ضغوط مجتمعية وتشويهات نفسية وعالم عنف وعصابات

منصورة عبدالأمير  

جميع من يشاهد آخر أفلام المخرج والممثل ديفيد كرونينبيرغ A History of Violence، حتى محبوه، سيجدون أنفسهم مجبرين على الاعتراف بأن إنتاج المخرج أصبح متقلباً في الآونة الأخيرة. فبعد أن أثارت بعض صحف التابلويد البريطانية الكثير من الفوضى والجدل حول فيلمه Crash الذي عرض في العام 1997، وجد المخرج نفسه في موقف صعب، إذ لم يستطع بعدها أن يقدم على اختيار عمل آخر بسهولة يتجنب فيه كل الانتقادات والسخرية التي حصدها من وراء فيلمه ذاك. بعدها وفي العام 1999 قدم فيلم ZnetsiXe الذي يحمل فكرة جميلة وإن بدت غريبة نوعا ما، إلا أنه يترك لدى المتفرج انطباعاً غير حسن لتطرقه لمناقشة ما يسمى بالحقيقة الافتراضية بعد عقد من اكتشاف الجميع لها.

في العام 2002 قدم كورنينبيرغ فيلم Spider الذي بدا مبهماً وصعب الفهم بطريقة تثير أعصاب المشاهدين.

الآن وبعد توقف ثلاثة أعوام يعود بفيلم A History of Violence الذي يمثل عودة واثقة من مخرجه إلى نمط الأفلام المعتاد منه، مستعرضا خلاله قصة خيالية مأخوذة من كتاب كوميدي يبدو تأثر كاتبها بأفلام رعاة البقر واضحاً فيها بشدة، وفي الوقت ذاته تبدو مطعمة ببعض أفكار كورنينبيرغ المعتادة بشكل واضح لمن يعرفه.

قصة الفيلم تدور حول مالك مطعم صغير في إحدى المدن الصغيرة بولاية أنديانا يدعى توم ستال (يقوم بدوره فيغو مورتينسين) يعيش حياة هادئة مع زوجته وأطفاله. يتعرض لمجموعة من الاعتداءات من مختلف الأشخاص ما يحذو به لأن يتحول إلى شخص عنيف ينتقم لنفسه وأسرته، وأخيراً يتحول إلى بطل شعبي عند ما يطلق النار على اثنين من مرتدي القبعات ويرديهما قتيلين. ولكن بعد ان يصل كارل فوغاتي (اد هاريس) إلى المدينة، وهو على قناعة بأن توم عضو عصابات عنيف مدين ببعض المال لبعض الأفراد في فيلي، يبدأ العنف في الانتشار ليغمر أفراد عائلة توم أجمعين.

بحسب الظاهر فإن هذا الفيلم يحمل أكثر من مجرد شبه لفيلم Dogs Straw، الذي أخرجه سام بيكينباه، الذي يدور حول مواطن أميركي مسالم ينتقل مع زوجته إلى قرية انجليزية نائية وهناك يتعرض لكثير من المضايقات والاعتداءات المستمرة، الأمر الذي يدفعه الى مواجهة عنيفة مع الأهالي لحماية نفسه وزوجته.

في الفيلم الجديد يجبر توم ستال على أن يسلك سلوكاً عدائيا عند ما يتعرض هو وعائلته لتهديد أولاً من زوجين معتوهين من سكنة الجبال، ثم من قبل مجموعة من مرتدي القبعات من فيلي يتزعمهم اد هاريس.

لم يفعل كرونبيرغ الكثير ليخفي توجه القصة في الأصل لأن تكون قصة غرافيكية رسمت فيها الشخصيات والمواقع بطريقة قد لا تتناسب مع بعض المشاهد المتفجرة عنفاً، في حين كان يمكنه تغيير القصة أو على الأقل التواري خلف تفاصيلها وخلف بعض مشاهدها الملطخة بالدماء (والتي تدهشك بحسن صياغتها من قبل مخرج تتفوق أفكاره دائماً على مهاراته الفنية).

على العموم يمتلئ الفيلم بكثير من الأمور التي يشغل بها كرونبيرغ نفسه في العادة مثل كون العنف أمراً معدياً ينتقل مثل الفيروس في حياة مختلف الأسر، منتشراً ببطء من فرد لآخر في الأسرة، إذ ينتهي الأمر بابن ستال لأن يتسبب في نقل أحد الأشقياء إلى المستشفى. كذلك فإن توم يجد نفسه متورطاً في عملية تشويه نفسية داخلية مرعبة لا يملك القدرة على التحكم فيها، لكنها تحوله من رب أسرة مسالم الى قاتل محترف.

الفيلم يختبر ردود فعل مشاهديه تجاه العنف، ويحاول أن يمتعهم بالتفرج على بعض مشاهد العنف الواردة فيه، كما إن نهايته الغامضة المشوقة تعنى بمشاهديه بالدرجة الأولى ومن ثم شخصيات الفيلم

العدد 1286 – الأربعاء 15 مارس 2006م الموافق 14 صفر 1427هـ

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s