الطريق إلى غوانتنامو» … صرخة لا شرقية ولا غربية

منصورة عبد الأمير

كم من الجرائم والانتهاكات ارتكبتها أميركا ضد الإنسانية، رافعة شعارات الديمقراطية والحفاظ على حقوق الإنسان. وفي مقابل ذلك، كم هو عدد المحاولات الغبية التي قامت بها الإدارة الأميركية لتحسين صورتها أمام العالم. من جانب آخر، كم هو عدد المحاولات الإعلامية، والسينمائية تحديداً، لفضح هذا الإجرام الأميركي ولنقل صورة حقيقية للنوايا الإجرامية التي تحملها الحكومة الأميركية تجاه شعوب العالم. لماذا لم تحاول أية جهة قط تقديم صورة حقيقية لتلك الجرائم، ولماذا ظلت الصورة المسيطرة على أذهاننا جميعا، والفضل لأفلام هوليوود، هي صورة مثالية مشرفة للمواطن الأميركي، وللجندي الأميركي وللنظام الذي يعمل لخدمته.

وفي الوقت ذاته لماذا تعمل أميركا عبر جهازها الإعلامي ذاك على تشويه صورة كل ما هو ليس بأميركي. لماذا تسخر وتستهزئ من قيم وأحلام كل الشعوب. لماذا نكون نحن العرب المسلمين، أكبر ضحايا استنزافها لخيرات العالم، على رأس القائمة لنوصم بالإرهابيين المتعطشين للدماء، قتلة الأطفال، وليصبح غالبيتنا خاطفي طائرات أو تفجيريين انتحاريين. الآن، وعلى رغم جهودها لعقود عدة، تنقلب الصورة ويحدث ما لم يكن متوقعاً ليكون ناتج كل تلك الجهود هو أن تصبح صورة أميركا مشوهة لدى كل شعوب العالم التي أساءت لها. وتظل جرائمها الحية الواقعية بعيدة عن أية شاشة سينمائية أكبر شاهد ودليل على إرهابها ووحشيتها ولعدم اعترافها بكل ما تتشدق به من احترام لحقوق البشر. تأتيها الضربة بشكل لم تتوقعه، تتمثل في صورة أفلام لا شرقية ولا غربية، يطلقها كل محبو الإنسانية من جميع أرجاء العالم لا مكترثين لمواقف حكوماتهم المناصرة للظلم والوحشية الأميركية. تأتي هذه الأفلام لتقدم صورة أخرى للجندي الأميركي ولنظام بلاده، صورة لم نعهدها من قبل على الشاشات، ولعل أبرز مثال على ذلك الفيلم التركي الذي عرضته شركة البحرين للسينما أخيراً «وادي الذئاب في العراق». الآن يأتي فيلم آخر، ينطلق من أكبر دولة حليفة لسياسات أميركا الاجرامية، من بريطانيا وعلى يد مخرج بريطاني هو مايكل وينتربوتوم. هو فيلم «الطريق الى غوانتنامو» الذي لا يشكل فيلماً تمتزج فيه الدراما بالتوثيق لقصة حقيقية كان أبطالها ثلاثة بريطانيين من أصول مسلمة، لكنه يعد صرخة في وجه الإرهاب الأميركي، تخبرهم أن الغضب قادم لا من الشرق وبحسب بل من كل محبي الخير والسلام لكل شعوب العالم.

يتتبع الفيلم رحلة ثلاثة شباب مسلمين يحملون الجنسية البريطانية، وهم معروفون الآن باسم التيبتون الثلاثة، نسبة إلى مكان سكنهم في بريطانيا. تبدأ وقائع قصتهم في العام حين يسافرون لحضور زواج أحدهم في بلده الأم باكستان. هناك يقررون السفر الى أفغانستان للمساعدة في عمليات الإغاثة لكن قرارهم الذي لم يبدو صائبا يوقعهم في يد قوات حلف شمال الاطلسي، ليتم احتجازهم في احد مخيمات الجنود الأميركان ومن هناك يتم ترحيلهم الى غوانتنامو. هناك يظل الثلاثة محتجزين لمدة عامين حتى تظهر أخيرا أدلة تبرئهم من تهمة المشاركة في مسيرة قادها أسامة بن لادن.

أبطال القصة الحقيقيون شفيق رسول، وعاصف اقبال، وراهول أحمد يظهرون في الفيلم ليتحدثون عن تجربتهم المرة والقاسية، لتدمج أحاديثهم المؤلمة تلك مع مشاهد تمثيلية لبعض أجزاء محنتهم تلك على يد الجنود الأميركان.

يطلعنا الشباب الثلاثة عبر سردهم ذاك على حقائق بشعة عن سجن غوانتنامو، لنشهد كيف يحتجز المساجين مقيدين بالسلاسل في أقفاص لا تقيهم من حر ولا برد، وكيف تمارس ضدهم عمليات تعذيب وحشية يتفنن الجنود الأميركان في تطبيقها عليهم.

لا حاجة لتفصيل مشاهد الفيلم، فهو يمتلئ بكثير كثير من الألم، ومشاهد الوحشية الأميركية المروعة. مشاهد تجعلنا نتساءل جميعا كيف يمكن أن نغفر لأميركا خطاياها، وكيف يمكن لأي أميركي لا يتبرأ من أفعال حكومته أن ينتظر احتراما ومحبة من شعوب العالم.

لكن الجميل في كل تلك المعادلة السينمائية أننا ولأول مرة شاهدنا جنديا أميركيا، في حذاء الشرير!! كان شعورا جميلاً، وكان انصافا أن يتم تبادل المقاعد بين كل شعوب العالم وبين الأميركان، ليغادر المشاهدون الصالات وهم يلعنون كل ما يمت لأميركا بصلة وليتعاطفوا مع ضحايا من نوع آخر. ألا يعد ذلك نصرا إنسانيا ضد الوحشية الأميركية، حتى وإن زعمت الصحافة الأميركية أن قصص التبتون الثلاثة لا تحمل أي دليل كاف يثبتها. ألا يستحق عمل وينتربوتوم الاحتفاء به وهم الذين تمكنوا من أن يصلوا بقصة معاناتهم الى قلب أميركا حين عرض فيلمهم في من الشهر الماضي بمهرجان تربيكا السنوي للأفلام وهو واحد من أشهر مهرجانات الأفلام في أميركا. وليس ذلك فحسب بل إن الثلاثة حصلوا على حكم من محكمة أميركية لرفع دعوى ضد وزير الخارجية الأميركي دونالد رامسفيلد وعشرين من قادته العسكريين، لما تعرضوا له من معاملة سيئة واضطهاد ديني على أيديهم.

كذلك سيتمكن المشاهدون الأميركان من الاطلاع على الفيلم الذي حصل جائزة الدب الفضي من مهرجان برلين السينمائي، إذ سيتم عرضه في القارة الأميركية في الشهر الجاري، وحينها يفترض أن يثير الفيلم لديهم ضجة مشابهة لتلك التي أثارها في جميع أرجاء العالم.

حينها أيضا ستختبر إنسانية الأميركي، لنرى إن كانت أفلام هوليوود صادقة، أم مجرد قصص خيالية؟. هل سيكون رد فعل الأميركيين مشابها لرد فعل المشاهدين الأوربيين، على أقل تقدير، الذين كتب أحدهم في موقع الفيلم الالكتروني «لم أتمكن من النوم لمدة ساعة بعد أن شاهدت الفيلم، وكمشاهد غربي أشعر بصدمة بسبب التقارير الإخبارية الغربية المنحازة إلى أميركا». بينما كتب مشاهد بريطاني «أشعر بالخزي لكوني بريطاني فحكومتنا لم تفعل شيئا لإطلاق سراح مواطنينا من سجون الجيش الأميركي الفاشية». وأخيراً يوجه خطابه الحاد للأميركيين، ونرفع أصواتنا معه قائلين «احنوا رؤوسكم خجلاً يا من انتخبتم بوش واعدتم انتخابه رئيسا لدولتكم»

العدد 1384 – الأربعاء 21 يونيو 2006م الموافق 24 جمادى الأولى 1427هـ

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s