جميعهم رحلوا ولم يبق سوى هذا الرجل … الكاتب والروائي الأميركي كورماك مكارثي يزعج الأموات بجديده

منصورة عبدالأمير 

يؤمن أن «الموت هو القضية الأكثر أهمية وخطورة في العالم»، ويكاد يجزم أن أولئك الذين لا يتناولوها بشكل أو بآخر في كتبهم ليسوا كتابا حقيقيين». الكاتب والروائي الأميركي كورماك مكارثي يزعج الأموات بجديده.

لذلك، وحتى يكون ماكارثي كاتبا حقيقياً، يخصص آخر رواياته THE ROAD ، ليناقش فيها الموت بشكل مطلق، عبر قصة يتحدث فيها عن انتهاء الحضارة البشرية على كوكب الأرض. يرسم ببراعة صورة قاتمة لما سيبدو عليه الكوكب الأرضي آنذاك.

ولا يقتصر الفناء الذي يتحدث عنه مكارثي على البشر والمخلوقات الأخرى من حيوانات ونباتات وطيور وأسماك وغيرها، بل تفنى كل المعاني والأسماء، بل وحتى الألوان، إذ لا يظل سوى لون الدم والنار، اللونان اللذان يظلان قابعين في ذاكرة وأحلام كل الأحياء، هو يجيد/ يقع كما يبدو في فضائل استثناء العدم، عبر إبقائه شيئاً من البقاء على حالة العدم نفسها، لا يكتمل الإنسان مهما اكتمل، لا يكتمل النص مهما اكتمل. وذلك الإبقاء على الشيء من اللاشيء، هو ما يبقي مكارثي قابلاً للنقد. إنه صناعة «الفزاعة»، والانقياد إليها في وقت واحد.

والى جانب ذلك يظلل اللون الرمادي كل ما عدا ذلك، فالنار والعواصف النارية قضتا على كل الغابات والمدن، ولم يتبق سوى رماد وسخام سقط من الجو ليصبغ كل ما يلامسه بصبغة رمادية قاتمة تبعث على كثير من الأسى لتلك النهاية المدمرة.

مياه الأنهار نفسها تحولت إلى مياه داكنة سوداء حين علاها ذلك السخام القاتل، أما البحار فلم تعد أمواجها تحمل أي ألق وجمال سوى بقايا عظام الأسماك وأعشاب ميتة. الغابات امتلأت ببقايا زهور الأوركيد البرية والزنبق، المنحوتين بالنار، التي تحولت جميعها إلى تماثيل رمادية، تنتظر رياح غاشمة تعصف بها وتذروها ثم تحولها الى غبار يفسد هو الآخر ما تبقى من أي رمق للحياة. هذه الغابات التي لا تنطفئ حرائقها إلا لتشتعل في مكان آخر، إما بسبب البرق، أو بسبب حريق غابة أخرى امتد وانتشر في الأرجاء.

ومن الألوان القاتمة الى حرارة شديدة تذيب مباني المدينة، وتفتت زجاج نوافذها، لتظل بقاياها جامدة على الجدران. أما السيارات فتنتظم في صفوف طويلة، متفحمة يملئها الصدأ، مشكلة رواسب رمادية صلبة تبدو كمطاط ذائب.

أما جثث الرجال فقد تحولت الى رماد، كما انكمشت لتتحول الى جثث أطفال، مسندة على حديد مقاعد السيارات المكشوف، بينما تظهر قلوبهم مسحوقة وقد خنقت فيها آلاف الأحلام.

مشاهد الموت المفزعة تلك بدأت منذ ما بدا كعقد كامل من السنوات، لكنه في واقع الأمر بدأ صبيحة اليوم الذي تجري فيه حوادث القصة، عند الواحدة و17 دقيقة على وجه التحديد. لم يحدد مكارثي اليوم ولا الشهر ولا السنة، لكن كل شيء بدأ عند ما انشقت السماء بخط طويل من البرق ثم بسلسلة من الارتجاجات.

لم يكن هناك كثير من البشر حينها، كان هناك الناجون من الحروب البربرية فقط، يرتادون الشوارع وهم يضعون أقنعة تحميهم من سحابة السخام التي تظلل الأجواء باستمرار. تطاردهم مخاطر طقوس دينية دموية تنتشر هنا أو هناك، أو أكلة لحوم بشر تزايدت أعدادهم بعد نفاد الطعام.

القصة تروى من خلال رحلة أخيرة يقوم بها آخر الناجين، رجل في نهاية اربعيناته وابنه الذي لم يتجاوز العاشرة. كلاهما لا نعرف اسمه، يقطعان طريقا مهجورة. قد يكون الوقت خريفا، لكن السخام يحجب اشعة الشمس، ربما في كل مكان في العالم، والثلج يتساقط من السماء، شديد البرودة، يزداد برودة شيئا فشيئا. لا يبدو وكأن الاثنين سينجوان لشتاء آخر، لكنهما يتجهان الى ساحل الخليج طلبا لبعض الدفئ. يعترضهما جبل لا نعرف اسمه، ربما يكون أحد جبال الحدود الفاصلة بين تينسي وجورجيا.

بسماعه صوت والده، يتمكن الفتى من إدراك وقت النهاية، وهو الذي لا يحمل في ذاكرته أي صور جميلة لهذا العالم، إذ ولد بعد أن انشقت السماء. عبثا حاول الأب إعطاءه دروسا عن ذلك العالم لكنه توقف بعدها «لأنه لم يتمكن من أن يضرم في قلب صغيره ما أصبح رمادا في قلبه» .

والدة الفتى فضلت الانتحار على مواجهة الجوع والاغتصاب وأكل لحمها هي وأفراد اسرتها، كما انها سخرت من زوجها لرغبته في ان يواصل حياته. لكنه رجل يحمل مهمة كلفه بها الله، لا يمكنه أن يموت، وقد أخبر ابنه بذلك وهو يطلق النار على أحد قطاع الطرق الذي حاول قتل ابنه، في أول اتصال مع بشر.

وعند ما كان يغسل بقايا دماغ قاطع الطريق التي تطايرت على شعر ابنه، كان يناجي نفسه قائلاً «كل هذا يبدو كوصفة علاج قديمة، فليكن ذلك. استحضر الأشكال، وما دمت لا تفعل شيئا قم بتشكيل طقوس من الفراغ، وتنفس الصعداء بعدها». ثم ربت على شعر الصغير وواصل مناجاته «كأس ذهبية، ستكون جيدة لإيواء إله»

لم يذكر مكارثي متى وكيف دخل الإله حياة هذا الرجل وابنه، كما لم يذكر شيئا عن كيف ولماذا تم اختيارهم للبقاء على قيد الحياة. لكن يصورهما، واضعا ذلك على لسان الأب، بأنهما «حيواني صيد يرتجفان مثل ثعلبين مختبئين في جحريهما، يعيشان زمناً مستعار، وعالما مستعار، ينظران اليه من خلال عينين مستعارتين» لكن يضيف أن هذا الرجل «متطرف في حماسه، يدفع نفسه والفتى الى حافة الموت ليصل الى وجهتهما المقصودة غير المحددة، وهما يحملان اصرارا يتجاوز ارادتهما في سعي غريزي، بدائي، ومربك بالنسبة له».

أفضل وصف لقصة مكارثي هو كونها قصة انجيلية، تشير الى أن نهاية الكون حدثت بسبب التعصب الديني. حرب جعلت العالم يعيش شتاءا نوويا، ويدخل حربا مقدسة قتلت كل رجال الدين وجميع المتحدثين باسم الله … جميعهم رحلوا ولم يبق سوى هذا الرجل

العدد 1511 – الخميس 26 أكتوبر 2006م الموافق 03 شوال 1427هـ

الغاية تبرر الوسيلة في فيلم لايمُل

منصورة عبدالأمير 

رجل يوشك عالمه أن ينتهي، قاتل مأجور أفقده الافراط في الشراب كل شيء بدءاً من عمله وصولاً للرغبة في الحياة. وفتاة في مقتبل عمرها، هي على رغم كل حبها للحياة حزينة، وحيدة، يتهددها خطر الموت عند كل منعطف وفي كل زاوية. يجمعهما اصرار صديقه على أن يجد لنفسه عملاً، ورغبة والديها في حماية الفتاة من خطر الاختطاف وربما الموت في بلد يشهد حادثة اختطاف واحدة كل 60 دقيقة، يفقد 70 في المئة من ضحاياها حياتهم ثمناً لها.

هو جون كريسي، عميل المخابرات السابق المكلف بعمليات الاغتيال، الذي يجسده الرائع دينزل واشنطن في واحد من أجمل أدواره، يكلف بمهمة حراسة فتاة صغيرة تعيش في أميركا اللاتينية وفي العاصمة المكسيكية تحديداً، واحدة من أشد المدن خطورة. وهي بيتا راموس، الابنة الوحيدة والمدللة لرجل الأعمال المكسيكي الثري صاموئيل راموس وزوجته الأميركية ليزا، تجسد دورها الصغيرة داكوتا فانينغ قبل العامين وحين لم يكن عمرها يتجاوز العاشرة. وفانينغ هنا لا تقدم واحداً من أجمل أدوارها، بل إنه الأجمل على الاطلاق وسط أعمالها التي لا يتجاوز عددها 16 دوراً تنوعت بين ظهورعلى الشاشة أو أداء صوتي.

منذ بداية الفيلم، ومع أول لقطاته، يجعلنا المخرج في حال ترقب وخوف مما سيحدث، ويشعرنا بالخطر المحدق بالصغيرة بل ويحملنا مسئولية الحفاظ عليها من أي خطر قد يهدد براءتها، ربما لنتفهم لاحقاً رد فعل بطله حيال ما سوف يحدث لها. حال الترقب تلك نجح المخرج في صنعها عبر مشهد افتتاحي حبس معه أنفاس المشاهدين، قدم فيه نموذجا لاحدى عمليات الاختطاف في وضح النهار وأمام أعين الجميع وهي التي تتم على مدار الساعة في تلك المدينة اللامبالية التي لا تكترث لصراخ ضحايا العنف فيها والتي تختلط فيها الأمور ويعيث فيها اللصوص والقتلة الفساد من دون حسيب أو رقيب.

هكذا وفي وسط شارع مكتظ، وعند منتصف النهار، يتم اختطاف شاب يافع ويشد عنوة من ايدي من بدت حبيبته. تصرخ الفتاة بأعلى صوتها من دون أن يكترث لها أي من المارة الذين تكتظ بهم ساحة بدت وكأنها في وسط البلد وفي أكثر المناطق أهمية وازدحاماً. بعدها ننتقل لمكالمة يتلقاها كهل على هاتفه النقال، ثم مشهد لأذن تقطع، وترسل الى ام مفجوعة وأب مكلوم، لا يملكان خياراً سوى الاذعان لمطالب الخاطفين، وتقديم فدية تدفع بطريقة بدت مثل كود لعصابة على درجة عالية من الدقة والتنظيم، وأخيراً الشاب الوسيم نفسه ملقى في وسط الشارع، معصوب العينين مقيد اليدين، يصرخ بالمارة وبسائقي السيارات المسرعة لكنه يحاول عبثاً.

لقطات سريعة، مقطعة، خاطفة وتقنية يمزج فيها المخرج بين الايقاع البطيء والسريع. كاميرا تهاجم أهدافها تماما كما يفعل الخاطفون، وموسيقى لاهثة مترقبة تمزج أنفاس الضحية الخائفة بلهاث خاطفيها المسعورين، وإضاءة يتم التحكم فيها بحرفية عالية تنقل كل مشاعر الخوف والهلع، ثم صور مشوشة متداخلة شديدة الاهتزاز تنبئ عن خلل في موازين تلك المدينة يصعب فهمه وفك شفراته.

مقدمة شديدة البراعة جاءت على يد مخرج متمكن هو طوني سكوت، الممثل المخرج، الذي اسعدنا بعدد لا بأس به من أقوى الأعمال السينمائية في هوليوود لعل أشهرها Enemy of the State وفيلم The Fan. وهي مقدمة تمكن من خلالها من نقلنا لأجواء الفيلم ومن إشعارنا بحجم الخطر المحدق وخطورة القضية التي يناقشها وصدقية ما يطرحه من حقائق ووقائع. بدايته جاءت مشوقة، مثيرة ومفزعة، وكفيلة بوضع أساس لعمل مميز، استحق كل اشادات النقاد التي حصل عليها، فهو المخرج بطريقة مذهلة، وهو افضل افلام العام 2004، وهو كذلك لا يشبه أي فيلم آخر شاهده الجمهور.

هكذا وبعد أن ضمن المخرج مدخلا رائعا ومثيرا لفيلمه، وأعلمنا بواقع الحال في هذه المدينة، كما أشعرنا بحال الفزع التي يعيشها سكانها، الأثرياء منهم على أقل تقدير، والآباء على وجه التحديد، الذين لا يجدون بدّاً من الاستعانة بالحرس الشخصيين لمرافقة ابنائهم في كل صغيرة وكبيرة. يصل جون كريسي الى هذه المدينة كحارس شخصي للصغيرة بيتا راموس، وهو لم يكن بداية راغبا بالعمل كحارس شخصي وخصوصا لطفلة، وإنما قبل به تحت ضغط من صديق عمره رايبورن (كريستوفر والكن) الذي لم يرتضِ حال اليأس والاحباط التي يعيشها صديقه بعد أن اجبر على الاستقالة. لا يحتمل في بداية الأمر تطفل الصغيرة عليه وأسألتها التي لا تنتهي عن حياته، ويبدو معها جافّاً وفظّاً بعض الشيء، لكن سرعان ما تتغير الأمور وتبدأ بين الاثنين صداقة تتقرر على أثرها ردود فعله لاحقاً تجاه ما يحدث لها. يجد كريسي لحياته هدفا آخر بعد أن تقترب منه الصغيرة وتحطم كل الاسوار الدفاعية التي يحيط نفسه بها. لكن أطماع البعض سرعان ما تتجه نحو الصغيرة الوحيدة لتفسد فرحتها بالصديق الجديد، وحياتها عموماً. يتم اختطافها على أيدي عصابة مسلحة، بينما يكاد هو أن يفقد حياته دفاعا عنها، حين يصاب بأربع طلقات قاتلة. لكنه يعود بعدها مصمماً على أخذ ثأر الصغيرة والانتقام ممن آذوها ليتوصل الى حقائق مفزعة تتسبب في صدمة كبرى للمشاهد ولأبطال الفيلم جميعهم على حد سواء.

يصمم كريسي على الانتقام والعودة لدور القاتل أو عميل الاغتيالات، لكنها في هذه المرة ليست اغتيالات سياسية، بل أخرى تصب في صالح المجتمع، أطرافها هو ومجموعة من رجال الشرطة الفاسدين أو عصابة الليرمينداد الذين يشكلون رابطة لها قوانينها التي يحترمها جميع أفرادها ويخلصون لها حتى النهاية.

وعلى رغم الصراع الذي كان يعيشه كريسي والذي تسبب له مسبقا بحالة من الانطواء وجلد الذات، وكان سببه ما ارتكبه مسبقا من اغتيالات، تمكن المخرج من تصويره في مشاهد صاخبة، امتزجت فيها صور غير واضحة من ماضي كريسي مع أصوات صراخ بعض ضحاياه. كان يريد الخلاص من ذلك الماضي لكنه اليوم عاد اليه وبملء ارادته إذ وجد أنه ما من سبيل لتحقيق العدالة سواه، وهو حين تحقيقه لم يسمع اصوات ضحاياه الأوليين بل استرجع صوراً للصغيرة داكوتا، وخصوصا تلك التي كانت آخر ما رآه منها، وسمع أصواتا لم تكن سوى صراخها الأخير حال شد المختطفين لها بالقوة.

هكذا لم يجد بدّاً من اللجوء الى القتل، وكذلك لم يجد المشاهدون حلاً سواه، وتلك براعة شديدة من المخرج في جعل المتفرجين يؤيدون كل سلوكيات بطله بل ويدعونه اليها. جميعنا أردنا الانتقام من القتلة وأردنا قتلهم بالبشاعة التي فعلها كريسي، وخصوصا مع صوت الصغيرة الذي يتردد في أذن كريسي وآذان مشاهديه، وصورتها التي ترتسم في مخيلة كريسي، وتراها عيون مشاهديه.

لم تمت الصغيرة، لكن كريسي فقد حياته ثمنا لانقاذها، ليصبح لحياته معنى أكبر وقيمة تذكر، فهذه الصبية التي لم تتجاوز التاسعة من عمرها علمته منذ بداية صداقتهما حتى النهاية انه لا بأس من أن يعيش على رغم كل ما ارتكبه، ولا بأس من أن يفتح صفحة جديدة يغفر فيها لنفسه كل ما ارتكبه من خطايا وذنوب، على الأقل هذه المرة حين أصبحت الغاية تبرر الوسيلة، وأصبح يحمل هدفا نبيلاً يتمثل في إنقاذ الفتاة وهو ما يبرر انتقامه البشع من قتلتها.

الفيلم رائع بكل ما تعنيه هذه الكلمة، مقنع وعلى درجة عالية من التأثير، وهو بحق واحد من أفضل أفلام الحركة والاثارة الهوليوودية. هو أخيراً وعلى رغم تجنيه على المكسيكيين وهو تجنٍّ مبالغ فيه، أوصل كاتب السيناريو الى الدرجة التي سمحت له بتوريط والد الفتاة في قضية ابنته، وجعل العدالة تتحقق على يد اميركي واحد، إلا أنه على رغم كل شيء فيلم لن تمل مشاهدته

العدد 1503 – الأربعاء 18 أكتوبر 2006م الموافق 25 رمضان 1427هـ

حليم ومأزق السندريلا

منصورة عبد الأمير

على رغم قيام بعض المحطات الفضائية ببث مسلسل درامي يناقش سيرة المطرب المصري الراحل عبدالحليم حافظ، وعلى رغم كل ما يحاط بهذا المسلسل وسواه من المسلسلات التي تناقش سيرة المشاهير من أهل الفن، فإن كثيراً من محبي العندليب الأسمر، لايزالون ينتظرون بفارغ الصبر وصول فيلم «حليم» الى شاشات السينما. هو انتظار قد يطول قليلاً خصوصاً إذا علمنا أن الفيلم لايزال يتنقل بين مختلف المهرجانات، ولاتزال الرؤية غير واضحة فيما يتعلق بموعد عرضه. لكن كل ذلك الانتظار لم ولن يتمكن من أن يقتل رغبة ولهفة جمهور العندليب لمشاهدة أول عمل سينمائي يناقش سيرته الذاتية. وربما يكون الجزء الكبير من تلك اللهفة يعود لكون الفيلم ثاني انتاج تقدمه شركة غود نيوز التي اتحفت الجمهور العربي في وقت سابق من هذا العام، بإنتاجها الأول «عمارة يعقوبيان». وكما هو معلوم فإن ذلك الفيلم، شكل علامة مميزة ونقطة فاصلة في التاريخ الحديث للسينما المصرية. هو بحق رائعة، إن جاز وصفه كذلك، على الأقل لتمكنه من إسترجاع روح أفلام الستينات والسبعينات من القرن الماضي، وهي الفترة التي بلغت فيها السينما المصرية أوج تألقها وقمة نضجها، سواء عبر نصوص أفلامها المتينة البناء، أوعبر مناقشتها الجريئة لكثير من قضايا المجتمع السياسية والاجتماعية بشكل لم يتكرر في تاريخ السينما المصرية. «يعقوبيان» جاء بنص محكم واستعرض بجرأة كبيرة جزءاً من التاريخ الحديث والمعاصر لمصر، وقدم قصة جميلة تمتلئ بكثير من الاسقاطات السياسية على الواقع المصري الراهن اليوم.

بالطبع يكمن السر الأكبر لدى حليم أولاً، قبل غود نيوز ويعقوبيان، فالعندليب الراحل لايزال حيا في الذاكرة العربية ولاتزال أغانيه تحقق أعلى المبيعات في سوق الأغنية العربية التي يصعب اليوم على أي مطرب مهما بلغت قوة ادائه من الصمود فيها. لكن حليم الذي غادر هذه السوق، قبل عقود عدة، لايزال هو الأول، في قلوب كثيرين، ولايزال واحداً من أفضل الأصوات، ولاتزال ألحانه وكلماته وقصة نجاحه تلهم الكثيرين من السائرين على الدرب ذاته.

حليم وغود نيوز هما عاملا نجاح الفيلم الأولان إذاً، لكن ماذا عن بطل الفيلم وعن الممثل الاسطورة، أحمد زكي، الذي يقدم هنا آخر أدواره، بل إنه قدم بعض مشاهد الفيلم التي تصور نهاية حليم، على سرير المستشفى الذي يرقد فيه زكي نفسه وعلى فراش موته!. وليس ذلك بمستغرب من فنان مثل زكي وهو الذي طالما عودنا على تقمص الشخصيات التي يؤديها على الشاشة وعلى تحري أقصى درجات الدقة والواقعية في تقديمها . وهو هنا لا يفعل سوى أن يواصل سيرته تلك إذ يأبى إلا أن يعتمد الواقعية نهجاً له حتى النهاية ليموت وهو يمثل، وليجسد موت حليم بأشد ما يمكن أن تكون الواقعية!

هي عوامل كثيرة إذاً ما يمكن لها أن تضمن للفيلم نجاحاً مدوياً، هذا إلى جانب الدعاية الضخمة التي قامت، ولا تزال تقوم بها، الشركة المنتجة للفيلم، وهي دعاية مدروسة آتت أكلها مع «عمارة يعقوبيان» وأظنها ستفعل الشيء نفسه هذه المرة، خصوصاً إذا وضعنا في الاعتبار اعتماد الشركة عامل التشويق و»التمنع» على المشاهد كنوع من الدعاية للفيلم!

وعلى رغم أن كثير من النقاد ممن حالفهم الحظ لحضور العروض التي اقيمت للفيلم في مختلف المهرجانات، خرجوا بتقييمات سيئة له، ووصفوه بالضعف الدرامي تارة وبالفشل في خلق الانفعال والتعاطف لدى المشاهد تارة أخرى، وبالافتعال مرة ثالثة! باختصار حاولوا إفساد متعة مشاهدته وتنفير المتفرجين المتلهفين منه، قبل أن يرى نور شاشات دور السينما، مع ذلك ظل كثيرون يحملون اللهفة ذاتها! لم يقتل طول الانتظار ولا انتقادات المختصين لهفة المشاهدين إذاً، لكن ما فعل ذلك هو ما لم يكن في حسبان صناع الفيلم، ولم يطرأ على بال أي من المشاهدين ولا حتى النقاد. هناك عاملان تمكنا إلى حد كبير من أن يفسدا الأمور على غود نيوز، وعلى حليم، وحتى على زكي الذي رحل قبل أن يحقق حلمه في تقديم هذا الفيلم أو اتمام تصويره!

اول هذه الاعمال حمل اسم العندليب، بينما جاء الآخر تحت اسم السندريللا. أول هذين العملين جاء مملاً بنصه المشتت الذي لا نعلم إن كان يناقش سيرة العندليب أم يستعرض بعض ارهاصات تلك الفترة من تاريخ مصر. كذلك اعتمد صناع المسلسل بطلاً لا يمت للتمثيل بصلة، تم اختياره لا لشيء سوى لحمله قليلاً من الشبه بحليم، وهو شبه في المظهر فقط. وعلى رغم محاولات هذا الشبيه تقمص روح العندليب، فإن الناتج كان عملاً لا طعم له ولا نكهة فيه ولا حاجة لأي من محبي العندليب لأن يضيعوا أوقاتهم في مشاهدته.

أما العمل الثاني وهو السندريلا الذي يناقش حياة الفنانة الراحلة، سندريلا الشاشة العربية، سعاد حسني، فهوعمل لم يأت ليستعرض قصة نجاح هذه الفنانة المميزة، لكنه جاء ليفضح الكثير…و الكثير من أسرار حياتها الخاصة. هو عمل اشبه بيوميات بابارازي «صحافي فضائح» حاول تتبع بعضاً من حوادث حياتها وجاء هنا ليفضح كل شيء على الشاشة وأمام الملأ. طبعاً كاتب السيناريو عمل على أن يقدم صورة ملائكية للسندريلا لكنه على رغم ذلك لم يتمكن من أن يقدم نفسه سوى على أنه كاتب فضائح، متلصص على حياة البشر وأدق أسرار حياتهم. ما الذي يمكن أن يجنيه المشاهد من وراء معرفة أسرار حياة هذه الممثلة الراحلة والتفرج على أدق تفاصيل حياتها العاطفية والزوجية. وليس ذلك وحسب بل يمكن للمشاهد أن يطلع على أسرار بعض ممن عاصروا الفنانة وممن لايزالون على قيد الحياة، والذين لم يجد صناع المسلسل حرجاً في فضحهم على الشاشة كنجاة الصغيرة، الشقيقة الكبرى للسندريلا التي لا أظن قارئاً لن يدعم موقفها الرافض لما جاء في المسلسل ورغبتها في رفع قضية ضد صناعه. باختصار، لا يمكن احترام صناع المسلسل، بل إن وجودهم يجعلنانسأل عما يمكن أن يكون قد ناقشه فيلم «حليم». هل سنجد أنفسنا مقتحمين لخصوصيات العندليب، حتى وإن رحل، كما حدث مع السندريلا؟ هل سيتعين علينا قضاء ساعات نتعرف فيها على تفاصيل لا تمت بصلة لواقع قصة نجاحه الفني وخلود اسمه في عالم الغناء؟ وهل سيقع صناع فيلم حليم في ذات المأزق الذي وضع فيه صناع مسلسل السندريلا والعندليب أنفسهم، مع الورثة ومع شخصيات العمل ، ومع الجمهور أولاً وأخيراً؟‡

العدد 1503 – الأربعاء 18 أكتوبر 2006م الموافق 25 رمضان 1427هـ

غاوي حب : مغامرة جديدة لفؤاد يخدمها الحظ والظروف

منصورة عبدالأمير 

منذ بدايات إعادة تقديمها في الثمانينات من القرن الماضي، لم تحقق ظاهرة تقديم بعض الوجوه الغنائية الشابة إلى عالم صناعة السينما أي نجاح يذكر. المخرجون ومنتجو تلك الأفلام اعتمدوا حينها على الشعبية الكبيرة لتلك الوجوه في سوق الكاسيت، وطمعوا في تحقيق أرباح تجارية أكبر منها في سوق السينما، وهي سوق يفترض أن تكون عوائدها أكبر وربما أكثر برستيجاً. ولذلك شاهدنا أفلاماً كثيرة لعمرو دياب الذي كان في بداياته حينها، وسمعنا أسماء مثل «آيسكريم في غليم»، و«ضحك ولعب وجد وحب». ثم ظهر مصطفى قمر الذي كان مبتدئا حينها كذلك، وقدم هو الآخر سلسلة من الأفلام… لاقت حظها من الفشل تماما كما حصل لدياب.

حققت أفلام المغنين تلك فشلاً ذريعاً، ربما لأن المنتجين وصناع السينما آنذاك أخطأوا في بناء تخميناتهم وتقييماتهم لرأي الجمهور اعتمادا على ما حققته أفلام المطربين في عقود سابقة من نجاح جماهيري كبير. هؤلاء أغفلوا ان جمهور العقود السابقة كان يتعطش لرؤية مطربته أو مطربه المفضل وهو الذي لم يكن يظهر على شاشة التلفزيون المتواضعة آنذاك في حفلات مصورة أو فيديو كليبات كما حدث بعد ذلك، و.لا يزال لحد الآن الجمهور المتعطش آنذاك كان هو القاعدة الأساس التي بنى عليها مخرجو الأفلام الأولى أفلامهم وهي التي حققت نجاحاً مميزاً.

على رغم ذلك الفشل، وعلى رغم وضوح الصورة منذ البداية لكثير من صناع السينما استمرت تلك الأفلام في الظهور، ولاتزال كذلك حتى يومنا هذا، حتى بدا وكأن هناك من صناع السينما ممن يحملون روح مغامرة عالية تجعلهم يضعون أموالهم في مشروعات يصل احتمال الخسارة فيها إلى , في المئة!

هكذا ظللنا نسمع عن أفلام كثيرة مثل «حريم كريم»، «علمني الحب» وصولا الى «علي سبايسي» الذي تسبب لبطله حكيم بأزمة نفسية لا أظنه سيكون قادرا على تجاوزها في وقت قريب، و«عيال حبيبة» الذي حاول صانعوه تقديم حمادة هلال فيه لكنهم فشلوا وفشل هلال هو الآخر في أن يضيف أي نقاط لرصيده الغنائي أو أن ينجح في تقديم نفسه للسينما.

محمد فؤاد هو الآخر فنان حقق شعبية لا بأس بها على الساحة الغنائية، على الأقل لأغانيه الأولى التي لا تزال علامة مميزة في تاريخه الفني، يأتي على رأسها «الحب الحقيقي» و«أنا لو حبيبك». فؤاد حاول منذ أعوام اقتحام الشاشة الكبيرة، لكنه فشل منذ البداية، لم تنجح أي من أعماله عدا عمل واحد هو «اسماعيلية رايح جاي» الذي حقق نجاحا لا بأس به، وإن كان كثير من النقاد السينمائيين يرجعون سر النجاح ذاك إلى النجم محمد هنيدي الذي تقاسم مع فؤاد بطولة الفيلم.

الآن وبعد تلك الأفلام التي لم تحقق نجاحاً كبيراً، يعود فؤاد في عمل سينمائي جديد، لا يبدو من اسمه وملصق فيلمه وكأنه يمكن أن يقدم أي شيء مختلف أو… مميز، كما لا يمكنه بأي حال من الأحوال تقديم أي اضافة لتاريخ فؤاد الفني. الفيلم الجديد «غاوي حب» يخرجه أحمد البدري الذي لا يتجاوز رصيده الفيلمين هما الى جانب الفيلم موضع الحديث، فيلم «لخمة رأس» الذي عرض العام ، ولم يحقق نجاحاً كبيراً. فيلم البدري الثاني هذا يأتي على خلفية انتقادات قاسية صدرت من بعض النقاد السينمائيين الذين اتهموا فؤاد بعدم الاستفادة من أخطائه في الأفلام السابقة التي لم تتجاوز أرباح أفضلها مليون جنيه مصري، خصوصاً الفيلم الأخير «هو فيه ايه» الذي حقق فشلاً ذريعاً وأصاب بطله بخيبة أمل كبيرة إبان عرضه.

الآن وبعد مرور أعوام على آخر فشل سينمائي لفؤاد الذي يبدو وكأنه تعافى من صدمة فشله فيه، أو انه مطرب ضد الصدمات، نجده يعود وكأنه يأبى إلا أن يكسر قاعدة فشل الفنانين أعلاه، ويتغلب على جميع إخفاقاته السينمائية، ويحقق جماهيرية مساوية لتلك التي حققها في سوق الكاسيت.

لا يمكن التكهن بما إذا كان فؤاد قد درس خطوته تلك جيدا، لكنه من الواضح أنه فعل شيئا بذلك الخصوص، على الأقل نظرا إلى ما حققه الفيلم من أرباح على شباك التذاكر تجاوزت مليون جنيه مصري، وهي سابقة في تاريخ فؤاد.

في هذا الفيلم بدا فؤاد وكأنه يحاول أن يقدم شيئا مختلفا عن كل ما قدمه هو، أو ما قدمه زملاؤه الآخرون. صحيح أنه جاء بقصة اعتيادية ومألوفة في الأفلام الرومانسية المصرية، محورها حبيبان تفرقهما الدنيا ثم تجمعهما الأقدار مرة أخرى. طبعاً لا جديد في ذلك لكن لعله المزج السينمائي الجيد بين الرومانسية في «غاوي حب» مع الإثارة والأكشن، هو ماجعل الفيلم يتفوق على جميع أفلام الموسم الصيفي حينها.

ابطال القصة هم صلاح «محمد فؤاد طبعاً»، وملك التي تقوم بدورها حلا شيحا. تجمعهما قصة حب منذ الصغر، سرعان ما تنتهي ويفترق الاثنان. يحدث اللقاء بعد عاماً مصادفة وفي حفلة غنائية يحييها صلاح، لكن الود يعود حين يحاول الأخير الوصول الى الفتاة، حتى لو تطلب ذلك أن يعرض قصة حبه، وبعض تفاصيل حياته على الملأ عبر برنامج اذاعي ليصل اليها.

فعلاً يتمكن من الوصول لحبيبة طفولته، ليكتشف انها متزوجة، وان زوجها شخص فاسد متورط بتجارة السلاح وغسيل الأموال. هنا تتداخل الرومانسيات مع الأكشن حين يصر صلاح، في اصرار يشبه ذلك الذي يحمله فؤاد على تحقيق نجاح سينمائي، على أن يخلص ملك من براثن هذا الزوج الفاسد.

لا جديد في القصة، ولا في الوجوه المشاركة وهم الى جانب فؤاد وشيحا، رامز جلال وخالد الصاوي، كذلك لا يتميز الاخراج ولا أي من الأمور الفنية الأخرى. ولذلك يظهر السؤال بشأن ما جعل الفيلم يحقق نجاحا ساحقا على شباك التذاكر ويتغلب على كل أفلام الموسم الصيفي في العام الماضي، مثل «درس خصوصي» لمحمد عطية، ولا حاجة للتعليق على هذا الفيلم، ولا على محمد عطية. وكذلك فيلم «اريد خلعاً» وهو فيلم قدمه أشرف عبدالباقي مع حلا شيحا، لكنه بدا لكثيرين من محبي البطلين باهتاً لا قيمة فنية له ولا طعم ولا نكهة فيه.

النقاد حينها بدوا حاقدين على نجاح فؤاد أكثر من اللازم، وسارعوا لتبرير ذلك النجاح، إذ إنهم أكدوا أن ضعف جميع أفلام ذلك الموسم وتدني مستواها الفنية هو ما أدى الى أن يبرز «غاوي حب» من بينها. هكذا كان الحظ حليف فؤاد هذه المرة لتشاء الظروف أن يعرض وسط هذه الأفلام السيئة الصنع والمحتوى، وألا يتلقى أي منافسة تذكر من أي من الأفلام الصيفية.

النقاد استدلوا على كلامهم ودعموا وجهة نظرهم بشأن وقوف الحظ إلى جانب الفيلم، بتوجيههم عدداً من الانتقادات إلى الفيلم أهمها إغفال كاتب نصه السينمائي أحمد البيه نقاطاً كثيرة في سيناريو الفيلم أهمها تضمين لمحة أو خلفية الاجتماعية لأبطال الفيلم على حساب تقديم فيلم رومانسي كوميدي استعراضي مفعم بمشاهد الأكشن وهو ما لم يوفق في ذلك على الإطلاق.

أخيراً أوصى النقاد فؤاد بأن يفكر جيداً في ما يقدمه على الشاشة الكبيرة حتى لا يضيع البريق من حوله ولئلا يفقد حب الجمهور الذي اكتسبه من أغانيه الرومانسية الجميلة وإلا فإن عليه أن يصرف النظر ويركز في ألبوماته حتى لا يخسر الاثنين معاً

العدد 1489 – الأربعاء 04 أكتوبر 2006م الموافق 11 رمضان 1427هـ