جريء، ذكي و… بريطاني؟!: «مبادئ الرغبة» جرح لكبرياء البريطانيين وصفعة لكل المفسدين

منصورة عبدالأمير

في العادة لا تحوي الأفلام البريطانية الكثير من مشاهد العنف والإثارة، وإن حدث ذلك، فإنها على الغالبية لا تنتج أو تخرج بدقة وبراعة تشد المتفرج للمشاهدة. لكن فيلم «مبادئ الرغبة The Principles of Lust» للبريطانية بيني وولكوك يأتي كاستثناء مفاجئ ليكسر كل الكليشيهات وكل الأفكار النمطية عن هذه الأفلام.

ولا يعود السبب لما يحويه الفيلم من مشاهد عراك وحشي يتبادل فيها مجموعة من الصبية لكمات بالأيدي والأرجل، عدا عن مشاهد اثارة وابتذال صاخبة، وحسب، لكنه (أي الفيلم) بدا من وجهة نظر كثير من البريطانيين على درجة عالية من الوقاحة والتهور حين أشار في أحد مشاهده إلى الفيلسوف والروائي الفرنسي جورج باتيل. هذا الأمر جعل كثيراً من النقاد يجزمون بأن وولكوك، كاتبة نص الفيلم ومخرجته، تبحث عن المتاعب في أول أفلامها، وليس أدل على ذلك، كما يشير أحدهم، من ظهور علامات الاستياء والاستنكار التي بدت واضحة على وجوه جميع الحاضرين في المؤتمر الصحافي الذي عقدته المخرجة بعد العرض الافتتاحي لفيلمها مباشرة في مارس/ آذار 2004، إذ إن جميع البريطانيين، نقادا ومتابعين سينمائيين، لم يحتملوا ذكر اسم فيلسوف (فرنسي) في فيلم (بريطاني)، والجميع على علم بالمشاعر الجياشة بين الشعبين!

على رغم ذلك، وعلى رغم ما أثاره الفيلم حينها من جدل ونقاشات حادة بسبب كثير من مشاهده وإيحاءاته، إلا أنه تمكن من أن يصدم كثيراً من أفراد المجتمع البريطاني ويواجههم بصورة من واقعهم. الفيلم، اضافة الى ذلك، تمكن وبجرأة شديدة وغير مسبوقة، من أن يطرح الكثير من الاسئلة عن المجتمع، والغرائز، وانحرافات الأفراد، صغاراً وكباراً.

وقائعه صورت في مدينة شيفيليد البريطانية، وهو مبني على رواية لتيم كوك، بطله هو بول (أليك بالدوين) وهو أيضاً راوي القصة، وهو رجل بوهيمي طموح، يكافح لكتابة رواية ولكنه لا يجد في حياته ما يلهمه. وكما هو الحال في كثير من الأفلام، يحالف البطل الحظ حين يقع له حادث سيارة، وهي طريقة تقليدية ومكررة ومعروفة يستخدمها المخرجون لضمان استمرارية قصص أفلامهم.

يلتقي البطل من وراء هذا الحادث بببيلي (مارك وارين)، الذي نراه في المرة الأولى عبر الزجاج الأمامي لسيارة بول وهو مقلوب رأسا على عقب، يكيل الشتائم والسباب، للسائق الأرعن الذي صدمه، وهو بول طبعاً.

سرعان ما يرتبطان بصداقة، يصبح فيها لبيلي تأثير كبير على بول إذ يغريه ويأخذه معه الى حياة جديدة، يبدأها في حانة شراب، يلتقيان فيها بصديقة بيلي الصامتة ذات الابتسامة الغامضة هول (لارا كليفتون) التي تقدم عروضاً مبتذلة في تلك الحانة.

في الحانة نفسها يلتقي بول بالباحثة الاجتماعية والأم العزباء جولييت (سيينا غيلوري)، فيقع في حبها. تأخذه الى منزلها ليواجه هناك واقعاً مختلفاً وليتعرف على وجوه أخرى للحياة إذ يلتقي هناك بابنها غريب الأطوار هاري (الكسندر بوبيلويل) الذي يجعل بول يغني له بعض أغاني الأطفال.

هنا تبدأ المفارقة حين يتوجب على بول أن يختار، إما أن يتبع بيلي في نفق طويل ومظلم ومجهول، أو أن يستقر مع هذه الأسرة ويواجه خطراً اجتماعياً تربوياً مختلفاً ليصبح واحداً من سكان الضواحي الذين يسخر بيلي منهم دائماً ويلقبهم بـ «الأعداء» أو «الموتى الأحياء».

المخرجة تعمل على تنويمنا مغناطيسيا بعرضها للطريقة التي يغري فيها بيلي بول، كما تصعقنا بمشاهد القتال الدموية التي نرى فيها مجموعة من الصبية لا تتجاوز أعمارهم 11 عاماً يعضون، ويمزقون أجساد بعضهم، ويحيلون رؤوس بعضهم الى قطع من اللحم المتناثر.

تأتي أقسى لحظات الفيلم وأكثرها إذهالاً في أحد نوادي التعري بشفيلد، إذ نرى بيلي وهو مندمج مع الموجودين هناك وعلامات الفرح الغامر بادية على وجهه ونسمعه وهو يصرّح لبول قائلاً «هل تعرف أين نحن الآن، إننا في الحضيض». كلماته تلك جاءت كصفعة وجهت لكل سكان مدينة شيفيليد، إذ إن موقفه ذاك لم يكن مستهجناً وحسب من قبل الجميع، لكنه جاء متناسباً إلى حد كبير مع حال الافراط والانفلات الأخلاقي التي غزت المجتمع البريطاني في السنوات الأخيرة.

المشكلة والصراع الموجود، كما يشير الفيلم، يدور بين أولئك الوقحين الغارقين في ملذاتهم، وبين الأشخاص المسئولين الذين تجسدهم جولييت، التي قدمت دورها بإتقان شديد، وبرعت في تجسيد الشخصية ونقل فكرة الفيلم.

على رغم ذلك، وعلى رغم حقيقة طرح الفيلم لقضية قوية، فإن كاتبته لم تتمكن من تقديم أية حلول مقترحة تخرج بالمجتمع البريطاني من الأزمة الأخلاقية التي يمر بها.

أحد أسباب ذلك تعود إلى أن بول، الشخصية الأساسية في العمل، لم يكن قادرا على أن يتخذ موقفاً واضحاأمام كثير من القضايا، خصوصاً مع قيام نيومان الانفعالي بدوره، إذ إنه لم يكن مقنعاً كبطل في رحلة للبحث عن الذات وليس مجرد بطل أحد أفلام المراهقين التي لا تحمل أي بعد روحي.

ذلك ما جعل الفيلم يتجه بشكل أكبر نحو كونه كوميديا حادا إذ من الصعب على المشاهد أن يتعاطف مع شخصية نكدية مبذرة، وإن جاءت شخصية بيلي الشهواني ذا الروح الشيطانية معروضة للمشاهد في المقابل.

عموماً، وبسبب تاريخ وولكوك وخلفيتها في تقديم الأعمال التوثيقية، ظهر الفيلم بطبيعة ملحة وجاء مستواه عالياً، على رغم كل ما شكلته الدراما فيه من تحد لبعض عقائد الناس. هذه الخلفية هي أيضاً ما جعلت أداء ممثلي الأدوار الثانوية سيئاً للغاية، كما جعلت بعض المشاهد مرتجلة وضعيفة.

العدد 1286 – الأربعاء 15 مارس 2006م الموافق 14 صفر 1427هـ

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s