عودة جميلة لويذرسبون وتألق يعوض إخفاق ناير في Vanity Fair

منصورة عبد الأمير

أسوأ ما يمكن أن يحدث للأفلام التي تبنى سيناريوهاتها على روايات شهيرة، هو أن يعلن صانعوها أسماء تلك الروايات. وهو أمر لا يمكن تجنبه طبعاً، إلا أن ما يحدث حينها هو أن النقاد ومحبو هذا النوع من الكلاسيكيات السينمائية يسارعون لالتهام تلك الروايات لقراءة ولعقد مقارنات تكون في غالبية الأحيان مجحفة بحق تلك الأفلام ومنتقصة من قدرات وإمكانات صانعيها.

من جانب آخر، قد تشكل عملية الاقتباس تلك ظلماً وتجنياً على بعض الروايات العظيمة، وذلك حين يخفق مقتبسوها في الإيفاء بحق الرواية وفي التمكن من نقل الوقائع المحورية فيها إلى الفيلم.

الأمثلة على كلتا الحالين كثيرة ولا حصر لها، ويمكن لمتابعي الأفلام سرد قوائم طويلة، كأمثلة على ما ظلم من تلك الأفلام أو ما ظلم (بضم الظاء) بسبب عملية الاقتباس. ولعل واحداً من أشهر تلك الأفلام، فيلم كاتبة السيناريو والمخرجة الهندية ميرا ناير Vanity Fair (2004) وهو فيلم لا يمكن للمشاهد اطلاق حكم سريع عليه، وخصوصاً لمن لا يتمكن من الحصول على نسخة من الرواية الأصلية التي اقتبست منها ناير فيلمها ذاك. الرواية التي تحمل اسم الفيلم نفسه ألفها الكاتب والروائي ويليام ميكبيس ثيكيري. وظهرت في منتصف القرن التاسع عشر، مطلع العام 1847 تحديداً، على صورة حلقات شهرية، استمرت طيلة عام كامل، وحققت لكاتبها شعبية كبيرة كما ضمنت له الحصول على موقع مهم بين ابرز الروائيين في تلك الفترة.

ميرا ناير قامت باقتباس رواية ثيكيري تلك، وهي التي قرأتها، كما تقول، حين كانت في 16 من عمرها. وناير لمن لا يعرفها هي مخرجة ومنتجة أفلام وكاتبة سيناريو ولدت في الهند، لكنها انتقلت الى أميركا لتبدأ حياتها ممثلة ثم مخرجة أفلام وثائقية حصلت عنها على عدد من الجوائز. بعدها قدمت عدداً من الأفلام الروائية التي أكسبتها جوائز وترشيحات كثيرة في أبرز المهرجانات العالمية.

هذه المرة لم تجازف ناير بالقيام بعملية الاقتباس، بل أوكلت المهمة لكاتبي سيناريو غير معروفين، هما: مارك سكيت وماثيو فولك. مبتدئين، إن صحت تسميتهما كذلك، اقتصرت انتاجاتهما على عملين أدبيين قاما بكتابتهما فقط، هما الى جانب الفيلم موضع الحديث، فيلم آخر لا أظن أن كثيرين سمعوا به هو فيلم Morlang (2004).

نعم جازفت ناير حين أوكلت مهمة الاقتباس تلك من رواية بعظمة Vanity Fair وبأهميتها في الأدب الأميركي، وهي التي جاءت في 800 صفحة، جاءت نتيجته فيلماً لا تتجاوز مدته الساعتين ونصف الساعة. طبعاً لا يمكن تقييم الفيلم بقياس مدته، ولست هنا بصدد الحكم على اقتباس الكاتبين، بل أترك الحكم للمشاهد ليرى إن كانت رواية ثيكيري ظلمتهما أم أنهما أساءا للرواية ولكاتبها؟ وهل كانت رواية تصعب على الاقتباس ولذلك فضلت ناير ايقاعهما في هذا المطب، أم أنها مهمة كبرى أوكلت خطأً لمبتدئين لا خبرة لهما؟!

تدور وقائع Vanity Fair في انجلترا خلال الربع الأول من القرن التاسع عشر. بطلتها بيكي شارب (ريس ويذرسبون) الابنة الوحيدة لأحد الرسامين الانجليز، الذي يعيش فقراً مدقعاً. ومنذ طفولة هذه الفتاة، التي تذوق مرارة اليتم منذ صغرها بفقد والدتها ثم موت والدها، تطمح بيكي إلى حياة أكثر سحراً وثراء. ولذلك تعمل بكل جهد واصرار لتتمكن من الوصول إلى أرقى الطبقات الاجتماعية في المجتمع الانجليزي، تأتي أولى ثمار جهدها حين تغادر المدرسة الداخلية التي قضت فيها سنوات طويلة طالبة و… خادمة، لتلتحق بالعمل مربية لدى أسرة ارستقراطية.

هناك توظف الفتاة كل إمكاناتها في الدهاء والمكر، كما تستفيد من جاذبيتها الشديدة وهي تشق طريقها نحو القمة (كما تراها هي).

ولا تكسب ود الأطفال واحترام والدهم الثري بيت كراولي (بوب هوسكينز) وحسب، بل إنها تتمكن من الوصول الى قلب شقيقته المفرطة الثراء العمة ماتيلد (ايلين اتكينز). ماتيلد التي تبدو مصدر ثراء اسرة شقيقها، تعجب ببيكي وتقرر اصطحابها للعمل في منزلها حيث تقيم في لندن.

لكن مجرد العمل لدى العمة ماتيلد لا يرضي طموح بيكي، فهي تعرف جيداً أن الطريق الوحيد الذي يمكنها من أن تصبح طرفاً مهماً في المجتمع الراقي هو أن تتزوج أحدهم. فعلاً تتمكن من أن توقع الأنيق راودون كراولي (جيمس بيرفوي) وريث العمة ماتيلد، الذي يهيم بها ويقرر الزواج منها في السر. لا نعرف إن كانت العمة ماتيلد والدته، أم عمته، بل يكتفي كتاب السيناريو بنقل ثورة الغضب التي تصاب بها ماتيلد حال علمها بالزواج السري، وهو ما يؤدي الى طرد بيكي من العمل في منزلها وحرمان راودون من نصيبه في أي تركة.

وعلى رغم أن الحب الذي جمع بيكي بروادون بدا أقوى من أي طوفان، فإن الحرب النابليونية التي تتسبب في إيقاعهما فريسة الفقر والحاجة تأخذ علاقتهما الى منحى آخر، إذ تنشط حينها نوازع بيكي القديمة وطموحاتها في الثراء والحياة الراقية وهي التي جمعتها براودون. وتبدو الفتاة في سعي أقوى من سابقه في محاولة الوصول الى ما تبقى من تلك الطبقات المجتمعية الراقية.

حينها يظهر الماركيز ستيني (غابرييل بيرني)، رجلاً ذا سلطة ومال، تجد فيه عزاءها، وتتمكن حين تستجيب لنزواته نحوها لأن تحقق كثيراً من أحلامها، ولأن تأخذ اسرتها الصغيرة، هي وراودون وابنهما إلى حياة أفضل.

ولأن طموحها وشرهها لا يعرفان أي حدود، يكلفها انسياقها ذاك وراء الماركيز ثمناً أغلى مما توقعته، تفقد فيه زوجها وابنها وكل المحيطين بها وأخيراً تفقد نفسها.

لا جديد في القصة فهي تشبه كل قصص الأفلام التاريخية أو ما يسمى Costume Drama ، ولعل ما سيشد المتفرجين لمتابعتها الأداء الرائع والمتمكن لبطلة الفيلم ريس ويذرسبون التي ذكرتنا في هذا الفيلم بأدائها الرائع في فيلم Elections (1999) الذي أكسبها الكثير من الجوائز والتكريمات كما كان كفيلا بإثبات موهبتها ويذرسبون قبل أعوام عدة.

لكن لعل ما أخفق فيه الكاتبان ولا أدري كيف وافقتهما المخرجة المغرمة بالقصة هو أنهما جعلا من ويذرسبون بطلة رواية لا أبطال لها، حسبما يشير اليه كاتب الرواية ثيكيري التي اختار لهم اسماً فرعياً هوA Novel with out a Hero . وليس ذلك فحسب بل إن المتفرج لم يتمكن من تقييم هذه الشخصية أو أخذ موقف سلبي منها، كما أنه تعاطف معها في بعض المواقف، على رغم أنها جاءت شخصية شريرة انتهازية قاسية القلب في رواية ثيكيري.

الفيلم عموماً لا بأس به، لا لشيء إلا لوجود الرائعة ريس ويذرسبون. فيلم يستحق المشاهدة على أي حال، ويمكن متابعته مساء الغد على قناة الأفلام بشبكة شوتايم

العدد 1363 – الأربعاء 31 مايو 2006م الموافق 03 جمادى الأولى 1427هـ

إذا عرف السبب… يبطل عجب «الجنة الآن»

منصورة عبد الأمير

حصد من الإشادات ما لم يتمكن سواه من أفلام بلاده من الحصول عليها، ولفت انظار النقاد «العالميين»، أو هكذا بدا، ثم تألق كما لم يتألق أي فيلم آخر يمثل قضية بلاده. إنه «الجنة الآن» الفيلم الفلسطيني الهولندي، المثير للجدل، لا بسبب ما يتطرق إليه من قضية وحسب، بل نظراً إلى تمكنه من الترشح لأوسكار أفضل الأفلام الأجنبية لهذا العام.

العجيب أنه لم يحدث قط أن انتبهت هوليوود بنقادها وصناع الأفلام فيها لفيلم يناقش قضية شرق أوسطية، على الأقل حين يأتي على يد سينمائية عربية. والأعجب أنه لولا الحملة الصهيونية التي قامت ضده إثر انتشار أنباء ترشحه للأوسكار لكان هو فعلاً من حصد الجائزة متغلبا على hcinuM. كيف يمكن ذلك، وما الذي يحدث، ولما يثير هذا الفيلم كل ذلك الجدل، والاهم هو كيف يمكن تفسير كل تلك المفارقات المحيطة به، إذ كيف يرشح للأوسكار ويرفضه اليهود، أليس الاثنان وجهين لعملة واحدة. ثم كيف ترفض دور السينما الاسرائيلية عرضه بحجة تعاطفه مع منفذي العمليات الاستشهادية من الفلسطينيين، في حين يوافق صندوق الأفلام الاسرائيلية على دعمه!

مساء الأربعاء الماضي، قام نادي البحرين للسينما بعرض الفيلم، وهو العرض الذي سارعت إليه بمجرد وصول نبأه إلى مسامعي علني أجد إجابة شافية لكل أسألتي المذكورة أعلاه. قاعة العرض امتلأت وأكاد اجزم بأنه الفضول، الفضول ذاته الذي يدفعني، هو ما دفع بالكثيرين للحضور في تلك الليلة. وحتى «تتم الحسبة» اصطحبت صديقتي الفلسطينية، التي أكدت لي قبل الدخول، أنها الآن ستكون على موعد مع ذكريات حلوة ومرة، خصوصاً لأن الفيلم مصور في مدينتها، نابلس، وانني يجب أن أستعد بكل ما أملك من مناديل الورق التي أحملها!

حمداً لله أن شيئاً من ذلك لم يحدث، بل إنني وجدت نفسي بعدها أحاول أطفاء ثورة صديقتي التي أشعلها الفيلم، ولكي لا تذهب الظنون بقارئي، فقد كانت ثورة غضب… لا حماس. غضب شاركتها اياه. بالنسبة لي كان احباطاً ترجم في صورة غضب، لكنه بالنسبة إليها كان غضباً حقيقياً، إذ صرخت بي قائلة إنه يسيء إلينا، إنه يشوه صورتنا، كيف يمكن له أن يفعل ذلك، أمن أجل مراضاة اليهود وتطييب خواطرهم، أم لكي يغازل هوليوود، وربما المؤسسة الهولندية التي انتجت فيلمه أو تلك الاسرائيلية التي دعمته.

كانت صديقتي على حق، فهاني أبوأسعد، الفلسطيني الأصل، الهولندي الجنسية، يحاول أن يقدم تفسيراً أو تصورا لنفسية الاستشهاديين، وفي الوقت ذاته يحاول أن ينقل للغرب صورة مغلوطة علها تطيب خواطر الاسرائيليين المكسورة وكل من يجد فيهم ضحايا «الارهاب الفلسطيني».

عبر «الجنة الآن» يتتبع أبوأسعد الساعات الـ 48 في حياة شابين فلسطينيين تم اختيارهما «طوعا» لتنفيذ عملية استشهادية في تل أبيب. الشابان لم يعارضا العملية كما لم يبدُ عليهما أي حماس للقيام بها، لكنها الأوامر التي يجب أن تطاع. وقبل كل شيء فإن الرغبة في الموت والخلاص من حياة الحرمان التي يعيشها الاثنان في مخيمات نابلس هي ما دفعتهما لقبول الموت بهذه الطريقة البشعة.

نعيش مع الاثنين كل تفاصيل الساعات الأخيرة في حياتيهما لنقف على كل الضغوط التي يتعرض لها الشاب الفلسطيني بدءاً من حياة المخيم البائسة وظروف المعيشة القاسية فيها، وصولاً لضغوط اجتماعية وسياسية أخرى، كقسوة الفلسطينيين أنفسهم في التعامل مع بعضهم بعضاً وفي تفهم ظروف بعضهم الآخر. الفلسطيني لم يكن ضحية بالمعنى الدقيق في فيلم أبوأسعد، كان جانياً أيضا، فأحد الشابين اختار الموت «مفجراً نفسه» وأصر على تلك الميتة على رغم كل المعوقات، ليزيل عن نفسه عار كونه ابن أحد المتعاونين مع الاسرائيليين. الظريف في الأمر، وليست هي ظرافة محببة بل لعلها سوداء كالحة، أن أبوأسعد لم يتعرض للوحشية الاسرائيلية الحقة، إذ لم نر آثارا لها. كل ما شاهدناه هو جنود يقفون عند المعابر ونقاط التفتيش، ومدنيون عزل لا يكترثون حين يرغب أحد الشابين مشاركتهم حافلة للركاب، ومن بينهم طفلة جميلة تستقل الحافلة مع والدتها. الاسرائيليون لا يرفضون وجود الشاب وزميله، هم ينظرون بعين الحيطة والحذر فقط، لكنهم لا يمانعون أن يستقل أحد الشابين حافلة تنقل جنوداً، ليسوا في حال معركة، ولا يوجهون بنادقهم للشاب، لكنه على رغم ذلك يشد الحزام الناسف ويفجر نفسه بالآخرين.

هكذا هو الحال اذاً وهذا هو واقع « الجنة الآن» الذي جعل فيه أبو اسعد أبناء شعبه اشباه جناة أو ضحايا مذنبين.

وهذا فقط هو السبب الذي إذا عرف بطل عجب الإثارة المفتعلة حول الفيلم

العدد 1342 – الأربعاء 10 مايو 2006م الموافق 11 ربيع الثاني 1427هـ