بول إذ يغريه ويأخذه معه الى حياة جديدة، يبدأها في حانة شراب، يلتقيان فيها بصديقة بيلي الصامتة ذات الابتسامة الغامضة هول (لارا كليفتون) التي تقدم عروضاً مبتذلة في تلك الحانة.

في الحانة نفسها يلتقي بول بالباحثة الاجتماعية والأم العزباء جولييت (سيينا غيلوري)، فيقع في حبها. تأخذه الى منزلها ليواجه هناك واقعاً مختلفاً وليتعرف على وجوه أخرى للحياة إذ يلتقي هناك بابنها غريب الأطوار هاري (الكسندر بوبيلويل) الذي يجعل بول يغني له بعض أغاني الأطفال.

هنا تبدأ المفارقة حين يتوجب على بول أن يختار، إما أن يتبع بيلي في نفق طويل ومظلم ومجهول، أو أن يستقر مع هذه الأسرة ويواجه خطراً اجتماعياً تربوياً مختلفاً ليصبح واحداً من سكان الضواحي الذين يسخر بيلي منهم دائماً ويلقبهم بـ «الأعداء» أو «الموتى الأحياء».

المخرجة تعمل على تنويمنا مغناطيسيا بعرضها للطريقة التي يغري فيها بيلي بول، كما تصعقنا بمشاهد القتال الدموية التي نرى فيها مجموعة من الصبية لا تتجاوز أعمارهم 11 عاماً يعضون، ويمزقون أجساد بعضهم، ويحيلون رؤوس بعضهم الى قطع من اللحم المتناثر.

تأتي أقسى لحظات الفيلم وأكثرها إذهالاً في أحد نوادي التعري بشفيلد، إذ نرى بيلي وهو مندمج مع الموجودين هناك وعلامات الفرح الغامر بادية على وجهه ونسمعه وهو يصرّح لبول قائلاً «هل تعرف أين نحن الآن، إننا في الحضيض». كلماته تلك جاءت كصفعة وجهت لكل سكان مدينة شيفيليد، إذ إن موقفه ذاك لم يكن مستهجناً وحسب من قبل الجميع، لكنه جاء متناسباً إلى حد كبير مع حال الافراط والانفلات الأخلاقي التي غزت المجتمع البريطاني في السنوات الأخيرة.

المشكلة والصراع الموجود، كما يشير الفيلم، يدور بين أولئك الوقحين الغارقين في ملذاتهم، وبين الأشخاص المسئولين الذين تجسدهم جولييت، التي قدمت دورها بإتقان شديد، وبرعت في تجسيد الشخصية ونقل فكرة الفيلم.

على رغم ذلك، وعلى رغم حقيقة طرح الفيلم لقضية قوية، فإن كاتبته لم تتمكن من تقديم أية حلول مقترحة تخرج بالمجتمع البريطاني من الأزمة الأخلاقية التي يمر بها.

أحد أسباب ذلك تعود إلى أن بول، الشخصية الأساسية في العمل، لم يكن قادرا على أن يتخذ موقفاً واضحاأمام كثير من القضايا، خصوصاً مع قيام نيومان الانفعالي بدوره، إذ إنه لم يكن مقنعاً كبطل في رحلة للبحث عن الذات وليس مجرد بطل أحد أفلام المراهقين التي لا تحمل أي بعد روحي.

ذلك ما جعل الفيلم يتجه بشكل أكبر نحو كونه كوميديا حادا إذ من الصعب على المشاهد أن يتعاطف مع شخصية نكدية مبذرة، وإن جاءت شخصية بيلي الشهواني ذا الروح الشيطانية معروضة للمشاهد في المقابل.

عموماً، وبسبب تاريخ وولكوك وخلفيتها في تقديم الأعمال التوثيقية، ظهر الفيلم بطبيعة ملحة وجاء مستواه عالياً، على رغم كل ما شكلته الدراما فيه من تحد لبعض عقائد الناس. هذه الخلفية هي أيضاً ما جعلت أداء ممثلي الأدوار الثانوية سيئاً للغاية، كما جعلت بعض المشاهد مرتجلة وضعيفة.

العدد 1286 – الأربعاء 15 مارس 2006م الموافق 14 صفر 1427هـ

بعد فوز «تسوتسي» بأوسكار أفضل فيلم أجنبي … «الجنة الآن» يربح اعترافاً بالحق الفلسطيني في الوجود

منصورة عبدالأمير 

ليبارك الله إفريقيا… كانت تلك أول عبارة استهل بها المخرج الجنوب إفريقي جافين هود حديثه الذي عبر خلاله عن فرحه الشديد لفوز فيلمه «تسوتسي» بأوسكار أفضل الأفلام الأجنبية لهذا العام. ش

ولعل عبارته تلك جاءت معبرة بأبلغ ما يكون عن واقع حال حفل الأوسكار هذا العام، على الأقل حين يتعلق الأمر بجائزة أفضل الأفلام الأجنبية التي رشح فيلم هود لنيلها وحصل عليها. ففيلم «تسوتسي» الذي قام هود نفسه باقتباس قصته من رواية كتبت في الخمسينات وتدور حول تأثير نظام الفصل العنصري على نفوس السود في جنوب إفريقيا، لم يتغلب على الأفلام الأخرى المرشحة للجائزة نفسها وحسب، لكنه جاء ليحسم الجدل الذي اندلع بمجرد ترشيح فيلم «الجنة الآن» الفلسطيني للجائزة نفسها، وتزايد بوصول أنباء ترشيح «ميونيخ» للمخرج الأميركي المعروف بمناصرته لليهود ولـ «اسرائيل» ستيفن سبيلبيرغ.

وكان الفيلم الفلسطيني «الجنة الآن» للمخرج هاني أبواسعد هو أكثر الأفلام إثارة للجدل لأنه يدور حول اثنين من المفجرين الانتحاريين، فنقلت وكالات الأنباء أن مجموعة من الإسرائيليين ممن فقدوا أقارب لهم في هجمات انتحارية فلسطينية، ناشدت منظمي جوائز الأوسكار قبل أيام من إعلان النتائج استبعاد الفيلم الذي يبحث في أسباب هذه الهجمات، والذي رشح لأوسكار أفضل الأفلام الأجنبية.

إسرائيليون: الجنة الآن أم جهنم الآن

المعارضون الاسرائيليون احتجوا على تصوير الفيلم للبعد الإنساني للمفجرين الانتحاريين، وعلى تقديم صورة ايجابية وإضفاء نوع من الشرعية على الهجمات الانتحارية متهمين أولئك الذين يتجاهلون هذا الأمر ويكرمون الفيلم بأنهم شركاء في الهجمات الانتحارية القادمة.

يوسي زور الذي قتل ابنه في تفجير حافلة، اتهم الفيلم، من خلال خطاب مرفق بالعريضة، بالتعاطف مع الهجمات الانتحارية التي يتبناها كثيرون شاركوا في الانتفاضة التي اندلعت ضد الاحتلال الإسرائيلي في الضفة الغربية وقطاع غزة العام 2000.

وقال زور لرويترز «ما يصفونه بالجنة الآن نصفه نحن بجهنم الآن وكل يوم. مهمة العالم الحر ألا يمنح جائزة لفيلم كهذا».

وفي الخطاب يسأل زور نفسه «هل كان سيتم ترشيح الفيلم لنيل جوائز في الولايات المتحدة لو كان يدور حول شابين سعوديين يتلقيان دروس طيران في الولايات المتحدة بهدف قيادة طائرة في اتجاه برجي مركز التجارة العالميين في مدينة نيويورك؛ لتصطدم بهما؟»

لفلسطين … نعم لسلطتها

وإذ إنه لا يمكن سحب الفيلم من لائحة ترشيحات الأوسكار؛ فقد طالب الموقعون على العريضة الأكاديمية بتغيير بلد الفيلم؛ فهم يعترضون على اسم فلسطين الذي ورد على موقع الأكاديمية على الانترنت؛ لأنهم يرون أنه «لا يوجد بلد يعترف به المجتمع الدولي يحمل هذا الاسم». لكن رئيس المعهد العربي الاميركي جيمس زغبي انتقد هذا التصنيف والجهود الاسرائيلية لجعل منشأ الفيلم السلطة الفلسطينية وليس فلسطين، وقال «المشكلة هنا هي ان الناس من «إسرائيل» ليسوا قانعين بالسيطرة على أوجه الحياة الفلسطينية اليومية كافة بل انهم يريدون التحكم في طريقة تصوير الفلسطينيين لانفسهم في العالم الخارجي. يتعين عليهم ان يتركوا الناس يعبرون عن أنفسهم».

صحيفة «يديعوت أحرنوت»، من جانبها، أكدت ان القنصلية الاسرائيلية في مدينة لوس أنجليس كانت توقعت قبل أسابيع من حفل توزيع جوائز الاوسكار فوز «الجنة الآن» بجائزة أفضل فيلم اجنبي.

واضافت الصحيفة ان المسئولين في القنصلية الاسرائيلية في لوس أنجليس قرروا منع امكان الاعلان خلال حفل الاوسكار عن ان الفيلم يمثل فلسطين.

وتابعت ان القنصل الاسرائيلي العام في لوس أنجليس ايهود دانوخ والملحق الإعلامي جلعاد ميلو وجهات اسرائيلية ويهودية ذات تأثير في هوليوود حصلوا على وعد من الاكاديمية الأميركية للسينما بعدم عرض الفيلم على انه فلسطيني على رغم عرضه على هذا النحو في موقع حفل توزيع جوائز الاوسكار الالكتروني.

من جانب آخر لم ينجو الفيلم من انتقادات الدوائر الفلسطينية التي اتهمته بتقويض السمعة البطولية للمفجرين، بإظهار ترددهم ومخاوفهم. كما رفضت دور السينما الاسرائيلية الكبرى عرضه بعد ان عبر خبراء التوزيع عن خوفهم من ضعف الاقبال على مشاهدة فيلم عن المفجرين الانتحاريين كما تحدثوا عن مقاطعة محتملة.

وللانتحاريين جانب إنساني!

يبرز الفيلم، الحاصل على جائزة الغولدن غلوب، معاناة الفلسطينيين اليومية تحت الاحتلال الإسرائيلي لكن شخصياته تناقش أيضاً ما إذا كان ذلك يبرر العنف، من خلال تصوير الساعات الـ 48 الأخيرة في حياة انتحاريين فلسطينيين. تم تصوير مشاهده في مدينتي نابلس والناصرة، وفيه نرى كيف يقرر الصديقان تنفيذ هجوم انتحاري في تل أبيب، ويتناول الفيلم مناقشاتهما وترددهما في تنفيذ العملية وشكوكهما ومخاوفهما.

قبيل نهاية الفيلم يقرر أحد الصديقين التراجع، لكنه يفشل في إقناع صديقه بالتخلي عن العملية، نظراً إلى اقبال الأخير على المهمة تكفيرا عن الذنب الذي شعر به لأن أحد أقاربه تجسس لصالح «إسرائيل». وينتهي الفيلم بأحدهما وهو جالس في حافلة بتل أبيب رابطاً حزاماً ناسفاً حول وسطه.

أبوأسعد تعمد أن يستخدم على لسان الانتحاري الذي يفجر نفسه عدداً من العبارات التي تعكس الضغوط المعقدة داخل المجتمع الفلسطيني، كما تعمد تصوير حال الشك التي تنتاب المفجرين الانتحاريين حتى اللحظة الأخيرة، مفيداً بأنه «كان هذا الوجه الإنساني هو ما أردت أن أظهره في فيلمي».

وحاز الفيلم؛ الذي عرض في ما يقرب من 60 دولة… من بينها «إسرائيل»، والأراضي الفلسطينية، على الإعجاب بوجه عام، بوصفه تساؤلاً عاطفياً عن دوافع المفجرين الانتحاريين الفلسطينيين. وفي إحدى التعليقات الإيجابية الكثيرة عن الفيلم نقرأ «أن فيلم (الجنة الآن) مخصص لهؤلاء الذين يدركون أن الفهم شيء والتبرير شيء آخر». كما أخذت شركة ميراماكس على عاتقها توزيعه في أميركا بعد أن غيرت العناوين والموسيقى التصويرية ورصدت له موازنة كبيرة للدعاية.

وعقب هذا المديح، منح الفيلم الكثير من الجوائز، فحاز جائزة أفضل فيلم أوروبي من مهرجان برلين السينمائي الدولي، وجائزة أفضل مونتاج من مهرجان هولندا للعام»، وجائزة «الغولدن غلوب» في الولايات المتحدة.

أبو أسعد يكسب الرهان

مهما يكن من أمر، ومهما تبلغ حدة الاحتجاج والاعتراضات لفيلم أبوأسعد، فاستطاع هذا المخرج الموهوب، أن يكسب الرهان ويحصل بفوزه ذاك على «اعتراف بأن الشعب الفلسطيني يستحق الحرية والمساواة غير المشروطة»، وتمكن بذكاء من أن يرفع قضية معاناة الشعب الفلسطيني الواقع تحت نير الاحتلال الصهيوني الى مصاف القضايا الإنسانية العالمية، وأن يلفت انتباه كل المهرجانات والتجمعات الفنية العالمية لقضية ومعاناة أبناء شعبه.

العدد 1279 – الأربعاء 08 مارس 2006م الموافق 07 صفر 1427هـ

عبر عمل درامي تسجيلي…محمد جناحي يوثق وأد السواحل ويأمل أن تصل «رسالة»

القضيبية – منصورة عبدالأمير 

محمد جناحي… مصور تلفزيوني وصاحب رؤية فنية مميزة له عدد من المحاولات في مجال اخراج الأفلام التلفزيونية. محاولاته تلك قد لا تجعل اسمه يدرج في قائمة المخرجين السينمائيين لكنه يستحق وبكل جدارة حمل لقب واحد من أفضل مخرجي الأفلام التلفزيونية البحرينية.

عرفناه في العام 2000 من خلال فيلم كاميرا، الفيلم التلفزيوني الذي لم «يسعده الحظ» لأن تقرر وزارة الإعلام تبني عرضه على شاشاتها «المتواضعة» لكنها على رغم ذلك لم تتمكن ان تنكر قيمته حين شاركت به في مهرجان القاهرة للإذاعة والتلفزيون ليفوز بكل جدارة ويحصل على جائزة أفضل الأعمال التلفزيونية.

جناحي يعود بعد توقف ستة أعوام ليأخذنا هذه المرة لمساحة توثيقية أخرى يلقي الضوء من خلالها على واقع اغتصاب السواحل في البحرين. جاء فيلم «رسالة» اعتماداً على قصة كتبها عبدالقادر عقيل تحت عنوان «البحر» نشرت ضمن مجموعة قصصية تحمل اسم «الشوكران» قدمها عقيل في العام 1993.

«الوسط» حاورت جناحي بشأن فيلمه الأخير هذا بعد تلقي دعوة لمشاهدة الفيلم بمجرد الانتهاء من عملية المونتاج. «رسالة» كان عنوانه، والدفن الجائر لسواحلنا كان موضوعه، وهشام جناحي وإيمان سبت اللذان لم يتجاوز أكبرهما 11 من عمره كانا أبطاله.

طفلان يجمعهما عشق البحر، يعيشان معه شيئاً من أحلامهما، يترجمان جزءاً منها في رسالة يأتمنا عليها الأمواج، لتأخذها إلى الله، كي يجيب الدعوة ويفرح القلبين الصغيرين. ويكون الموعد المنتظر بينهما اسبوع من القاء الرسالة في زجاجة احتضنتها مياه لم يعرف الصغيران انها ذاهبة الى غير رجعة. يعودان بعد اسبوع بلهفة وشوق، شوق للجواب، وشوق للقاء، لكن المفاجأة التي تنتظرهما كانت أكبر بكثير من أحلامهما. لم تعد مياه الود بين والدة إيمان ووالدها المنفصلين، ولم يعرف هشام إن كان الله سيحفظ له والدته «ولن يأخذها إليه كما أخذ قبلها والده». لم يعلما إن كان «الله قد تسلم رسالتيهما»! أم ان الجرافات الغاشمة قضت على أي أمل في السعادة وفي… الحلم.

ضاعت أصواتهما صراخاً وحزناً وذرف هشام من الدموع كثيراً ألماً على البحر الذي عشقه وعلى الحلم الذي دفنته الجرافات وحاول جاهدا أن يسمع إيمان صوته لكن أصوات الجرافات طغت عليه وخنقته، ووجدنا إيمان ووالدها في جهة ما وهشام ووالدته في الجهة الأخرى، إذ يستحيل اللقاء بين الطفلين وبين الأب والأم اللذين وجدنا بينهما بدايات اعجاب ومن ثم بدايات أمل جديد في حياة أفضل للصغيرين!

جناحي أبدع في هذا الفيلم، الذي يقول عنه أنه فيلم درامي تسجيلي، موثق لقضية واقعية، تم إثباتها بمشاهد حقيقية وبواقعة عاشها المخرج نفسه في طفولته، وبدموع صادقة سالت من عيني الصغير هشام. تم تصويرها في القضيبية وفي المكان الذي تقوم فيه الآن عمارات شاهقة ويكاد لا يكون للبحر فيه من أثر سوى هدير أمواجه وخرير مياهه الذي يأبى إلا أن يكون شاهده على ما اقترفته يد البشر.

يقول جناحي «السبب الذي دعاني للتصوير في هذه المنطقة على وجه التحديد هو أنني كنت أعيش فيها، وكانت المسافة بين منزلنا والساحل الذي صورته «كيابسة بالطبع» قريبة جداً. كنا أطفال صغار وكان البحر هو كل شيء بالنسبة إلينا، وفجأة جاءت الجرافات فقضت على كل شيء».

يؤكد جناحي إن ما حدث في الفيلم هو أمر حدث له في الواقع، ولكثيرين غيره، ولذلك فقد قدم فيلمه هذا ليوجه من خلاله «رسالة بيئية، مع بعض الاشارات الى قضايا التفكك الاسري التي مزجها الكاتب بطريقة جميلة مع قضية البيئة وقدم لنا مقارنة جميلة جداً».

ذلك المزج الذي يجده جناحي متعمداً من قبل الكاتب الذي «يصدم المتفرج وهو الذي شهد بدايات اعجاب بين الرجل والمرأة فاعتقد ان الأمور ستتطور بينهما لتحقيق شيئاً من السعادة لطفلتي حرما نعمة العيش تحت مظلة أسرة سليمة، لكنه بعد ذلك شهد كيف حدث الدمار الاسري كما حدث الدمار البيئي».

لم يغير جناحي من قصة عقيل خصوصاً أن «القصة مكتوبة أصلاً بشكل سيناريو» لكنه، كما يقول اضطر لتبديل نهايتها «إذ إنها ليست مناسبة للفيلم فالكاتب يمكنه أن يوصل رسالة مختلفة بالكلمات، إما إيصال الرسالة ذاتها من خلال الصورة فيجب أن يتم بطريقة مختلفة، وقد أردت أن أجعلها مؤلمة لتكون أبلغ في إيصال الرسالة»

كذلك عمل جناحي على تغيير الاسم من «البحر» الى «رسالة» لأنه كما يؤكد «نريد ان نوصل رسالة من خلال هذين الطفلين اللذين يطلقان صرخة يتساءلان فيها عن مستقبلهما» وكأن الفيلم يريد أن يقول إنه «إن ضاع البحر ضاع المستقبل»

جناحي نفذ الفيلم بالتعاون مع شركة ثزءحء ومع أسامة آل سيف على وجه التحديد، صاحب الشركة الذي تحمس لفكرة جناحي وقام بجميع عمليات المونتاج والمكساج في الفيلم. يتوقع عرضه في عدد من المهرجانات الخليجية والعربية لعل أبرزها مهرجان تراث الإمارات الذي تقام فعالياته في شهر مايو/ آيار المقبل.

عاد جناحي من جديد، هذه المرة أقوى من سابقاتها، برسالة ترجمت بأبلغ ما يمكن، وهو الذي كان يخشى أن يؤدي توقفه «القسري» عن الابداع، إلى تعطيل أدواته، وإلى أن يفقد لياقته وقدرته على صنع الخيال. هي محاولة جديدة ورسالة بليغة نأمل أن تصل لذوي الشأن وان تلقى تجاوباً ولو بالعرض من ذوي الشأن الآخر.

أريج معتوق… مشروعات طموحة ورغبة في التخصص

في أول اتصال تلقيته من محمد جناحي حدثني فيه عن مشروع فيلمه «رسالة»، ورد اسمها مرة أو مرتين. وفي الاتصالات اللاحقة بدأ اسمها يتكرر بشكل كبير، وبدأ محمد يحدثني عن مساعدته في الإخراج، أريج الشابة الطموحة التي يتوقع لها مستقبلاً في عالم الاخراج، سواء أكان ذلك في الأفلام القصيرة أو الأفلام التوثيقية أو حتى غير ذلك.

في يوم اللقاء بجناحي، التقيت أريج، فكانت المفاجأة، فأريج معتوق لم تكن سوى شابة صغيرة، حصلت أخيراً على شهادة البكالوريوس في مجال الإعلام الإذاعي والتلفزيوني من جامعة الكويت. أريج قدمت مشروع تخرج مميزاً جعلها الأولى على دفعتها، كان عبارة عن فيلم توثيقي، لم يكن سوى بداية مشوارها الفني.

ها هي الآن تعود وتضع أولى لبنات مستقبلها، تأتيها دعوة من جناحي، هذا الفنان الذي لمس فيها مشروع فنانة أخرى، ربما تسير على خطاه وربما تستلم راية المبدعين من بعده. قد لا ترى أعمالهما النور في معظم الأحيان، لكنهما، وكما يؤكد جناحي، لا يهمهما سوى تقديم فن راق يعبر عن هموم مجتمعهما.

أريج لا ترغب سوى التخصص في مجال الأفلام الوثائقية وكما تقول «وجدت في نفسي ميلاً للأفلام الوثائقية فطلبت من جناحي أن استفيد من خبرته وهكذا دعاني لمشاركته اخراج هذا الفيلم».

وعن مهامها الاخراجية في هذا العمل تضيف «واجبي هو الاهتمام ببعض الأمور الاخراجية مثل الراكورات، والاهتمام بتعديل اللقطات وغير ذلك».

وعن جناحي تقول «يعجبني العمل مع محمد فهو فنان كبير سمعت عنه الكثير لكني حين شاهدته، لمست بنفسي كيف يهتم بالتفاصيل الصغيرة في التصوير وكيف يحرص على اختيار زواياه في أخذ اللقطات».

أما عن مشروعاتها المستقبلية فتقول «لدي قصة سأخرجها مع جناحي هي قصة فتاة بكماء صماء، تمكنت من ان تحقق نجاحات كثيرة في حياتها وان تتميز عن سواها حتى من الأصحاء».

العدد 1272 – الأربعاء 01 مارس 2006م الموافق 30 محرم 1427هـ

بروين … طير مهاجر ليته يعود

منصورة عبد الأمير

جل ما أخشاه هو أن تفقد البحرين المزيد من مبدعيها والمتميزين فيها في مختلف المجالات الفنية… سينمائية أو تلفزيونية أو إذاعية، فنيون كانوا أم ممثلين أم مذيعين. وكل ما أتمناه هو أن تلتفت وزارة الإعلام بدمائها، التي يبدو وكانها دائمة التجدد، لأخطاء الإدارات السابقة، وأن تسارع إلى احتضان من تبقى من هؤلاء المبدعين، ولربما بذل جهود ومساع متواصلة وحثيثة لإعادة من «فر منهم بجلده». ولعل كثيرون لا يغفلون أن أحد أخطاء الإدارة السابقة هو أنها غفلت أو تغافلت عن عدد من المواهب الشابة تأتي المذيعة المتألقة بروين حبيب على رأسهم. جميعنا نعرف كيف حجمت قدراتها منذ البداية لتقدم ما لا يسمن ولا يغني من جوع، و كيف انه وعلى رغم كل «ثقل الدم» الذي تتميز به «على الدوام» فضائيتنا البحرينية ومن قبلها قنواتنا الأرضية، إلا أن روح بروين المتوثبة وحماسها المتوقد وعيناها الممتلئتان ذكاءً كانا يضفيان جواً مختلفاً. لن أقول رائعاً لأن المعادلة حينها لم تكن لتخلق أي روعة لكنه على أي حال لم يكن يشبه الأجواء التلفزيونية البحرينية التي نألفها والتي تأخذنا جميعاً بعيداً عن شاشاتنا المحلية.

بروين وردة ذبلت في تلفزيون البحرين، فانطلقت لتنتعش ولتبرز نضارتها وليشع ذكاؤها وثقافتها وقدراتها الابداعية في فضائيات أخرى لا تبعد مقارها كثيرا عن مقر هيئة الإذاعة والتلفزيون البحرينية.

بروين لم تكن الوحيدة، لكنها (بالنسبة إلي على الأقل) أكثر الطاقات والابداعات المهاجرة تميزاً. وهي بقدر ما يسعدك ظهورها على فضائية دبي، وبقدر ما تثريك حواراتها، بقدر ما تدمي الحقيقة قلبك وتذكرك باحدى خساراتنا الفادحة الكثيرة التي لا يبدو ان لها توقفاً إن لم تراجع الإدارات المعنية سياساتها واستراتيجياتها.

محمد جناحي أيضاً نموذج آخر لقتل الابداعات المحلية، فهذا المصور الذي أحب الكاميرا منذ طفولته كافح ونحت في الصخر ليتمكن من اتقان أدواته وليحسن التعامل معها، فجاءت أعماله ترجمة لجهوده تلك ولحجم قدراته التي يقاتل دائماً من أجل المحافظة عليها. لكن جناحي وعلى رغم موهبته التي لا تخطئها عين لم يتمكن من أن يلفت انتباه المسئولين بوزارة الاعلام لاحتضانها والاستفادة منها في تطوير واقع القناة المهلهل المزري. وهي الوزارة التي خدمها طوال عمره لكنه لم يخرج سوى بمزيد من التهميش ومحاولات اخماد جذوة الابداع في نفسه.

البحرين لا تزال تغص بعشرات من أمثال بروين وجناحي، رجالا كانوا أم نساء، واستمرار تجاهلهم لأسباب «لا حصر لها» يجعلنا نخسر المزيد يوماً بعد يوم، ونتراجع الى الوراء، ويجعل صورتنا تفقد ألوانها بالتدريج لنحافظ على موقعنا في أن نكون «صفراً على الشمال»

العدد 1272 – الأربعاء 01 مارس 2006م الموافق 30 محرم 1427هـ