في لقاء مع مخرج الفيلم العراقي «أحلام» الدراجي: تعمدت القسوة… وبعض النقاد رفضوا المساس بصورة صدام

منصورة عبدالأمير

فيلم «أحلام» العراقي، لمخرجه محمد الدراجي، هو واحد من أوائل الأفلام التي انتجها العراق بعد سقوط نظامه الصدامي، وهو محطة مهمة ومميزة في تاريخ السينما العراقية أعاد اليها روحها، علامة فارقة كادت أن تميزها في سبعينات القرن الماضي، هي اعتمادها الواقعية البحتة ناقلة هموم أبناء شعبها جاعلة إياها قاعدة لانطلاقها، خاطية بذلك خطوات ناجحة ما سبقها إليها على المستوى العربي سوى السينما المصرية في سنوات تألقها وعزها، والروسية على المستوى العالمي.

«أحلام»… فيلم تضاربت بشأنه آراء النقاد، الذين حددت السياسة مواقف بعض منهم فوصفوه بالفوضى البصرية، التي اعتمدت قضية ساخنة سعياً الى النجاح من دون وجود قصة ذات تسلسل منطقي وواقعي. في مقابل أولئك وجدوه كثيرون آخرون عملا مميزاً ينبئ بمستقبل زاهر للسينما العراقية التي قتلها الظلم الصدامي وحروب ثلاث ثم معاناة اقتصادية دفع الشعب العراقي ثمنها على جميع الأصعدة.

«الوسط» حاورت مخرج فيلم «أحلام» عبر اتصال هاتفي، ليرد على الانتقادات أعلاه وليتحدث بشيء من التفصيل عن سر الاهتمام بفيلمه وعن أهم عوامل القوة والتميز فيه.

بداية رفض الدراجي تعبير «الفوضى البصرية» متهماً واضعيه بحملهم «نفساً سياسي وتأييدياً لنظام صدام حسين ولذلك لم يحبوا أن تعرض صورة سيئة له» ويضيف مؤكداً «بعض الصحافيين العرب لديهم هذه النظرة القومية الخاطئة للنظام على رغم انه هو من دمر القومية والوحدة بدخوله الكويت وهو من فرق العرب أشلاء» لكن الدراجي على رغم ذلك يؤمن بأن لكل ناقد «وجهة نظر مختلفة، وأنا أحترم رأي الجميع، لكني لا أتفق معهم في موضوع الفوضى البصرية، فأنا لدي وجهة نظر سينمائية فنية، عملت من خلالها على أن أجعل كثيراً من المشاهدين يرون الفيلم كما أراه» في المقابل حصل الفيلم على كثير من ردود الفعل الايجابية، فقد «أثبت نفسه في عدد من المهرجانات العالمية التي عرضته، وعددها 36 مهرجان، كما فاز بجائزة أفضل فيلم في مهرجان بنغلاديش، بالإضافة إلى حصوله على جائزة النقاد وصانعي السينما في آسيا، عدا عن ترشيحه لجائزة أفضل فيلم عربي بمهرجان القاهرة وتصنيفه ضمن أفضل عشرة أفلام بمهرجان روتردام من بين 160 فيلماً من جميع أنحاء العالم.

اضافة إلى ذلك، رحب به الكثير من النقاد وأشادوا به، إذ اعتبره أحدهم لوحة من لوحات جوتو، بينما رأى آخر انه احيا السينما العراقية وأعادها إلى واقعية السينما الروسية.

اهتمام عالمي كبير … والأسباب واضحة

بشأن سر الاهتمام العالمي الكبير بالفيلم، وفيما إذا كان ذلك يرجع لكونه التجربة الأولى تقريباً لجميع طاقم عمله، أو لكونه أحد أوائل الأعمال الفنية التي تأتي من العراق بعد سقوط النظام الصدامي، أجاب الدراجي: «بالتأكيد يثير فيلمي الاهتمام، فالعراق في نظر الجميع يعني الحرب، وهي لا تصنع سينما، بل تصنع حرباً ودماراً، ولذلك يعد تقديم فيلم عراقي صور بالكامل في العراق أمراً مفاجئاً وانجازاً كبيراً بل إن تشغيل الكاميرا في هذا البلد انجاز لأنه بمثابة خلق حياة جديدة.

السبب الآخر الذي يرجع إليه الدراجي اهتمام الكثير من المهرجانات العالمية بفيلمه هو «ما يطرحه من وقائع الحرب الأخيرة، وما يقدمه من قصص حقيقية تصور معاناة عاشها بعض العراقيين نعرضها في إطار سينمائي واقعي بحت».

سينما الصورة، وشخصيات تصنعها الحوادث

عوامل قوة الفيلم في نظر الدراجي هي استناده إلى قصة حقيقية، عدا عن حقيقة تصويره داخل العراق، وكذلك تقديمه لممثلين عراقيين غير محترفين يخوضون تجربة التمثيل للمرة الأولى، بل إن غالبيتهم أناس عاديون مروا بتجارب حقيقية مشابهة.

لكن الدراجي الذي اهتم بعرض قصص ثلاث شخصيات حقيقية التقاها في العراق، لم يعن بالغوص في أعماق هذه الشخصيات وتعريف المتفرج على مكنوناتها، ألم يكن ذلك ليضفي عامل قوة آخر تجاهله المخرج، ربما من دون قصد.

لا يجد الدراجي الأمر كذلك فهو كما يؤكد «اعتمدت الواقعية البحتة في تقديم عملي سواء في قصصه المطروحة، أو في الوقائع التي تدور حول الشخصية والتي تصنعها. في بحثي المسبق لعمل الفيلم وجدت أن الشخصية العراقية تتأثر بالوقائع التي تمر بها وتتكون من خلالها. كذلك وجدت إن المواطن العراقي لا يستطيع السيطرة على هذه الوقائع، بل إنه ولفرط المصائب والهموم التي يمر بها لا يتوقف ليفكر في كل ما يمر به ولذلك لايوجد في فيلمي مشاهد أحاول فيها أن أدخل في أعماق الشخصية، كما انه خلا من أي حوارات داخلية تردد فيها الشخصية خواطرها، لأن الشخصية تبنى وتتطور عن طريق الحدث لا الحوار. هذا الفيلم قدم الصورة العراقية بإطار سينما الصورة، لا سينما الحوار عملت على رمزية المكان ورمزية الوقائع فلا وقت لدي لأدخل عوالم الشخصيات، فذلك يؤدي الى إطالة مدة الفيلم بالاضافة الى أنني أتحدث عن العراق، وهذه الشخصيات ليست سوى رموز مكونة للمجتمع العراقي، فلا داعي للخوض في تفاصيلها.

تعمدت القسوة على المتفرج

إن كان الدراجي يتجنب الاطالة فلماذا بدا الفيلم محشواً بكثير من التفاصيل والوقائع، عدا عن تكرار بعض مشاهده كتلك التي تصور أوهام أحلام وتخيلاتها، هل أراد أن يقول أكثر مما ينبغي في مدة الفيلم القصيرة، ألم يظلم فيلمه مرة أخرى؟

مرة أخرى يدافع عن وجهة نظره الفنية باعتباره «التفاصيل الصغيرة جزءاً مهماً في الفيلم، بل إنها كونت القصة، أنا لا أعتبرها حشواً أو تكراراً، كل مشهد أقدم به جديد، كما ان له مدى وبعداً مختلفين. أما بالنسبة إلى أحلام فأنا تعمدت أن أعطي تفاصيل أكثر عن معاناة هذه الشابة التائهة في شوارع بغداد، وهي فاقدة لعقلها لأنها معاناة مجسدة لمعنى العذاب.

ويكرر «لا أجد المشاهد مكررة، بل إنني أتعمد القساوة على المشاهد، لأحدث التأثير المطلوب فيه، أريد أن يتعامل المتفرج مع لقطات الفيلم ومشاهده ويتأثر بها من أعماق قلبه، لئلا تمحى من ذاكرته».

وكوميديا تطلق الدموع لا الضحكات

يمتلئ الفيلم بكثير من مشاهد التعاسة والألم التي تشحن المتفرج عاطفياً، وهي التي منعت بعض من تابعوه من أن يمتنعوا عن اكماله، خصوصاً أولئك الذين عايشوا بعض التجارب المرة التي يعرضها الدراجي. لكن المخرج تعمد أن يطعم فيلمه ذاك بجانب فكاهي تمثل في شخصية حسن، الجندي العراقي الذي يحلم بالسفر إلى أوروبا لا لشيء ، إلا ليحصل على علاج لشعره الذي يأبى الصلع إلا أن يشوهه. الفكاهة التي تنطلق على لسان حسن، ومن خلاله، تأتي سوداء تحمل في طياتها كثيراً من التعاسة والألم، تعمد الدراجي ادراجها «لأنني أردت أن أوضح أن مصائب العراق ليست الحرب والحصار فقط، بل إن أبناءه يحرمون حتى من أبسط أمنياتهم (…) نعم هناك كوميديا سوداء فحسن يمكن له أن يموت في أي لحظة لكنه على رغم ذلك لا يفكر سوى في علاج شعره.

أجمل المواويل العراقية

لا يلجأ الدراجي للفكاهة وحسب، بل يملأ فيلمه بمجموعة من أروع الأغنيات العراقية الحزينة على الدوام سواء أكانت تتغني بالحبيب أم تشكو هجرانه، لكن استخدامه الأغنيات جاء مفرطاً بحيث لم تخل أكثر المشاهد منها، فلماذا كان ذلك، هل هي حالة شوق يعيشها الدراجي المغترب في هولندا، أم محاولة لشد انتباه الجمهور غير العربي؟

مرة أخرى لا يتفق معي الدراجي ويؤكد واثقاً «لا هذا ولا ذاك، لكنه واقع العراقيين المعروفين بأنهم شعب يحب الغناء في الحزن والفرح، المواطن العراقي يغني دائماً، وهذا جزء من التفريغ عما بداخله ويواصل أنا من وطن الاغنية، ولذلك أردت أن أجعل كل من يشاهد الفيلم يعيش أجواء العراق، فهذه الأغنيات هي جزء من الحدث والمكان، ولذلك يجب توظيفها في الفيلم.

ورؤية سياسية متوازنة

أخيراً يطرح الدراجي عبر فيلمه وجهة نظر سياسية متوازنة يشير فيها بأصابع الاتهام إلى كثير من الأطراف والجهات التي تحاول تدمير العراق الذي كان يعاني أيام النظام البائد لكنه لايزال كذلك وهو كما يقول «أقدم الشخصية العراقية التي تأذت من كثير من الاطراف، نظام صدام والاحتلال الأميركي، والمجتمع الدولي الذي ضغط على العراق وحاصره».

لكنه على رغم ذلك يرفض أن يوجه اتهامه إلى أي طرف، ويختم كلامه حدافعاً : «أنا أقدم صورة سينمائية، لا أدين أي طرف، ولا أقوم بحملة دعائية ضد أي جهة، بل أعرض قصصاً موجودة وأدع المشاهد يكون قناعاته وقراراته بنفسه».

يحكي فيلم «أحلام» الروائي الوقائع التي عاشها ثلاثة أشخاص تقاطعت طرق حياتهم، مستعرضا أمالهم، وأحلامهم، والوقائع التراجيدية التي مر بها كل منهم. ثلاث شخصيات جاءت لتمثل الشعب العراقي بأكمله، نلتقي بهم جميعا وسط أنقاض مستشفى للأمراض العقلية قصفته القوات الأميركية بعد دخولها بغداد.

يقتل الكثير من المرضى والأطباء بينما يفر الباقون خوفا إلى رعب شوارع بغداد الذي يبدو أكثر خطراً وتهديدا لحياتهم.

أول الفارين أحلام، شابة اعتقل زوجها في ليلة زواجهما من قبل مخابرات صدام ما أدى لاصابتها بصدمة عصبية أدت بها الى مستشفى الأمراض العقلية.

أما مهدي، فهو الطبيب الشاب الذي يحرم من اتمام دراسته للحصول على شهادة الماجستير، بسبب توجه والده (المتوفى) الاشتراكي. يتطوع، بصفته احد الأطباء المستشفى المقصوف، لانقاذ من تبقى من الأحياء سواء الجرحى منهم أو أولئك الفارين، مع بعض المتطوعين لعل أبرزهم هو الشخصية الثالثة في الفيلم علي الذي كان جنديا سابقا في جيش صدام يفقد عقله بعد تعرضه لاصابة في الرأس أثناء هجوم جوي.

يتمكن علي من العثور على أحلام ويساعدها على الوصول إلى المستشفى، لكنه يقتل حين يصل لأحد الشوارع التي تدور فيها مواجهات بين البعثيين الموالين لصدام (الفدائيين) وبعض من أبناء الشعب العراقي، تحت أعين الأميركان.

تظل أحلام طريقها مرة أخرى حتى تصل لسطح بناية مهجورة، لا يتمكن أي ممن يسعون للوصول إليها لإنقاذها، لنراها في المشهد الأخير وهي تحاول القفز من أعلى السطح بعد أن فقدت الأمل في الوصول إلى بر الأمان وعجزت حتى عن أن تحلم بعودة حبيبها وزوجها أحمد.

أحلام التي قفزت من سطح البناية، بعد أن فقدت عقلها، واغتصبت ثم ضربت، لم تزل ممسكة بعقد أهدته اياها والدة أحمد في يوم زواجها الذي لم يتم، في إشارة الى أمل العراقيين ببدء حياة جديدة.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s