بعد فوز «تسوتسي» بأوسكار أفضل فيلم أجنبي … «الجنة الآن» يربح اعترافاً بالحق الفلسطيني في الوجود

منصورة عبدالأمير 

ليبارك الله إفريقيا… كانت تلك أول عبارة استهل بها المخرج الجنوب إفريقي جافين هود حديثه الذي عبر خلاله عن فرحه الشديد لفوز فيلمه «تسوتسي» بأوسكار أفضل الأفلام الأجنبية لهذا العام. ش

ولعل عبارته تلك جاءت معبرة بأبلغ ما يكون عن واقع حال حفل الأوسكار هذا العام، على الأقل حين يتعلق الأمر بجائزة أفضل الأفلام الأجنبية التي رشح فيلم هود لنيلها وحصل عليها. ففيلم «تسوتسي» الذي قام هود نفسه باقتباس قصته من رواية كتبت في الخمسينات وتدور حول تأثير نظام الفصل العنصري على نفوس السود في جنوب إفريقيا، لم يتغلب على الأفلام الأخرى المرشحة للجائزة نفسها وحسب، لكنه جاء ليحسم الجدل الذي اندلع بمجرد ترشيح فيلم «الجنة الآن» الفلسطيني للجائزة نفسها، وتزايد بوصول أنباء ترشيح «ميونيخ» للمخرج الأميركي المعروف بمناصرته لليهود ولـ «اسرائيل» ستيفن سبيلبيرغ.

وكان الفيلم الفلسطيني «الجنة الآن» للمخرج هاني أبواسعد هو أكثر الأفلام إثارة للجدل لأنه يدور حول اثنين من المفجرين الانتحاريين، فنقلت وكالات الأنباء أن مجموعة من الإسرائيليين ممن فقدوا أقارب لهم في هجمات انتحارية فلسطينية، ناشدت منظمي جوائز الأوسكار قبل أيام من إعلان النتائج استبعاد الفيلم الذي يبحث في أسباب هذه الهجمات، والذي رشح لأوسكار أفضل الأفلام الأجنبية.

إسرائيليون: الجنة الآن أم جهنم الآن

المعارضون الاسرائيليون احتجوا على تصوير الفيلم للبعد الإنساني للمفجرين الانتحاريين، وعلى تقديم صورة ايجابية وإضفاء نوع من الشرعية على الهجمات الانتحارية متهمين أولئك الذين يتجاهلون هذا الأمر ويكرمون الفيلم بأنهم شركاء في الهجمات الانتحارية القادمة.

يوسي زور الذي قتل ابنه في تفجير حافلة، اتهم الفيلم، من خلال خطاب مرفق بالعريضة، بالتعاطف مع الهجمات الانتحارية التي يتبناها كثيرون شاركوا في الانتفاضة التي اندلعت ضد الاحتلال الإسرائيلي في الضفة الغربية وقطاع غزة العام 2000.

وقال زور لرويترز «ما يصفونه بالجنة الآن نصفه نحن بجهنم الآن وكل يوم. مهمة العالم الحر ألا يمنح جائزة لفيلم كهذا».

وفي الخطاب يسأل زور نفسه «هل كان سيتم ترشيح الفيلم لنيل جوائز في الولايات المتحدة لو كان يدور حول شابين سعوديين يتلقيان دروس طيران في الولايات المتحدة بهدف قيادة طائرة في اتجاه برجي مركز التجارة العالميين في مدينة نيويورك؛ لتصطدم بهما؟»

لفلسطين … نعم لسلطتها

وإذ إنه لا يمكن سحب الفيلم من لائحة ترشيحات الأوسكار؛ فقد طالب الموقعون على العريضة الأكاديمية بتغيير بلد الفيلم؛ فهم يعترضون على اسم فلسطين الذي ورد على موقع الأكاديمية على الانترنت؛ لأنهم يرون أنه «لا يوجد بلد يعترف به المجتمع الدولي يحمل هذا الاسم». لكن رئيس المعهد العربي الاميركي جيمس زغبي انتقد هذا التصنيف والجهود الاسرائيلية لجعل منشأ الفيلم السلطة الفلسطينية وليس فلسطين، وقال «المشكلة هنا هي ان الناس من «إسرائيل» ليسوا قانعين بالسيطرة على أوجه الحياة الفلسطينية اليومية كافة بل انهم يريدون التحكم في طريقة تصوير الفلسطينيين لانفسهم في العالم الخارجي. يتعين عليهم ان يتركوا الناس يعبرون عن أنفسهم».

صحيفة «يديعوت أحرنوت»، من جانبها، أكدت ان القنصلية الاسرائيلية في مدينة لوس أنجليس كانت توقعت قبل أسابيع من حفل توزيع جوائز الاوسكار فوز «الجنة الآن» بجائزة أفضل فيلم اجنبي.

واضافت الصحيفة ان المسئولين في القنصلية الاسرائيلية في لوس أنجليس قرروا منع امكان الاعلان خلال حفل الاوسكار عن ان الفيلم يمثل فلسطين.

وتابعت ان القنصل الاسرائيلي العام في لوس أنجليس ايهود دانوخ والملحق الإعلامي جلعاد ميلو وجهات اسرائيلية ويهودية ذات تأثير في هوليوود حصلوا على وعد من الاكاديمية الأميركية للسينما بعدم عرض الفيلم على انه فلسطيني على رغم عرضه على هذا النحو في موقع حفل توزيع جوائز الاوسكار الالكتروني.

من جانب آخر لم ينجو الفيلم من انتقادات الدوائر الفلسطينية التي اتهمته بتقويض السمعة البطولية للمفجرين، بإظهار ترددهم ومخاوفهم. كما رفضت دور السينما الاسرائيلية الكبرى عرضه بعد ان عبر خبراء التوزيع عن خوفهم من ضعف الاقبال على مشاهدة فيلم عن المفجرين الانتحاريين كما تحدثوا عن مقاطعة محتملة.

وللانتحاريين جانب إنساني!

يبرز الفيلم، الحاصل على جائزة الغولدن غلوب، معاناة الفلسطينيين اليومية تحت الاحتلال الإسرائيلي لكن شخصياته تناقش أيضاً ما إذا كان ذلك يبرر العنف، من خلال تصوير الساعات الـ 48 الأخيرة في حياة انتحاريين فلسطينيين. تم تصوير مشاهده في مدينتي نابلس والناصرة، وفيه نرى كيف يقرر الصديقان تنفيذ هجوم انتحاري في تل أبيب، ويتناول الفيلم مناقشاتهما وترددهما في تنفيذ العملية وشكوكهما ومخاوفهما.

قبيل نهاية الفيلم يقرر أحد الصديقين التراجع، لكنه يفشل في إقناع صديقه بالتخلي عن العملية، نظراً إلى اقبال الأخير على المهمة تكفيرا عن الذنب الذي شعر به لأن أحد أقاربه تجسس لصالح «إسرائيل». وينتهي الفيلم بأحدهما وهو جالس في حافلة بتل أبيب رابطاً حزاماً ناسفاً حول وسطه.

أبوأسعد تعمد أن يستخدم على لسان الانتحاري الذي يفجر نفسه عدداً من العبارات التي تعكس الضغوط المعقدة داخل المجتمع الفلسطيني، كما تعمد تصوير حال الشك التي تنتاب المفجرين الانتحاريين حتى اللحظة الأخيرة، مفيداً بأنه «كان هذا الوجه الإنساني هو ما أردت أن أظهره في فيلمي».

وحاز الفيلم؛ الذي عرض في ما يقرب من 60 دولة… من بينها «إسرائيل»، والأراضي الفلسطينية، على الإعجاب بوجه عام، بوصفه تساؤلاً عاطفياً عن دوافع المفجرين الانتحاريين الفلسطينيين. وفي إحدى التعليقات الإيجابية الكثيرة عن الفيلم نقرأ «أن فيلم (الجنة الآن) مخصص لهؤلاء الذين يدركون أن الفهم شيء والتبرير شيء آخر». كما أخذت شركة ميراماكس على عاتقها توزيعه في أميركا بعد أن غيرت العناوين والموسيقى التصويرية ورصدت له موازنة كبيرة للدعاية.

وعقب هذا المديح، منح الفيلم الكثير من الجوائز، فحاز جائزة أفضل فيلم أوروبي من مهرجان برلين السينمائي الدولي، وجائزة أفضل مونتاج من مهرجان هولندا للعام»، وجائزة «الغولدن غلوب» في الولايات المتحدة.

أبو أسعد يكسب الرهان

مهما يكن من أمر، ومهما تبلغ حدة الاحتجاج والاعتراضات لفيلم أبوأسعد، فاستطاع هذا المخرج الموهوب، أن يكسب الرهان ويحصل بفوزه ذاك على «اعتراف بأن الشعب الفلسطيني يستحق الحرية والمساواة غير المشروطة»، وتمكن بذكاء من أن يرفع قضية معاناة الشعب الفلسطيني الواقع تحت نير الاحتلال الصهيوني الى مصاف القضايا الإنسانية العالمية، وأن يلفت انتباه كل المهرجانات والتجمعات الفنية العالمية لقضية ومعاناة أبناء شعبه.

العدد 1279 – الأربعاء 08 مارس 2006م الموافق 07 صفر 1427هـ

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s