عبر عمل درامي تسجيلي…محمد جناحي يوثق وأد السواحل ويأمل أن تصل «رسالة»

القضيبية – منصورة عبدالأمير 

محمد جناحي… مصور تلفزيوني وصاحب رؤية فنية مميزة له عدد من المحاولات في مجال اخراج الأفلام التلفزيونية. محاولاته تلك قد لا تجعل اسمه يدرج في قائمة المخرجين السينمائيين لكنه يستحق وبكل جدارة حمل لقب واحد من أفضل مخرجي الأفلام التلفزيونية البحرينية.

عرفناه في العام 2000 من خلال فيلم كاميرا، الفيلم التلفزيوني الذي لم «يسعده الحظ» لأن تقرر وزارة الإعلام تبني عرضه على شاشاتها «المتواضعة» لكنها على رغم ذلك لم تتمكن ان تنكر قيمته حين شاركت به في مهرجان القاهرة للإذاعة والتلفزيون ليفوز بكل جدارة ويحصل على جائزة أفضل الأعمال التلفزيونية.

جناحي يعود بعد توقف ستة أعوام ليأخذنا هذه المرة لمساحة توثيقية أخرى يلقي الضوء من خلالها على واقع اغتصاب السواحل في البحرين. جاء فيلم «رسالة» اعتماداً على قصة كتبها عبدالقادر عقيل تحت عنوان «البحر» نشرت ضمن مجموعة قصصية تحمل اسم «الشوكران» قدمها عقيل في العام 1993.

«الوسط» حاورت جناحي بشأن فيلمه الأخير هذا بعد تلقي دعوة لمشاهدة الفيلم بمجرد الانتهاء من عملية المونتاج. «رسالة» كان عنوانه، والدفن الجائر لسواحلنا كان موضوعه، وهشام جناحي وإيمان سبت اللذان لم يتجاوز أكبرهما 11 من عمره كانا أبطاله.

طفلان يجمعهما عشق البحر، يعيشان معه شيئاً من أحلامهما، يترجمان جزءاً منها في رسالة يأتمنا عليها الأمواج، لتأخذها إلى الله، كي يجيب الدعوة ويفرح القلبين الصغيرين. ويكون الموعد المنتظر بينهما اسبوع من القاء الرسالة في زجاجة احتضنتها مياه لم يعرف الصغيران انها ذاهبة الى غير رجعة. يعودان بعد اسبوع بلهفة وشوق، شوق للجواب، وشوق للقاء، لكن المفاجأة التي تنتظرهما كانت أكبر بكثير من أحلامهما. لم تعد مياه الود بين والدة إيمان ووالدها المنفصلين، ولم يعرف هشام إن كان الله سيحفظ له والدته «ولن يأخذها إليه كما أخذ قبلها والده». لم يعلما إن كان «الله قد تسلم رسالتيهما»! أم ان الجرافات الغاشمة قضت على أي أمل في السعادة وفي… الحلم.

ضاعت أصواتهما صراخاً وحزناً وذرف هشام من الدموع كثيراً ألماً على البحر الذي عشقه وعلى الحلم الذي دفنته الجرافات وحاول جاهدا أن يسمع إيمان صوته لكن أصوات الجرافات طغت عليه وخنقته، ووجدنا إيمان ووالدها في جهة ما وهشام ووالدته في الجهة الأخرى، إذ يستحيل اللقاء بين الطفلين وبين الأب والأم اللذين وجدنا بينهما بدايات اعجاب ومن ثم بدايات أمل جديد في حياة أفضل للصغيرين!

جناحي أبدع في هذا الفيلم، الذي يقول عنه أنه فيلم درامي تسجيلي، موثق لقضية واقعية، تم إثباتها بمشاهد حقيقية وبواقعة عاشها المخرج نفسه في طفولته، وبدموع صادقة سالت من عيني الصغير هشام. تم تصويرها في القضيبية وفي المكان الذي تقوم فيه الآن عمارات شاهقة ويكاد لا يكون للبحر فيه من أثر سوى هدير أمواجه وخرير مياهه الذي يأبى إلا أن يكون شاهده على ما اقترفته يد البشر.

يقول جناحي «السبب الذي دعاني للتصوير في هذه المنطقة على وجه التحديد هو أنني كنت أعيش فيها، وكانت المسافة بين منزلنا والساحل الذي صورته «كيابسة بالطبع» قريبة جداً. كنا أطفال صغار وكان البحر هو كل شيء بالنسبة إلينا، وفجأة جاءت الجرافات فقضت على كل شيء».

يؤكد جناحي إن ما حدث في الفيلم هو أمر حدث له في الواقع، ولكثيرين غيره، ولذلك فقد قدم فيلمه هذا ليوجه من خلاله «رسالة بيئية، مع بعض الاشارات الى قضايا التفكك الاسري التي مزجها الكاتب بطريقة جميلة مع قضية البيئة وقدم لنا مقارنة جميلة جداً».

ذلك المزج الذي يجده جناحي متعمداً من قبل الكاتب الذي «يصدم المتفرج وهو الذي شهد بدايات اعجاب بين الرجل والمرأة فاعتقد ان الأمور ستتطور بينهما لتحقيق شيئاً من السعادة لطفلتي حرما نعمة العيش تحت مظلة أسرة سليمة، لكنه بعد ذلك شهد كيف حدث الدمار الاسري كما حدث الدمار البيئي».

لم يغير جناحي من قصة عقيل خصوصاً أن «القصة مكتوبة أصلاً بشكل سيناريو» لكنه، كما يقول اضطر لتبديل نهايتها «إذ إنها ليست مناسبة للفيلم فالكاتب يمكنه أن يوصل رسالة مختلفة بالكلمات، إما إيصال الرسالة ذاتها من خلال الصورة فيجب أن يتم بطريقة مختلفة، وقد أردت أن أجعلها مؤلمة لتكون أبلغ في إيصال الرسالة»

كذلك عمل جناحي على تغيير الاسم من «البحر» الى «رسالة» لأنه كما يؤكد «نريد ان نوصل رسالة من خلال هذين الطفلين اللذين يطلقان صرخة يتساءلان فيها عن مستقبلهما» وكأن الفيلم يريد أن يقول إنه «إن ضاع البحر ضاع المستقبل»

جناحي نفذ الفيلم بالتعاون مع شركة ثزءحء ومع أسامة آل سيف على وجه التحديد، صاحب الشركة الذي تحمس لفكرة جناحي وقام بجميع عمليات المونتاج والمكساج في الفيلم. يتوقع عرضه في عدد من المهرجانات الخليجية والعربية لعل أبرزها مهرجان تراث الإمارات الذي تقام فعالياته في شهر مايو/ آيار المقبل.

عاد جناحي من جديد، هذه المرة أقوى من سابقاتها، برسالة ترجمت بأبلغ ما يمكن، وهو الذي كان يخشى أن يؤدي توقفه «القسري» عن الابداع، إلى تعطيل أدواته، وإلى أن يفقد لياقته وقدرته على صنع الخيال. هي محاولة جديدة ورسالة بليغة نأمل أن تصل لذوي الشأن وان تلقى تجاوباً ولو بالعرض من ذوي الشأن الآخر.

أريج معتوق… مشروعات طموحة ورغبة في التخصص

في أول اتصال تلقيته من محمد جناحي حدثني فيه عن مشروع فيلمه «رسالة»، ورد اسمها مرة أو مرتين. وفي الاتصالات اللاحقة بدأ اسمها يتكرر بشكل كبير، وبدأ محمد يحدثني عن مساعدته في الإخراج، أريج الشابة الطموحة التي يتوقع لها مستقبلاً في عالم الاخراج، سواء أكان ذلك في الأفلام القصيرة أو الأفلام التوثيقية أو حتى غير ذلك.

في يوم اللقاء بجناحي، التقيت أريج، فكانت المفاجأة، فأريج معتوق لم تكن سوى شابة صغيرة، حصلت أخيراً على شهادة البكالوريوس في مجال الإعلام الإذاعي والتلفزيوني من جامعة الكويت. أريج قدمت مشروع تخرج مميزاً جعلها الأولى على دفعتها، كان عبارة عن فيلم توثيقي، لم يكن سوى بداية مشوارها الفني.

ها هي الآن تعود وتضع أولى لبنات مستقبلها، تأتيها دعوة من جناحي، هذا الفنان الذي لمس فيها مشروع فنانة أخرى، ربما تسير على خطاه وربما تستلم راية المبدعين من بعده. قد لا ترى أعمالهما النور في معظم الأحيان، لكنهما، وكما يؤكد جناحي، لا يهمهما سوى تقديم فن راق يعبر عن هموم مجتمعهما.

أريج لا ترغب سوى التخصص في مجال الأفلام الوثائقية وكما تقول «وجدت في نفسي ميلاً للأفلام الوثائقية فطلبت من جناحي أن استفيد من خبرته وهكذا دعاني لمشاركته اخراج هذا الفيلم».

وعن مهامها الاخراجية في هذا العمل تضيف «واجبي هو الاهتمام ببعض الأمور الاخراجية مثل الراكورات، والاهتمام بتعديل اللقطات وغير ذلك».

وعن جناحي تقول «يعجبني العمل مع محمد فهو فنان كبير سمعت عنه الكثير لكني حين شاهدته، لمست بنفسي كيف يهتم بالتفاصيل الصغيرة في التصوير وكيف يحرص على اختيار زواياه في أخذ اللقطات».

أما عن مشروعاتها المستقبلية فتقول «لدي قصة سأخرجها مع جناحي هي قصة فتاة بكماء صماء، تمكنت من ان تحقق نجاحات كثيرة في حياتها وان تتميز عن سواها حتى من الأصحاء».

العدد 1272 – الأربعاء 01 مارس 2006م الموافق 30 محرم 1427هـ

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s