«حاحا وتفاحة»: إساءة فنية… وإيحاءات مبتذلة

منصورة عبد الأمير

أسوأ ما يمكن أن يفعله أي فنان بنفسه هو أن يضيف لسجله الفني أعمالاً تصبح بمثابة نقاطاً سوداء في تاريخه ذاك؟ طبعاً لا يمكن له، بأي حال من الأحوال، وبعد أن يرتكب تلك الأخطاء أو الزلات أو النزوات الفنية التي مارسها عبر فيلم سينمائي هنا أو عمل درامي أو مسرحي هناك، أن يعود الى الوراء ليمحوها من سجله الفني.

لنأخذ ياسمين عبدالعزيز مثالاً، وهي التي يمكن مشاهدتها في آخر أعمالها «حاحا وتفاحة» حاليا في جميع دور السينما في البحرين. هذه الفنانة الجميلة، بفضل موهبتها الفطرية واجتهادها الشخصي واصرارها على النجاح، جاءت نقلتها طبيعية قبل سنوات كثيرة. قفزت من عالم الاعلانات، حيث تألقت، للدراما التلفزيونية، إذ برز نجمها فيها بوقوفها أمام سيدة الشاشة العربية في «وجه القمر» في أول ظهور لها. من هناك لم تجد ياسمين أية صعوبة في الانتقال للشاشة الفضية، مرة أخرى لتثير اعجاب النقاد والجمهور على حد سواء، كيف لا وهي تمتلك مثل تلك الموهبة التمثيلية الفذة التي ميزتها بين بنات جيلها. منذ بداياتها السينمائية تنبأ كثيرون سطوع نجمها وباحرازها مكانة بارزة وبتمكنها من اضافة اسمها لقائمة اكبر نجوم مصر والعالم العربي. لم تصدق تلك التنبؤات ولم تستطع ياسمين ذلك وتفوقت عليها عديدات لعل أشهرهن منة شلبي التي ظهرت بعدها بسنوات لكنها الآن تسبقها نجومية وتألقا وتمكنا. ياسمين التي تألقت منذو أول ظهور سينمائي لها مع «رشة جريئة». وهو فيلم على رغم كل ما يقال عنه، إلا أنه أعلن ولادة ياسمين السينمائية، وقدم وجها مميزاً للسينما المصرية. إلا أنها وبكل أسف لم تحسن منذو البداية اختياراتها السينمائية ووجدناها تعود بين الفينة والأخرى بأعمال لم تفعل سوى ان تلطخ سيرتها الفنية ببعض النقاط السوداء أو حتى الرمادية. قائمة تلك الأعمال السيئة تتزايد يوما بعد يوم، فالممثلة الشابة تبدو وكأنها في حاجة لمن يأخذ بيدها ويعمل على تحسين ذوقها واختياراتها، ويرسم لها أهداف ومرام بعيدة وقريبة المدى.

لسنا هنا بصدد مناقشة إخفاقاتها تلك أو لنطلق عليها تعثراتها الفنية، لكن عملها الأخير جاء ليلخص كل تلك الإخفاقات ولتجمع فيه ياسمين كل أخطائها وزلاتها ولتثبت عبره جنايتها الكبرى بحق نفسها كفنانة مميزة.

«حاحا وتفاحة» هو اسم عملها، هي تفاحة، شقيقة حاحا الذي يقوم بدوره طلعت زكريا، وهما مختلفان منذ البداية على شقة تركها لهما والدهما. لا تريد هي ان تترك الشقة كي لا يتفرد بها حاحا، وهو يريد الخلاص منها وتزويجها لأي طارق مقتدر. هو نوبتشي أفراح شعبية، يرافق الراقصة، وهي هنا مروى اللبنانية، ويطرب الأفراح بأغانية الشعبية التافهة التي لا تحمل قيمة ولا معنى ولا لحنا ولا أثارة ولا يمكن أن توصف إلا بكونها أحد أوجه تردي الذوق العربي.

أما تفاحة فهي ممرضة تعمل في عيادة طبيب يراودها عن نفسها، لكنها بنت بلد … صبيانية في تصرفاتها ، خشنة، تستعرض عضلاتها بمناسبة أو بدون، وتثبت سوقيتها وكونها «بيئة» كما هو المصطلح المصري الدارج، في محاولاتها الدائمة للمحافظة على نفسها أو انتزاع حقها من أخيها، أو «تطفيش» العرسان الذين يحضرهم شقيقها.

تقع في حب بائع اسطوانات الغاز، هو فوزي، ويقوم بدوره هنا ريكو في ثاني تجربة سينمائية له بعد «صايع بحر». يرفض حاحا زواج اخته من هذا الشاب الفقير، ويفضل عليه رجلا مقتدرا له أربع من الزوجات، طلق احداهن ليترك شاغرا لتفاحة. طبعاً لا يتمكن حاحا من تزويج تفاحة وتحدث بينهما الكثير من المشاحنات، التي تنتهي عادة بالتشابك بالأيدي، وشد الرؤوس وما إلى ذلك. تفاصيل الفيلم كثيرة وبه حشو مبالغ من التفاصيل التي لا معنى لها ولا علاقة لها بالسياق الدرامي، وعلى ما يبدو فإن كاتبه بلال فضل لم يكن يعرف ما يضمن فيلمه ذاك وما لا يضمنه. هل يجعله فيلما تافها لا قيمة له سوى اضحاك المشاهد بقفشات… مبتذلة، أم أن يضمنه الكثير من الانتقادات الفنية لأعمال مختلف المطربين والمطربات، أو أن يستخدمه كاساءة واضحة لتراث بلاده الفني، كما فعل مع أغنية جبار لعبد الحليم حافظ .

احتار فضل ولم يعرف ما يفعل فقرر ان يجعل من عمله «سلطة» غير متجانسة، لا طعم لها ولا لون ولا رائحة ولا «مزية» فيها، فجاء نصه هشا، وأصبح عمله تافها لا يخدم هدفا ولا يحمل أية رسالة.

أساء لممثليه وعلى رأسهم ياسمين، وطلعت زكريا الذي صعق الجميع حين أعلن رؤيته السينمائية «الفذة» في احد البرامج الحوارية، فدافع عن تفاهة فيلمه هذا، مبررا ذلك بأن السينما لا تخدم أي هدف سوى أن تحقق أرباحا تجارية وتسلي الجمهور.

ولعل زكريا أغفل أنه هو وياسمين وكاتب نص الفيلم وجميع العاملين فيه، أساءوا للذوق العربي وقدموا وجبة عسرة الهضم ثقيلة الظل، غبية التطلعات وبعد كل شيء طعموها بابتذال مروى عبر تموجات جسدها «الفجة» وكلمات اغانيها ذات الايحاءات الجنسية الرخيصة.

عمل تافه لا يستحق المشاهدة وخسارة فيه ثمن التذكرة، بل وحتى قيمة البترول وجهد السير إلى قاعة العرض

العدد 1412 – الأربعاء 19 يوليو 2006م الموافق 22 جمادى الآخرة 1427هـ

الروتين الزوجي وأزمة منصف العمر…

منصورة عبد الأمير

ما الذي يجلب السعادة للحياة الزوجية، أهو الحب بين طرفيها، أم النجاح في تنشئة أبناء صالحين وناجحين في حياتهم، أم أنه التمكن من عيش حياة مستقرة وهادئة. ثم لماذا يقال دائماً إن الروتين هو ما يقتل الحياة الزوجية، وما هو الروتين أصلاً، أهو الاعتياد على الأمور، وهي هنا شريك الحياة، أو امرأة، والأسرة والأبناء ومشكلاتهم و… «وجع رأسهم»، ثم دخرجلاًول دوامة الملل والسأم منهم، أم إنه اللا تجديد الذي يؤدي إلى موت شباب وزهوة العلاقة، أي علاقة أسرية، زوجية أو أبوية.

السعادة الزوجية، والروتين الذي يقتلها، وابتكار طرق لمحاربة هذا العدو الذي يتربص بكل تفاصيلها، هي أهم المحاور التي بنى عليها المخرج بيتر تشيلسوم الفيلم الذي قدمه العام ecnaD ew llah وتعرضه شبكة «شوتايم» على قناة الأفلام مساء كل ثلثاء من الشهر الجاري. تشيلسوم بالمناسبة كان قد قدم فيلما حقق نجاحا مشابها في العام هو الفيلم الرومانسي الكوميدي الرائع ytipidnereS الذي حصل على استحسان المشاهدين حال عرضه وحقق أرباحا لا بأس بها.

في فيلمه الجديد يستعرض تشيلسوم أحد سبل القضاء على الروتين الزوجي عبر قصة المحامي جون كلارك (ريتشادر غير) الذي يعلم تماما أنه يعيش حياة كاملة تقريباً، فهو يحب زوجته الجميلة (تقوم بدورها الرائعة سوزان ساراندون)، كما إنه تمكن من أن ينجح في عمله وأن ينشئ ابنين رائعين وناجحين في حياتهما.

على رغم كل ذلك يعاني كلارك من الروتين ومن الحياة التي لا إثارة فيها والتي يعيشها بين مكتب المحاماة الذي يعمل فيه لساعات طويلة، وبين منزله الذي يقضي فيه ما تبقى من ساعات اليوم. هذا العمل الذي يأخذه من كل شيء ويمنعه حتى من التفكير في نفسه وفي أسرته، يكاد يقضي على كل حيوية بداخله، كما يجعله غير قادر على أن يجيب على سؤال زوجته، في أحد مشاهد الفيلم، عما إذا كان كل شيء بخير، فيرد عليها بكل ثقة مؤكدا ان كل شيء على ما يرام، بينما تنبئ تعابير وجهه بأمر آخر. منذ البداية يشعر المتفرج أن هناك ما هو مفقود في حياة كلارك، ليس الحب طبعاً ولا النجاح ولا أي شيء آخر، بل السعادة والتوقد والحماس.

تتغير الأحوال، وتنقلب حياة كلارك رأسا على عقب، حين يقرر فجأة الالتحاق بإحدى مدارس الرقص. يفعل حينها ما لم يكن متوقعاً من شخص مثله، وما لم يخطر على بال أي أحد، لا لشيء إلا لأنه أراد الاطلاع على السر الذي يتسبب في تعاسة فتاة تطل من شباك المدرسة يوميا.

فضول كلارك هو ما يأخذه إذاً، فهناك ما يثيره في عزلة هذه الفتاة ووحدتها واستغراقها الشديد والدائم في التفكير، ومن الواضح أيضاً أن هناك ما يشده إلى… جسدها الممشوق. هكذا يجد نفسه فجأة في داخل مدرسة تعلم الرقص، واقفاً عند مكتب التسجيل، بل ومطلوب منه الاستعداد لبدء أول دروسه خلال دقائق.

هل هو مهتم بالرقص حقا؟ طبعاً لا… هل يحمل اهتمام وانجذاب لتلك المرأة، باولينا، التي تلعب دورها جنيفر لوبيز، ويدفعه فضول لمعرفة ما يسبب كآبتها؟ نعم… لكن السؤال هل تبادله هي الاهتمام؟ كلا وقد ردت عليه صراحة حين قالت في أحد المشاهد، رداً على دعوة منه للعشاء، «لا أحب أن أصادق الطلبة».

بداية يبقي كلارك الأمر سراً عن أي أحد، ربما لرغبته الأولى في مغازلة باولينا والتقرب إليها، خصوصاً أنها تشكل عامل الإبهار الأول لكثيرين ممن ينضمون لدروس الرقص تلك، وهذا ما أكدته زميلتها في المدرسة بوبي (ليزا آن والتر) حين يمتنع كلارك عن الاجابة عن سؤالها بشأن ما دفعه للالتحاق بفصول الرقص. فتفاجئه مباشرة بمعرفتها للسبب الذي يدفع كثيرين مثله للالتحاق بالمدرسة فقط من أجل عيون الأميرة وهي تقصد هنا باولينا.

تزيد حدة انبهار كلارك بباولينا ويشتد انجذابه اليها حين تقوم هي نفسها بتعليمه الرقص، وحين تشاركه رقصة تانغو تطلق فيها العنان لنفسها ولمشاعرها وأحاسيسها المرهفة، وهي التي تنكرها عادة في حياتها ومع الجميع.

مهما يكن من أمر، فإن العلاقة التي تربطهما لا تبدو كأنها تشكل أهمية كبرى للمتفرج، المهم هو الناتج الذي يخرج به كلارك، والآثار التي تعود على حياته من وراء دروس الرقص تلك، وخصوصاً أن المخرج يسعدنا حين يغير مجرى الأحداث، ويفعل ما هو غير متوقع من كثير من الأفلام التقليدية، فلا نجد أنفسنا فجأة وسط علاقة عاطفية سرية غامرة بين رجل يمر بأزمة منتصف العمر يقتله الروتين فيقرر اللجوء لحضن فتاة تحتاج لمن يضمد جروحها بعد أن هجرها الحبيب وبعد أن فقدت مجدها وهي التي كانت بطلة رقص عالمية.

هكذا وعند نقطة ما، لا تبدو لعلاقة البطلين أي أهمية فباولينا غير مهتمة بكلارك، وحب كلارك لزوجته أقوى من أي طوفان آخر سواء أكان طوفان باولينا أم طوفان الروتين.

ما يحدث هو أنه على رغم كل انبهار كلارك بباولينا، فإنه يجد نفسه بعد فترة وقد دخل عالماً جديداً، عالم من الحركة، والموسيقى، والرفقة الطيبة، والعواطف الجياشة. عالماً يخلق منه شخصا مختلفا، خفيف الحركة، متقد الحماسة، كما تتغير حياته عموماً، والأهم من ذلك كله، فإن عالمه الجديد يشكل حياته الزوجية من جديد، ويعيد الحرارة والحماس والتوقد للجانب العاطفي الذاوي فيها

العدد 1398 – الأربعاء 05 يوليو 2006م الموافق 08 جمادى الآخرة 1427هـ