في حفل توزيع جوائز مهرجان منظمة العفو محاولة لتحقيق موازنة غير عادلة… وتجن أميركي جديد على شعب العراق

أمستردام – منصورة عبدالأمير 

قال مخرج الأفلام التوثيقية البريطاني ريكس بلومستين إن اليهود في جميع أنحاء العالم يجب ألا ينسوا ما تعرض له أسلافهم في بدايات القرن الماضي، وأن مآسي الهلوكوست يجب أن تحفر في الذاكرة وأن تظل باقية حية في أذهان الجميع مشددا على ضرورة توثيق تلك الذكريات بطريقة أو بأخرى عبر مختلف الأفلام والصور المرئية والمسموعة.

جاءت تأكيدات بلومستين تلك بعد تسلمة جائزة الجمهور من مهرجان منظمة العفو الدولية لأفلام حقوق الإنسان، والذي أقيمت الدورة الثامنة منه في مدينة امستردام الهولندية في الفترة من 8 إلى 12 مارس / آذار الجاري. وحصد بلومستين الجائزة عن فيلمه الذي عرضه المهرجان والذي يحمل اسم KZ (اختصارا للكلمة الألمانية Konzerntrationslager) التي تعني معسكرات الاعتقال، في اشارة إلى المعسكرات التي كان اليهود يحتجزون فيها قبل نقلهم إلى المحارق والأفران الغازية.

وكان فيلم بلومستين، الذي لم يبدو متميزاً سواء في قضيته أو في مستواه الفني، رشح لعدد من جوائز بعض المهرجانات العالمية لعل أشهرها جائزة أفضل الأفلام التوثيقية من مهرجان صندانس السينمائي.

وبحسب المخرج الذي تسلم جائزته في حفل صغير أقامته اللجنة المنظمة لمهرجان منظمة العفو الدولية مساء الأحد 12 مارس/ آذار، فإن الفيلم الذي يعد تصوراً على نحو كبير من الخصوصية لحوادث الهلوكوست، لا يقدم جديداً في هذا الشأن «فهو يصور ما تم تصويره في عشرات الأفلام، ويتحدث عما تم التحدث عنه عددا لا يحصى من المرات». لكن بلومستين وحسبما يرى يعيد تصوير فضائع لا يمكن تصورها ويتحدث عن مآس يصعب استرجاعها، لسبب مهم جداً وهو أن اليهود يجب ألا ينسوا ما حدث في الهلوكوست!

ولأن ذلك الحديث أصبح، كما يرى المخرج، أمراً مستلهكاً، فإنه لم يلجا في فيلمه هذا للاستعانة ببعض الصور الأرشيفية أو شهادات بعض الناجين من هذه المحارق، لكنه فضل بدلاً من ذلك أن يطرح القضية عبر فيلم وثائقي مختلف من نوعه، تم تصويره من موقع الحدث ومن داخل قرية نمسوية كانت شاهدة على احدى تلك المجازر. الذكريات المرة لليهود تستحضر هذه المرة على لسان دليل لمجموعة من طلبة الثانوية الذين يبدأون زيارتهم للقرية وهم يضحكون ويتبادلون الأحاديث لكن وجوههم سرعان ما يعلوها التجهم والشحوب حين يبدأ الدليل في سرد ذكريات القرية الحزينة.

شيئا فشيئا يأخذنا الفيلم إلى بعض معسكرات الاعتقال التي احتجز فيها يهود النمسا، مستعرضاً بشيء من التفصيل الاعتداءات التي كان يتعرضون لها في ذلك المكان منذ ما يصل الى 60 عاماً.

ولا يكتفي الفيلم باستعراض ذلك الماضي وبحسب بل إنه يربط الأجيال الجديدة بماضيها، فتصل ذروة الحوار فيه حين يتوجه الدليل للطلبة بسؤال عما إذا كان ما حدث هو أمر من الماضي الذي يجب نسيانه، فتأتي الاجابة واضحة وقوية على لسان الطلبة الذين يرون أنه «ليس أمراً من الماضي»، وإنه أمر لا يجب نسيانه أبدا.

من جانب آخر حصل فيلم Iraq in Fragments للأميركي جيمس لونغلي على الجائزة الذهبية للمهرجان، ولم يقل هذا الفيلم إثارة للجدل عن سابقه، إذ يكفي أن فوزه ليعادل الموازنة ربما، ولتبرر الجهة المنظمة للحفل اعطاءها الجائزة لفيلم بلومستين وهو الذي لم يحقق تميزاً من أي ناحية تذكر.

ويتناول لونغلي في فيلمه بشيء من التفصيل ما يزعم كونه حقيقة ما يجري في عراق اليوم، إذ يدعي استعراضه بشكل منصف ومتواز مختلف وجهة نظر العراقيين الذين شهدوا أهوال الحرب، وعاشوا مرارة الاحتلال والتوترات العرقية ولا يزالون كذلك.

ويطرح لونغلي تلك التفاصيل عبر ثلاث قصص يزعم أنها تنقل تفاصيل صغيرة يعيشها العراقيون العاديون في كل يوم. الأولى يرويها محمد هيثم، الصبي الذي لم يتجاوز 12 من عمره والذي نراه يعيش حياة قاسية في قلب بغداد القديمة. وتبدو شهادته المثيرة وكأنها كاشفة عن خوف لا ينتهي على سلامته في عالم يهدده المتمردون على القانون وتغزوه القنابل العنقودية. من خلال عينيه وعبر قصته أراد لونغلي أن ينقل لمشاهديه السخط الذي تمتلئ به نفوس العراقيين ضد الاحتلال، كما حاول أن ينقل صورة عن التوترات العرقية والطائفية بين الشيعة والسنة من جهة وبين العرب والاكراد من جهة أخرى.

في الجزء الثاني يتمادى لونغلي في تصويراته التي يتضح مدى اعتماده في استقائها من وسائل إعلام بلاده التي ترتأي طريقة جديدة لتضليل شعوب العالم، هذه المرة عبر أفلام تدعي الدفاع عن حقوق الإنسان. إذ يأخذنا بعدها لنعيش قصة حياة قائد شاب شيعي وعضو في حركة مقتدى الصدر الشيعية، بل ولربما بدا لبعض المشاهدين وكأنه مقتدى نفسه. لم نر الشاب لكننا سمعنا قصته على لسانه، ولم نعرف الهدف من كونه عضواً في جماعة مقتدى الصدر وليس مجرد شاب شيعي، لكننا شاهدنا رجال يوجهون البنادق والرشاشات لظهور مواطنين أبرياء طوال الطريق من الناصرية الى النجف في محاولة للـ «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر».

ولم يتوقف الأمر عند ذلك لكن هؤلاء القادة الشيعة يفعلون ما بوسعهم لتهميش قادة القبائل السنية من أي حوار وطني ويستفردون بالقرارات السياسية التي بدا في كثير من المشاهد وكأنها هي ما يحرق العراق. ولا يكتفون بذلك بل يخلقون تيارات معادية للأميركان في نفوس الجميع صغارا وكبارا وللاستدلال على ذلك تتداخل بعض خطب علماء الدين الشيعة مع مشاهد من بعض المآتم الحسينية وصور مختلفة لمراسم عزاء عراقية، مع شعارات «شيعية» معادية لأميركا .

في الجزء الثالث يأخذنا المخرج الأميركي لنستمع الى وجهة نظر الأكراد إذ تستمر الحياة محملة بالآمال والتطلعات بعد ابريل / نيسان 2003 وبعد سقوط النظام الذي تسبب لهم بالكثير من الرعب والهلع. وبحسب لونغلي فإن الأكراد لا يحملون الأمل بحياة جديدة للعراق وحسب بل إنهم أمل العراق الوحيد، فهم الشعب المسالم البسيط الذي عانى ظلم النظام الصدامي ولا يزال يعاني ظلم سنة وشيعة العراق.

اقتنص فيلم لونغلي جائزة المهرجان كما اقتنصت رصاصات جنود بلاده أمن وأمان العراق وأبنائه، وحصلت مزاعمه على استحسان وقبول مهرجان يرفع راية حقوق الإنسان، التي تقتضي طرح وجهة أصحاب الشأن على لسانهم لا لسان عدوهم ومحتل أراضيهم. لونغلي اخطأ بمزاعمه وجعل من نفسه خبيرا في الشأن العراقي وفي تفاصيل حياة أبنائه وهو الذي لم يزر العراق سوى شهور معدودات بعد سقوط نظام البعث في ابريل 2003. كيف تمكن لونغلي أن يطلق تعميمات واستنتاجات وتحليلات لمختلف طوائف مجتمع العراق. وكيف تجرأت البلاهة الأميركية لأن تخترق الحواجز وتصل بتضليلاتها الاعلامية الى قلب واحد من أعرق مهرجانات حقوق الانسان في العالم، على رغم قصر عمره، لكن لكونه ينظم من قبل جهة هي أبعد ما تكون عن الرغبة في تضليل الرأي العام وانتهاك حقوق اي من شعوب العالم

العدد 1293 – الأربعاء 22 مارس 2006م الموافق 21 صفر 1427هـ

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s